النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
(١) كتاب الإيمان
١٧٩ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّكُمْ فِي
زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّيَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ
مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٦٧].
١٨٠ - [٤١] وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ
بَعْدَ هُدَّى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ))، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِوَلِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلاً بَلْ هُرْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: ٥٨
الحال كثرة وقلة، فتكثير (قرون) للتقليل، ويحتمل للتكثير لكثرته في نفسه وإن قلَّت
بالإضافة، ويشبه أن يكون المراد: القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات
ليست مخصوصة، والله أعلم.
١٧٩ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر
به(١)) الحديث، قالوا: ورد هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فالأوامر
لا يسع تركها لأحد، ويحتمل أن يكون بما أمر به السنن والمندوبات سوى الفرائض
والواجبات.
١٨٠ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (إلا أوتوا الجدل) محركة: اللدود في
= سَنَةٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ. وَقِيلَ: مِنَّةٌ، اهـ. وَالأَصَحُّ أَنَّ الْقَرْنَ هَاهُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ،
فَإِنَّ كُلَّ عَصْرٍ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ رَسُولِ اللهِوَهِ يَكُونُ الصُّلَحَاءُ فِيهِمْ أَقَلَّ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَلِذَا قَالَ
عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ)) الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ وَّ فِي
هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيَاً لِلإِسْتِعْجَابِ عَنْ أَصْحَابِهِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ. كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: وَفِيهِ
تَسْلِيَّةٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَقَالَ الثُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ
حَمْدَاً لِلّهِ وَتَحَدُّثاً بِنِعَمِهِ، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصَّ بِهَذَا الْقَرْنِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٦٤).
(١) قال شيخنا نقلاً عن والده: إن المراد منه الكيفيات، كذا في ((التقرير)).

٥٠٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢٥٢/٥، ٢٥٦، ت: ٣٢٥٣، جه: ٤٨].
١٨١ - [٤٢] وَعَن أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ كَانَ يَقُولُ: ((لاَ تُشَدِّدُوا
عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْماً شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ
عَلَيْهِمْ،
الخصومة والقدرة عليها، والمراد به هنا العناد والمراء والتعصب لترويج مذهبهم؛
لأنهم لو تركوا سبيل الهدى واختاروا الضلال سلكوا طريق الجدل، إذ له خاصية في
ذلك بجريان عادة الله تعالی .
وأول الآية: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا ﴾ [الزخرف: ٥٧]، ولما نزل قوله تعالى:
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال المشركون: رضينا
أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد، وذلك مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَعَ
مَثَلًّا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾[الزخرف: ٥٧] أي: يضجون فرحاً بما سمعوه، أو يصدون
عن الحق ويعرضون، ﴿وَقَالُواْءَ أَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أي: عيسى، فإن كان
في النار فليكن معه آلهتنا، أي: ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدال والخصومة
لا لتميز الحق من الباطل؛ لعلمهم أن (ما) لغير العاقل فلا يتناول عيسى، ولهذا قال ◌َله
- على ما قيل - لابن الزِّبَعْرَى الذي جادله: ما أجهلك بلسان قومك، إن (ما) لما
لا يعقل. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] شديد الخصومة.
١٨١ - [٤٢] (أنس) قوله: (لا تشددوا على أنفسكم) فإن التوسط والاقتصاد
هو المحمود، وهو يدوم ويستقيم ويوصل إلى المقصود، والإكثار يورث الملال،
والتشديد يضيع حق النفس وغيره، وخير العمل أدومه، وقد ورد: قليل العمل مع
الدوام خير من كثيره مع عدمه، وقد نطقت به الأحاديث وهو السنّة.

٥٠٣
(١) كتاب الإيمان
فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَةًآبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْتَهَا عَلَيْهِمْ﴾
[الحديد: ٢٧]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٠٤].
وقوله: (فتلك بقاياهم) قال الطيبي(١): تلك إشارة إلى ما في الذهن من تصور
جماعة باقية من أولئك المشددین، والخبر بیان له.
وقوله: (في الصوامع والديار) الصوامع: جمع صومعة بفتح الميم: بيت للنصارى
لدقةٍ في رأسها، والديار جمع دير، وهو خان النصارى، كذا في (القاموس)(٢)، وفيه:
الخان: الحانوت، أو صاحبه، وخان التجّار [معروف]، والحانوت دُكّان الخمّار، في
(الصراح)(٣): دیر کلیسائ رهبانان.
وقوله: (رهبانية ابتدعوها) منصوبة على شريطة التفسير، في (القاموس) (٤):
رهب كعلم رَهْبَةً ورُهْباً بالضم وبالفتح وبالتحريك، ورُهْبانا بالضم ويحرك: خاف،
والاسم الرَّهْبَى، ويضمّ [ويمدّان]، والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره: الرَّهْبة
والرَّهْبانية، والرهبان قد يكون واحداً، والجمع: رهابين ورَهابنة ورَهْبانون، و(لا رهبانية
في الإسلام) هي كالاختصاء، واعتناق السلاسل، ولبس الْمُسوح، وترك اللحم، ونحوها.
وقال البيضاوي: هي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة
إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان(٥). ولعله يريد أن الرُّهبانية بالضم منسوب
إلى الرُّهبان، والفتح من تغيرات النسب، وإلا فركبان جمع راكب بالضم، قال في
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٤٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨١).
(٣) (الصراح)) (ص: ١٧٨).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩).
(٥) ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٢٧٢).

٥٠٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٨٢ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((نَزَلَ الْقُرْآنُ
عَلَى خَمْسَةٍ أَوْجُهٍ: حَلاَلٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلُّوا
الْحَلاَلَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُواْ بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا
بِالأَمْثَالِ)). هَذَا لَفْظُ(الْمَصَابِيحِ). وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (( شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَلَفْظُهُ:
((فَاعْمَلُوا بِالْحَلاَلِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَمَ)). [هب: ٢٣٩٢].
١٨٣ - [٤٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الأَمْرُ ثَلاثَةٌ:
أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيْنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ،
(القاموس): راكب جمعه رُكّب ورُكْبان ورُكوب بضمهن(١). والأظهر ما قال الطيبي(٢):
إن الرهبانية الفعلة المنسوبة إلى الرَّهْبان، وهو الخائف، فَعْلان من رَهِبَ، كخشیان
من خشي، فتدبر.
ثم التشديد يكون بالفعل، وقد يكون بالتعمق في السؤال، كما فعل بنو إسرائيل
في ذبح البقرة.
١٨٢ - [٤٣] (أبو هريرة) قوله: (حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال) هذه
تقسيمات يجتمع أقسامها وليست أقساما متباينة، فإن المحكم قد يكون الحلال
والحرام، وقد يكون الاعتقادیات، فافهم.
١٨٣ - [٤٤] (ابن عباس) قوله: (الأمر ثلاثة) أي: حكم الله تعالى أو شأن
المكلف، والظاهر أن مضمون هذا الحديث هو مضمون قوله وسلم: (الحلال بيِّن
والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات)، والله أعلم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٤٥).

٥٠٥
(١) كتاب الإيمان
وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ (١) فَكِلْهُ إِلَى اللهِ وَْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [لم نجده في ((مسند أحمد))،
ولكن رواه الطبراني في «المعجم الكبير)) (١٠ / ٣١٨، ١٠٧٧٤)].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٨٤ - [٤٥] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُّ الشَّاذَّةَ وَالْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ
وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢٤٣/٥].
١٨٥ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ فَارَقَ
الْجَمَاعَةَ شِبْراً.
الفصل الثالث
١٨٤ - [٤٥] (معاذ بن جبل) قوله: (يأخذ الشاذة والقاصية والناحية) الشاذة
النافرة، والقاصية البعيدة من غير تنفر، والناحية التي بقيت في جانب.
وقوله: (والشعاب) جمع شعب بكسر الشين، وهو ما انفرج بين الجبلين أو
الطريق بينهما، والمقصود عدم الخروج والبعد عن الجماعة والجمهور كما قال:
(وعليكم بالجماعة والعامة).
١٨٥ - [٤٦] (أبو ذر) قوله: (شبراً)(٢) في (القاموس)(٣): الشبر بالكسر ما بين
(١) قَالَ الطَّيِيُّ: يحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَهُ: اشْتَبَهَ وَخَفِيَ حُكْمُهُ، وَيَحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اخْتِلاَفُ الْعُلَمَاءِ،
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ الشَّرْعُ مِثْلَ الْمُتَشَابِهَاتِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٦٨).
(٢) قَالَ الأَبْهَرِيُّ: مُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ تَرْكُ السُّنَّةِ وَاتُبَاعُ الْبِدْعَةِ، اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُفَارَقَةَ الْجَمَاعَةِ
مُتَارَكَةُ إِجْمَاعِهِمْ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٦٩).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٥).

٥٠٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١٨٠/٥،
د: ٤٧٥٨].
١٨٦ - [٤٧] وَعَن مَالِكِ بْنِ أَنَسِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(تَرَكْتُ فِيَكُمْ أَمْرَيْنٍ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِه)).
رَوَاهُ فِي ((الْمُوَطَّأ)). [ط: ٢ /٨٩٩، رقم: ١٥٩٤].
١٨٧ - [٤٨] وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله :
((مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلاَّ رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ،
أعلى الإبهام وأعلى الخنصر.
وقوله: (فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) الربق بالكسر: حبل فيه عدة عرى
يشد به البهم، ويجعل في عنق كل واحد ربقة بالكسر والفتح.
١٨٦ - [٤٧] (مالك بن أنس) قوله: (تركت فيكم أمرين، الحديث) معناه
ظاهر، وسيجيء الكلام فيه في (مناقب أهل البيت) في آخر الكتاب إن شاء الله
تعالی .
١٨٧ - [٤٨] (غضيف بن الحارث) قوله: (غضيف) بضم الغين وفتح الضاد
المعجمتين، ويقال: غطيف بالطاء المهملة.
وقوله: (الثمالي) بمثلثة مضمومة وخِفَّةٍ ميمٍ منسوب إلى ثمالة بن أسلم، كذا
في (جامع الأصول)(١) .
وقوله: (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة) لعل المراد بالمثلية: في
(١) (١٢ / ٢٥٢).

٥٠٧
(١) كتاب الإيمان
فَتَمَسُّكٌ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثٍ بِدْعَةٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤ /١٠٥].
١٨٨ - [٤٩] وَعَنْ حَسَّانَ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلاَّ
نَزَعَ اللهُ مِنْ سُتَتِهِمْ مِثْلَهَا ثُمَّ لاَ يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ .
[دي: ١ / ٥٨].
١٨٩ - [٥٠] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ
وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلاَمِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
....
المقدار والمرتبة، وإذا كان إحداث بدعة رافعاً للسنة كانت إقامة السنة لعل أيضاً
قامعة للبدعة، فالتمسك بالسنة ولو كانت قليلة خير من إحداث بدعة وإن كانت حسنة،
فبالأول يزيد النور، وبالثاني تشيع الظلمة، وهذا مبالغة في قمع البدعة وآثارها، وإلا
فقد عرفت أن من البدع ما هو واجب كتعلم النحو وتعليمه وحفظ غريب الكتاب
والسنة ونحوهما، أو مندوب كبناء الربط والمدارس، ولعل الظاهر أن تحمل البدعة
على البدعة المغيرة للسنة، والله أعلم.
١٨٨ - [٤٩] (حسان) قوله: (وعن حسان) حسان يجيء منصرفاً وغير منصرف،
فعلى الأول من الحُسْنِ، فالألف والنون أصليتان، وعلى الثاني من الحَسِّ، فهما
زائدتان.
وقوله: (ما ابتدع قوم ... إلخ) مضمونه مضمون الحديث السابق مع زيادة عدم
إعادتها إلى يوم القيمة .
١٨٩ - [٥٠] (إبراهيم بن ميسرة) قوله: (من وقر صاحب بدعة) في
(القاموس)(١): التوقير التبجيل (فقد أعان على هدم الإسلام) لأن توقيره وتبجيله
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥٩).

٥٠٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فِي ((شُعَبِ الإِيمانِ)) مُرْسَلاً. [هب: ٩٤٦٤].
١٩٠ - [٥١] وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ
هَدَاهُ اللهُ مِنَ الضَّلَاَلَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَفِي رِوَايَةٍ
قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللهِ لاَ يَضِلُّ فِي الدُّنْيًا وَلاَ يَشْقَى فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ تَلاَ
هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَمَنِ أَتََّعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. رَوَاهُ رَزِيزٌ.
[أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه)» (٦ / ١٢٠)].
١٩١ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: ((ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً
صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَعَنْ جَنَبَّتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفتَحَةٌ، وَعَلَى
الأَبْوَابِ سُنُورٌ مُرَخَةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ
وَلاَ تَعْوَجُوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو،
تأييد وإعانة له، وهو يفضي إلى استخفافٍ لسنَّةٍ عليها مدار قوة الإسلام ورواجه.
١٩٠ - [٥١] (ابن عباس) قوله: (هداه من الضلالة) عدّي بمن لتضمين هدى
معنى أَمِنَ وعصم .
١٩١ - [٥٢] (ابن مسعود) قوله: (ضرب الله مثلاً صراطاً) أي: جعل الله مثلاً
لدين الإسلام وما فيه من المحارم والحدود وأحكام القرآن صراطاً مستقيماً، فقوله:
(صراطاً) مفعول أول لجعل، و(مثلاً) مفعول ثان له، كقوله: ﴿وَأَضْرِبٌ لَهُ مَّثَلًا أَصْحَبَ
اُلْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، والسور حائط المدينة، وأرخى الستر أسدله.
وقوله: (فوق ذلك) أي: فوق الصراط، ويجوز أن يكون إشارة إلى الداعي
الذي عند رأس الصراط .

٥٠٩
(١) كتاب الإيمان
كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئاً مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ! لاَ تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ
إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ)) ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الإِسْلاَمُ، وَأَنَّ الأَبْوَابَ
الْمُفَّحَةَ مَحَارِمُ اللهِ، وَأَنَّ السُّنُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ
الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبٍ كُلِّ مُؤْمِنٍ)).
رَوَاهُ رَزِينٌ وَأَحْمَدُ. [حم: ٤ /١٨٢، ١٨٣].
وقوله: (ويحك) كلمة ترحم وتوجع، وويل كلمة عذاب.
وقوله: (لا تفتحه) يدل على أن تلك الأبواب مردودة، فمعنى قوله سابقاً (أبواب
مفتحة): غیر مغلقة، كذا في بعض الشروح، ویمکن أن یکون إطلاق لا تفتحه باعتبار
الستور، فليست الأبواب مردودة ولا مغلقة بل مفتوحة عليها ستور مرخاة، وكذلك
أبواب المحارم ليست مغلقة ولا مردودة على الناس، وإنما بينهم وبينها ستور، وهي
ستور النهي، فإذا رفعوا تلك الستور ولجوها.
وقوله: (ثم فسره فأخبر) من عطف المفصل على المجمل، و(حدود الله):
الأحكام التي نهى عن قربانها كقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اُللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال
البيضاوي(١): ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما حد من الأحكام.
وقوله: (هو واعظ الله) قال الطيبي(٢): هو لَمَّةُ المَلَك في قلب المؤمن، وقال:
وإنما جعل لمة الملك فوق داعي القرآن؛ لأنه إنما ينتفع بالقرآن إذا كان محلاً له،
وعبارته هذه تدل على أن المشار إليه بذلك في قوله: (وفوق ذلك داع) هو الداعي
الذي عند الصراط كما ذكرنا .
(١) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٢٦١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٥٠).

٥١٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٢ - [٥٣] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي («شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ،
وَكَذَا التِّرْ مِذِيُّ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّهُ ذَكَرَ أخْصَرَ مِنْهُ. [هب: ٧٢١٦، ت: ٢٨٥٩].
١٩٣ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنَّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ
مَاتَ، فَإِنَّ الْخَيَّ.
١٩٢ - [٥٣] (النواس بن سمعان) قوله: (النواس) بفتح النون وتشديد الواو.
(سمعان) بكسر السين وفتحها، كذا في (المغني)(١) عن النووي، وفي (جامع
الأصول)(٢): بكسرها.
١٩٣ - [٥٤] (ابن مسعود) قوله: (من كان مستًّا فليستن)(٣) سن الطريق
واستنها: سارها، أي: من كان يريد أن يسلك طريق الهدى فيسلك طريق الصحابة،
ويقتدي بهم، قاله ابن مسعود في زمانه نصيحة للتابعين .
وقوله: (فإن الحي) أي: الذين هم أحياء من أهل زماننا ماعدا الصحابة، ويحتمل
أن يكون عبارة عن سيرة الشيخين: الصديق والفاروق ظويًا، فإن ابن مسعود مات في
(١) ((المغني)) (ص: ١٥٧، ٢٨١).
(٢) (١٢ / ١٥٨).
(٣) وفي ((التقرير)): قال الآلوسي في ((جلاء العينين)) (ص: ٢٠٤): اختلف في جواز تقليد الميت
على أقوال: أحدها : - وبه قال الجمهور - جوازه، وعبر عنه الشافعي رحمه الله تعالى بقوله:
المذاهب لا تموت بموت أربابها. الثاني: منعه مطلقاً. وعزاه الإمام الغزالي في ((المنخول))
الإجماع الأصوليين. وقال القاري: وَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُوصِي التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ بِالإِقْتِدَاءِ
بِالصَّحَابَةِ، لَكِنْ خَصَّ أَمْوَاتَهُمْ لأَنَّهُ عَلِمَ اسْتِقَامَتَهُمْ عَلَى الدِّينِ وَاسْتِدَامَتَهُمْ عَلَى الْبَقِيْنِ بِخِلاَفِ
مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَيَّا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مِنْهُمُ الإِفْتَانُ وَوُقُوعُ الْمَعْصِيَّةِ وَالعُغْيَانِ، بَلِ الرَِّةُ وَالْكُفْرَانُ لِنَّ
الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ فِي حَقِّهِ ه لِكَمَالِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ٢٧٤) .

٥١١
(١) كتاب الإيمان
لاَ تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ نَّهَ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ،
أَبَّهَا قُلُوباً، وَأَعْمَقَهَا عِلْماً، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفاً، اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِّهِ وَلِإِقَامَةِ
دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَأَتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ أَخْلاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَي الْمُسْتَقِيمِ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
[أخرجه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢ / ٩٧)].
١٩٤ - [٥٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ وَيه
بِنُسْخَةٍ مِنَ الثَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ الثَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ،
فَجَعَلَ يَقْرَأْ وَوَجْهُ رَسُولِ اللهِنَّهِ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ !...
أواخر زمن عثمان سنة اثنين وثلاثين، ولكن قوله: (أولئك أصحاب محمد) يدل على
تعميم الصحابة، والله أعلم.
وقوله: (وأعمقها علماً) عمَّق النظر في الأمور: بالَغَ وتأمل.
وقوله: (تكلفاً) أي: تصنعاً ومراياةً للخلق ومراعاةً للرسوم والعادات المتعارفة
فیما بین الناس .
وقوله: (اختارهم الله لصحبة نبيه) يعني: لما جعلهم الله أصحاب النبي (وَلقوله
واصطفاهم من بين الخلائق بهذه الفضيلة عُلم أنهم أفضل الناس وأخيار الخلق ممن
بعدهم تلميحاً إلى قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الفتح: ٢٦].
١٩٤ - [٥٥] (جابر) قوله: (بنسخة من التوراة) نسخ الكتاب: كتبه عن
معارضةٍ، كانتسخه واستنسخه، والمنتسخ منه النسخة .
وقوله: (ثكلتك الثواكل) جمع ثاكلة، وهي المرأة التي مات ولدها، وقد سبق

٥١٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
مَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ مَّهِ فَقَالَ:
أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ وَغَضَبٍ رَسُولِهِ نَّه رَضِيِنَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ
دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدَا
لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا
وَأَدْرَكَ نُبَُّّتِي لاَتَّبَعَنِي)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١١٥،
١٩٥ - [٥٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: «كَلاَمِي لاَ يَنْسَخُ كَلَامَ
اللهِ، وَكَلَامُ اللهِ يَنْسَخُ كَلاَمِي، وَكَلَامُ اللهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضاً».
١٩٦ - [٥٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ أَحَادِيشَا
يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضاً كَنَسْخِ الْقُرْآنِ» .
١٩٧ - [٥٨] وَعَنْ أبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ:
تحقيق معناه في (كتاب الإيمان) [برقم: ٢٩].
وقوله: (ما ترى) (ما) نافية بحذف حرف الاستفهام، وفي قوله: (ما بوجه)
موصولة أو موصوفة .
١٩٥، ١٩٦ - [٥٦، ٥٧] (جابر، ابن عمر) قوله: (كلامي لا ينسخ كلام الله)
قد ثبت عند الحنفية أن الحديث يكون ناسخاً للكتاب، فالمراد بـ (كلامي) ههنا: أي:
ما أقوله اجتهاداً ورأياً، أو المراد نسخ تلاوة الكتاب، أو يكون هذا الحديث منسوخاً،
ولو حمل قوله: (كنسخ القرآن) في حديث ابن عمر الآتي على معنى نسخ الأحاديث
القرآنَ بإضافة المصدر إلى المفعول لكان ناسخاً لهذا الحديث، والله أعلم.
١٩٧ - [٥٨] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (الخشني) بضم الخاء وفتح الشين

٥١٣
(١) كتاب الإيمان
قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ
فَلاَ تَنْتُهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ
فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا)). رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ الدَّارَ قَطْنِيُّ. [قط: ٤ /١٤٥، ١٨٤].
المعجمتين بعدهما نون منسوب إلى خشن بطن من قضاعة.
وقوله: (فلا تنتهكوها) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، والنَّهْكُ مبالغة في
كل شيء، يقال: نَهَكْتُ الدابة حلباً: إذا لم تُبُق في ضرعها لبناً، وفي الحديث: (لينتهك
الرجل بين أصابعه أو لتنتهكنّه النار)(١) أي: ليبالِغْ في غسل ما بينهما في الوضوء أو
لتبالغن النار في إحراقه، وحديث: (انهكوا أعقابكم أو لتنهكتّها النار)(٢)، أي: بالغوا
في غسلها وتنظيفها، و(انهكوا وجوه القوم)(٣) أي: ابلغوا جهدكم في قتالهم، وحديث:
(انهكوا الشوارب)(٤) أراد الاستئصال في قص الشوارب، وحديث: (تنتهك ذمة الله
وذمة رسوله)(٥) يريد نقض العهد والغدر بالمعاهدة، وغير ذلك من المواضع.
تم كتاب الإيمان بعون الملك المنان، ويتلوه كتاب العلم، وبالله التوفيق.
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٦٨)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٢١١، ٩٢١٢)، وانظر:
((النهاية)) (٥/ ٢٨٨).
(٢) انظر: ((النهاية)) (٢٨٨/٥).
(٣) ((النهاية)) (٥/ ٢٨٨).
(٤) أخرجه البخاري (٥٨٩٣).
(٥) أخرجه البخاري (٣١٨٠).

كِتَابُ الْعَالِ
(٢)

(٢)
كِتاب العَالِ
٢ - كتاب العلم(١)
العلم يطلق على معان أعمها حصول صورة الشيء في العقل يعم التصور والتصديق
الجازم وغير الجازم والمطابق وغير المطابق الثابت وغير الثابت والكلي والجزئي، ثم
قد يخص بالتصديق وبالجازم منه وباليقين، والمراد ههنا العلم الديني مما يتعلق بالكتاب
والسنة، وهو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: ١١] وبأمثال ذلك مما
ورد في فضل العلم، وربما يشمل العلوم الآلية التي يتوقف معرفة الكتاب والسنة عليها
أو يكمل ويتم بها كعلوم العربية، قال الشيخ الإمام أحمد بن زَرّوق(٢) في مقدمة (شرح
(١) أَيْ: فَضْلُهُ وَفَضْلُ تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَبَيَانُ مَا هُوَ عِلْمٌ شَرْعاً، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ
ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ الإِعْتِصَامِ مِنْ بَابِ الثَّعْمِيمِ بَعْدَ الْتَّخْصِيصِ، وَالْعِلْمُ نُورٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مُقْتَبَسٌ
مِنْ مَصَابِيحٍ مِشْكَاةِ النُُّوَّةِ مِنَ الأَفْوَالِ الْمُحَمَّلِيَّةِ، وَالأَفْعَالِ الأَحْمَدِيَّةِ، وَالأَحْوَالِ الْمَحْمُودِيَّةِ،
يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اللهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنْ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ الْبَشَرِ فَهُوَ كَسْبِيُّ، وَإِلَّ فَهُوَ
الْعِلْمُ اللَّدُنِيُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى الْوَحْيِ وَالإِلْهَامِ وَالْفَرَاسَةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٨٠).
(٢) هو أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البُرُلُّسي، شهاب الدين، أبو العباس، المعروف
بزرّوق، الفاسي المالكي، ولد سنة (٨٤٦هـ)، وتوفي سنة (٨٩٩هـ)، فقيه محدث صوفي،
له تصانيف كثيرة، منها: الفتوحات الرحمانيه في حل ألفاظ الحكم العطائية. انظر: ((هدية
العارفين)) (١/ ٧٣)، و((الضوء اللامع)) (١ / ١٤١).

٥١٨
(٢) كتاب العلم
الحكم): العلم إما أن يكون مراداً للتشدق كالمنطق والجدل ونحوه مما غاية القصد
به إفحام الخصم ونحوه، وهذا متروك عند ذوي الدين إلا من حيث إنه كمال في ذاته
أو معين على غيره.
وإما أن يكون مراداً للتخلق كالتصوف على طريق الإمام أبي حامد الغزالي
والمحاسبي وغيره، فلا ينبغي أن يهمل علمه ولا يقتصر دون عمل به وإن قل؛ لأنه
مقصده، فإن تعذر علمه أو قصر دونه فلا يبطل علمه، إذ لو شرط في العلم العمل لما
صح تعلمه للزوم الدور وما هو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو شرط
الاتصاف فيه لبطل، وبطلانه باطل للزوم ارتفاعه لذلك.
وإما أن يكون مراداً للتحقق كالمعارف والأحوال، وهي أمور خاصة لمخصوصين،
وفيها وقع الغلط لخلق كثير باعتبار حقائقها، وباعتبار ادعائها، فلزم الوقوف مع المبادئ*
في الأول؛ لأن السير والسلوك إنما هو لتحقيقها وكمالها وليس ثمة غيرها، ومن فهم
غير ذلك فقد ضلّ وأضلّ، فكل ما لا يصح أصله في المبادئ لا يقبل في المناهي،
ولزم التوقف عن القبول في الثاني حتى لا يشك فيه لكثرة الغلط، والله أعلم.
وإما أن يكون مراداً لهما كالفروع الفقهية والأحكام العملية ويتعين قصد الأفضل
بها، وإلا لكانت وبالاً على صاحبها، ولإسراع المفاسد للقصد فيها منع المشايخ اشتغال
المريد بها وحذروا من الإكثار منها، لأنها يشعب الذهن ويشغله ولكن ذو الحقيقة
لا يزيده إلا كمالاً، فلزم الاعتناء بها مع تصحيح النية في المعاوضة وإعطاء كل وقت
حقه، والله أعلم، وهذا كلام جامع مفيد شامل للظاهر والباطن، قال شيخنا ومولانا
سيدي الشيخ عبد الوهاب المكي المتقي رحمة الله عليه ونفعنا الله ببركات علومه:
ولا يقدم علم الباطن على الظاهر، ولا يكتفي بالظاهر عن الباطن، وبالله التوفيق.

٥١٩
(٢) كتاب العلم
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٩٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((بَلَغُوا عَنِّى
وَلَوْ آيَةً،.
الفصل الأول
١٩٨ - [١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (بلغوا عني) قيل: يفهم من الحديث
اتصال السند بنقل العدل والثقة عن مثله إلى منتهاه وأداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير؛
لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته، ولوقوع (بلغوا عني) مقابلاً لقوله:
(حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج
والتضييق، انتهى. ويمكن أن يكون وجه فهم هذا المعنى من التبليغ من جهة أن في
التبليغ معنى الجودة والبلوغ إلى الكنه، يقال: شيء بليغ جيد، والبليغ الفصيح يبلغ
بعبارته كنه ضميره، هذا، والظاهر أن المراد الاتصال، واشتراط اتصال السند والأداء
من غير تغير يفهم من مواضع أخر.
وقوله: (ولو آية) الظاهر أن المراد القرآن أي: ولو كانت آية قصيرة من القرآن،
والقرآن مبلَّغ عن رسول اللهَ وَّر؛ لأنه الجائي به من عند الله، ويفهم منه تبليغ الحديث
بالطريق الأولى؛ فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفّل الله سبحانه بحفظه، لمَّا
أمرنا بتبليغه، فالحديث أولى به، وقد يراد بها الكلام المفيد(١) فائدة شريفة شاملة بكون
(١) قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلاَمُ الْمُفِيدُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ لَفْظُ
الآيَةِ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْحُكْمُ الْمُوحَى إِلَيْهِ،فَهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَثْلُوَّةِ وَغَيْرِهَا بِحُكْمِ
عُمُومِ الْوَحْيِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، أَوْ لِأَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرِهِ فَهُوَ آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، فَإِنَّ
ظُهُورَ مِثْلِ هَذِهِ الْعُلُومِ مِنَ الأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٨١).

٥٢٠
(٢) كتاب العلم
وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ،
آية دالة على عظم معناه المراد به كالأحاديث التي هي من جوامع الكلم، وبذلك يشعر
كلام الطيبي، والحق أن كل أحاديثه . كذلك، فيكون المعنى ولو حديثاً واحداً، ويعتذر
على هذا الوجه من تخصيص التحريض على التبليغ بالأحاديث لعدم الحاجة إليه في
تبليغ القرآن لما ذكر، ولا يخفى بعد ذلك، وأبعد منه حمل الآية على العلامة بمعنى
كون المبلغ فعلاً أو إشارة باليد والأصابع ونحو ذلك وإن كان فيه تتميم ومبالغة في
المقصود، هذه حاصل ما ذكره الطيبي (١) مع تنقيح وتلخيص لمقصوده.
وقوله: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) قال التُّورِبِشْتِي(٢): يحتمل أن القوم
لما سمعوا قول النبي وَّ: (أَمُتَهَوَّكُوْنَ أنتم؟) تحرجوا عن التحديث عن بني إسرائيل،
فرخص لهم في الحديث عنهم، ويحتمل أنهم تعجبوا بما حدثوا به عن بني إسرائيل
من جلائل الأمور وعظائم الشؤون حتى تحرجوا عن التحدث به، خشية أن يفضي بهم
ذلك إلى التفوه بالكذب، فقالوا: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، فقد كان فيهم
الآيات الغريبة والوقائع العجيبة، انتهى.
أشار إلى أن المراد التحدث بالقصص والمواعظ والحكم والأمثال دون الشرائع
والأحكام لنسخها ووقوع التحريف فيها، وقيل: هذا بعد قوة الإسلام، والنهي كان
قبلها، وإلى أن المراد بقوله: (لا حرج) أي: لا تضيق لوجوب الاحتياط في ذلك؛ لأن
المقصود العبرة والاتعاظ على نحو ما تقرر أنه يعمل بالحديث الضعيف في فضائل
الأعمال، وقد يقال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: (لا حرج) إن لم تحدثوا؛ لأن
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٥٥).
(٢) ((کتاب المیسر)) (١ / ٩٦).