النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
(١) كتاب الإيمان
أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ
فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ
رَسُولُ الله كَمَا حَرَّمَ اللهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ.
تماثل القرآن في كونها وحياً، غير أن الوحي نوعان: متلو يتعلق بألفاظه أحكام كصحة
الصلاة به، وحرمة المس للمحدث والجنب، وغير متلو لا يكون كذلك، ومراتب
الوحي وطرقه سنذكره في (كتاب الرؤيا).
وقوله: (ألا يوشك) في (القاموس)(١): وشك الأمر ككرم: سَرُعَ، وأوشك:
أسرع السير، ويوشك لا تفتح شينه، أو لغة رديَّةٌ.
وقوله: (شبعان) وصفه به لأن الحامل له على هذا القول البطر والحماقة،
ومن موجباته التنعم والترفه، والشبع یکنی به عن ذلك.
وقوله: (على أريكته) حال أو صفة ثانية.
وقوله: (إن ما حرم رسول الله) هذا كلامه وَ*، وهو الأظهر، ووضع المظهر
موضع المضمر لإدخال الرُّوع وتقويةً للداعي إلى الامتثال، كقول الخلفاء: أمير
المؤمنين يأمرك بكذا .
وقيل: هو من كلام الراوي، ولهذا زيد في بعض النسخ لفظ (صلى الله عليه
وسلم)، وهو بعيد، وقد خط على هذا اللفظ في النسخ المصححة، ثم في بعض
النسخ كتب (إنما) متصلاً بمعنى ما وإلا، وفي بعضها: (وإن ما) منفصلاً وخبر (إن):
(كما).
وقوله: (ألا لا يحل ... إلخ) بيان لبعض الأمثلة لما ثبت بالسنة وليس في
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨١).

٤٨٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
لَكُمْ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ لُقَطَهُ مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ
يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا،
القرآن .
وقوله: (ولا لقطة معاهد) اللقطة بضم اللام وفتح القاف اسم للمال الملقوط،
والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب، وقيل: هو اسم للملتقِط
كالضُحَكة، والملقوطُ بسكون القاف، والأول أكثر وأصح، وقيل: هو بفتح قاف
وسكونها: الملقوط، بخلاف القياس فإن الفتح قياساً للَّاقط، وبفتحتين أيضاً لغة،
كذا في (مجمع البحار)(١).
والمعاهد يجوز كسر هائه وفتحها، والفتح أشهر وأكثر، [وهو] من كان بينه
وبينك عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على الذمي، أي: لا يجوز أن يتملك لقطته
الموجودة من ماله لأنه معصوم المال، والعهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة
والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية، ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، كذا في (مجمع
البحار)(٢) .
وقوله: (إلا أن يستغني عنها صاحبها) قال الطيبي(٣): معناه: إلا أن يتركها صاحبها
لمن أخذها استغناءً عنها، وقيل: معناه إلا أن يكون شيئاً حقيراً خسيساً يستغنى عنه
عادة، وقد يباح التصرف في اللقطة إذا كان شيئاً يسيراً خسيساً يستغنى عنه، وسيأتي
تفاصيل أحكام اللقطة في بابها .
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥١٢).
(٢) «مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٧١١)، وانظر: ((النهاية)) (٦١٣/٣).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٢٥).

٤٨٣
(١) كتاب الإيمان
وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ»،
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: ((كَمَا
حَرَّمَ اللهُ)). [د: ٤٦٠٤، دي: ١ / ١١٤، جه: ١٢].
وقوله: (ومن نزل بقوم) هذا أيضاً مما حكم به رسول الله وَلخير، وليس له ذکر
في القرآن، إلا أنه قد قيل: إنه ليس بمحرم، ولذا أخرجه من سياق المنهيات، ولم
يقل: إنه لا يحل للمضيف أن لا يكرم ضيفه، بل مكروه وخارج عن سمت المروة؛
لأن قرى الضيف ليس بواجب، فعلى هذا كلمة (على) ليس للوجوب، بل المراد: على
طريق السنة والاستحباب.
وقيل: كان واجباً في أول الإسلام ولهذا قال: (فإن لم يقروه) بفتح الياء وضم
الراء من قَرَى الضيفَ قِرِّى بالكسر والقصر، والفتح والمد: أضافه.
وقوله: (فله أن يعقبهم) من الإعقاب، وقد يجعل من التعقيب أن يعقِّبهم
ويجازيهم من صنيعهم، أي: يأخذ منهم بدلاً مما فاته، ثم نسخ لفرضية الزكاة.
وقال الُّورِبِشْتِي(١): قد كان رسول الله وَّ يبعث السرايا، وكانوا سكان البوادي
والمفاوز لا يقام لهم سوق، فشدد عليهم في القِرى ليقيموا للسرية الغاربة ما يبلغون
به، ولعل الأمر بأخذ مقدار القِرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي
شرعت في الأموال زجراً للمتمردين، كالأمر بتحريق متاع الغالِّ، وأخذ نصف المال
من مانعي الزكاة، انتهى.
وقيل: هذا في المضطر الذي لا يجد طعاماً ويخاف على نفسه التلف.
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٨٧).

٤٨٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٤ - [٢٥] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فَقَالَ:
(يَحْسِبُ أحَدُكُمْ مُتَّكِأَ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللّهَلَمْ يُحَرِّمْ شَيْئاً إِلَّ مَا فِي هَذَا
الْقُرْآنِ، أَلاَ وَإِنِّي وَاللهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنَ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ
أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّ بِإِذْنٍ،
وَلاَ ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلاَ أَكْلَ ثِمَارِهِمْ.
١٦٤ - [٢٥] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة
وسكون الراء بعدها موحدة في آخره ضاد معجمة.
وقوله: (أيحسب) بفتح السين وبكسرها .
وقوله: (يظن) بدل من يحسب، وفيه من التأكيد ما لا يخفى.
وقوله: (عن أشياء) متعلق بـ (نهيت)، ومتعلَّق (أمرت ووعظت) محذوف، صرح
بذکر متعلق (نهیت) اهتماماً بذکره، وبیان تعدده و کثرته لهذا المنهيات دون ما وراءها،
و(أو) في قوله: (أو أكثر) بمعنى الواو، ويحتمل أنه وَّه لم يبين له في هذا الوقت
مقداره ولم يتعين فلذلك تردد، والله أعلم.
وقوله: (وإن الله لم يحل لكم) أي: على لساني (أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب)،
ولا يخفى أن النهي عن دخول البيوت بغير إذن أهلها مذكور في القرآن بقوله تعالى:
﴿ وَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَاتَدْ خُلُواْبُيُوتًّا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧] بمعنى تستأذنوا،
لعله مخصوص ببيوت المؤمنين، أو الآية نزلت بعد حكمه وَلير، والله أعلم. أو المراد
أن مجموع هذا الكلام - أعني عدم إيذاء أهل الكتاب في المسكن والأهل والمال -
معلوم من الحديث دون القرآن، أو لأن المآل إلى حكم واحد، وهو عدم إيذائهم إذا
أعطوا ما عليهم، وهذا الحكم ليس بمذكور في القرآن.

٤٨٥
(١) كتاب الإيمان
إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةً
المِصِّيصِي قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ. [٥: ٣٠٥٠].
١٦٥ - [٢٦] وَعَنْهُ: قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِوَهِ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، .
وقوله: (إذا أعطوكم الذي عليهم) وهو الجزية، وإنما ذكرها بهذه العبارة
دلالة على أن التعرض لأحد بعد أداء الواجب مما لا ينبغي ولا يجوز.
وقوله: (رواه أبو داود ... إلخ) في نسخة الأصل ههنا بياض، ولكنه قد وقعت
كتابته في المتن من الناسخين كما أشرنا إليه في شرح ديباجة الكتاب.
وقوله: (وأشعث) بالشين المعجمة والثاء المثلثة، و(المصيصي) بكسر ميم وشدة
صاد مهملة أُولى، ويقال: بفتح ميم وخفة صاد نسبة إلى مدينة، وفي (القاموس)(١):
المصيصة کسفینة: بلد بالشام ولا يشدد.
وقوله: (قد تكلم فيه) في (الكاشف)(٢): أشعث بن شعبة روى عن إسرائيل
وجماعة، وروى عنه أبو طاهر بن السرح وجماعة، وثَّق، وفي حاشيته: هو أبو أحمد
المصيصي، قال أبو زرعة: لين، وذكره ابن حبان في (الثقات).
١٦٥ - [٢٦] (عنه) قوله: (موعظة بليغة) قال البيضاوي(٣) في تفسير قوله
تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيفًا ﴾ [النساء: ٦٣]: يبلغ منهم ويؤثر فيهم،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٢).
(٢) ((الكاشف)) (رقم: ٤٤١).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٤٦٨).

٤٨٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ
هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، ..
والقول البليغ هو الذي يطابق مدلولُه المقصودَ به، وفي (القاموس)(١): ثناء أبلغ:
مبالغ فيه، وشيء بالغ: جيد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كُنْهَ ضميره، وعلى هذا
يمكن أن يكون وصفُ الموعظة بالبليغة وصفاً للشيء بصفة صاحبه.
وقوله: (ذرفت منها العيون)(٢) في (القاموس)(٣): ذرف الدمع يَذْرِفُ ذَرْفاً
وذَرَفَاناً [وذروفاً] وذريفاً وتَذْرافاً: سال، وذرفت عينه: سال دَمْعُها، والعينُ دَمْعَها :
أسالَتْهُ، والدَّمْعُ مَذْروفٌ وذَرِيفٌ، والمذَارِفُ: المَدَامِعُ.
وقوله: (ووجلت منها) أي: خافت منها (القلوب) يعني أن تلك الموعظة
أثرت في الظاهر والباطن .
وقوله: (موعظة مودع) بلفظ اسم فاعل من التوديع، والمودِّع لا يترك من وصيته
عند توديعه شيئاً.
وقوله: (بتقوى الله والسمع والطاعة) إشارة إلى أن قبول حكم الأمراء وإطاعتَهم
إنما يكون فيما يوافق حكم الله ورسوله لا فيما يخالف.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١٩).
(٢) قَالَ الطَّيِيُّ: ذَرَفَتْ، أَيْ: سَالَتْ، وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْعُيُونِ مُبَلَغَةٌ، وَفَائِدَةُ تَقْدِيمٍ ذَرَفَتْ عَلَى وَجِلَتْ
وَحَقُّهُ التَّْخِيرُ لِلإِشْعَارِ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوْعِظَةَ أَثَّرَتْ فِيهِمْ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِهِمْ ظَاهِراً وَبَاطِناً اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْخِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ
يُقَالَ: وَجْهُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، يُسْتَدَلُّ بِالدَّمْعَةِ عَلَى الْخَشْيَةِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُوجِبَةً
لِلدَّمْعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٥١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٨).

٤٨٧
(١) كتاب الإيمان
وَإِنْ كَانَ عَبْدَاً حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً،
فَعَلَيْكُمْ بِسُتَِّي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُوا عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ
ضَلَاَلَةٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرًا:
الصَّلاَةَ. [حم: ١٢٦/٤ - ١٢٧، د: ٤٦٠٧، ت: ٢٦٧٦، جه: ٤٣].
١٦٦ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا.
وقوله: (وإن كان عبداً حبشياً) فيه مبالغة على الفرض والتقدير، أو المراد: لو
ولاَّه الخلیفة وجب إطاعته.
وقوله: (فإن من يعش منكم بعدي ... إلخ) وفي طاعة الأمراء أمن من الفتنة
الناشئة من الاختلاف، وأراد بالخلفاء الراشدين الخلفاء الأربعة، ففيه أن بعضاً من
سنته وية لا يَشتهر في زمانه وإن علمه الأفراد من صحابته، ثم يَشتهر في زمن الخلفاء
الراشدين فيضاف إليهم، فربما يستذرع أحد إلى رد تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق
القول باتباع سنتهم سدًّا لهذا الباب، ومن هذا النوع منع عمر ظه عن بيع أمهات
الأولاد، وله نظائر كثيرة. فما حكموا به ولو باجتهادهم فهو سنة موافق لسنته ويلچ،
ولا يطلق عليه البدعة كما يفعله الفرقة الزائغة، والذين بعد الخلفاء في حكمهم إذا
حکموا بالحق لا فيما ابتدعوا بأهوائهم.
و(النواجذ) أقصى الأضراس وتسمى أضراس الحلم لأنها تنبت بعد البلوغ، وهي
أربعة في أقصى الأسنان، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها،
جمع ناجذ، والنجذ شدة العض، ویکنی به عن شدة التمسك.
١٦٦ - [٢٧] (عبدالله بن مسعود) قوله: (خطّ لنا) أي: لأجلنا تمثيلاً وتفيهماً

٤٨٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
رَسُولُ اللهِوَِّ خَطَّا، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ اللهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِينِهِ
وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: ((هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ...
(هذا سبيل الله) وهو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح مع مراتب ودرجات فيها، (ثم
خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله) وهي الطرق الزائغة المائلة عن الطريق المستقيم
والسبيل القويم التي اخترعتها أهل البدع والأهواء، لكنها لما كانت راجعة إلى الطريق
الوسط ومجتمعة معها لم يكن سالكوها كفاراً؛ لرجوع هؤلاء إلى أصل الكتاب والسنة
وكونهم مؤمنين بها، فالحق عدم تكفير أهل القبلة، وهذه بعينها توجد في الطرق
المحسوسة، فترى واحداً يسلك الطريق المستقيم المتوسط ولا ينحرف إلى يمين
وشمال، وآخرين ينحرفون ويزيغون عنها، ثم يرجعون إلى الطريق الكبرى المستقيم
قريباً وبعيداً، فهذا أمثال أهل البدع والأهواء من المسلمين، وأصل مقصدهم هو المقصد
الذي يقصده سالك الصراط المستقيم لكن ضلوا في الطريق، ومثل الكافر كمن يمشي
مستدبراً للطريق المستقيم، فطريق الحق وراء ظهره، والمبتدع على جانب منه يميناً
أو شمالاً .
ثم إنه لم يذكر في الحديث عدد الخطوط التي على اليمين والشمال ولم يصرحوا
به الشراح فيما رأينا سوى ما ذكر في (المدارك)(١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [الأنعام: ١٥٣] أنه روي
أن رسول الله والم خطّ خطاً مستقيماً مستوياً، ثم قال: (هذا سبيل الرشد وصراط الله
فاتبعوه، ثم خطّ على كل جانب ستة خطوط ممالة، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل
منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها) وتلا هذه الآية، ثم يصير كل واحد من اثني عشر
(١) ((مدارك التنزيل)) (١/ ٣٥٦).

٤٨٩
(١) كتاب الإيمان
وَقَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ﴾ الآيَة [الأنعام: ١٥٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: ١ / ٤٣٥، ٤٦٥، س في الكبرى: ١١١٧٤، دي: ١ / ٦٧].
طريقاً ستة طرق فيكون اثنين وسبعين، انتهى.
قلت: قد علم من الحديث افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة لكن لا بهذا الطريق
المذكور بأن يكون أصولها اثني عشر، ثم يصير كل منهم ستة، بل ذكر في (المواقف)(١):
أن كبار الفرق ثمانية: المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة والنجَّرية والجبرية والمشبِّهة
والناجية، ثم جعل المعتزلة عشرين، والشيعة اثنين وعشرين، والخوارج عشرين،
والمرجئة خمساً، والنجارية ثلاثاً، ولم يفرق الجبرية والمشبِّهة، فهذه اثنان وسبعون،
والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، فليس الأمر كما ذكر في (المدارك)، والله
أعلم.
فإن قلت: كيف يعلم سبيل الله والسالك بها وسبل الشيطان والواقفون فيها؟
قلت: يعلم ذلك من نقل المتواتر والفحص عن أحوال السلف الصالح من
الصحابة ومن بعدهم، وقد علم يقيناً أن هذه البدع في المذاهب والأقوال حدثت بعد
الصدر الأول، والصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكونوا على ذلك وكانوا متبرئين
عنها وعن أهلها، رادين عليهم مذاهبهم، رادعين لهم عنها، والمحدثون من أصحاب
الكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة المعتمدة المعول عليها في الإسلام، والأئمة
الفقهاء، وأرباب المذاهب الأربعة، ومن هم في طبقتهم، كانوا على ذلك، وأن الأشاعرة
والماتريدية إنما أبدوا مذهب السلف وأثبتوها بدلائل عقلية ونقلية، ولذلك سُموا أهل
السنة والجماعة؛ لأخذهم بما ثبت من سنة رسول الله وَ﴾، وجرت عليه جماعة
(١) (٣ / ٦٥١).

٤٩٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٧ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لاَ يُؤْ مِنُ
أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ».
الصحابة، وما نطق به الحديث النبوي من قوله: (الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي)
صادق عليهم، وهم المصدوق عليهم له؛ لأنهم مقتدون بما روي عن النبي وَّه
وأصحابه له، ولا يتجاوزون عن ظواهر النصوص إلا لضرورة غير مسترسلين مع
عقولهم وآرائهم، بخلاف من عداهم من المعتزلة ومن يحذو حذوهم ممن تشبث
بالفلسفة واسترسل بآرائهم وأوهامهم.
وأن الأوائل من المشايخ الصوفية الزاهدين في الدنيا، المرتاضين في تزكية
نفوسهم وتصفية قلوبهم، المجتهدين في السنة والاتباع، كلهم كانوا على هذا المذهب،
ولقد ذكر صاحب (التعرف)(١) - وهو كتاب معتبر معتمد في مذهب الصوفية حتى قال
الشيخ شهاب الدين السهروردي في شأنه: لولا (التعرف) ما عرفنا التصوف - إجماع
الصوفية على عقائد وأقوال هي بعينها مذهب السنة والجماعة.
وبالجملة: السواد الأعظم في دين الإسلام هو هذا المذهب عرف من نظر بعين
الإنصاف وتجنب عن التعصب والاعتساف، والله يقول الحق ويهدي السبيل.
١٦٧ - [٢٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكمل إيمان
أحد ولا يحصل له حقيقة الإيمان (حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) في العمل
والاعتقاد، فلا يغلّب الهوى عند معارضة داعية الحق وداعية الهوى، ولم يقل: ينتفي
هواه وينعدم الهوى، فإن ذلك ليس بممكن، وليس كمالاً، بل الكمال أن يكون باقياً
(١) هو للشيخ أبي بكر محمد بن إبراهيم البخاري الكلاباذي، المتوفى سنة ثمانين وثلاث مئة،
انظر: ((كشف الظنون)) (١ / ٤١٩).

٤٩١
(١) كتاب الإيمان
رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةَ() وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ»: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَيْنَهُ
فِي ((كِتَابِ الْحُجَّةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [شرح السنة: ١/ ٢١٢، ٢١٣، رقم: ١٠٤].
١٦٨ - [٢٩] وَعَنْ بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ:
((مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ أُجُورٍ مَنْ
عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلاَلَةً
لاَ يَرْضَاهَا اللهُ وَرَسُولُهُ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ
مِنْ أوْزَارِهِمْ شَيْئاً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٧].
وتابعاً للحق وموافقاً ومسلِّماً له وراضياً به، كما دل عليه قوله: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُ وافِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾
[النساء: ٦٥]، وقوله مُّية: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد
نبياً)(١) وإن أُريد بالتبعية لما جئت به اعتقادُ حقِّيَّته بَّهِ جاز الحمل على نفي أصل
الإيمان .
١٦٨، ١٦٩ - [٢٩، ٣٠] (بلال بن الحارث المزني) قوله: (من أحيا سنة من
سنتي) أي: أقامها وروجها وأيدها وقواها، والمراد بالسنة: الطريقة المسلوكة في الدين
وشرائع الإسلام ولو كانت فرضاً وواجباً، ولو حمل على المعنى المصطلح فله أيضاً
وجه، إذ الفرائض ثابتة لاحاجة إلى الترغيب والتحريض على إحيائها، وإنما يناسب
في السنن والفضائل وما يكون من شعار الدين مما يكمل ويَرُوج به الإسلام.
وقوله: (بدعة ضلالة) كأنه احتراز عن بعض البدع المستحسنة التي يقوى بها
الدين كما مر من أقسام البدعة في أول الباب.
(١) أخرجه مسلم (٣٤)، والترمذي (٢٦٢٣)، وأحمد في «مسنده)) (١ / ٢٠٨).

٤٩٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٦٩ - [٣٠] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَدِّهِ. [جه: ٢١٠].
١٧٠ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الدِّينَ
لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ
مِعْقَلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ،
١٧٠ - [٣١] (عمرو بن عوف) قوله: (إلى الحجاز) في (القاموس) (١):
الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها لأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد
والسراة .
وقوله: (كما تأرز الحية إلى حجرها) سبق شرحه في آخر الفصل الأول(٢)،
ثم إنه قد خصت المدينة المطهرة هناك والحجاز أعم وأشمل عن ذلك، فالمراد - والله
أعلم - أن الدين يأرز من البلاد إلى الحجاز، ثم فثم.
وقوله: (وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل) العقل
الحصن والملجأ، فمعنى (ليعقلن): ليتحصَّنن ويلتجئن، والمعقل بكسر القاف إما
اسم مكان أو مصدر ميمي، والأروية بالضم والكسر: أنثى الوعول(٣)، كذا في
(القاموس) (٤)، وفي (مجمع البحار)(٥): الأروية هي الشاة الجبلي وجمعها أَرْوَى،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧١).
(٢) تحت حديث (١٦٠).
(٣) قال القاري: وَخَصَّ الأُرْوِيَّةَ دُونَ الْوَعْلِ لِأَنَّهَا أَقْدَرُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى التَّمَكّنِ مِنَ الْجِبَالِ الْوَعِرَةِ.
((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٥٧).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٧).
(٥) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٧٠).

٤٩٣
(١) كتاب الإيمان
إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ
مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٣٠].
١٧١ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لَيَأْتِيَنَّ
عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالَّعْلِ،
وقيل: هي أنثى الوعول، أو هي تيوس الجبل، وفي (الصراح)(١): أروية بالضم
والتشديد بزكوهي.
والمعنى: ليلتجئن الدين الحجار ويتخذه ملجأ ومسكناً إليه كما بدأ منه حين
تظهر الفتن، ويستولي أهل الكفر على بلاد الإسلام، أو في آخر الزمان في زمان خروج
الدجال كما سبق، فينضم الفرارون بدينهم إلى الحجاز، وقد سبق شرح قوله: (إن
الدين بدأ غريباً) [برقم: ١٥٩].
١٧١ - [٣٢] (عبدالله بن عمرو) قوله: (ليأتين على أمتي كما أتى) والمراد
بـ (أمتي) إما أمة الإجابة أو أمة الدعوة، ولعل هذا أولى لأن الله يحفظ المؤمنين من
هذه الشنيعة المذكورة، ولكن الظاهر بل المتعيِّن إرادة أمة الإجابة في قوله: (تفترق
أمتي على ثلاث وسبعين ملة)، وأكثر ما يقع في الحديث على هذا الأسلوب أريد به
أهل القبلة، والله أعلم.
والكاف في (كما أتى) بمعنى مِثْلٍ فاعلُ (ليأتين)، وقيل: الفاعل مقدر، أي:
أفعالٌ وارتكابٌ، حَذْفُ الفاعل مما لا يخلو عن شيء.
وقوله: (حذو النعل بالنعل) حذا النعل حذواً: قدَّرها وقطعها، ويقال: حذوت
(١) ((الصراح)) (ص: ٥١٢).

٤٩٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَائِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ
بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ
وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ.
النعل: إذا قدَّرت كلَّ واحدة من طاقاتها على صاحبتها ليكونا على سواء، وقد يجعل
كناية عن المطابقة، وقد يقال: طابق النعل بالنعل.
وقوله: (من أتى أمه علانية) قيل: لعل المراد زوجة الأب، أراد القائل أن إتيان
الوالدة بعيد لا يتحقق وجوده لمساعدة الطبيعة حكم الشريعة، بخلاف زوجة الأب
لأنه بمجرد حكم الشريعة، ولا يذهب عليك أن هذا بمجرد الفرض والتقدير حتى
قيل: (إنْ) ههنا بمعنى لو، إلا أن يقال: إن الفرض والتقدير أيضاً مما لا يتصور في
الأم.
وقوله: (وتفترق أمتي) أي: أمة الإجابة، وقيل: ولو حمل على أمة الدعوة
لكان أوجه، وأنت تعلم بعده جداً، فإن فِرَق الكفر أكثر من هذا العدد بكثير، وقد
يقال: الكفر كله ملة واحدة، وفيه أن الكلام في التفرق، فافهم.
ثم قيل: إنْ حمل على أصول المذاهب فهي أقل من هذا العدد، أو على ما يشمل
الفروع فهي أكثر منه، وأجيب بأنه يجوز كون الأصول التي بينها مخالفة معتدة بها
بهذا العدد، وقد يقال: لعلهم في وقت من الأوقات يبلغون هذا العدد وإن زادوا أو
نقصوا في أكثر الأوقات، كذا قال العلامة الدواني، وبالجملة الظاهر أن المراد الاختلاف
في الأصول.
وقوله: (كلهم في النار) أي: يستحقون دخولها لأجل الاعتقاد، وإلا فالفرقة
الناجية قد تدخلها لأجل العمل، والقول بأن معصية الناجية مطلقاً مغفورة مما لا دليل

٤٩٥
(١) كتاب الإيمان
إِلَّ مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمِن هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٤١].
١٧٢ - [٣٣] وَفِي رِوَايَةٍ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: ((ثِتَانِ وَسَبْعُونَ
فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ ..
عليه، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] عام، وكذا القول بكون المراد
استقلال مكث الفرقة الناجية بالنسبة إلى سائر الفرق أيضاً بعيد، وكذا ما يقال: إن (كلهم
في النار) إيجابٌ كلي، وقوله: (إلا ملة واحدة)(١) رفعه، وهو لا ينافي الإيجاب
الجزئي، لا يخلو عن بعد، والوجه ما قلنا، وبه صرح المحققون.
وقوله: (ما أنا عليه وأصحابي) في جواب (ومن هي)، لأن المراد به الوصف
كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنهَا﴾، ولأن تعريف أهل الملل حاصل بتعريف الملة،
أو المراد: مَن كان على ما أنا عليه، وقد يقال: هذا إذا كان (ما) مخصوصة بغير
العقلاء، وإن كان أعمّ فلا إشكال، كذا قيل، وفيه: أنَّا لو سلمنا أن (ما) يكون لمن
يعقل لا يصح تركيب (ما أنا عليه) كما لا يخفى.
١٧٢ - [٣٣] (معاوية) قوله: (وهي الجماعة) أي: تلك الفرقة مسماة
بالجماعة لكونهم مجتمعين على كلمة الحق وما أجمع عليه المسلمون الذين هم على
الهدى .
(١) في (التقرير)): ثم في الرواية ((كلها في النار إلا واحدة))، وفي رواية: ((كلها في الجنة إلا واحدة))،
والجمع بينها بأن المراد في الأول أمة الدعوة، والمراد بالثاني أمة الإجابة التي نجت بالحديث
الأول، أو المراد بالهالكة في الحديث الأول الخالدة في النار وهي الكفرة، والكفر ملة واحدة،
وبالهالكة في الحديث الثاني الهالكة ابتداءً، كذا في ((فيصل التفرقة)) (ص: ٥٥، ٧٣، ٧٦).

٤٩٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ
وَلاَ مَفْصِلٌ إِلَّ دَخَلَهُ)). [حم: ٤ / ١٠٢، د: ٤٥٩٧].
١٧٣ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَجْمَعُ
أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: أُمََّ مُحَمَّدٍ - عَلَى ضَلاَلَةٍ،
وقوله: (تتجارى بهم تلك الأهواء) الهوى ما تدعو إليه النفس وشهوتها،
والهوى من الهُوِيِّ بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء بمعنى السقوط؛ لسقوط صاحبها
وانكبابه إلى ما يهويه، يقال: جاراه مجاراة وجراءً وجرى معه، وأكثر ما يستعمل في
الأقوال؛ لأن كل واحد من الصاحبين يجري مع الآخر، وسيأتي في (كتاب العلم):
(من طلب العلم ليجاري به العلماء)، أي: يجري معهم بالمناظرة والجدال، والمراد
سراية الأهواء في عروقهم ومفاصلهم، كما يسري الكَلَب بصاحبه، والكلب بفتح
اللام: داء يعتري الإنسان من عض الكلب، والكلِب بكسر اللام: الكلب الذي يأخذ
شبه جنون فيكلب، أي: يأكل بلحوم الناس، فإذا عقر إنساناً يستولي عليه شبه الماليخوليا
لا يكاد يبصر الماء؛ وإذا أبصره فزع وربما مات عطشاً ولم يشرب، وهذه علة تستفرع
مادتها على سائر البدن، وتسري في العروق والمفاصل، وتتولد منها أعراض ردية،
وإذا عض هذا الشخص غيره عدا إليه، وإنما شبه حالهم بحال صاحب الكلب لاستيلاء
الأهواء عليهم استيلاء تلك العلة على صاحبها وسرايتها فيه، ولما فيه من المضرة
المعدية، ولتنفُّرهم من العلم وامتناعهم من قبوله مع شدة مساس حاجتهم إليه حتى
يهلكوا جهلاً في مهواة البدعة وتيه الضلال، أعاذنا الله من ذلك.
١٧٣ - [٣٤] (ابن عمر) قوله: (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة) وهذه خاصة
ومنقبة خص الله أمة محمد ◌َله بها فضلاً منه ومنة، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

٤٩٧
(١) كتاب الإيمان
وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَأَّ شَذَّ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٧].
١٧٤ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((اتَّبِعُوا السَّوَادَ الأَعْظَمَ،
فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ. [جه: ٣٩٥٠].
لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله: (يد الله على الجماعة) كناية عن النصرة والعصمة للجماعة المتَّفِقَة من
أهل الإسلام، وأنها في كنف الله ووقايته، وهم بعيد من الأذى والخوف، وقيل: سكينة
ورحمة مع المتفقين محفوظون من الأذى والخوف والاضطراب؛ فإذا تفرقوا زالت
السكينة وأُوقِع بأسهم بينهم، وفسدت الأحوال، والشذود: الانفراد والندور عن
الجمهور، و(شذ) في الشرط مصحح بصيغة المعلوم، وفي الجزاء بها وبالمجهول،
وكذا في الحديث الثاني .
١٧٤ - [٣٥] (عنه) قوله: (اتبعوا السواد الأعظم) في (القاموس)(١): السواد
الشخص، ومن البلدة قراها، والعدد الكثير، ومن الناس عامتهم، ومن القلب حبّتُه،
والمراد: الحث على اتّباع ما عليه الأكثر من علماء المسلمين، قالوا: وهذا في عقائد،
أما في الفروع فيجوز العمل بمن قلد مذهبه وإن لم يجمع عليه، نعم إذا جمع بين
المذاهب فيما يمكن الجمع كان أولى وأحسن.
وقوله: (رواه)(٢) في الأصل بياض، وكتب العلامة الجزري في الهامش: ابن
ماجه من حديث أنس وابن أبي عاصم سمعت رسول الله وَ لي قال: (إن أمتي لا تجتمع
(١) (القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٧).
(٢) أي: الحاكم من حديث ابن عمر، وقال: ولو حفظ خالد بن يزيد القرني هذا الحديث لحكمنا
له بالصحة، وكذا قال الذهبي في ((تلخيصه))، انظر: ((المستدرك)) (١ / ١٩٩).

٤٩٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٥ - [٣٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهَِّهِ: ((يَا بُنَّ إِنْ قَدَرْتَ
أَنْ تُصْبِحَ وَتُفْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا بُنَيَّ
وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَيَّنِي، وَمَنْ أَحَيَِّي كَانَ مَعِي فِي
الْجِنَّة)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٨
١٧٦ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: (( مَنْ
تَمَسَّكَ بِسُنَِّي عِنْدَ فَسَادٍ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِئَةٍ شَهِيدٍ». رَوَاهُ.
١٧٧ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرِ عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ِ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ
أَحَادِيثَ.
على الضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً كثيراً فعليكم بالسواد الأعظم).
١٧٥ - [٣٦] (أنس) قوله: (وليس في قلبك غش) الغش بالكسر: الغل
والحقد .
١٧٦ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (فله أجر مئة شهيد) كناية عن لحوق غاية
الجهد والمشقة فى ذلك.
وقوله: (رواه البيهقي(١) ... إلخ)، في بعض النسخ ههنا بياض، وفي بعضها
مكتوب في الأصل .
١٧٧ - [٣٨] (جابر) قوله: (حين أتاه) ظرف لما يفهم من قوله: (عن النبي ◌َّ)
(١) في ((الزهد الكبير)) (٢٠٧) عن ابن عباس، وأما عن أبي هريرة فرواه الطبراني في (الكبير))
(٢٠/ ٥٠)، و((الأوسط)) (رقم: ٥٤١٤)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ١٠٣): رواه الطبراني
في ((الأوسط))، وفيه محمد بن صالح العدوي، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.

٤٩٩
(١) كتاب الإيمان
مِنْ يَهُودَ تُعْجِبُنَا أَفْتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: ((أَمْتَهَوَّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟.
من معنى القول.
وقوله: (من يهود) في (مجمع البحار)(١): الهَود: التوبة، ومنه ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾
[الأعراف: ١٥٦]، قيل: ومنه لفظ اليهود وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم
لازماً لهم، وإن زال عنه المدح، والهوادة السكون والمحاباة .
وقال البيضاوي(٢): اليهود إما عربي من هاد: إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا
من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب.
وقال التُّورِبِشْتِي(٣): يهود لا ينصرف، والسبب فيه العلمية والتأنيث؛ لأنه يجري
في كلامهم مجرى القبيلة، وقال الزمخشري: والأصل في يهود ومجوس أن يستعمل
بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين والقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام
لأنه أجري يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعیر.
وقوله: (أمتهوكون أنتم) في (القاموس) (٤): هوك كفرح، والمتهوك: المتحير
كالهوّاك كشداد، والساقط في هوة الردى، والهوكة بالضم: الحفرة، والتهوك: الوقوع
في الشيء بغير مبالاة، والظاهر أن المراد في الحديث معنى التحير، أي: متحيرون
أنتم في دين تام كامل لا يحتاج إلى غيره من الأديان حتى تأخذوه من أهل الكتاب.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥ / ١٩٠).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ١٠٠).
(٣) ((كتاب الميسر)) (١/ ٣٩).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٢).

٥٠٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
لَقَدْ جِنْكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيَّا مَا وَسِعَهُ إِلَّ اتَِّاعِي)). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٣/ ٣٨٧، هب: ١٧٦].
١٧٨ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ
أَكَلَ طَيِّباً، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ))، فَقَالَ رَجُلٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: ((وَسَيَكُونُ فِي قُرُوٍ
بَعْدِي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٢٠].
وقوله: (لقد جئتكم بها) الضمير للملة، وإن لم يجر لها ذكر؛ لشهرتها .
وقوله: (بيضاء نقية) منصوبان على الحال، أي: طاهرة صافية خالصة عن الشك
والشبهة والالتباس والاشتباه، ومصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف
الشاقة، فماذا بعد لكم من العمى والتحير؟.
و قوله: (ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) فكيف بقومه وسائر الناس
من ورائهم؛ لأن الشرائع كلها نسخت بشريعتي.
١٧٨ - [٣٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من أكل طيباً) أي: حلالاً (وعمل
في سنة) أي: لأجل سنة، أي: لأجل كونها سنة ليوافقها، أو جعل السنة ظرفاً مبالغة،
ونكر (سنَّة) ليفيد التعميم، كقولهم: تمرة خير من جرادة.
وقوله: (بوائقه) البائقة: الداهية جاءت بالشر والخصومات، أي: شره وغايته.
وقوله: (إن هذا) أي: هذا الأمر الذي ذكر (اليوم) أي: في يومنا وزماننا (لكثير)
وكيف يكون فيما بعده؟
(قال: وسيكون في قرون (١) بعدي) ولا ينقطع الخير عن أمتي قطعاً وإن تفاوتت
(١) قال القاري: فِي ((الأَزْهَارِ)): الْقَرْنُ أَهْلُ عَصْرٍ، وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَّةٍ، وَقِيلَ : ثَلاَثُونَ =