النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
(١) كتاب الإيمان
عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَخَّمُونَ فِيهَا)). هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمِ نَحْوُهَا وَقَالَ
فِي آخِرِهَا: قَالَ: ((فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ
عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِّي تَفَخَمُونَ فِيهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٨٣،
م: ٢٢٨٤].
إذا أخذ بحجزته فإنه يمتنع عما منع منه حذراً من انحلال عقدة الإزار وبدوِّ السوءة.
وقوله: (عن النار) أي: مانعاً عما يوجب دخول النار.
وقوله: (وأنتم تقحمون) أصله: تتقحمون، فحذفت التاء، وفي بعض النسخ:
تقتحمون، والأول أصح رواية وأقوى دراية.
وقوله: (هلم عن النار) أي: قائلاً تعالوا إلي وابعدوا عن النار، وأصل هذه
الكلمة على ما ذكر في (القاموس)(١): هَالُمّ مركبة من (ها) التنبيه ومن (لُمَّ) أمر من
تلمّ، أي: لمَّ وضم نفسك إلينا، من الإلمام، فاستعملت استعمال البسيطة، يستوي
فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث عند الحجازيين، وتميم تُجريها مجرى رُدَّ، وأهل
نجد يصرِّفونها وفيقولون: هلمّا وهلمّوا وهلمِّي وهلمُمْن، وقد توصَلُ باللام فيقال:
هلمّ لك، وتُقَّل بالنون فيقال: هَلمَّنَّ، وفي المؤنث بكسر الميم، وفي الجمع بضمها،
وفي التثنية هلمَّان للمذكر والمؤنث، وللنسوة هلمُمْنانٍ، ويقول المجيب: إلام أَهَلُمُ
بفتح الهمزة والهاء وأصله: إلام أَلُمُّ، وتركت الهاء على ما كانت عليه.
وقوله: (فتغلبوني) بتشديد النون إدغاماً لنون الإعراب في نون الوقاية، ويجوز
في المضارع مع نون الإعراب الإتيان بنون الوقاية وتركها، فيجوز (تغلبوني) بتخفيف
النون لكن الرواية بتشديدها.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٩).

٤٦٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٥٠ - [١١] وَعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((مَثَلُ
مَا بَعَثِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِرِ أَصَابَ أَرْضاً، فَكَانَتْ
مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيَِّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ،
١٥٠ - [١١] (أبو موسى) قوله: (من الهدى والعلم) الهدى مصدر بمعنى
الهداية، وكأنه أشار إلى العمل، فالكمال منحصر في العلم والعمل بمقتضاه إن كان
المقصود منه العمل .
وقوله: (كمثل الغيث الكثير) في تشبيهه بالغيث تلميح خفيٌّ إلى قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقد كانوا كذلك في الجاهلية
وأيام الفترة.
وقوله: (طائفة) بالرفع، أي: قطعة، و(طيبة) صفتها، أي: نظيفة غير خبيثة،
والطيب من الأرض ما ينبت، وفي رواية البخاري: (وكانت منها نقيةٌ) بدون ذكر لفظ
طائفة، ونقية بمعنى طيبة من النقاوة بالنون والقاف.
وقوله: (الكلأ) بالهمزة كجبل: العشب رطبه ويابسه (والعشب)(١) الكلأ الرطب،
كذا في (الصحاح)، و(القاموس)(٢). وفي (مشارق الأنوار) (٣): الكلأ مهموز مقصور،
وهو المرعَى والعشب رطباً كان أو يابساً عند أكثرهم، وقال ثعلب: الكلأ اليابس.
وفي (مجمع البحار)(٤): الكلأ بفتحتين وهمزة مقصورة، وبالجملة الكلأ
(١) العشب والكلأ والحشيش اسم للنبات إلا أن الحشيش اسم لليابس منها.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠)، و((الصحاح)) (١ / ٤٧١).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٥١).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٣٥).

٤٦٣
(١) كتاب الإيمان
وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ،
مهموز سواء كان مخصوصاً باليابس أو أعم، وأما قول الطيبي(١): العشب والكلا
مقصوراً مختصان بالرطب، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، فيفهم أنه جاء
بألف مقصورة كعصاً بمعنى الرطب خاصة كالعشب، وهو محل نظر فإنه لم يُذكر في
کتب اللغة إلا في باب الهمزة، فتدبر.
وأما العشب بضم العين وسكون الشين فمخصوص بالرطب بلا خلاف.
وقوله: (كانت منها أجادب) بالجيم والدال المهملة، وهو الصحيح روايةً
والموجود في أصول النسخ، وقال القاضي عياض (٢): كذا رويناه في الصحيحين بدال
مهملة بلا خلاف. وقد أورد في (القاموس) هذا اللفظ من الحديث في مادة جدب
بالجیم والدال المهملة، انتھی. جمع جدب بسکون الدال من غیر قیاس، وكان القياس
أن يكون جمعه أَجْدُب لكنهم قد قالوا: محاسن جمع حُسْنٍ، وكان قياسه أن يكون
جمع مَحْسَنٍ، وكذا مَشَابٌ جمع شَبَهٍ وقياسه مَشْبَه، ومنه المَحامد جمع حَمْدٍ، وقيل :
هي جمع محمدة، كذا في (المشارق).
وفي (النهاية)(٣): كأنه جمع أَجْدُبٍ وأَجْدُبٌ جَمْعُ جَدْبٍ، مثل كَلْب وأَكْلُب
وأكالب. فقال في (النهاية): الأجادب هي صلاب الأرض التي تُمسك الماء فلا تشربه
سريعاً، وقيل: الأراضي التي لا نبات بها، مأخوذ من الجدب، وهو القحط، وغلط
الخطابي، وقال: أجادب غلط وتصحيف، وكأنه يريد أن اللفظ (أجارد) براء ودال،
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٠٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١/ ٢٢١)، و((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥).
(٣) ((النهاية)) (١ / ٢٤٢).

٤٦٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فَتَفَعَ اللهُبِهَا النَّاسَ،
وكذلك ذكره أهل اللغة [والغريب]، وقال الخطابي: وروي أحادب بالحاء المهملة،
قلت: إنما الرواية بالجيم، وكذا في (الصحيحين)، انتهى كلام النهاية، وكأنه يريد
بقوله في أجارد: (كذا ذكره أهل اللغة) ما قالوا: إن الجرد محركة فضاء لا نبات به،
مكان جَرْدٌّ وَأَجْرَدُ، وجَرِدٌ كَفَرِح، وأرض جرداء وجرِدَة كَفَرِحَةٍ، كذا في (القاموس)(١)،
ومنه: أهل الجنة ◌ُردٌ مردٌ.
وقال القاضي عياض(٢): الأجادب من الأرض ما لا ينبت الكلأ، وقد روى
بعضهم هذا الحرف (أجاذب) بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب
الأرض التي تمسك الماء، وقال بعضهم: (أحازب) بالحاء والزاي وليس بشيء، وقد
رواه بعضهم (أجارد) أي: مواضع منجردة من النبات جمع أجرد، ورواه بعضهم
(إخاذات) بكسر الهمزة وبعدها خاء معجمة خفيفة وبين الألفين ذال معجمة وآخره تاء
الجمع المؤنث، وكذا رواه أبو عبيد الهروي، وهي جمع إخاذة، وهي الغدير التي تمسك
ماء السماء، انتهى كلام القاضي.
وقال التُّورِبِشْتِي: أوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب يعني بالجيم
والدال، وأقواها من طريق اللغة أجارد - يعني بالجيم والراء والدال - غير أنها لا تثبت
رواية .
وقوله: (فنفع الله بها) أي: بالأجادب بسبب ما أمسكت من الماء، وفي بعض
النسخ (به) أي: بالماء الذي فيها .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٠).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٢١).

٤٦٥
(١) كتاب الإيمان
فَشَرِبُوا وَسِقَوا وَزَرَعُوا، وأصَابَ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ
مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلاَّ،
وقوله: (وزرعوا) قال القاضي(١): فسقوا ورعوا، كذا لكافتهم، وفي كتاب
العلم في (البخاري): (وزرعوا) والأول أوجه، وفي رواية بعضهم: (ووعوا) وهو
تصحیف ليس هذا موضعه.
وقوله: (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهو المستوي الواسع، في وطاء من
الأرض، وقيل: الأرض الملساء، وقيل: ما لا نبات فيها، وقيل: هي أرض فيها رمل،
كذا قال الشيخ ابن حجر، وفي (القاموس)(٢): القاع أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت
عنها الجبال والآكام، والجمع القِيع والقِيعَة والقِيعان بكسرهن. وقال البيضاوي(٣):
والقاع الأرض المستوية.
قلت: قد فسره الحديث فقال: لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، وهو المراد في
الحديث، وأما ما ذكر في (المشارق): القاع المستوي الصلب الواسع من الأرض،
وقد يجتمع فيها الماء، وجمعه قيعان، فلا يخلو عن شيء لمخالفته لفظ الحديث،
وأغرب من هذا ما ذكر في (مجمع البحار) عن (النهاية): القاع: المكان المستوي الواسع
في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه وليستوي نباته (٤)، إلا أن يقال: القاع
هو المكان الواسع والأرض المستوية أعم من أن يجتمع فيه الماء وينبت الكلأ .
وقوله في الحديث: (لا تمسك ماءً لا تنبت كلأ) تقييد لا تفسير، وقد ذكر
(١) ((مشارق الأنوار) (١ / ٤٧٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٩٩).
(٣) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ١٠٩).
(٤) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ /٣٥٧)، و((النهاية)) (١٣٢/٤).

٤٦٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَتَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ
مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً ..
المعنى المذكور في (النهاية) في حديث آخر وهو قوله: (تركتها - أي مكة - قد ابْيَضّ
قاعها)، فتدبر.
وقوله: (فذلك مثل) بفتحتين (من فقه في دين الله) في (القاموس)(١): الفقه
بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغَلَبَ على علم الدين لشرفه، وفقُه
ككرُم وفرِح فهو فقيةٌ وفَقُهُ، وهي فقيهة وفَقُهَةٌ، والجمع فقهاءُ وفَقَائِهُ، وفَاقَهَه في
الدين: باحثه في العلم، وفَقَهَه كنصره: غلبه فيه.
وفي (مجمع البحار)(٢): الفقه لغة: الفهم، فقه بالكسر: إذا فهم وعلم، وبالضم:
إذا صار فقيها عالماً، وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع
منها، والرواية في الحديث بالضم على المعنى الشرعي، وكسرها على اللغة، والأول
أشهر، انتهى.
وقوله: (ولم يرفع بذلك رأساً) كناية عن التكبر وعدم التوجه إليه والإقبال
عليه .
اعلم أنه قد ذكر في الناس قسمين: من انتفع بالدين ومن لم ينتفع، وكذلك في
الأرض المنتفع بها وغير المنتفع بها، وجعل المنتفع بها قسمين: المنبت وغير المنبت،
فكذلك المنتفع بالدين يشمل قسمين: الأول العالم العامل المعلّم، وهو كأرض طيبة
شربت الماء فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني العالم المعلُّم لكن لم
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥١).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ١٦٨).

٤٦٧
(١) كتاب الإيمان
وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أَرْسِلْتُ بِهِ)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٧٩، م: ٢٢٨٢].
١٥١ - [١٢] وَعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: ثَلاَ رَسُولُ اللهِوَّهِ ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَةٌ تُحْكَمَتُ﴾ وَقَرَأَ إِلَى:
يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، وهو كأرض يستقر فيها الماء فينتفع الناس، ومن
لم یرفع به رأساً بأن تکبر ولم يلتفت إلى العلم ولم یسمعه، أو سمعه ولم يعمل به ولم
يعلّمه سواء دخل في الدين أو كفر به فهو كالسبخة التي لا تقبل الماء، هذا ما ذكر بعض
شراح (البخاري).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويمكن أن يقال: القسم الأول عبارة عمن تعلم
واجتهد فيه واستنبط منه النكات والأسرار وشرحه وبينه كالفقهاء المجتهدين كالعشب
والكلأ الذي يخرج من الأرض التي قبلت الماء وشربته، والثاني عمن تعلم وحفظ
العلم وجمعه ووعاه وأخذ منه الناس فانتفعوا به كالمحدثين، والله أعلم.
١٥١ - [١٢] (عائشة) قوله: (﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ
اٌلْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَيٌ﴾) المراد بالمحكم ههنا ما اتضح معناه ولا تَعْرِض فيه شبهة من
حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، فكأن عبارته أحكمت بأن حفظت عن الاحتمال
والاشتباه والإجمال، وسمي المحكمات أم الكتاب، أي: أصله يردُ ويرجع إليها غيرها؛
لأن المحتمل يرد إلى المتيقن، وقيل: أم الكتاب، أي: معظمه، يقال لمعظم الشيء:
أُمه، وأفرد أمه لإرادة الجنس أو باعتبار كل واحد، والمراد بالمتشابه خلاف المحكم
بهذا المعنى، فهو باعتبار اللفظ أشكل بغيره لمشابهة غيره، ومن حيث المعنى لا ينبئ*
ظاهره عن مراده، ويكون اشتباهه على أقسام: منها ما يرجع إلى الألفاظ المفردة
للاشتراك، ومنها ما يرجع إلى جملة الكلام المركب لاختصار وقع فيه أو بسط وتطويل،
أو لتقديم وتأخير في نظمه، ومنها ما يشبه من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، أو

٤٦٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ:
من جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو غير ذلك.
وبالجملة هو ما تطرق إليه الاشتباه والاحتمال بوجه من الوجوه، غير أن المتشابه
منه ما يكون مشتبهاً بوجه ومبيناً بوجه آخر، ومنه ما يكون مشتبهاً على الإطلاق،
والمتشابه من وجه يجوز للعلماء الفحص عنها بل يجب عليهم تبيينها، فهو متشابه
بالنسبة إلى من لم يتقنه رواية ودراية، وعليه أن يتحذر من التعرض له، وأما المتشابه
على الإطلاق فيجب الإيمان به، وترك التعرض للكيفية، والتوقي عن استعمال الرأي
فيه، فمنه صفات الله سبحانه التي لا تعرف كيفية لها، وأحوال القيامة التي لا سبيل
إلى إدراكها بالقياس إلا أنها معرَّفة على لسان الشارع بمسميات الجنس، فيلزمه
الوقوف على الحد الذي أوقفنا عليه، والتسليم لما يخبر به عن الغيب، فمن ابتغى
التجاوز عن الحد المحدود في هذا القسم فهو من أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه،
قاله التُّورِبِشْتِي(١).
بل نقول: كل من اتبع المتشابه من الوجه الذي هو متشابهٌ بذلك الوجه فهو من
الذين ﴿يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ أي: طلبٍ أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك
والتلبيس عن مناقضة المحكم بالمتشابه، ﴿وَأَبْتِغَّةَ تَأْوِيلِهِ، ﴾ أي: طلبٍ أن يؤوّلوه على
ما يشتهونه، والأول يناسب حال المعاند، والثاني يلائم حال الجاهل، والمراد بالتأويل
ههنا ما يَؤول إليه حقيقة معناه، والذي يجب أن يحمل عليه، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ بهذا
المعنى ﴿إِلَّ اللَّهُ﴾، فالتأويل بهذا المعنى لا يعلم إلا الله فيما ذكر من المتشابهات،
والمقصود من إنزال المتشابهات ابتلاء قلوب العلماء وإظهار عجزهم ووقوفهم على
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٨١).

٤٦٩
(١) كتاب الإيمان
قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((فَإِذَا رَأَيْتَ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُم - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ
مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٧، م:
٢٦٦٥].
١٥٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ
يَوْماً، .
حد العبودية لئلا يقعوا في الدلال.
فإن قلت: قد وصف الكتاب كله بالمحكم حيث قال تعالى: ﴿كِنَبُّ أُعْكِمَتْ
ءَايَتُهُ﴾ [هود: ١] ووصفه بكونه متشابهاً حيث قال: ﴿كِنَبًا مُتَشَبِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؟ قلنا:
المراد بالإحكام هناك حفظه من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وبالتشابه أنه يشبه بعضه
بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ، كذا قال البيضاوي(١). ولا يذهب عليك أنه
لا يلزم من هاتين الآيتين الحكم على الكل بالإحكام والتشابه فلا تناقض، فتدبر، والله
أعلم .
وقوله: (فإذا رأيت) في أكثر الروايات بفتح التاء على الخطاب العام، وفي
بعضها بكسرها خطاباً لعائشة ﴾، ورواية مسلم تؤيد الأول.
١٥٢ - [١٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (هجرت إلى رسول الله وَ﴾) هجَّر
وتهجَّر وأهجر: سار في الهاجرة، والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، ويجيء
بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس من الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن
الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، والتهجير في قوله ◌َّ: (المتهجر إلى
الجمعة کالمهدي بدنة).
(١) ((تفسير البيضاوي)) (١/ ٣١٩).

٤٧٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِوَّه
يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلاَفِهِمْ فِي
الْكِتَابِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٦].
١٥٣ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ
أعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْماً مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ،
فَحُرِّمَ مِنْ أجَلِ مَسْأَلَتِهِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٨٩، م: ٢٣٥٨].
وقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) بمعنى التبكير إلى الصلاة،
وهو المضي في أول أوقاتها، وليس من الهاجرة، كذا في (القاموس)(١)، وسيجيء
تحقيقة في (باب الجمعة) إن شاء الله تعالى.
وقوله: (باختلاف في الكتاب) المراد اختلاف يوقع في الفتنة والشك والشبهة
في الدين مثل الاختلاف في نفس الكتاب، أو في معنى لا مدخل فيه للرأي، لا اختلاف
العلماء في استنباط الأحكام منه، أو في العلوم التي هي مباديها ومقدماتها، فإن ذلك
رحمة وسبب لتوسيع الدين، وما زال السلف على ذلك، وما نُهوا عنه بل مأمورون
بذلك.
١٥٣ - [١٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إن أعظم المسلمين جرماً) هذا
تشديد وتغليظ لكون ضرره عامًّا باقياً، والمراد السؤال من غير حاجة أو يكون تكلفاً
وتعنتاً.
قوله: (في المسلمين) كلمة (في) أَجْلية، أي: في حقهم ومن جهتهم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٠).

٤٧١
(١) كتاب الإيمان
١٥٤ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: «يَكُونُ فِي
آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّبُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنَُّمْ
وَلاَ آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّكُمْ وَإِيَّاهُمْ لاَ يُضِلُّونَكُمْ وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٧] .
١٥٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أهْلُ الْكِتَابَ يَقْرَؤُونَ الثَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيّةِ، ..
١٥٤ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (دجالون كذابون) أي: كذابون المموهون،
وأصل الدجل الخلط، دجَّل إذا لبّس ومؤَّه، وسيجيء في بابه، أي: يلبِّسون ويرون
أنفسهم علماء ومشايخ من أهل النصحية والصلاح، ثم يدعون الناس إلى مذاهبهم
الباطلة وآرائهم الفاسدة، والمراد بالأحاديث أعم من أحاديث الرسول وغيرها، والمراد
بعدم السماع المذكور عدمُ ثبوتها في الدين، وكونها بهتاناً وافتراء فيه.
وقوله: (فإياكم وإياهم) من قبيل قوله: وإياك والأسد.
وقوله: (لا يضلونكم) استئناف، كأنه قيل: ما فائدة الحذر؟ والخبر في معنى
النهي، والمقصود التحفظ والاحتياط في أخذ الدين، والاحتراس والتوقي عن مخالطة
أهل البدع وصحبتهم خصوصاً عن الداعين الملبِّسين منهم، وأما المنع والتحذير عن
الغلو في علم الكلام فالظاهر أنه ليس من هذا الباب وليس موضع بيانه شرح هذا
الحديث كما فعله الطيبي، بل أنسب بذلك الحديث الناطق بالزجر عن الاختلاف في
الکتاب والجدال في الدین، کما لا يخفى.
١٥٥ - [١٦] (عنه) قوله: (بالعبرانية) العبري والعبراني بالكسر لغة اليهود،
ولا يعرف إلى ما نسب، وقد ذكر في (القاموس) و(الصحاح) تحت لغته [ما]
لا يظهر مناسبتُه لها، والسرياني لغة الإنجيل، ولا يعرف له أيضاً معنى محصل،

٤٧٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تُصَدَّقُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ، وَ﴿ قُولُواْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾)) الآيَة [البقرة: ١٣٦].
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٣٤٢].
١٥٦ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ
يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥].
١٥٧ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ
بَعَثَهُ اللهُ فِي أَمَّةٍ قَبْلِي إِلَّ كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ.
والله أعلم.
وقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب) لاحتمال التحريف، (ولا تكذبوهم) لاحتمال
عدمه، وهذا إرشاد إلى وجوب التوقف في مواضع الاشتباه بخصوصياتها وعدم
التوقف فيما هو متيقَّن كالأمر المشترك بينها .
وقوله: (﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾) إلى قوله: ﴿وَمَآ أُوْتَِ مُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية.
١٥٦ - [١٧] (عنه) قوله: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) يعني لو
لم يكذب أحداً ولكنه يحدث ما سمع من غير بحث وتفتيش أنه صدق أو كذب وتبيُّنِ،
حسبه هذا التحديث كذباً؛ لأنه يقع في الكذب من حاله هذا، والغالب أن يكون بعضه
كذباً البتة، والمقصود المنع عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه.
وقوله: (رواه مسلم) وفي بعض النسخ: رواه البخاري، ولقد أخرج هذا الحديث
في (جامع الأصول) في باب الكذب عن مسلم وأبي داود، والله أعلم.
١٥٧ - [١٨] (ابن مسعود) قوله: (في أمته) يروى بهاء الضمير وبدونها، وهو

٤٧٣
(١) كتاب الإيمان
حَوَارِيُّونَ.
الأكثر والأصوب، كذا قال التُّورِبِشْتِي(١).
وقوله: (حواريون) جمع حواري فكأنه منسوب إلى الحَوَر بمعنى البياض
الخالص، كذا قال المحقق التفتازاني في حاشية (الكشاف)، وقال القاضي عياض
في (مشارق الأنوار)(٢): منسوب إلى حَوَارِ مخفف، وقد تضاف هذه الكلمة إلى ياء
المتكلم كما في حديث: (لكل نبي حواريٌّ وحواريَّ الزبير) والياء حينئذ مكسورة أو
مفتوحة، وأصله حواريي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة، وقد تبدل فتحة للتخفيف،
وحواريُّ الرجل خالصه وصفوته وناصره الذي خلص ونقي من كل عيب ونفاق لأن
أصله البياض الخالص، ومنه يقال للحضريات، أي: النساء التي في الحضر دون البدو؛
الخلوص ألوانهن ونظافتهن ونقاوتهن من الدنس والدرن بخلاف البدويات.
وقيل: سمي الزبير به لأنه روجع في اختياره مرة بعد أخرى كالحُوَّارَى بضم
الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، وهو الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق الذي نقّي
ونخل مرة بعد أخرى، وقد أرسله رسول الله ◌َ ﴿ لخبر القوم يوم الأحزاب.
وذهب كثير من أهل العلم أن الأصل في تسمية الناصر بالحواري: أن أصحاب
عيسى عليهلا كانوا قصارين، ويسمى القصار حوارياً؛ لأنه يحور الثياب، أي: يبيضها،
فلما كانوا أنصاره دون الناس قيل لكل ناصر نبيه: حواري، تشبيهاً بأولئك.
وقيل: كانوا ملوكاً يلبسون الثياب البيض واللباس النظيف استنصر بهم عيسى ◌َ﴾،
وقال بعضهم: إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوسهم أو نفوس الناس عن
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ٨٤).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١/ ٣٣٨).

٤٧٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ
يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ
مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، ..
دنس الجهل والذنوب بالعلم والدين، فسمي من سواهم بهذا الاسم تشبيهاً بهم.
ولا يخفى عليك أنه لا حاجة إلى نقل هذا الاسم على ناصري الأنبياء من ناصري
عيسى، بل هو اسم لناصر الرجل وخالصه كما ذكر، وأصحاب عيسى أيضاً إنما
سموا لأجل هذا المعنى، وهو موجود فيهم وفيمن سواهم على السواء، اللهم إلا أن
يقال: اعتبار النقل الذي ارتكبه كثير من العلماء لأجل شهرتهم بهذا الاسم وغلبته
فيهم، ومع ذلك هو تكلف، نعم لا يبعد أن يقال: الحواري اسم للناصر، وقد غلب
على ناصر الأنبياء، فافهم.
وقوله: (وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره) كأنه عطف تفسيري للحواربين،
وبيان لخلوصهم ونقاوتهم.
وقوله: (خلوف) جمع خَلْف بالسكون، وأما جمع خلف بالتحريك فأخلاف،
وكلاهما بمعنّى في أصل اللغة، لكنه غلب بالتحريك على الخير، وبالتسكين على
ضده، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهُوَنِّ﴾ [مريم: ٥٩]
وفي (القاموس)(١): الخلف بالتحريك: الولد الصالح، فإذا كان فاسداً أسكنت اللام،
وربما استعمل كل منهما مكان الآخر.
وقوله: (ومن جاهدهم بقلبه) أي: أنكر واضطرب قلبه وتغير برؤية منکر،
ویکون في حرج وعناد من ذلك.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٤).

٤٧٥
(١) كتاب الإيمان
وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٠].
١٥٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ دَعَا إِلَى
هُدَّى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ
شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ
ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٤].
١٥٩ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً ...
وقوله: (وليس وراء ذلك) إشارة إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، والمعنى إذا
ذُكِرٍ ومضى ذكره كأنه صار بعيداً، ويجوز أن يشار إليه باسم البعيد، ويحتمل أن يكون
إشارة البعيد للتحقير وبُعده عن مقام الكمال، ويجوز أن يكون إشارة إلى المذكور
كله، أي: ليس وراء هذه المراتب مرتبة من الإيمان، و(حبة خردل) كناية عن غاية
القلة التي في حكم العدم لأن المراد بالإنكار الاضطراب والتغير، وإن أريد به مطلق
الإنكار فعدمه يستلزم الرضا، وهو كفر، فيكون كناية من عدم الإيمان أصلاً، فافهم.
١٥٨ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من دعا) أي: بقول أو فعل (إلى هدى) قليل
حقير فكيف بكثير عظيم (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) وذلك أجر الإرشاد
والهداية الواصل أثرُها إلى كل من فعله.
وقوله: (لا ينقص ذلك من أجورهم) لأن أجورهم لأجل العمل والمباشرة،
وأجر الداعي لأجل الإرشاد والهداية، ولو فرض أنهما من جهة واحدة ففضل الله
واسع يعطي كل من شاء ما شاء من غير أن ينقص شيئاً، وهو على كل شيء قدير.
١٥٩ - [٢٠] (عنه) قوله: (بدأ الإسلام غريباً) في (القاموس)(١): بدأ
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥).

٤٧٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)).
به كمنع: ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، ومن أرضه: خرج.
وقوله: (سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) في (مجمع البحار)(١): أي: كان
الإسلام في أول أمره كوحيد لا أهل عنده لقلة المسلمين، (وسيعود) أي: يقلون في
آخر الزمان، (فطوبى للغرباء) أي: للمسلمين في أوله وآخره لصبرهم على أذى الكفار
ولزومهم الإسلام، قيل: معناه في المدينة، وظاهره العموم، ويفسر الغرباء بالنُّزَّاع من
القبائل، وقيل: هم المهاجرون، انتهى.
وشرح هذا الكلام ما ذكره الطيبي(٢) أن الإسلام إما أن يجري على الحقيقة،
فالكلام على تشبيه بالغريب، فالوحدة والوحشة ترجع إلى الإسلام باعتبار ضعفه وقلة
المسلمين، أو يراد بالإسلام المسلمون بقرينة الوصف بالغربة، فالوحدة والوحشة
ترجع إلى المسلمين، وهم نُزَّاع القبائل، أي: غرباؤها، جمع نزيع بمعنى الغريب،
والمهاجرون، وهذا وإن كان مجازاً فهو الظاهر المفهوم بالمتبادر، وقوله: (فطوبى
للغرباء) ناظر إليه، وقول النووي: قيل: معناه في المدينة، يعني أن غربة الإسلام في
المدينة أولاً وآخراً؛ لأنه منها بدأ وبها تبوأ وإليها يعود، كما جاء في الحديث الآتي على
تأويل، لكن الظاهر أن يراد غربته عموماً في المدينة وفي كل البلاد؛ لأن الإسلام يبدأ
في كلها غريباً، ويعود في آخر الزمان غريباً، وبما ذكرنا ظهر أن المراد بقوله: (فطوبى
للغرباء) أي: المتمسكين بالإسلام حال قلته أولاً وآخراً، وقد يسبق إلى الفهم أن
المراد به الإشارة لمن تمسك به في آخر الزمان، فافهم.
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٢٠).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٢١).

٤٧٧
(١) كتاب الإيمان
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٥].
١٦٠ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ
إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٦، م:
١٤٧].
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((ذَرُوِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) في (كتاب المناسك))،
وحَدِيثَي مُعَاوِيَةَ وَجَابِرٍ: ((لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي)) و((لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي)) في
بَابٍ ثَوَابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
١٦٠ - [٢١] (عنه) قوله: (إن الإيمان ليأرز) في (القاموس)(١): أرز يأرز، مثلثة
الراء، أُرُوزاً: انقبض، وتَجَمَّعَ، وثبت، فهو آرِزٌ وأَرُوزٌ، والحية: لاذت بجحرها،
ورجعت إليه، وثبتت في مكانها، والمأرِز كمجلس: الملجأ، ولعل تخصيص هذه
الدابة بالتشبيه بها؛ لأنها أشد أرزاً، أي: انضماماً وانقباضاً وإسراعاً؛ ولأنها لا يمكن
إخراجها عن جحرها بعد دخولها .
قال الطيبي(٢): يحتمل أن يكون هذا إخباراً عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل
أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقل الإسلام.
قال العبد الضعيف: الأصح أنه إخبار عن زمان الدجال كما يدل عليه الأحاديث،
والله أعلم.
وقوله: (حديثي معاوية وجابر) لم يذكر هناك حديث جابر أصلاً .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٦).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١/ ٣٢١).

٤٧٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
١٦١ - [٢٢] عَنْ رَبِعَةَ الجُرَشِيِّ قَالَ: أُتِي نَبِيُّ اللهِّهِ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ
عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ، قَالَ: ((فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ
وَعَقَلَ قَلْبِي، قَالَ: فَقِيلَ لِي :
الفصل الثاني
١٦١ - [٢٢] قوله: (ربيعة الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء والشين المعجمة.
وقوله: (أتي نبي الله) بصيغة المجهول، أي: أتت عليه ملائكة فقالوا له: (لتنم (١)
عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك) الكلمات الثلاث على صيغة الأمر الغائب، ومضمون
هذا الحديث مضمون حديث جابر الخامس من أحاديث الفصل الأول، فيكون حاصل
المعنى: أن العين وإن كانت نائمة لكن الأذن سامعة والقلب يقظان، فاضربوا به المثل
فإنه يسمعه ويعقله، لكنها أوردت على صيغ الأمر، وأسندت إلى الجوارح قريباً من
قولهم: أبصرت بعيني، وكتبت بيدي، وفيه من المبالغة في حصول معانيها ما لا يخفى،
فافهم .
وقوله: (فنامت عيني وسمعت أذناي وعقل قلبي) لعل إفراد العين لأن العينين
لما نامتا عدمتا وصارتا في حكم الواحد؛ لأن الأعدام لا تمايز بينها، وتثنية الأذنين
إشارة إلى كمال إدراكهما فرادى، وأما إفراد القلب فظاهر.
(١) قال الطيبي في شرح هذا الكلام (١/ ٣٢٢): أي: لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بإذنك
إلى شيء، ولا تجر شيئاً في قلبك، أي: كن حاضراً حضوراً تامًّا لتفهم هذا المثل، فأجابه
رسول الله ﴿ بأنى قد فعلت ما تأمرني، والأوامر الثلاثة واردة على الجوارح ظاهراً، وهي في
الحقيقة له {ق، انتهى.

٤٧٩
(١) كتاب الإيمان
سَيِّدٌ بَنَى دَاراً فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ
الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الذَّاعِيَ لَمْ
يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ»، قَالَ: ((فَاللهُ
السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدُ الدَّاعِي، وَالذَّارُ الإِسْلاَمُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
[دي: ١ / ٧].
١٦٢ - [٢٣] وَعَن أبي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ
مُتَّكِئاً عَلَى أَرِبِكَتِهِ.
وقوله: (سيد بنى داراً) المتبادر إلى الفهم أنهما مبتدأ وخبر، فيجعل التنوين
للتعظيم لتخصيص المبتدأ رعايةً لقاعدة النحو، ولو اعتمدت على مذهب الرضي أن
المدار على الفائدة لم يحتج إلی ذلك، وقد ذكرناه مكرراً، فتدبر.
وقوله: (والدار الإسلام) جعل في حديث جابر الباني رجلاً وههنا سيداً، والمشبه
بالباني هو الله تعالى، لكن لم يبينه هناك لسوء الأدب، وبينه ههنا لعدمه، ثم إنه جعل
الدار هناك الجنة فتكون المأدبة نعيمها، وهو ظاهر، وههنا الإسلام، وهو أيضاً صحيح
باعتبار تمكنهم واستقرارهم فيه كما في الدار، والمأدبة على التقديرين: هي نعيم
الجنة، فيكون المراد بقوله: والمأدبة الجنة، أي: نعيم الجنة.
١٦٢ - [٢٣] (أبو رافع) قوله: (لا ألفين) بضم الهمزة، أي: لا أجدن، ألفاه:
وجده .
وقوله: (متكئاً على أريكته)(١) الأريكة هي السرير في الحجلة - بفتحتين -
(١) قال القاري: يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصَّفَةِ الثَّرَفُّهُ =

٤٨٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِنَ أمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي مَا وَجَدْنَاَ
فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ
فِي ((دَلاَئِلِ النّبُوَّةِ)). [حم: ٦/ ٨، د: ٤٦٠٥، ت: ٢٦٦٣، جه: ١٣، دلائل النبوة:
٦ / ٥٤] .
١٦٣ - [٢٤] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِِّ:
((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ..
مِنْ دُونِهِ سِتر، ولا يسمّى منفرداً أريكةً، وقيل: هو كل ما اتكى عليه من سرير أو
فراش أو مِنصَّة، كذا في (النهاية)(١) .
وقوله: (يأتيه الأمر من أمري) أي: حكم من أحكامي، وهو يشمل الأمر
والنهي .
وقوله: (لا أدري) أي: غير القرآن ولا أتبع غيره، أخبر رسول الله وَّر عن حال
بعض أهل البدعة والترفه من أهل التكبر المتقاعدين عن العمل بالحديث الناطق بحكم
لا يوجد في القرآن، الزاعمين بأن الأحكام منحصرة في القرآن، والمتمسكين بما يروى
من قوله: (إذا سمعتم عني حديثاً فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوا، وإلا
فردوه) وهذا الحديث موضوع عند المحدثين، قال الخطابي: وضعه الزنادقة، وقال
صاحب (سفر السعادة): هو من أوضع الموضوعات، وقد أوردنا الكلام في شرحه،
فليطلب ثمة .
١٦٣ - [٢٤] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (ومثله معه) يعني أحكاماً
= وَالدَّعَةُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الإِهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ. ((مرقاة المفاتيح)» (١ /٢٤٥).
(١) ((النهاية)) (١ / ٤٠).