النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(١) كتاب الإيمان
((قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيباً مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال)) [خ: ١٣٠٧،
س : ٢٠٦٢].
عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ
١٣٨ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ ظ
الْقَبْرَ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا فَيَجْلِسُ، يَمْسَحُ عَيْثَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي
أُصَلِّ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٣٢٦].
وقوله: (قريباً) صفة (فتنة)، وتذكير الضمير إما بتأويل الافتنان أو الامتحان،
أو جعل فعيل بمعنى فاعل في حكم فعيل بمعنى مفعول في استواء التذكير والتأنيث،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]، أي فتنة عظيمة، والقرب
لأجل غاية الشدة والمحنة، فإن فتنة الدجال عظيمة، ولأن الناس يفتنون بالدجال في
دعوى الربوبية، ولعل الميت حين يرى هيبة الملك ودهشته يقع في الكفر ويقول:
أنت ربي، نعوذ بالله من ذلك، والله أعلم.
١٣٨ - [١٤] (جابر) قوله: (مثلث) أي صورت وخيلت، وهذا يكون
للمؤمن.
وقوله: (عند غروبها) حال من الشمس، وهو يناسب حال الغربة (١).
وقوله: (فيجلس) على صيغة المجهول من الإجلاس أو المعلوم من الجلوس.
(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَالَ كَوْنِهَا غَارِبَةٌ لاَ ظَرْفَ لـ ((مُثِّلَتْ)) لاِقْتِضَائِهِ أَنَّ التَّمْثِيلَ لاَ يَكُونُ إِلَّ ذَلِكَ
الْوَقْتَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَقَرَّرُ أَنَّهُ عِنْدَ نَزُولِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَهَذَا
لاَ يُقَّدُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ بَلْ هُوَ عَامّ فِي سَائِرٍ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الثَّمْثِيلَ بِهَا حَالَةَ
كَوْنِهَا غَارِبَةً عَامٌّ فِي سَائِرِ الأَزْمِنَةِ أَيْضاً، وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ. ((مرقاة المفاتيح))
(١/ ٢١٩).

٤٤٢
(٤) باب إثبات عذاب القبر
١٣٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ
إِلَى الْقَبْرِ، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزَعٍ وَلاَ مَشْغُوبٍ، ثمَّ يُقَالُ: فِيمَ
كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الإِسْلاَمِ، فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ
رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيْنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ الله؟
فَيَقُولُ: مَا يَتْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللهَ، فَيُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا
يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ،
١٣٩ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (لا مشغوب) في (القاموس)(١): الشغب
ويحرك، وقيل: لا: تهييج الشر.
وقوله: (محمد رسول الله) رسول الله (٢) صفة أو خبر، و(جاءنا) صفة أخرى
أو خبر آخر أو استئناف.
وقوله: (هل رأيت الله) امتحان لإيمانه وتصديقه بأنه رسول الله أي: بأي دليل
تقول: جاء محمد من عند الله، هل رأيت الله أخبرك بذلك، فيقول: ما ينبغي لأحد
أن يرى الله، ولكني أقول بدليل صدقه في دعواه بإظهار المعجزات البينات.
وقوله: (فیفرج) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد.
وقوله: (فينظر إليه) أي: إلى النار، وتذكير الضمير إما بتأويل العذاب أو باعتبار
المعنى، كذا قيل، ويجوز أن يكون الضمير لقبل النار، وفي بعض الروايات: (فينظر
إليها) على الأصل. (يحطم) والحطم: الكسر، وجاء في حديث آخر في وصف نار
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨).
(٢) قال القاري: وَهُوَ يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَراً لِمُبْتَدَأْ مَحْذُوفٍ أَوْ خَبَراً بَعْدَ خَبَرٍ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ خَبَرٌ
لِمُحَمَّدٍ، وَالْجُمْلَةُ مَقُولٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ وَصْفِهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ /٢٢٠).

٤٤٣
(١) كتاب الإيمان
ثُمَّ يُفَرَّجُ فُرْجَةٌ قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَال لَهُ: هَذَا
مَقْعَدُكَ، عَلَى الْقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِثَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِن شَاءَ اللهُ، وَيُجْلَسُ
الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعاً مَشْغُوباً، فَيَّقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَاَ أَدْرِي،
فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلاً فَقُلْتُهُ، فَيُفَرَّجُ
لَهُ فُرْجَةَ قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى
مَا صَرَفَ اللهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ، فَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَظِّمُ بَعْضُهَا
بَعْضاً، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَفْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِثَ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ
إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٣٢٢].
جهنم: (أكل بعضه بعضاً)، وهو كناية عن شدة لهبه وخروجه، كما قال الله تعالى :
﴿تَكَادُ تَمََّزُ مِنَ الْفَيظِ ﴾ [الملك: ٨].
وقوله: (زهرتها) أي: بهجتها ونضارتها وحسنها .
وقوله: (على اليقين) قال الطيبي(١): هو حال، وتعريفه للجنس، و(كنت)
صفته، والظاهر أن يكون خبر كان فيكون في معنى قوله في الدعاء المأثور: (عليها
نحيي وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله)، والتعليق للتبرك أو للتحقيق.
وقوله: (ومت) بضم الميم وكسره، من مات يموت أو يمات أو يميت، كذا
في (القاموس)(٢)، وكذا الحال في ألفاظ مقابلة.
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٩٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦١).

٤٤٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة
عصم يعصم من ضرب يضرب: منع ووقى، فالعصمة بمعنى المنعة، والعاصم
المانع، وفي قول أبي طالب في مدح النبي ◌َّ: ثِمال اليتامى عصمة للأرامل، أي:
يمنعهم من الضياع والحاجة، وعصموا مني دماءهم وأموالهم، أي: منعوا، والعصمة
من الله: دفع الشر، فالاعتصام بمعنى الامتناع، ولهذا المعنى يفسر بالاستمساك إذ به
يمتنع الرجل عن الآفات والمعاصي التي تهلكه، قال في (القاموس)(١): اعتصم بالله:
امتنع بلطفه من المعصية، وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]،
أي: تمسكوا بالقرآن والسنة، وقيل: بعهده.
وفي (مجمع البحار)(٢): ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: التجؤوا إلى الله بطاعته
ليحميكم، واعتصم هكذا: التجأ إليه، وفي الدعاء: أصلح لي ديني الذي هو عصمة
أمري، أي: حافظ لجميع أموري، فإن فسد فسد جميع الأمور، أي: يتمسك ويتقوى
به في الأمور كلها، وبالجملة المراد ههنا التمسك بالكتاب والسنة واعتقادهما والعمل
بهما، والاجتناب عن البدع والأهواء.
والسنة في الأصل: الطريقة والسيرة، وفي الشرع: يراد بها ما أمر به النبي ◌َّل،
ونهى عنه، وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم يأت به الكتاب العزيز، وقد يراد به المستحب
سواء دل عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، ومنه سنن الصلاة، وقد يراد به ما واظب
عليه النبي ◌َ﴾ مما ليس بواجب، فهي ثلاث اصطلاحات، كذا في (مجمع البحار).
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٩).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣ / ٦١٣).

٤٤٥
(١) كتاب الإيمان
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٤٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي
أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَذِّ). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٧، م: ١٧١٨].
١٤١ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ
الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَذْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، ..
قال العبد الضعيف: المناسب لهذا المقام أن يراد بها المعنى الأول كما لا يخفى.
الفصل الأول
١٤٠ - [١] (عائشة) قوله: (من أحدث في أمرنا) أي: في ديننا، أي: أحدث
شيئاً لم يكن عليه من الكتاب والسنة سند صريحاً أو مستنبطاً، أو لم يحكم بصحته
الكتاب، فيشمل الإجماع والقياس، والمراد ما كان مخالفاً مغيراً لهما.
و قوله: (فهو) أي: من أحدث أو ما حدث مردود.
١٤١ - [٢] (جابر) قوله: (قال رسول الله يَله: أما بعد ... إلخ) كان يقول في
الخطبة بعد الحمد والصلاة، قلّما تخلو خطبة منها، وكلمة (أما) قد يجيء لتفصيل
ما أجمل، وقد يجيء للاستئناف كما في أول الكلام، ويقال: لقولهم: (أما بعد) فصل
الخطاب، ويقال: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَءَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، وقد
سبق الكلام فيه في شرح خطبة الكتاب.
(والهذي) الطريقة والسيرة، ويستعمل في السيرة الحسنة والطريقة المرضية،
واللام للاستغراق. (وشر الأمور) روي منصوباً، وقد يروى وهو الأكثر مرفوعاً على
الابتداء .

٤٤٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٧].
١٤٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (أَبْغَضُ النَّاسِ ..
وقوله: (وكل بدعة ضلالة) قال القاضي عياض(١): كل ما أحدث بعد النبي ◌ِّ
فهو بدعة، والبدعة فعل مالم يسبق إليه، فما وافق أصلاً من السنة يقاس عليها فهو
محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة، ومنه: (كل بدعة ضلالة)، انتهى.
يعني أن قوله: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص البعض .
وقد قسموا البدعة: بدعة هدى وبدعة ضلالة، فمن الأول ما كان تحت عموم
ما ندب الشارع إليه، وحض عليه، فلا يذم لوعد الأجر عليه لحديث: (من سن سنة
حسنة)، وفي ضده: (من سن سنة سيئة)، ومن الثاني ما كان بخلاف ما أمر به فيذم
وينكر عليه، وما فعله الخلفاء الراشدون فهو أيضاً بدعة حسنة، بل في الحقيقة سنة
لقوله ◌ّله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، و(اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي
بكر وعمر).
وقسموها إلى ما هو واجب كعلم النحو، وحفظ غريب الكتاب والسنة، وسائر
ما يتوقف عليه حفظ الدين، ومندوب كبناء الربط والمدارس، ومكروه كزخرفة المساجد
وترويق المصحف على قول البعض، ومباح كالتبسط في أنواع الأطعمة والمباحات
التي لم يكن في عهد رسول الله وَّر، ومحرم كمذاهب سائر أهل البدع والأهواء مما
يخالف السنة ويغيرها، والبدعة أكثر ما يستعمل عرفاً في مقام الذم والتهجين، فتدبر.
١٤٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (أبغض الناس) أي: من المسلمين إذ ليسوا
أبغض الناس كلهم حتى الكفار، وإنما كانوا أبغض لأنهم زادوا على أصل الذنب،
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٢٦).

٤٤٧
(١) كتاب الإيمان
إِلَى الهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغِ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٍ
دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقِّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٨٢].
وهو مخالفة النهي قبحاً آخر، فيكون النهي أشد، وهو مبالغة في التغليظ، والإلحاد
في اللغة الميل، وقد غلب في الميل عن الحق، والمراد بالإلحاد في الحرم ارتكاب
ما نهى عنه فيه من الجناية بل المعصية مطلقاً، فإن ارتكاب الذنب في الحرم أشد بل
يضاعف على مذهب ابن عباس، ولهذا كان مذهبه كراهة الإقامة بمكة، ففي الإلحاد
في الحرم ارتكاب مع زيادة هتك حرمته.
وقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية) أي: طريقها التي من شعارها مثل
النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب والتطير، وأمثال ذلك، وهي منهي عنها، ففيه
ارتكاب المنهي عنه مع قبح فعل ما هو من عادة الجاهلية من المسلم، وهي زائدة،
والنهي عنه أشد من هذه الحيثية.
وقوله: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) الذنب ههنا القتل، والزيادة
قصد الإهراق، أي: قتل لمجرد غرض إهراق الدم لا لغرض من الأغراض، وقتل
النفس قبيح وإن كان لغرض، لكن ارتكابه لمجرد إهراق الدم المذموم بالذات أقبح،
كأنه قصد محض ما نهي عنه وذاته، فافهم. أو يقال: القتل بغير حق مذموم لكونه
ظلماً، وكونه ظلماً خاصًّا متضمناً هدم بُنيان الرب زيادة على مطلق الظلم، ثم الظاهر
من الابتغاء والطلب المذكورين ارتكاب القتل، وإن حمل على الظاهر يكون فيه
مبالغة من جهة أنه إذا ترتب على الطلب والتمني فكيف بالمباشرة.
وقوله: (ليهريق دمه)، أي: ليريقه من الإراقة بمعنى الصب، وقد سبق تحقيق
هذه اللفظة في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) من حديث عمرو بن عبسة
[برقم: ٤٦]، فلا نعيده.

٤٤٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: («كُلُّ أُمَّتِي
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَنْ أَبَى)). قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ،
وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٢٨٠].
١٤٤ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ مَلائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهُوَ نَئِم،
فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلاً فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلاً، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَئِمٌّ، ..
١٤٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (كل أمتي) الظاهر أن المراد أمة الإجابة كما
يدل عليه سياق الحديث، والمراد من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة،
ومن ابتدع واتبع هواه دخل النار، فالمراد بالمعصية ههنا البدعة، والمعصية وإن
كانت بدعة بمعنى ما لم يكن في الدين لكن أكثر ما تطلق البدعة في عرف الشرع ما يكون
في الاعتقاد أو في العمل أيضاً بشرط أن تكون هادمة لقاعدة مقررة مشهورة من الشرع،
فلا تطلق على مطلق المعصية، ولا يقال لكل عاص: إنه مبتدع، فتدبر.
١٤٤ - [٥] (جابر) قوله: (قال) أي: جابر حاكياً عما سمعها عن رسول الله وَله.
وقوله: (إن لصاحبكم هذا مثلاً) المراد لصاحبكم هو الرسول وله، والإشارة
بهذا لكمال تميز ذاته الشريفة المتعينة المتميزة في الفضل والكمال، والمثل يجيء
بمعنى الحال والصفة العجيبة الشأن.
وقوله: (فاضربوا له مثلاً) أي: اذكروا وبينوا له تلك الصفة العجيبة ليعرفها
ويخبر بها أمته، كقوله تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥]، وقد يجيء
اضرب متعدياً إلى مفعولين بتضمين معنى الجعل كقوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا
أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣].
وقوله: (قال بعضهم) أي: بعض الملائكة كيف نضرب له مثلاً، وهو لا يسمع

٤٤٩
(١) كتاب الإيمان
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَئِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْطَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى
دَاراً وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ
مِنَ الْمَأْدُبَّةِ، وَمَنْ لَمْ يُحِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُّةِ،
فَقَالُوا: أَوَّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ
نَائِمَةٌ، وَالْقلبَ يَقْطَانُ، فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ
مُحَمَّداً فَقَدْ أطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّداً فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ
النَّاسِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٢٨١].
فإنه نائم، وقال بعضهم: إن تأثير نومه إنما هو في تعطل عينيه الشريفة عن إدراكها،
وأما علمه بالقلب فباقٍ فيسمعه، كما جاء في الحديث: (تنام عيناي ولا ينام قلبي).
وقوله: (مثله كمثل رجل) هذا من التشبيه التمثيلي الذي هو تشبيهه هيئة
منتزعة من مجموع بأخرى مثلها، كقوله: ﴿ وَأَضْرِبْ لَمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ اَلُّنْيَا كَمَآءٍ ﴾ الآية
[الكهف: ٤٥]، كما حقق في علم البيان، إذ ليس المراد تشبيه مليار برجل بل بداعي رجل
كما يظهر من بيان التشبيه، و(المأدبة) طعام يدعى إليه الناس، ومنه حديث: القرآن
مأدبة الله، ومنه: إن الله مأدبة من لحوم الروم أي: تقتلون فتأكل من لحومهم السباع،
والمشهور فيه ضم الدال وجوز الفتح.
وقوله: (أولوها له) أي: فسروا هذه الحكاية والقصة العجيبة لصاحبكم، من آل
الأمر إلى كذا أي: رجع إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٧]،
أي ما يرجع إليه من حقيقة معناه المراد يقيناً، وليس المراد التأويل بمعنى الصرف
عن الظاهر، و(يفقهها) بالجزم ويجوز الرفع، و(فرق) روى صيغة الفعل من التفريق،
وبلفظ المصدر نحو رجل عدل، والمراد أنه 0 8* يفرق ويميز بين المؤمنين والكافرين

٤٥٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٤٥ _ [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لَه
يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ◌َ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُوهَا، فَقَالُوا:
أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ بَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ
أَخُدُهُمْ :
بتصديقه وتكذيبه، ومن أسمائه وَ له في الكتب السابقة (فارقْ لِيطا) أي: يفرق بين الحق
والباطل، كذا في (النهاية)(١).
١٤٥ _ [٦] (أنس) قوله: (جاء ثلاثة رهط) في (القاموس) (٢): الرهط ويحرك:
[قوم] الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة وما فيهم
امرأة، لا واحد له من لفظه، والجمع أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط، ولا يتوهم أن
الرهط إذا كان بمعنى القوم يكون المعنى ثلاثة أقوام؛ لأن المعنى ثلاثة رجال هم
رهط، وإنما وقع تمييز ثلاثة لأنه في معنى الجمع، فافهم. وقال النُّورِبِشْتِي(٣): قد
وجدت في تعليقات أصحاب الحديث أن الرهط الثلاثة علي وعثمان بن مظعون
وعبدالله بن رواحة ثه، ولا أحققه رواية، وفي بعض الحواشي المقداد بدل عبدالله
ابن رواحة .
و(تقالوا) تفاعل من القلة، وقال النُّورِبِشْتِي: لم أجد هذا البناء بصيغته في
شيء من كتب اللغة، وهو وارد في هذا الحديث، كأن الرجل يتقالها أي: يستقلها
هذا، وقد ذكر في (القاموس)(٤): تقال الشيء واستقله: عدّه قليلاً، وذلك لاعتقادهم
(١) ((النهاية)) (٣/ ٤٣٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٥).
(٣) ((كتاب الميسر)) (١/ ٧٨).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٥).

٤٥١
(١) كتاب الإيمان
أن وظائف عبادته وَ لّه تكون كثيرة لأنه أعبد الناس، ولم يتأنقوا النظر في الحال، أو
قليله أكثر من كل كثير لكمال معرفته، وكمال قوة حضوره، وتمام إحسانه في العبادة،
وذلك لوفور رحمته على الأمة وشفقته عليها، وأن فيه تعليم رعاية حقوق النفس
والأهل والعيال، والاستقامة في رعاية الاعتدال، وإدامة العمل، والتكثير في العمل،
والإفراط فيه ربما يفضي إلى العجب والفتور، ولقد أحسنوا في رعاية الأدب معه اليه
حيث لم ينسبوه إلى التقصير فقالوا: إنه معصوم فيسعه أن يقلل في العبادة، وأما نحن
فمحتاجون إلى مغفرة الذنوب، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
وفيه وجوه كثيرة ذكرها السيوطي في رسالة مفردة، وأحسن الوجوه وأصوبها
أنها كلمة تشريف للنبي وس من ربه غير أن يكون هناك ذنب، وأراد أن يستوعب في
الآية على عبده جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان: سلبية
وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُنِمَ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾
[الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾
[الفتح: ٢]، ودنيوية، وإن كانت ههنا المقصود بها الدين، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَصُرَكَ
اَللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك قدر النبي ◌َّ بإتمام أنواع نعم الله تعالى عليه
المعرفة على غيره، ولهذا جعل غاية الفتح المبين الذي عظمه بإسناده إليه بنون
التعظيم وجعله خاصاً بالنبي ◌ّ، انتهى.
وملخصه: إن هذه كلمة تشريف يشرف السيد عبده من غير أن يكون له ذنب
يسنده إليه، فيقول: قد غفرت لك فما عليك مؤاخذة عندي، فكن مجموع الهم
خلي العذار في خدمتي ومحبتي، فافهم، وبالله التوفيق.

٤٥٢
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَداً، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَداً وَلاَ أَفْطِرُ، وَقَالَ
الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَداً، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َلَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ((أَنَُّمُ
الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَنْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ
وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَزْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، .
وقوله: (أما أنا فأصلي) قد سبق(١) أن (أما) قد يجيء في أول الكلام للاستئناف
فلا حاجة ههنا إلى تقدير شيء، ويجوز أن يجعل هنا للتفصيل فيقدر أما رسول الله
فلا حاجة له إلى الاستكثار لكونه مغفوراً، وأما أنا فلست مثله فلابد لي من الاستكثار،
والظاهر عدم تقدير المعطوف عليه لعدم الواو.
وقوله: (فأصلي) أي: عهدت أن أصلي الليل كله أبداً، أي: مدة عمري، أو
یکون (أبدا) بمعنى استيعاب أجزاء الليل فیکون في معنی کله.
وقوله: (أنا أعتزل النساء) فلا أتزوج كأنه لم يكن لذلك الرجل امرأة، فيكون
المعنى: أنا أقصد اعتزال النساء فلا أنكح بعد أبداً، وإن كانت له امرأة فالمعنى :
أطلقهن فلا أتزوج بعده، فافهم.
وقوله: (أنتم الذين) بحذف همزة الاستفهام الإنكاري.
وقوله: (أما والله إني لأخشاكم) أكد الحكم بكونه أخشى غاية تأكيد بأنواع
مؤكدات، وهي: حرف التنبيه؛ لئلا يغفل السامع عن سماعه، والقسم وإن واللام
والجملة الاسمية، (الله) إنما زيدت اللام لأن أفضل التفضيل لا يعمل في المفعول به
بلا واسطة وإلا فخشي متعد بنفسه.
وقوله: (لكني أصوم وأفطر) يعني وإن كان يرى في الظاهر أن الكمال في
(١) في شرح خطبة الكتاب، وتحت حديث (١٤٠).

٤٥٣
(١) كتاب الإيمان
فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٣، م: ١٤٠١].
١٤٦ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ الهِ وَِّ شَيْئاً فَرَخَّصَ فِيهِ،
فَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِوَهِ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ
أَقْوَامٍ بَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ،
الخشية والتقوى يقتضي الإفراط في الرياضة والمجاهدة، لكن الأمر ليس في الحقيقة
كذلك؛ لأن الكمال إنما هو في التوسط والاعتدال، أو لأن الرحمة والشفقة على
الأمة يقتضي ذلك.
وقوله: (فليس مني) أي: ليس ذلك الشخص من أمتي أو ليس فعله ذلك من
سنتي.
١٤٦ - [٧] (عائشة) قوله: (صنع رسول الله وَل﴿ شيئاً) في (القاموس)(١): صنع
الشيء صنْعاً بالضم والفتح: عَمِله، (فرخص) الترخيص في اللغة عدم الاستقصاء،
فالمعنى: عمل عملاً لم يستقص فيه بل تساهل أو رخص للأمة، وذلك لفعله ذلك
العمل أو بالتصريح بذلك بعده، فافهم.
وقوله: (فتنزه عنه قوم) التنزه: التباعد، ومنه: مكان نَزِهٌ أي: متباعد من
المكروه، وفي (الصراح)(٢): نزهت بالضم دوري أز ناخوشي وپثمانى، وأصله من
البعد، قال ابن السكيت: ومما يصنعه الناس في غير موضعه قولهم: خرجنا متنزهاً
في الرياض، وإنما التنزه التباعد من المياه والأرياف، ويقال: فلان يتنزه عن الأقذار
ويُنَزِّه نفسَها عنها، أي: يباعدها عنها، والنزاهة البعد عن السوء، وفلان كريم نزه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٢).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٣٩).

٤٥٤
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠١، م:
٢٣٥٦].
بعيد عن اللوم.
وقوله: (إني لأعلمهم بالله) يدل على عدم الفرق بين العلم والمعرفة بتخصيص
الأول بالكليات، والثاني بالجزئيات، اللهم إلا أن يراد أعلمهم بأحكام الله .
وقوله: (أصنعه) إما حال من الشيء أو صفة له؛ لأن اللام في الشيء للعهد
الذهني إذ ليس الشيء المذكور للعهد الخارجي كما قال الطيبي(١)، وإن كان مقتضى
إعادة النكرة معرفة ذلك بل المراد أي شيء كان مطلقاً، ولذا قال: أصنعه، ولم
يقل: صنعته، وهذا المعنى أجيد وأفيد، فافهم.
وقوله: (وأشدهم له خشية)(٢) اعلم أنه قد ذكر في كتب النحو أنه يتوصل في
الفعل الذي يمتنع بناء أفعل منه كالمزيد من الثلاثي، والذي من الألوان والعيوب بنحو
أشد، وأما أنه لا يتوصل به ولا يورد مثل هذا التركيب في غيره إذا أريد المبالغة فلا،
وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿فَهِىَّ كَالِحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ فَسْوَةٌ ﴾ [البقرة: ٧٤] أنه إنما لم يقل: أقسى
لما في (أشد) من المبالغة والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المشبه على زيادة
كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، فمن قال: القياس أخشاهم؛
لأن التوصل بأشد إنما يكون في الفعل الممتنع بناء أفعل منه لم يأت بشيء.
(١) ((شرح الطيبي)) (١/ ٣٠٣).
(٢) إِشَارَةٌ إِلَى الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَقَدَّمَ الْعِلْمَ عَلَى الْخَشْيَةِ لِأَنَّهَا نَتِيجَتُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأُ﴾ [فاطر: ٢٨] قَالَ الطَّيِيُّ: هَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَخْشَاهُمْ عَلَى الأَصْلِ فَإِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ
وَجُعِلَ أَشَدَّ، ثُمَّ فُسِّرَ بِخَشْيَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الأَشَدَّ نَفْسَهُ خَشْيَةٌ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ /٢٢٩)،
وقوله: ((أعلمهم بالله)) إشارة إلى القوة العلمية. ((مرعاة المفاتيح)) (١ / ٢٤٢).

٤٥٥
(١) كتاب الإيمان
١٤٧ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللهِنَ ﴿ِ المَدِينَةَ وَهُمْ
يُؤْبِّرُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: ((مَا تَصْنَعُونَ؟)).
١٤٧ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (وهم) أي: أهل المدينة (يؤبرون) في
(القاموس)(١): أَبَرَ النخلَ والزرعَ، يَأْبُرُه ويأْبِرِهِ، أَبْراً وإِبَاراً وإبارَةً: أصلحه، كأَبّره،
وفي (الصحاح)(٢): أبر نخله وأبّره بالتشديد أي لقّحه وأصلحه، ومنه سِكَّةٌ مأبورة،
وتَأَبَّر النخيل: إذا قَبِلَ الإبار، وأتبرتُ منه: إذا سألته أن يأبُرَ النخل ويصلحه.
وفي (النهاية)(٣): السكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقّحة،
أبرت النخلة إياراً أو تأبيراً مشدداً ومخففاً، وقال النووي (٤): يأبرون بكسر الباء
وضمها بمعنى إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فيعلق بإذن الله(٥)، انتهى.
وظهر مما نقلنا أن يأبر يجيء من المجرد من باب ضرب ونصر، ومن المزيد من باب
التفعيل، والمصحح في النسخ بالتشديد من التفعيل.
وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار)(٦): قوله: ويأبِرون النخل بضم الباء
وكسرها مخففة، ونخل قد أبرت، وأَبَرَ نخلاً أي: يلقّحونها ويذكرونها، وقد جاء
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢١).
(٢) انظر: ((الصحاح)) (١ / ١).
(٣) ((النهاية)) (١ / ١٣).
(٤) (شرح صحيح مسلم)) (١٥ / ١١٧).
(٥) قال القاري: النَّخْلَةُ خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينَةٍ آدَمَ عَلَى مَا وَرَدَ، فَلاَبْدَّ عَادَةً فِي صَلاَحِ نَتَاجِهَا مِنِ
اجْتِمَاعٍ طَلْعِ الذَّكَرِ مَعَ طَلْعِ الأُنْثَى، كَمَا أَنَّهُ لاَبْدَّ عَادَةً فِي تَخَلَّقِ ابْنِ آدَمَ مِنِ اجْتِمَاعٍ مَنِيِّ الذَّكَرِ
وَالأُنْثَى. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢٣٠).
(٦) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٣).

٤٥٦
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: ((لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا) فَتَرَّكُوهُ فَتَقَصَتْ،
قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌّ؛ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ
فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْبِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٣٦٢].
١٤٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((إِنَّمَا مَثَلِي
وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَنَى قَوْماً، فَقَالَ: يَا قَوْمٍ! إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ
بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ،
مفسراً بذلك في الحديث.
وقوله: (قالوا: كنا نصنعه) أي: من قبل قدومك، وهو عادتنا، وله فائدة ما،
فإنه إذا لم نصنع ذلك نقصت، ولكنهم لم ينسبوا الفائدة تأدّباً اكتفاءً في الجواب.
وقوله: (قال) ◌َّير: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً) قال ذلك برأي منه من غير
أن يوحى إليه في ذلك شيء، فإنه رأى أمراً من أمور الجاهلية غير معقول تأثيره في
الزيادة والنقصان من غير نظر إلى أن له خاصية بجريان العادة، ولذا لم يمنعهم عن
ذلك جزماً، يعني ليس لي بأمثال هذا من أمور الدنياوية التفات وغرض، إذ ليس مما
يتعلق به سعادة الدنيا والآخرة، إنما منعتكم عنه بمقتضى ظاهر رأيي، ولعلي أخطئ
فيها بمقتضى البشرية، وإنما المهتم من شأني بيان الأمور المتعلقة بالدين، فإذا أمرتكم
بشيء منها فخذوه واعملوا به، وأما إذا أوحي إلي في شيء فيجب العمل، فافهم.
١٤٨ - [٩] (أبو موسى) قوله: (وإني أنا النذير العريان) وهو مثل سائر بين
العرب قبل البعث، وإنما تكلم به النبي ◌ّ ضرباً للمثل لإفهامهم بَيِّناً لكونه مشهوراً
بينهم، وإنما خص النذير بالعريان مبالغة في الإنذار وحجة على صدق قوله؛ لأنه

٤٥٧
(١) كتاب الإيمان
فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، .
أبين للعين، وأغرب وأشنع عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعَيْنَهم يكون على
مكانٍ عالٍ، فإذا رأى العَدُوَّ نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عرياناً، قيل: كان
عادتهم إذا رأوا الغارة يتعرى من ثيابه واحد منهم ويأخذ ثوبه يرفعه يديره حول رأسه
إعلاماً بالغارة من بعيد، وروي بموحدة بدل مثناة بمعنى المُعرِب الفصيح أي: أنا
النذير الفصيح بالإنذار لا يواري ولا يكني، فالمراد بالنذير العريان كل منذر بهذه
الصفة .
وقوله: (فالنجاء النجاء) بالمد والقصر مصدر نجا ينجو: إذا أسرح، ونجاه
من الأمر: إذا أخلص، ونصبه على الإغراء، ويجوز أن يكون على المصدر أي: انجوا
النجاء، في (القاموس)(١): النجاء النجاء، ويقصران أي: أسرع أسرع، وقال القاضي
عياض (٢): أنا النذير، فالنجا مقصور مفتوح النون، كذا جاء في الحديث، يعني
التخلص، وكذلك النجاة بالتاء، ويقال بالمد أيضاً، حكاهما أبو زيد وابن وَلاّد،
والمد أشهر إذا أفردوه، فإذا كرروه فقالوا: النجا النجا، فالوجهان معروفان المد
والقصر، قال أبو علي: النجاء السلامة ممدود لأنه مصدره وهو عندي بمعنى سبقت
وفُزت، هذا كلامه.
وقوله: (فأدلجوا) بسكون الدال وقطع الهمزة وبوصلها وتشديد الدال، كلاهما
روايتان، الأولى أقوى، قال القاضي عياض(٣) في حديث: (عليكم بالدلجة): الدلجة:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٧).
(٢) («مشارق الأنوار)) (٢/ ٨).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٠٧).

٤٥٨
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ،
فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ
بضم الدال وسكون اللام، كذا الرواية، وهي صحيحة، ويقال بفتح الدال ويضمها
وبفتح اللام أيضاً، واختلف أرباب اللغة في هذا وفي الإدلاج هل يستعمل ذلك كله
في الليل كله وبينهم اختلاف، فقيل: إن ذلك يستعمل في سير الليل كله، وإن الذُّلجة
والدَّلجة سواء فيهما، وإنهما لغتان، وأكثرهم يقول: اذّلج بتشديد الدال: سار آخر
الليل، وأدلج بتخفيفها: الليل كله، يقال: ساروا دلجة بفتح الدال سير الليل كله،
والادّلاج بتشديد الدال، والدلجة بضم الدال: سير آخره، وقال في (القاموس)(١):
الدَّلَج محركة، والدلجة بالضم والفتح: السير من أول اليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا
من آخره: فادَلجوا بالتشديد.
وقوله: (فانطلقوا على مهلهم) في (القاموس)(٢): المهل يحرك، والمهلة بالضم:
السكينة والرفق، ومهله تمهيلاً: أجله، وقال التُّورِبِشْتِي: المهل بالتحريك: التؤدّة
والسكون، والإمهال والتمهيل: الإنظار، والاسم المهلة، وقال القاضي عياض(٣):
(على مهلهم) بفتح الميم والهاء، أي: تؤدتهم من غير استعجال للحوق العدو (٤)،
وقيل: على تقدمهم، ورواه بعضهم بسكون الهاء، وروى الطيبي(٥) عن النووي في
كتاب مسلم: (على مهلتهم) بضم الميم وإسكان الهاء ويتاء بعد اللام، والله أعلم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٨٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٧).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦٣٦).
(٤) كذا في الأصول، وفي ((المشارق)): أي: على تؤدةٍ وغير استعجال لحفز العدو لهم.
(٥) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٠٥).

٤٥٩
(١) كتاب الإيمان
وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي
وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٨٣، م: ٢٢٨٣].
١٤٩ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَثَلِي كَمَثَلِ
رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي
تَفَعُ فِي النَّارِ یَقَعْنَ فِيهَا،
وقوله: (واجتاحهم) أي: استأصلهم، من الجوح وهو الإهلاك والاستئصال
كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، كذا في (القاموس)(١).
١٤٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (استوقد) بمعنى أوقد، والأول أبلغ لزيادة
البناء ولوجود معنى الطلب.
وقوله: (ناراً) شبه بها الحدود التي هي محارم الله تعالى ونواهيه التي يجب
أن يجتنب عنها، وإظهارها بالبيان الواضح البين بإيقاده النار، ونشرها في العالم
بإضاءتها .
قوله: (فلما أضاءت ما حولها) أي: حول النار، هذه رواية مسلم، وفي رواية
البخاري: (ما حوله) كما في التنزيل، والضمير للمستوقد، ثم الغالب في الاستعمال
أن تكون الإضاءة لازمة، ويجوز أن تكون متعدية، فإن جعلت متعدیة کان ما حولها
مفعولاً، وإن كانت لازمة كان فاعل (أضاءت) ما الموصولة، والتأنيث باعتبار كونها
عبارة عن أماكن أو ضمير النار، و(ما حوله) ظرف ويقدر في؛ لأنه لما كان عبارة عن
المكان، فكما تقدر في لفظ مكان قدر فيه، وقد يورد عليه أنه إنما يقدر في لفظ
مكان لكثرته، ولا كثرة فيما كان بمعناه، ويجاب بأنه لما كان في معناه أعطي حكمه،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢١١).

٤٦٠
(٥) باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَتَفَخَمْنَ فِيهَا، فَأَنَ آَخِذٌ بِحُجَزِكُمْ.
وإن اختلف كثرة وقلة، وقد يقال في قلة: (ما حوله) بمعنى المكان خفاء، فتدبر.
أو (ما) مزيدة و(حوله) ظرف، ويرد على الوجهين أنه ليست النار حاصلة حول
نفسها أو حول المستوقد، وفي أمكنة حولها فكيف تضيء فيها؟، وأجيب بأن المراد
دوران ضوئها لكنه جعل دوران الضوء بمنزلة دوران النار إسناداً إلى السبب، والفراش
بالفتح: الطير الذي يلقي نفسه في ضوء السراج، واحده فراشة، وقال الشُّمُنِّي: طائر
يقع في السراج، وقال النووي(١): وهو ما يطير كالبعوض، وقيل: ما يراه كصغار البق
یتهافت في النار.
وقوله: (وجعل) أي: الرجل (يحجزهن) أي: يمنعهن، من حجزه يحجزه
حجزاً: منعه وكفّه، (ويغلبنه) أي: يغلب الدواب الرجل فلم يحجزن، (فيتقحمن فيها)
أي: يقعن في النار من غير رؤية، من قحم في الأمر قحوماً: رمى نفسه فيه فجأة بلا
رؤَّية، ووجه الشبه الجهل بعاقبة التقحم من الإحراق. (وأنا) في رواية البخاري:
(فأنا) (آخذ) يروى بصيغة اسم الفاعل والفعل المضارع، والأول أشهر.
و(بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم وبزاي: جمع حجزة كغرفة وغرف.
وقال في (القاموس)(٢): الحجزة بضم الحاء: معقد الإزار من السراويل موضع
التكة. وفي (مجمع البحار): بضم مهملة وسكون جيم(٣). والمراد بالأخذ بالحجزة:
المنع الشديد؛ لأن الذي يمنع صاحبه عن شيء يتمسك به ليكون المنع أقوى، خصوصاً
(١) ((شرح صحيح مسلم)) (١٥ / ٥٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧١).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٤٧).