النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(١) كتاب الإيمان
نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبَيِّي
مُحَمَّدٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٦٩، ٤٦٩٩ م: ٤٨٧١].
١٢٦ - [٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ
فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ [و](١) إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، .
وقوله: (يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد) لفظ (المصابيح) ههنا
أظهر وأتم: (إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني
الإسلام، ونبيي محمد).
وقوله: (نزلت في عذاب القبر) قد يفهم من هذا أن عذاب القبر اسم للحالة
الثابتة في القبر عذاباً كان أو نعيماً كما نقلنا عن بعضهم في شرح الترجمة، وتوصيف
القول بالثابت لأنه الحق الذي لا يتزلزل، ولا يزول، ثم يستأنس بهذا الحديث
بحسب الظاهر اختصاص عذاب القبر بهذه الأمة كما قيل، إلا أن يقال: المذكور في
الحديث حال هذه الأمة، ويعلم منه أحوال سائر الأمم كما لا يخفى.
١٢٦ - [٢] (أنس) قوله: (وإنه ليسمع)(٢) معترضة أو حال بحذف الواو أو
تأكيد، ويجوز أن يكون جواباً بحذف الفاء، وعلى الثاني قوله: (أتاه) حال من فاعل
يسمع.
وقوله: (قرع نعالهم) قيل: فيه دليل على جواز المشي بالنعال عند القبور
(١) زيادة في نسخة.
(٢) اختلفوا في سماع الموتى وفيها تفاصيل، والمجمل أن الله تعالى يسمعهم ما شاء ولا يسمعون
ما يشاؤون بأنفسهم. قال النووي: لا يصح السماع، ورجحه ابن الهمام، وقال القاضي عياض
بسماعهم. كذا في ((التقرير)).

٤٢٢
(٤) باب إثبات عذاب القبر
أَنَاهُ مَلَكَانٍ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ.
وبين ظهرانيها .
وقوله: (فيقعدانه) قال الُّورِبِشْتِي(١): الأصل فيه أن يحمل على الحقيقة على
حسب ما يقتضيه الظاهر، ويحتمل أن يراد به التنبيه لما يسأل عنه، والإِيقاظ لما هو
فيه بإعادة الروح المميز الإنساني إليه كالنائم الذي يوقظ، ومن الجائز أن يقال: أجلسته
من نومه أي: أيقظته من رقدته على المجاز والاتساع؛ لأن الغالب من حال النائم إذا
استيقظ أن يجلس، فجعل الإجلاس مكان الإيقاظ، انتهى.
ثم إنه جاء في حديث آخر: (فيجلسانه) والقعود والجلوس مترادفان، وقال
في (القاموس)(٢): القعود: الجلوس، أو هو من القيام، والجلوس من الضجعة ومن
السجود، انتهى. وعلى الثاني يكون رواية: (يجلسانه) كما يجيء من حديث أحمد
وأبي داود أظهر وأفصح، ويكون رواية: (يقعدانه) كما في الصحيحين رواية بالمعنى.
وقال الطيبي(٣): إذا ذكرا معاً ذكر القعود مع القيام، والجلوس مع الاضجاع،
وبدون ذكرهما يجوز ذكر الجلوس من القيام كما جاء ذلك في حديث جبرئيل: (حتى
جلس إلى النبي ◌َّ)، انتهى.
وقوله: (في هذا الرجل) أي: الرجل العظيم الذي هو الرجل الحقيقي الذي
يحق أن يسمّى رجلاً، فاسم الإشارة للقرب للتعظيم كما ذكر في علم المعاني، وقال
الطيبي (٤): عبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحاناً للمسؤول لئلا يتلقن تعظيماً
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٧٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٥).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٧٨).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٧٩).

٤٢٣
(١) كتاب الإيمان
لِمُحَمَّدٍ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ
إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَفْعَداً مِنَ الْجِنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً، وَأَمَّا
الْمُنَفِقُ وَالْكَافِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقُولُ: لاَ أَدْرِي،
كُنْتُ أَقُولُ: مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ،
عن عبارة القائل.
وقوله: (لمحمد) بيان من الراوي.
وقوله: (فيراهما) الحكمة في إرائتهما جميعاً زيادة فرحة بتخليصه بالبلية
وتخصيصه بالعطية، ولم يذكر هذا في الكافر اكتفاءً.
وقوله: (كنت أقول: ما يقول الناس) الظاهر أن المراد بما يقولون التكذيب
والإنكار، هذا بحال الكافر المجاهر أنسب، والمنافق أيضاً يقول في الخلوة بشياطينه
كذلك، وهكذا في حديث أبي هريرة في الفصل الثاني، وقال الطيبي(١) هناك: قد
سمعت الناس أي: المسلمين يقولون: إنه نبي، فقلت مثل قولهم وما شعرت غير
ذلك، فتدبر.
وقوله: (لا دريت ولا تليت) كلاهما على صيغة المخاطب من الماضي المعلوم،
إما دعاء أو خبر، أما (دريت) فمن الدراية بمعنى العلم، وأما (تليت) فقال القاضي
عياض (٢): (ولا تليت) كذا الرواية عندنا ههنا بفتح التاء واللام، قيل: معناه لا تلوت
يعني القرآن أي: لم تدر ولم تتل أي: لم تنتفع بدرايتك وتلاوتك، كذا قال لي أبو
الحسين، ورد قول الأنباري فيه وغيره، وقيل: معناه لا تبعت الحق، قاله الداودي،
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٨٥).
(٢) انظر: ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٨٨).

٤٢٤
(٤) باب إثبات عذاب القبر
وقيل: لا تبعت ما تدري، قاله ابن القزاز، وقيل: هو على عادة العرب في أدعيتها
التي تدغم بها كلامها، قالوا: والواو هنا الأصل فحولت ياء لاتُباع دريت، وقال ابن
الأنباري: (تليت) غلط والصواب أتليت، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله أي: لا تكون لها
أولاد تتلوها أي: تتبعها، هذا مذهب يونس بن حبيب، قال ابن السراج: وهذا بعيد
في دعاء الملكين [للميت]، ولعل ابن الأنباري أراد أن هذا أصل هذا الدعاء، ثم
استعمل كما استعمل غيره من أدعية العرب، قال أبو بكر: والوجه الثاني: [أن يكون]
ايتليت على أنه افتعلت من قولك: ما آلوت هذا أي: لا دريت ولا استعطت أن تدري،
يقال: ما آلوه أي: ما أستطيعه، وهذا مذهب الأصمعي، وقال الفراء مثله إلا أنه
فسره: ولا قصرت في طلب الدراية، فيكون أشقى لك من قولهم: ما آلوت أي:
ما قصرت، وذكر أبو عبيد فيه أيضاً: ولا آليت كأنه من آلوت أي استعطت، وقد بينا
من صحة المعاني التي توافق الرواية ما لا يحتاج معه إلى ما يقوله أبو بكر، والموفق
الله، انتهى كلام القاضي.
(تنبيه) ذكر في (شرح قصيدة الأمالي) لبعض فقهاء المحدثين من أهل المدينة
ما نصه: فإن قيل: ليس في الحديث الصحيح إلا ذكر عذاب المنافق والكافر، ونجاة
المؤمن في القبر، ولم يذكر المذنب من المؤمنين هل يعذب أم لا؟ فالجواب أن الحديث
خرج مخرج الترغيب في الإيمان في أوائل الأمر، فلم يذكر إلا حال المنافق والكافر
تحذيراً من مثل حاله، وحال المؤمن الطائع ترغيباً في مثل حاله، ولم يذكر قيد
الطاعة إلا تشويقاً إلى الإيمان، وأخر ذكر حال المؤمن العاصي إلى وقت الاحتياج
بحديث صاحب القبرين، أو أنه وس﴿ لم يكن أعلم إذ ذاك أن أحداً يعذب في القبر
كما يشير إليه قصة اليهودية أخبرت بعذاب القبر، أو الحديث الذي اقتصر فيه على

٤٢٥
(١) كتاب الإيمان
وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ
التَّقَلَيْنِ)) مُتَّفَقٌ عليه، وَلَفظه للْبُخَارِيّ. [خ: ١٣٣٨، ١٣٧٤، م: ٢٨٧٠].
ذكر المنافق إنما هو في حق أهل عصره وَل﴿ فقط، وقد كان مؤمنهم مطيعاً مغفور
الزلات، وأما غيرهم فتثبت حالهم الأحاديث التي فيها العذاب لبعض العصاة، كذا
ذكره بعضهم.
وقد تكلم على المسألة السيد الأجل السمهودي، فقال: أما سؤال الملكين
فقضيتهما أن المؤمن وإن كان فاسقاً فإنه يجيب الملكين بما اشتملت عليه تلك
الأحاديث، وإجابته بذلك صحيحة من حيث المعنى، وأما ما يقال له من البشارة فيحتمل
الأمرين؛ أحدهما: عدم مساواة المؤمن الفاسق لغيره في ذلك، فأكمل البشارة للمؤمن
الكامل ولغيره ما يصلح به على حسب حاله، وثانيهما: المساواة لكن في أصل ما وقع
التبشير به ويكون مقولاً بالتشكيك، إلا أن يكون الفاسق ممن شاء الله مغفرة ذنوبه، أو
حصل التكفير لها بالمصائب المؤلمة ونحوها من المكفرات، والله أعلم.
وقوله: (ويضرب بمطارق من حديد ضربة) أي: يضرب بكل مطرق ضربة.
وقوله: (يسمعها من يليه من غير الثقلين) اقتصر ◌َّ في هذا المقام على سماع من يليه
اكتفاءَ بأصل المقصود قصداً إلى إنذارهم، ويمكن أنه يوحى إليه في هذا الوقت هكذا،
وفي وقت آخر فإنه يسمعها من في المشرق والمغرب، ولا منافاة بينهما لعدم اعتبار
مفهوم المخالف في مثل هذا المقام لظهور المقصود، فافهم، و(من) لذوي العقول يشمل
الملائكة والثقلين وغيرهم تغليباً، وغلب العقلاء على غيرهم لشرفهم، ولأن السماع
من خواصهم فجعل غيرهم في حكمهم فعبر بـ (من) ثم استثنى الثقلين، وذلك لئلا
يرفع الابتلاء ولا ينقطع المعاش.

٤٢٦
(٤) باب إثبات عذاب القبر
١٢٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ
إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ
أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقَالُ: هَذَا مَفْعَدُكَ حَتَّى
يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٩، م: ٢٨٦٦].
١٢٨ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ لَّهُ: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ
الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ وَيُ
عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: ((نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٍ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ ◌َ﴿ بَعْدُ صَلَّى ..
١٢٧ - [٣] (عبدالله بن عمر) قوله: (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة)
تقدير الكلام: إن كان الميت من أهل الجنة فيعرض عليه مقعد من مقاعد أهل الجنة.
وقوله: (حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) قال التُّورِبِشْتِي(١): الهاء يرجع إلى
المقعد، ويجوز أن يعود إلى الله، وهذا لفظ (المصابيح)، وقد روي أيضاً في الأحاديث
الصحاح: (حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة) أي: هذا مستقرك إلى يوم القيامة، ويجوز
أن يكون المعنى حتى يبعثك الله إلى محشر يوم القيامة، فحذف المضاف، انتهى.
لا يخفى أن معنى قوله: عرض عليه مقعد من مقاعد الجنة أن يراه، يقال:
عرض الشيء عليه أراه، كما جاء في حديث آخر: (يفتح له باب إلى الجنة) وليس
هو داخلاً الآن في الجنة مستقراً في مقعده، فلعل معنى العبارة: هذا مقعدك يتوقف
دخولك واستقرارك فيه إلى وقت بعث الله إياك إليه يوم القيامة، فافهم.
١٢٨ - [٤] (عائشة) قوله: (قالت عائشة: فما رأيت رسول الله يلهو بعد صلى
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٧٢)، وانظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٤٣).

٤٢٧
(١) كتاب الإيمان
صَلَةً إِلَّ تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٢، م: ٥٨٦].
١٢٩ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِنَّهِ فِي خَائِطِ
لِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِهِ، وَإِذَا أَقْبرُ
ستَّةٌ أَوَ خَمْسَةٌ، فَقَالَ: ((مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟))، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا،
قَالَ:
صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر) قال التُّورِبِشْتِي(١): ولقد وجدت في مسموعات
أبي جعفر الطحاوي: (أن النبي ◌َّر سمع يهودية في بيت عائشة لما تقول: إنكم تفتنون
في القبور فارتاع رسول الله وَّر، وقال: إنما تفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي،
ثم قال: أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟)(٢) فلو صح هذا كان الوجه
فيه أن النبي ◌َّ توقف في شأن أمته في فتنة القبر، إذ لم يوح إليه فيه، فلما أوحي إليه
تعوذ منه، ووجدت في حديث آخر: أن عائشة ◌َ قالت: فلا أدري أكان رسول الله وَليه
يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ بقول اليهودية؟، فعلى هذا يحتمل أنه كان يتعوذ،
ولم تشعر به عائشة ◌َّ، فلما رأى استغراباها لهذا القول وتعجبها منه أعلى صوته
بالتعوذ ليترسخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا من فتنة القبر على خيفته.
١٢٩ - [٥] (زيد بن ثابت) قوله: (في حائط) أي: بستان، والحائط يجيء
بمعنى البستان كما سبق في أول (كتاب الإيمان) [برقم: ٣٩].
وقوله: (إذا حادت به) بالتخفيف أي: مالت، في (النهاية)(٣): حاد عن الشيء
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٧٢).
(٢) أخرجه مسلم (٥٨٤)، والنسائي (٢٠٦٤).
(٣) ((النهاية)) (١ / ٤٦٦).

٤٢٨
(٤) باب إثبات عذاب القبر
(فَمَتَى مَاتُوا؟)) قَالَ: فِي الشِّرْكِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا،
فَلَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ
مِنْهُ)، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِالهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ»، قَالُوا:
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِالهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، قَالُوا:
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا
بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٨٦٧].
وعن الطريق يحيد: إذا عدل، وفي ذم الدنيا: الحيود: الميود، فالباء للتعدية.
وقوله: (فَمَتَى مَاتُوا؟ قَالَ: فِي الشِّرْكِ) ظاهره أنهم ماتوا في الجاهلية فعذابهم
لأجل ترك التوحيد وأمثاله من العقليات، فافهم.
وقوله: (إن هذه الأمة) المراد بها جنس الإنسان.
وقوله: (فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر) قالوا:
يحتمل أن يكون المراد أنهم لو سمعوا ذلك للحقهم من الخوف والدهشة ما شغلهم
عن التدافن، كما ذكر أن الحكمة في عدم سماع الثقلين صيحة الميت من ضربة
المطارق أن لا ينقطع ويتعطل المعاش، فترك التدافن ليس من جهة اعتقاد أنه يمنع
العذاب لأنه يعذب وإن لم يدفن، ويعذب في بطون الحيتان وحواصل السباع، وكيف
يتركون وقد أمروا بذلك بل من جهة طيران أفئدتهم، وذهاب عقولهم الموجب للذهول
عن الأمر واعتقاد التعذيب، ولو لم يدفن، أو أنهم لو سمعوا ذلك لحصلت لهم دهشة
من مشاهدة الموتى حتى لا يكادون يقربون جيفة ميت.

٤٢٩
(١) كتاب الإيمان
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٣٠ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ
أَتَاهُ مَلَكَانٍ أَسْوَدَانٍ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَللآخَرِ: النَّكِيرُ، ..
ووجه آخر، وهو أن الأحياء ما زالوا يوارون سوآت الأموات طبعاً وحمية،
وندبوا إلى ذلك شرعاً أيضاً بقوله: (اذكروا أمواتكم بالخير)، فلو سمعوا صياح المعذبين
لاحتمل أن يحملهم ذلك على أن يطرحوا موتاهم في صحاري بعيدة خوفاً من أن
يطلع الناس على ذلك، فإن القبور كالمنازل يجتمعون عليها، ولا ينسون مواضعها،
فافهم، والله أعلم.
الفصل الثاني
١٣٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أسودان أزرقان) قال التُّورِبِشْتِي(١): أسودان
يحتمل أن يكون على الحقيقة لما في لون السواد من الهول والنكر، ويحتمل أن
يكون كناية عن قبح المنظر وبشاعة الصورة، وأما الزرقة فالمراد به وصفهما بتقليب
البصر وتحديد النظر إليه يقال: زرقت عينه نحوي: إذا انقلبت وظَهَرَ بياضُها، كما
ينظر العدو إلى من يعاديه، وقيل: إنما وصف العدو بالزرقة؛ لأن الروم أعداء العرب
وهم زرق العيون، وقال في (القاموس)(٢): الزَّرَقُ: العمى، وَ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقَا﴾ [طه: ١٠٢]
أي: عمياً، انتهى. وفي الحديث الآتي: (ثم يقبض له أعمى) كناية عن عدم الترحم
والشفقة .
وقوله: (يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير) النكرة خلاف المعرفة، ونکر
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٧٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٠).

٤٣٠
(٤) باب إثبات عذاب القبر
فَيَقُولَاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ
هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي سَبْعِينَ، ثُمَّيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ
يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ
الْعَرُوسِ الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إِلاَّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ،
الأمر ككرم: صعب، ونكر فلان الأمر كفرح، والمنكر ضد المعروف اسم مفعول من
الإنكار، ونكير فعيل من النكر، وإنما سميا بهما لعدم معرفة الميت إياهما وتوحشه
عنهما وعدم استیناسه بهما .
وفي (شرح العقيدة الأمالية) لبعض الفقهاء المحدثين من أهل المدينة: قال
الحليمي: يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكراً، وبعضهم
نكيراً، فيبعث إلى كل منهم اثنان كما أن الموكل عليه لكتابة عمله ملكاً، وفيه: قال
بعض العلماء: منكر ونكير اسمان لملكي المذنب، وأما المطيع فملكاه اسمهما مبشر
وبشير، وقال السيد السمهودي: ولم أقف على أصل لما قاله، وقد عزاه الحافظ ابن
حجر لبعض الفقهاء، والذي يقتضيه ما في الأحاديث استواء المؤمن في اسميتهما
ووصفيتهما، أقول: وهو الظاهر؛ لأن مجيء الملكين إنما هو للامتحان والابتلاء،
فالظاهر الإتيان بصفة النكرة، ثم هما يبشران المؤمن بعد تثبته في الجواب، والله أعلم.
وقوله: (قد كنا نعلم أنك تقول هذا) بإيناس سيماء الإيمان في وجهه أو
بإعلام الله .
وقوله: (كنومة العروس) وفي (القاموس): الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما،
وهم عروس، وهن عرائس، والعرس بالكسر: امرأة الرجل، والعرس بالضم ويضمتين :

٤٣١
(١) كتاب الإيمان
حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقاً قَالَ: سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ
قَوْلاً فَقُلْتُ مِثْلَهُ لاَ أَدْرِي، فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ
لِلأَرْضِ: الْتَِّي عَلَيْهِ، فَلْتَثِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ أَضْلاَعُهُ، فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّباً
حَتَى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٧١].
١٣١ - [٧] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ قَالَ: ((يَأْتِيهِ مَلَكَانٍ
فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَاَنِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟
فَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلاَمُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُول:
هُوَ رَسُولُ اللهِوَهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ فَآمَنْتُ
بِهِ وَصَدَّقْتُ؛ فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآيَة
[إبراهيم: ٢٧]، قَالَ: فَيَُّادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَق عَبدِي فَأَفْرِشُوهُ ...
طعام الوليمة والنكاح، وأعرس: اتخذ عرساً، وبأهله: بنى عليها.
وقوله: (حتى يبعثه الله من مضجعه) متعلق بمحذوف، أي: ينام هكذا إلى
يوم البعث.
١٣١ - [٧] (البراء بن عازب) قوله: (ما هذا الرجل) أي: ما وصفه؟.
وقوله: (أن صدق عبدي) أن مفسرة لما في النداء من معنى القول، كقوله تعالى:
﴿ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَإِبَهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] وسمي المؤمن عبداً لإطاعته وانقياده، وأضافه
إلى نفسه تشريفاً له بخلاف الكافر.
وقوله: (فأفرشوه) قال التُّورِبِشْتِي(١): أفرشوه بألف القطع أي: اجعلوا له
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٧٥).

٤٣٢
(٤) باب إثبات عذاب القبر
مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَاقْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى الْجَنَّةِ فِيُفْتَحُ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ
مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَذَّ بَصَرِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَذَكَرَ مَوْتَهُ،
قَالَ: وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، .
فرشاً من فرش الجنة، ولم نجد الإفراش على هذا المعنى في المصادر، وإنما هو
أفرش أي: أقلع عنه، فهذا اللفظ إذاً على هذا المعنى من باب القياسي الذي ألحق
الألف بثلاثيه، ولو كان من باب الثلاثي لكان حقه أن يروى بألف الوصل، والمعنى
ابسطوا له، ولم نجد الرواية إلا بالقطع، انتھی.
وفي (القاموس)(١): فَرَشَ فَرْشاً وفراشاً: بسطه، والفرش: المفروش من متاع
البيت، وما أفرش عنه: ما أَقْلَعَ، وأفرشه بساطاً: بسط له، كفَرَشَهُ فرشاً وفَرَّشَه تفريشاً،
ويظهر منه الإفراش جاء بمعنى بسط الفرش.
وقوله: (ألبسوه) أيضاً بهمزة القطع .
وقوله: (ويفسح له فيها) أي: في القبر كما مر في الحديث السابق: (ويفسح له
في قبره)، ولعل تأنيث الضمير باعتبار الجنة أي: في قبره في جانب الجنة التي يفتح له
باب إليها، فافهم، ومد البصر أي مداه وهي الغاية، وقد سبق أنه يفتح له في قبره
سبعون في سبعين ذراعاً، وكلاهما كناية من غير اعتبار تعينه، والفسحة المقدرة بالذراع
لعوام المؤمنين وذلك أدناها، والفسحة مد البصر لخواص عباد الله الصالحين.
وقوله: (فذكر) بلفظ المعلوم أي: ذكر النبي ◌َّر.
وقوله: (ويعاد روحه في جسده) ظاهر في الإحياء حقيقة كما في الدنيا، ولا يظهر
لتخصيصه بالكافر وجه إلا أن يقال: فيه كمال التعذيب والمبالغة فيه، والله أعلم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٥٥).

٤٣٣
(١) كتاب الإيمان
وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَاَنِ لَهُ: مَنْ رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِي،
فَيَقُولَاَنِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِي، فَقُولاَنِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ
الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِي، فَيَُّدِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ
فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَاقْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى النَّارِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ
مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ، ثُمَّ
يُقَيِّصُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ مَعَهُ مِرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَاباً،
فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْربِ إِلَّ الثَّقَلْنِ،
وقوله: (هاه هاه) كلمة توجع وتحير.
وقوله: (فأفرشوه من النار) يحتمل أن يكون (من) تبعيضية أو زائدة، فيكون
الفراش واللباس من النار بعينها، وأن يكون ابتدائية كما في قوله: (من الجنة)، ويجوز
أن يكون في النار فرشاً وألبسة قبيحة مؤلمة، والله أعلم.
وقوله: (ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد) (يقيض) على لفظ المضارع
المجهول أي: يقدر ويسلط، وأصل الكلمة من القيض وهي القشرة العلياء من البيض،
أي يستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وقيل: أصلها القيض بمعنى البدل، ومنه
المقايضة بمعنى المعاوضة أي: ملك في صورة رجل أعمى وأصم، وكونه أعمى وأصم
كناية عن عدم الرحمة والرقة، والمرزبة بكسر الميم وسكون الراء ويفتح الزاء والباء
مشددة أو مخففة، وهي التي يكسر بها المدر، كذلك الأرزبة، قال في (القاموس)(١):
الأرزبة والمرزبة مشددتان أو الأولى فقط: عُصَيَّةٌ من حديد.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦).

٤٣٤
(٤) باب إثبات عذاب القبر
فَيَصِيرُ تُرَاباً، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢٨٧/٤ -
٢٩٥، ٢٩٦، د: ٤٧٥٣].
وقوله: (فيصير تراباً ثم يعاد فيه الروح) كرر الإعادة كقوله تعالى: ﴿كَمَا نَضْحَتْ
جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُ ﴾ [النساء: ٥٦]، ولعله خص هذا بالكافر تشديداً
ومبالغة في تعذيبه وجزاءً لإنكاره بالبعث، ثم الذي يقطع بوجوده في القبر إيجاد
شيء من الحياة في جزء من أجزاء الميت يدرك به الألم، وإن لم يكن إحياءً حقيقة
كما في الدنيا، فإن كان المراد بالإعادة هذا المعنى فذاك، وإن كان الإحياء الحقيقي
فهذا أيضاً يكون مخصوصاً بالكافر تشديداً في العذاب، وعلى هذا يكون في القبر
إحياءان وإماتتان .
قال الطيبي(١): ولا يبعد أن يتسمك به من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين
في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَافَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن
سَبِيلٍ ﴾[غافر: ١١]، انتهى.
وشرح هذا الكلام أنه قد قيل: إن المراد بالإماتة الأولى خلقهم أمواتاً، فإن
الإماتة جعل الشيء عادماً للحياة ابتداءً أوبتصير كالتصغير والتكبير في قولهم: سبحان
من صغّر البعوض وكبّر الفيل، والإماتة الثانية تصييرهم أمواتاً عند انقضاء الآجال،
والإحياء الأول إيجادهم، والثاني إحياؤهم بالبعث، وقيل: الإماتة الأولى عند انخرام
الأجل، والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال، والإحياءان ما في القبر والبعث، كذا
قال البيضاوي(٢)، ويظهر من هذا الحديث أنه يحيى الكافر في القبر للسؤال، ثم
(١) ((شرح الطيبي)) (١/ ٢٨٨).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٥٣).

٤٣٥
(١) كتاب الإيمان
١٣٢ - [٨] وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرِ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ
لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّهُ وَالنَّارُ فَلاَ تَبْكِي، وَتَبَّكِي مِنْ هَذَا؟(١)، ....
يموت ثم يعاد فيه الروح، ثم يموت، فيقول الطيبي: لا يبعد أن يتمسك بالحديث
من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين، وهو صحيح.
ثم قد تمسك به المنكرون بعذاب القبر بهذه الآية، وقالوا: لو كان في القبر
إحياء وإماتة لقالوا: ربنا أمتنا ثلاثاً وأحييتنا ثلاثاً، ولا يتم التمسك فإنهم ذكروا اثنين
ولم يذكروا الآخر، ولا يجب ذكر الكل.
ثم لا يذهب عليك أنه يظهر مما ذكروا أن الميت بعد السؤال والعذاب والتنعيم
وفتح باب الجنة والنار وإراءة المقعد من كل منهما يموت، ثم يحيى بالبعث، فتعلق
الروح بالبدن في القبر يكون لأجل السؤال والتعذيب فقط، نعم شعور الروح باق
حتى إنه يعرف الزائر كما جاء في الأخبار، فتدبر.
١٣٢ - [٨] (عثمان) قوله: (حتی یبل لحیته) أي: یبل عثمان لحیته بدموعه.
(١) أَيْ: مِنَ الْقَبْرِ يَعْنِي مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِ، قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَبْكِي - عُثْمَانُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشْهُودِ
لَهُمْ بِالْجَنَّةِ - إِمَّا لِإِحْتِمَالِ أَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِذَلِكَ كَانَتْ فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ،
أَوْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ آحَاداً، فَلَمْ يُفِدِ الْبَقِينَ، أَوْ كَانَ يَبْكِي لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَخَافُ مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ
وَشَهَادَةِ النَّبِّ ◌َّلَهُ بِالْجِنَّةِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِأَنْ يَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْتَرِزَ مِنْهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ .
وَالأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنَ النَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ
وَلاَ عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقاً مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّْشِيرُ مُقَّداً بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ
يَنْسَى الْبِشَارَةَ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الْفَطَاعَةِ، أَوْ بُكَاؤُهُ لِفَقْدِ النَّبِّ ◌َهُ وَأَصْحَابِهِ، أَوْ لاِبْتِلاَئِهِ بِزَمَنِ الْجَوْرِ
وَأَرْبَابِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفاً مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ سَعْدِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ
لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كُلُّ سَعِيدٍ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ٢١٥).

٤٣٦
(٤) باب إثبات عذاب القبر
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ
نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ))، قَالَ: وَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَا رَأَيْتُ مَنْظراً قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٠٨، جه: ٤٢٦٧].
١٣٣ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ
عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، ثُمَّ سَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَُّ الآنَ يُسْأَلُ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٢١].
وقوله: (ما رأيت منظراً) أي: منظراً فظيعاً، ولعل هذا مبالغة وإلا فالنار أفظع
من كل شيء، ويحتمل أن يكون المراد المناظر التي في الدنيا، والله أعلم.
١٣٣ - [٩] (عنه) قوله: (سلوا له بالتثبيت)(١) أي: ادعوا له بأن يثبته الله
(١) أَي: ادْعُوَا لَهُ بِدُعَاءِ الَثْبِيتِ، يَعْنِي قُولُوا: ثََّهُ اللهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، أَوِ اللَّهُمَّ ثَبَّتْهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ،
وَهُوَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ الَّلْقِينِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ:
وَلَيْسَ فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى التَّلْقِيْنِ عِنْدَ الدَّفْنِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ، وَلاَ نَجِدُ فِيهِ حَدِيثاً مَشْهُوراً وَلاَ بَأْسَ
بِهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّ ذِكْرُ اللهِ تَعَلَى، وَعَرْضُ الإِعْتِقَادِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْحَاضِرِينَ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ،
وَالإِرْغَامُ لِمُنْكِرِي الْحَشْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَةُ وَالسَّلاَمُ: ((لَقْنُوا مَوْتَاكُمْ
قَوْلَ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُهُ فَالْمُرَادُ عِنْدَ الْمَوْتِ لاَ عِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ. قاله القاري ((مرقاة المفاتيح))
(١/ ٢١٦). قال النووي: اتفق كثير من أصحابنا على استحباب التلقين إذا دفن الميت يقف
أحد عند رأسه، ويقولُ: يا فلانُ بن فلانٍ، اذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها،
وأن الله يبعث من في القبور، قُل: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ◌َّ نبيًّا، وبالكعبة
قبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً، ربّي الله لا إِلهَ إِلا هو، وهو رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ،
وروي في ذلك حديث عن أبي أمامة ليس بالقائم إسناده ولكن اعتضد بشواهد منها الحديث =

٤٣٧
(١) كتاب الإيمان
١٣٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَيُسَلَّطُ عَلَى
الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِيناً تَنْهَسُهُ وَتَلْدَغُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لَو أَنَّ
تِيناً مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتْ خَضِراً». رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ
نَحْوَهُ، وَقَالَ: ((سَبْعُونَ)) بدلَ ((تِسْعَةً وَتَسْعُونَ)). [دي: ٣٢١/٢، ت: ٢٤٦٠].
على جواب الملكين بالقول الثابت، وفيه دليل على أن الدعاء نافع للميت، وفي
عقائد أهل السنة والجماعة في دعاء الأحياء للأموات نفع لهم، وتلقين بعد الدفن
شيء آخر غير الدعاء، وهو مستحب عند كثير من الشافعية، وقد نقل عن بعض
أصحابنا أيضاً، وقد ورد فيه حديث عن أبي أمامة ذكره السيوطي في (جمع الجوامع)
من حديث الطبراني وابن النجار وابن العساكر والديلمي، ونقل الطيبي(١): عن سنن
البيهقي استحباب قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها، وقد سمعت عن بعض العلماء أنه
يستحب ذكر مسألة من المسائل الفقهية (٢)، وقال الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية)(٣):
واختلفوا في إجلاس القراء ليقرؤا القرآن عند القبر، والمختار عدم الكراهة.
١٣٤ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (تسعة وتسعون تنيناً) في (القاموس) (٤): التِّنِّين
كسكِّيت: حية عظيمة، (تنهسه وتلدغه) النهس بالمهملة: الأخذ بأطراف الأسنان،
= المذكور، وأهل الشام يعملون قديماً، وذكر في ((الأذكار)) (ص: ٢٨٩) عن الشافعي وأصحابه
أنه يُستحب أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسناً، وفي
((سنن البيهقي): أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها.
انظر: ((التعليق الصبيح)) (١/ ١١٢)، و((المجموع شرح المهذب)) (٣٠٤/٥).
(١) (شرح الطيبي)) (٢٨٩/١).
(٢) كذا في الأصول.
(٣) ((فتح القدير)) (٣/ ٤٣١).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٩٠).

٤٣٨
(٤) باب إثبات عذاب القبر
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٣٥ - [١١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ
مُعَاذٍ حِينَ تُؤُفِّيَ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِنَّهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ
عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ فَسَبَّحْنَا طَوِيلاً،.
وبالمعجمة الأخذ بكلّها، والرواية بالمهملة، وتلدغه بمنزلة التأكيد؛ لأن اللدغة
أشد، والعلم بالعدد قطعاً موكول إلى الشارع، وقد يقال: هذه الحيات صورة الأخلاق
تمثلت بها، ولعل أصولها في الشارع تسعة وتسعون، والمراد بالسبعين المبالغة والتكثير،
وقد ذكر الُّورِبِشْتِي وجهاً آخر (١).
الفصل الثالث
١٣٥ - [١١] (جابر) قوله: (فسبحنا طويلاً) يحتمل أن يكون (طويلاً) متعلقاً
بـ (سبح) وبـ (سبحنا) بالتنازع.
(١) قال القاري: وَجْهُ تَخْصِيصِ الْعَدَدِ لاَ يُعْلَمُ إِلاَّ بِالْوَحْيِ، وَيخْتملُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةٌ
وَتِسْعِينَ اسْماً، فَالْكَافِرُ أَشْرَكَ بِمَنْ لَهُ هَذِهِ الأَسْمَاءُ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِعَدَدِ كُلِّ اسْمٍ تِنْيناً، أَوْ يُقَالُ:
قَدْ رُوِيَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَلَى مِثَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا وَاحِدَةً فِي الدُّنْا بَيْنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ،
فِيهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطُفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ
إِلَى الْآخِرَةِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُسَلّطِ عَلَى الْكَافِرِ بِمُقَابَلَةٍ كُلِّ رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ◌ِنِّناً، كَذَا قَالَهُ
ابْنُ الْمَلَكِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢١٦)، وقوله: ((سَبْعُونَ)) قَالَ الْعَيْنِيُّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الأَخِيرَةُ
ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا فِي ((الأَزْهَارِ)). قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِتَقْدِيرٍ وُرُودِهِمَا يُجْمَعُ بِأَنَّ الأَوَّلَ لِلْمَنْبُوعِينَ
مِنَ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي لِلَّابِعِينَ، أَوْ بِأَنَّ سَبْعِينَ يُعَبَُّ بِهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ جِدًّا،
فَحِينَئِّذِ هِيَ لاَ تُنَافِي الأُولَى لِأَنَّهَا مُجْمَلَةٌ وَتِلْكَ مُبَيَِّةٌ لَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلاَفِ
أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّ الإِمَامَ الْغَزَّالِيَّ - رَحِمَهُ اللهُ - صَرَّحَ بِأَنَّ عَذَابَ الْكَافِ الْغَقِيرِ فِي النَّارِ أَهْوَنُ مِنْ
عَذَابِ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ. («مرقاة المفاتيح)) (١ / ٢١٧).

٤٣٩
(١) كتاب الإيمان
ثُمَّ كَبََّ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: ((لَقَدْ تَضَايَقَ
عَلَى هَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم:
٣/ ٣٦٠، ٣٧٧].
١٣٦ - [١٢] وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ
لَهُ الْعَرْشُ،
وقوله: (ثم كبر فكبرنا) يحتمل أن المراد بها أيضاً طويلاً.
وقوله: (على هذا العبد الصالح) أي: الصالح الذي اهتز لموته العرش، وحضرته
سبعون ألفاً من الملائكة، وقصة موته في غزوة الخندق، وكلمة (حتى) للغاية، وفيه
إيماء إلى أن التفريج ببركة تسبيحه وتكبيره وَي﴾، ويحتمل أن يكون التسبيح والتكبير
تعجباً واستعظاماً، وعلى الأول غاية لقوله: سبحت وكبرت المقدرين، وعلى الثاني
غاية لنحو توقف وتأخر التضايق حتى فرجه، فافهم.
١٣٦ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (هذا الذي تحرك له العرش) وفي رواية
أخرى: (اهتز لموت سعد العرش)، وفي رواية: (عرش الرحمن)، والهز لغة: الحركة،
واهتز: تحرك، واختلف الأقوال في تعليله، فقيل: استعمل الاهتزاز في معنى
الارتياح، وهو النشاط، وكل من خفف لأمر وارتاح له فقد اهتز له أي: ارتاح لصعود
روحه واستبشر لكرامته على ربه، وقيل: أراد فرح أهل العرش بموته يعني لصعود
روحه المطهرة إليهم، وقيل: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته نحو أظلمت الأرض
لموت فلان، وقامت له القيامة، وقيل: اهتزازه لفقده ومصيبته، على طريقة قوله تعالى:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ ﴾ [الدخان: ٢٩]. أقول: يؤيد التعليل بالفرح والسرور لقدومه ما جاء
في حديث آخر: (أتى جبرئيل فقال: مَنْ رجل مِنْ أمتك مات بالليلة استبشر لموته

٤٤٠
(٤) باب إثبات عذاب القبر
وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلَّفاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً
ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [س: ٢٠٥٥].
١٣٧ - [١٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَيُ
خَطِباً فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ
ضَجَّةً، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا، وَزَادَ النَّسَائِيُّ: حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلاَمَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارَكَ اللهُ
فِيكَ مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِنَّه فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ: قال:
أهل السماء؟ فقال ◌َّ: لا إلا أن يكون سعد)(١).
وقيل: أراد بالعرش سريره الذي حمل عليه إلى القبر، وكأنه لم يبلغ هذا القائل
رواية (عرش الرحمن)، وأيضاً ليس فيه كثير مدح، وقيل: حركة السرير واضطرابه،
كزحف جبل أحد فضيلة لمن كان عليه، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وبعض
أصحابه وثه، وعلم مما ذكرنا أن المراد من الاهتزاز حقيقة أو مجاز.
وقوله: (وفتحت له أبواب السماء) كأن أهل كل باب انتظروا صعود روحه.
١٣٧ - [١٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (فذكر فتنة القبر) قد عرف معنى
الفتنة في (باب الوسوسة) [برقم: ٧١]، وحاصله الابتلاء والامتحان.
وقوله: (حالت) صفة (ضجة).
وقوله: (أي بارك الله) (أي) حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: أي
فلان .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٧٩٧).