النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(١) كتاب الإيمان
ولد آدم) أن المراد به نوع الإنسان، فيشتمل آدم وأولاده لحديث: (آدم ومن دونه
تحت لوائي)، واقتصر في الحديث على (آدم) اكتفاءً بذكر الأصل عن الفرع، فيكون
المراد من الآية والحديث كليهما الإخراج بالتوليد والإشهاد بنصب الدلائل وتركيب
العقول، فيصح كون الحديث جواباً عن السؤال عن الآية وتفسيراً لها، ولهذا التوجيه
مع ما فيه من ارتكاب التكلف وإن أمكن جريانه في هذا الحديث، لكن حديث أبي
هريرة وكذا حديث ابن عباس الآتيان في الفصل الثالث (برقم: ١١٨ و١٢١) يضعفان
هذا التوجيه؛ لأنهما صريحان في إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه إلى
آخر ما يقال في قصة يوم الميثاق.
وقد يقال: إن ذينك الحديثين لا تعلق لهما بالآية، ولم يذكرا في جواب السؤال
عنها، فهما محمولان على قصة يوم الميثاق، أما هذا الحديث المذكور ههنا في جواب
السائل عن الآية فليس صريحاً في القصة المذكورة فليكن محمولاً على ما فسروا به
الآية، وهذا القول ضعيف؛ لأن الظاهر أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة
على محل واحد كما لا يخفى .
وغاية ما يقال: إن ههنا إخراجين وميثاقين: أحدهما في عالم الغيب، والآخر
في عالم الشهادة، والأول إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه وأخذ الإقرار
منهم، وهو قالي أخبر به في الأحاديث، والثاني من ذرية بني آدم نسلاً، وهو حالي
بنصب الدلائل أخبر به بالآية.
والجواب: الحديث في مقابلة السؤال عن الآية وقع على طريقة الأسلوب
الحكيم كأنه قال: الميثاق المسؤول عنه ظاهر مكشوف لا حاجة إلى السؤال عنه،

٣٨٢
(٣) باب الإيمان بالقدر
لكن ههنا ميثاق آخر خفي عن العقول فاسألوا عن ذلك واسمعوا جوابه، وفائدة اختيار
هذا الأسلوب ههنا توكيد الميثاقين والإقامة على عهدين، هذا تحقيق كلامهم،
وحاصله حمل الآية على ما فسروا به، وحمل الحديث إما عليه أو جعل الجواب على
الأسلوب الحكيم، واعلم أيضاً أن التفسير المذكور للآية أصله من صاحب (الكشاف)
بل من المعتزلة كلهم وتبعهم غيرهم، ولهذا قال الإمام: أطبق المعتزلة على أنه لا يجوز
تفسير الآية بالحديث، وهو بناء على مذهب القدر؛ لأن هذه الأحاديث تثبت سبق
القضاء والتقدير، ولا نزاع في جواز تفسيرها بما فسروا ولكنه ليس بواجب بل
فسرها بعض علماء السنة والجماعة بما يوافق هذه الأحاديث على ما هو قصة يوم
الميثاق .
وأما قولهم: لو كان المراد إخراجهم من ظهر آدم لما قال: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ﴾،
بل يجب أن يقول: من ظهره ذريته، فجوابه أن المراد آدم وذريته، وإنما ذكر إخراج
الذراري من أصلاب أولاده لا ذراري نفسه؛ لأنه لا حاجة إلى ذكر إخراج الذراري
من صلب آدم؛ لأنه ظاهر لكونه أبا البشر كلهم، ولأن الكلام في الاحتجاج على الأولاد
من اليهود وغيرهم، ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: لم يذكر ظهر
آدم، وإنما أخرجوا جميعاً من ظهره؛ لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور
بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فاستغنى عن ذكر ظهر آدم، لما علم أنهم
كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، كذا ذكر الطيبي في شرح (الكشاف)(١).
(١) اسمه ((فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب))، له مخطوطة في الخزانة الأزهرية، انظر:
((الأعلام)) (٢ / ٢٥٦).

٣٨٣
(١) كتاب الإيمان
فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (إِنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ،
اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ،
فَيُدْخِلُهُ بِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ
عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ». رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ. [ط: ٣٣٣٧، ت: ٣٠٧٥، د: ٤٧٠٥].
٩٦ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَفِي يَدَيْهِ
كِتَابَانِ،
وقوله: (فقيم العمل؟) في بمعنى اللام، أو المراد في أي شيء يفيد العمل؟
ولا يخفى أنه لا يتجه هذا السؤال بعد قوله وَله: (وبعمل أهل الجنة يعملون) إلا أن
يراد فقيم العمل بالتكليف، وهو أيضاً ليس بشيء فإن الله قد كلف وأمر ونهى، فما
السؤال بعد ذلك إلا على الله سبحانه، ولا يسأل عما يفعل، وله حكم ومصالح وأسرار
لا يعلمها إلا هو، وقد مر بیانه مراراً.
٩٦ - [١٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (وفي يديه كتابان) قال أهل الظاهر من
العلم: إنه مجاز وتمثيل وتعبير عن المعنى بالصورة مبالغةً في تحققه وتيقنه، وقال
أهل الباطن منه وأرباب المكاشفة: إنه حق ومحمول على الحقيقة لا مجاز فيه أصلاً.
قال الإمام الغزالي: امتياز الخواص من العوام بأن ما يحصل للعامة من العلوم بالكسب
والتعلم يحصل للخواص من غير تعلم وكسب بل من عند الله العليم الحكيم، وذلك
هو العلم اللدني، وبأن ما يراه العامة في المنام يراه الخواص في اليقظة.
وقال الشيخ التُّورِبِشْتِي(١) في شرح الحديث بعد ما نفى استبعاد حمله على الحقيقة
(١) ((كتاب الميسر)) (١ / ٦٢).

٣٨٤
(٣) باب الإيمان بالقدر
لقدرة الله سبحانه واستعداد النبي ◌ّر لذلك: قد سمعت من اشتهر - أظن أن المراد به
الإمام الغزالي والله أعلم - في زماننا بالرسوخ في علم النظر، ثم أيد من مكاشفات
الصوفية بما يعز مثله في الشاهد يقول: من لم يعتقد أن لله عباداً يشاهدون في حال
اليقظة ما لا يمكن لغيرهم أن يراه إلا في حالة النوم لم يهتد إلى حقيقة الإيمان بالنبوة،
وإذا كان من حق الإيمان أن لا يقابل أمثال ذلك في أتباع الأنبياء بالنكير، ولا يستبدع
الاطلاع على مثل هذه الأحوال والمكاشفة بنظائر هذه الآية في حق خواص الأمة،
فكيف بمن هو سيد المرسلين وأعلاهم رتبة وأغزرهم علماً وأوفرهم حظاً؟ صلى الله
علیه وسلم أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه.
وأما قول الراوي: (خرج إلينا رسول الله وَّر وفي يديه كتابان) فإنه أخبر بما يقتضيه
ظاهر قول رسول الله ◌َ﴿ مبالغةً في التصديق بما يقول، واستقصاءً في تحقيق ما يخبر
عنه، وهذا هو حق اليقين في أمر رسول الله ومسؤ، وواجب الأدب على السامع في
استماع ما ينتهى منه إليه، ومن أوتي بصيرة في أمر الدين، فليكن وثوقه بما يخبر عنه
الرسول ﴿ أعرق من وثوقه بما يراه ويشاهده، انتهى.
وهذا الكلام حق صادر من عين اليقين وحقيقة الإيمان رحم الله قائله، وأما
قوله في الراوي: إنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول الله وسلّ مبالغة في التصديق بما
يقول، فظاهر الأمر كما قال، ولكن يمكن أن رآه الراوي أيضاً بإراءة النبي ◌َّ وإطلاعه
إياه على ذلك، كيف وأصحاب النبي ◌َّر من خواص الأمة، وقدوة العارفين، وقد
ينقل أن بعضهم كانوا يرون بعض المغيبات في المشهود في مجلسه وَّر في بعض
الأحيان، وبعضهم رأى جبرئيل في غير صورة دحية كعائشة وابن عباس.

٣٨٥
(١) كتاب الإيمان
فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟)) قُلْنَاَ: لاَ، يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ أَنْ تُخْبِرِنَاَ،
فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ
الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِم وقَبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ
وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَداً)،
وقوله مثل: (أتدرون ما هذان الكتابان؟) ظاهره أنهم كانوا يرون الكتابين ولا يدرون
ما فيها، والله أعلم.
وقوله: (إلا أن تخبرنا) أي: لا نعلمه في وقت من الأوقات إلا وقت أخبارك،
وحاصله: أنا لا نقدر على العلم به إلا بأخبارك، وهو طلب واستخبار عنه و ل* بذلك.
وقوله: (فقال للذي)(١) أي لأجله كما في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَا سَبَقُونَآَ إِلَيْهٍ﴾ [الأحقاف: ١١]، قال النحويون: إن اللام بمعنى
عن، والخطاب ليس مع المؤمنين وإلا لكان الظاهر أن يقول: ما سبقتم، وقيل:
الخطاب مع بعض المؤمنين والضمير لبعض آخر منهم.
وقوله: (وأسماء آبائهم وقبائلهم) تعييناً لهم سواء كان آباؤهم وقبائلهم من أهل
الجنة أو من أهل النار، وهم أيضاً مكتوبون ومكتوب أسماء آبائهم وقبائلهم، فافهم.
وقوله: (ثم أجمل على آخرهم) أي: أوقع الإجمال على آخرهم على ما هو
عادة أهل الحساب، يقال: أجملت الحساب: رددته إلى الجملة، ويقال له: فذلك
بفتح فسكون وفتح؛ لأنه يقال: فذلك كذا، كما يقال: عشرة واثنان وثمانية فذلك
عشرون كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ .
وقوله: (فلا يزاد فيهم ولا ينقص) متفرع على اليقين وإيقاع الإجمال المفيدَين
(١) قال القاري: وَقِيلَ: قَالَ بِمَعْنَى أَشَارَ فَاللَمُ بِمَعْنَى ((إِلَى). ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٧٢).

٣٨٦
(٣) باب الإيمان بالقدر
ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: ((هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ
وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلاَ يُنْقَصُ
مِنْهُمْ أَبَدا)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ
مِنْهُ؟ فَقَالَ: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
وَإِنْ عَمِلَ أَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ
أَيَّ عَمَلٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهَِّ بِيَدَيْهِ.
لغاية الضبط والتعيين .
وقوله: (فقال: سدّدوا وقاربوا) أي: مالكم تذكرون القدر واعملوا وسددوا
أعمالكم. في (القاموس)(١): سدّده تسديداً: قَوَّمه، ووفَّقَه للسداد أي: الصواب من
القول والعمل، واستدّ: استقام، وأَسَدَّ: أصابَ السدادَ أو طلبه، والسَّدَدُ: الاستقامة
كالسداد. وفي (مجمع البحار)(٢): (سدّدوا وقاربوا) أي: اطلبوا بأعمالكم السداد
والاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه، وقال: (سدّدوا) أي: اطلبوا السداد
أي: الصواب بين الإفراط والتفريط، وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه، وروي
(قربوا) أي: غيركم إليه، وقيل: قاربوا أي: اطلبوا قربة الله، وقيل: قاربوا تأكيد
للتسديد .
وقوله: (ثم قال رسول الله وَ ﴿ بيديه) أي: أشار بهما، والقول يستعمل مجازاً
في كثير من الأفعال، قال بيده، وقال برأسه، وقال برجله، أي: أشار، وهذا اللفظ كثير
في الأحاديث.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٣).

٣٨٧
(١) كتاب الإيمان
فَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ((فَرَغَ رَبِّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيِقٌ فِ السَّعِيرِ)
[الشورى: ٧]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
[ت: ٢١٤١].
٩٧ - [١٩] وَعَنْ أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ
رُقِّى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءَ نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُّذُ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئاً؟
قَالَ: ((هِيَ مِنْ قَدَرِ الله)). رَوَاهُ.
وقوله: (فنبذهما) أي: أشار بيديه إلى وراء ظهره كناية عن أن هذا الأمر قد
فرغ، فصار بمنزلة ما تخلفه وراء ظهرك، كذا قال الشراح. وفي (القاموس) (١) النبذ:
طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام، والفعل كضرب.
٩٧ - [١٩] (أبو خزامة) قوله: (عن أبي خزامة)(٢) بكسر المعجمة وبالزاي،
قال: (أرأيت رقىّ) أي: أخبرني عن رقىّ، وهو جمع رقية على وزن ظلمة، وهي العوذة
من ضرب. (نسترقيها) أي: نسترقي بها، وسيجيء في (كتاب الطب والرقى) حكمها
منعاً وإباحة، (وتقاة) وقى يقي وقياً ووقايةً: صانه، والوَقاء ويكسر، والوقاة مثلثة:
ما وقيت به، وقد تبدل واؤه تاءً. (تنقيها) أي: نتقي بها، وثلاثتها منصوبة بنزع الخافض.
وقوله: (هي من قدر الله) يعني أن القدر شامل للأسباب والمسببات والشرائط
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣١٩).
(٢) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُوِيَ عن أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِهِ، وَالأَوَّلُ
أَصَحُّ، وَفِي اسْمِ الرَّاوِي أَبِي خِزَامَةَ خِلاَفٌ لِلْمُحَدِّثِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أَبُو خِزَامَةَ بْنِ يَعْمُرَ
أَحَدُ بَيِي الْحَارِثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَى عَنْ أَبِهِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ١٧٤).

٣٨٨
(٣) باب الإيمان بالقدر
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤٢١/٣، ت: ٢٠٦٥، جه: ٣٤٣٧].
٩٨ - [٢٠] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَنَحْنُ
نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَْ فِي وَجْنَيْهِ
حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: ((أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ
قَبْلَّكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَ تَتَازَعُوا
فِيهِ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٢١٣٣].
٩٩ - [٢١] ورَوَى ابْنُ مَاجَه فِي الْقَدَرِ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ
أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: ٣٤٣٧].
١٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
((إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ.
والمشروط بها، ولا يخرج عن حيطته شيء، وهذا كسؤال الصحابة بعد سماع خبر
القضاء والقدر (ففيم العمل)، وجوابه وير: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
٩٨، ٩٩ _ [٢٠، ٢١] (أبو هريرة) قوله: (فقئ) على صيغة المجهول من فقا
العين والبشرة ونحوهما كمنع: كسرها، و(وجنتيه) تثنية وجنة مثلثة وككلمة ومحركة:
ما ارتفع من الخدين، و(عزمت عليكم) أي: أقسمت، في (القاموس)(١): عزم على
الأمر: أراد فعله وقطع عليه، أَوْ جَدَّ في الأمر، وعلى الرجل: أقسم.
١٠٠ - [٢٢] (أبو موسى) قوله: (من قبضة) في (القاموس)(٢): القبضة وضمُّه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٠٠).

٣٨٩
(١) كتاب الإيمان
قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، مِنْهُمُ الأَحْمَرُ
وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ)).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦، ت: ٢٩٥٥، د: ٤٦٩٣].
١٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ:
(إِنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ،
أكثر: ما قَبَضْتَ عليه من شيء، والظاهر أنه متعلق بخلق، ومن ابتدائية وتعلقه بآدم،
وكون (من) بيانية - وجوزها الطيبي - بعيد جداً، (قبضها) أي: أمر الملك بقبضها.
وقوله: (والسهل والحزن والخبيث والطيب) في (القاموس) (١): السهل،
وككتف: كل شيء إلى اللين، ومن الأرض: ضد الحزن، وهو ما غلظ من الأرض،
والخبيث ضد الطيب، انتهى. والخبيث في الأرض أن يكون سبخة غير منبتة، والطيب
ضده، وهذه الأربع من الصفات الباطنة، والأربعة الأول من الظاهرة.
١٠١ - [٢٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (إن الله خلق خلقه في ظلمة) الحديث،
قال التُّورِبِشْتِي(٢): يحتمل أن يكون المراد منه بالخلق ههنا الثقلين وهما الجن
والإنس، ويحتمل أن يكون المراد منه الإنس.
وقوله: (في ظلمة)، أي: كائنين فيها، والمراد بالظلمة: ما جبلوا عليه من
الأهواء المضلة والشهوات الْمُرْدِيَة من النفس الأمارة.
وقوله: (من نوره) أي: نوره الذي خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اَلْقُلُمَتِ وَالنُّورٌ ﴾
[الأنعام: ١] فالإضافة إلى الله إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم كما في قوله
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٥).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ٦٥).

٣٩٠
(٣) باب الإيمان بالقدر
فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِك أَقُولُ: جَفَّ
الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ١٧٦، ١٩٧، ت:
٢٦٤٢].
تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِیهِمِن رُوحِ﴾ فمن شاء الله هدايته وأصابه من ذلك النور قبله، واعتبر
بالآيات واستدل بها بالنظر الصحيح اهتدى، ومن لم يشأ هدايته وحرم من ذلك النور
ضل وارتدى، والمراد بإلقاء النور ما بيّن لهم من الحجج النيرة والآيات الباهرة، وإلى
مثل هذا المعنى أشير بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا
مِصْبَاٌ﴾ [النور: ٣٥] الآية، وقوله سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ﴾
[الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرُهُ لِلْإِسْلَكِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ،﴾ [الزمر: ٢٢]
ونحوها من الآيات، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي، والطيبي مع تنقيح ومحو وإثبات فيه.
قال الطيبي(١): ويمكن أن يحمل قوله: (خلقه) على خلق الذر المستخرج في
الأزل من صلب آدم، وهذا كما يتراآى أي في بادئ النظر، ليس كما ينبغي لأنه إذا
ذاك ظهر الإقرار وأثّرت الأنوار في الكل، فلا يناسب خلقهم في ظلمة وإصابته بعضاً
وإخطاؤه آخرين على أن قوله: (في الأزل) ليس بصحيح؛ لأنه وقع بعد خلق آدم
بنعمان وادٍ بعرفات، وهكذا وقع في عباراتهم بل واقع في أكثر الأذهان إلا أن يقال:
إن ذلك الإقرار بطوع من البعض، وهم الذين ألقي عليهم نور الهداية، وبكره من بعضهم
وهم المبقون في الظلمة والمخطؤون النور؛ لأن المراد بالأزل فيها زمان سابق على
ظهور التوالد والتناسل بين بني آدم، والحق أن المراد من خلقه هو وقت الولادة من
إلقاء النور هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء.
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٥٣).

٣٩١
(١) كتاب الإيمان
١٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ:
(يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ آمَنَّا بِكَ
وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ
أَصَابِعِ اللهِ يُقَلَّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٤٠، جه:
٣٨٣٤].
وبالجملة: في الحديث دلالة على أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة
إلا من أصابه النور الملقى عليه، لكن يتوهم الإشكال في تطبيقه بحديث الفطرة،
ولا إشكال لأن حديث الفطرة كما حقق إنما يدل على كون الإنسان متهيأ متمكناً من
إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح وتأمل في الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق
في ظلمات النفس والطبيعة، وهذا الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى بالنظر
إنما هو بمشيئة الله وتوفيقه تعالى وإلقاء نور الهداية في قلبه، وليس مستقلاً مستبداً
بإصابة الهدى، فمن شاء وَفَّقَه للنظر الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى
الفطرة الروحانية، ومن لم يشأ لم يوفقه وأوقعه في ظلمة الضلال والغواية كما هو
مقتضى النفس والطبيعة الجسمانية.
وبالجملة هذا الحديث تنبيه على سابقة التقدير، وعلم الله ومشيئته تعالى، والفطرة
- كما نبهنا - هنالك غير السابقة، فلا تنافي بين الحديثين، فتأمل.
١٠٢ - [٢٤] (أنس) قوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي) أضاف القلب إلى ذاته
الكريمة تعريضاً لأصحابه، والمقصود الأصلي الدعاء لهم؛ لأنه ◌َّ مأمون العاقبة
بلا شبهة، وكذا الحال في جميع ما وقع مثله في الأدعية المأثورة، ولهذا قال أنس ﴾:
(فهل تخاف علينا)، إلا أنه لما أضافه ظاهراً إليه قال: ثبت، وأضاف في حديث

٣٩٢
(٣) باب الإيمان بالقدر
٥/٥
١٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلُ الْقَلْبِ
كَرِيشَةٍ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ يُقَبُّهَا الرِّيَاحُ ظَهْراً لِبَطْنٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤٠٨/٤].
عبدالله بن عمرو المذكور في الفصل الأول إلى الأصحاب صريحاً فقال: (صرف
قلوبنا)، ومعنى الحديثين واحد، وما وقع بينهما من اختلاف في تقديم الدعاء وذكر
اسم الجلالة وفي أصابع الله وذكر الدين ههنا، وتأخير الدعاء وذكر اسم الرحمن وذكر
طاعتك هناك فمن باب التفنن، مع أنه یمکن أن یکون نقلاً بالمعنی وقع من كل واحد
من الصحابة روايته على ما اتفق، وتعرض الطيبي (١) لبيان نكتة هذا الاختلاف بما لا يخلو
عن خفاء، والله أعلم.
١٠٣ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (مثل القلب) أي: حاله العجيبة (٢) في تقلبها
وتغيرها وتأثيرها بما يرد عليه من الحوادث والخواطر والأحوال، (كريشة) الريشة
بالكسر: المطر، وجمعه رياش وأرياش، و(فلاة) بالفتح: المفازة لا ماء فيها، و(بأرض
فلاة) بتنوين أرض وبإضافتها، كلاهما روايتان، والإضافة بيانية، والمراد بالرياح هي
التي تهب إلى جوانب مختلفة.
وقوله: (ظهراً لبطن) اللام بمعنى (إلى) مفعول مطلق، أي: يقلبها هذا النوع
من التقليب، أو حال من الضمير المنصوب في (يقلبها) أي: مختلفة، وقال الطيبي(٣):
بدل البعض من ضمير (يقلبها)، ومضمون الحديث: أن القلوب بين الأصبعين من
أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء أي: بقضائه وقدره.
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٥٤).
(٢) كذا في (ب)، وفي (ر): حالته التعجيه.
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٥٥).

٣٩٣
(١) كتاب الإيمان
١٠٤ - [٢٦] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى
يُؤْمِنَ بِأَرْبَعِ: يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ
بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
[ت: ٢١٤٥، جه: ٨١].
١٠٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صِنْفَانٍ مِنْ
أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلاَمِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ..
١٠٤ - [٢٦] (علي) قوله: (يشهد) تفصيل لقوله: (حتى يؤمن بأربع) كان الظاهر
بأن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لكنه ذكر لفظ الشهادة دلالة على أن النطق باللسان
أيضاً ركن، ففيه دليل على أن الإيمان تصديق مع الإقرار.
وقوله: (بعثني بالحق) حال مؤكدة أي: قد بعثني، أو خبر بعد خبر إن ذكره
تأكيداً للرسالة، ولا يلزم أن ينطق بهذه اللفظ؛ لأن الإقرار بالرسالة يستلزمه، وكذا
الإيمان بالکتب والملائكة .
وقوله: (يؤمن بالموت) ثاني الأربع، والمراد موت الدنيا، أي فناؤها وهلاكها
بجميع أجزائها، أو المراد أن يعتقد أن الموت بحكم الله لا بالطبيعة وفساد المزاج،
(والبعث بعد الموت) ثالثها، والرابع (يؤمن بالقدر) يعني أن الكل بقضاء الله وقدره،
ودل الحديث على أن إنكار القدر كفر، ولو أريد نفي الإيمان الكامل لزم الجمع بين
الحقيقة والمجاز، وكذلك الحديث الآتي وهو قوله وَلهو .
١٠٥ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام
نصيب: المرجئة والقدرية) في (القاموس)(١): الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٦٤).

٣٩٤
(٣) باب الإيمان بالقدر
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢١٤٩].
والمرجئة من الإرجاء، وهو التأخير، يقال: أرجأ الأمر: أخّره، وترك الهمزة لغة فيه
كقوله تعالى: ﴿ وَءَا خَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] مؤخّرون حتى ينزل الله فيهم
ما يريد، ومنه سُمّيت المرجئة، كذا في (القاموس)(١).
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): قال ابن قتيبة: المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول
بلا عمل؛ لأنهم يقدمون القول ويؤخرون العمل، وتحقيق مذهبهم أنهم لا يعتبرون
العمل في الإيمان أصلاً لا جزءاً ولا كمالاً، وقد وجدنا الأكثرين من أهل المعرفة
بالملل والنحل ذكروا أن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون بأن العبد لا فعل
له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى الجمادات كما يقال: جرى النهر ودارت
الرحى، والجبرية بالتحريك وتسكين الباء لغة فيها، والمتكلمون يسمون المجبرة،
وكانت القدرية في الزمان الأول ينسبون من خالفهم إلى الإرجاء، حتى غلط في ذلك
جمع من أصحاب الحديث فألحقوا هذا النَّبَزَ بجمع من علماء السلف ظلماً وعدواناً،
وإنما سميت المجبرة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر الله فيرتكبون الكبائر، انتهى. ويسمي
صاحب (الكشاف) أهل السنة والجماعة مرجئة، تاب الله عليه.
وأما القدرية فينسبون إلى القدر بالتحريك، وقال التُّورِبِشْتِي: ولك أن تسكن
الدال، ومذهبهم أن العبد خالق لأفعاله والأمر مستأنف من غير سبق قضاء وقدر،
فنسبتهم إلى القدر لأجل إنكارهم القدر، وهم يقولون بأن المثبتين له أحق بهذا الاسم
نظراً إلى ظاهر اللفظ، ولكن الأحاديث صريحة في أن هذا اللفظ اسم لمن أنكره،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٢).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١/ ٦٦).

٣٩٥
(١) كتاب الإيمان
١٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِهِ يَقُولُ: ((يَكُونُ
فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ،
فهذان الحديثان وأمثالهما صريحة في تكفيرهم، لكن الصواب أن لا نتسارع إلى
تكفير أهل الأهواء المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر ولا يرضون به،
وقد تمسكوا بالكتاب والسنة وبذلوا جهدهم في إصابة الحق فأخطؤوا، والتكفير لا يطلق
إلا بعد البيان الجلي، والفرق ما بين لزوم الكفر والتزامه، وهذا القول هو مذهب
المحققين من علماء الأمة نظراً واحيتاطاً، وقد نهينا عن تكفير أهل القبلة(١)، وكل ما وقع
في شأنهم مما يدل على التكفير، فهو من باب الزجر والتشديد والمبالغة في التضليل
والمجاز والتمثيل، كيف! وقد تكلّم بعضُ النقاد في أحاديث وردت في شأن هذه الفِرَق،
وقالوا: لم تصح وكلّها ضعيفة، نعم لها طرق متعددة متعاضدة، والله أعلم.
١٠٦ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (يكون في أمتي خسف ومسخ) في
(القاموس)(٢): خسف المكان يخسف خسوفاً: ذهب في الأرض، وخسف الله بفلان
الأرض: غَيِّبه فيها، ومسخه كمنعه: حَوّل صورته إلى أخرى أقبح منها، فهو مسخ
ومسيخ، والحديث دل على وقوع المسخ والخسف في هذه الأمة، وقد ورد الحديث
بوقوعه في آخر الزمان كما سيجيء في (باب الملاحم) من (كتاب الفتن)، والظاهر
أن المراد أمة الدعوة، وقيل: الكلام خرج مخرج الشرطية، أي: إن کان یکون فيهم(٣)،
(١) قال التفتازاني في ((المقاصد)»: مخالف الحق من أهل القبلة ليس بكافر مالم يخالف ما هو
ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد. انظر: ((إكفار الملحدين)) (ص: ١٥) ففيه
بحث نفیس .
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٥١، ٧٤٢).
(٣) وفي ((التقرير)): جاء في الرواية أن الخسف لا يكون في هذه الأمة، فجمع بأن المراد بعدم =

٣٩٦
(٣) باب الإيمان بالقدر
وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ورَوَى الْتِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ(١). [د:
٤٦١٣، ت: ٢١٥٢].
١٠٧ - [٢٩] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ
الأُمَّةِ،
والله أعلم.
١٠٧ - [٢٩] (عنه) قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة (٢)) أي: يشبهون بهم
لأنهم أحدثوا في الإسلام مذهباً يضاهي مذهب المجوس في إضافة أفعال العباد
= الكون العموم، وقيل: المراد هنا بالخسف: سواد القلب، وبالمسخ: سواد الوجه. قال
الطيبي: من باب الشرطية. والتُّورِبِشْتِي: من باب التغليظ. وقيل: الخسف: الانهيار من
الصراط، والمسخ: سواد الوجه، كلاهما في يوم القيامة. ويحتمل أن يكون دعاء. وقال
الخطابي: يجوز أن يكون الخسف فيه أيضاً. وانظر: ((المرقاة)) (١ / ١٨١).
(١) قال القاري: عَدَّهُ فِي ((الْخُلاَصَةِ)) مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ، لَكِنْ قَالَ فِي ((جَامِعِ الأُصُولِ)): أَخْرَجَهُ
التِّرْمِذِيُّ. قَالَ صَاحِبُ ((الأَزْهَارِ)): حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَتَبَ مَوْلاَنَا زَادَة، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ
فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌّ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضاً أَنَّ رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ،
كَذَا ذَكَرَهُ الْعَبْنِيُّ، وَقَالَ الْفَيْرُوزَآبَادِيُّ: لاَ يَصِحُّ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِتَّةِ حَدِيثٌ، وَفِي ((الْجَامِعِ
الصَّغِيرِ)) بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَالْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالطََّرَانِيُّ فِي ((الأَوْسَطِ)) عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((الْحِلْيَةِ)) عَنْ أَنَسٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٨١). وهذا الحديث
موجود بلفظه في النسخة المطبوعة لسنن الترمذي بالهند ونسخة أحمد محمد شاكر، ولكن
قد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث لم يوجد في النسخة الخطية، ولم يذكره المزي في ((تحفة
الأشراف»، ولكن المثبت مقدم على النافي.
(٢) أي: أمة الإجابة. ((المرقاة)) (١ / ١٨٢).

٣٩٧
(١) كتاب الإيمان
إِنْ مَرِضُوا فَلاَ تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
[حم: ٢ / ٨٦، ١٢٥، د: ٤٦٩١].
١٠٨ - [٣٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: ((لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ
الْقَدَرِ وَلاَ تُفَاتِحُوهُم)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧١٠، ٤٧٢٠].
إليهم ووقوعها بقدرتهم وخلقهم، كإثبات المجوس إلهين (١) قادرين، وقال بعض
العلماء: إنهم أسوء حالاً من المجوس لإثباتهم شركاء لا يعد ولا يحصى.
وقوله: (إن مرضوا فلا تعودوهم (٢)، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) أي: لا تراعوا
حقوق الإسلام في حقهم في الحياة والممات.
١٠٨ - [٣٠] (عمر) قوله: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) أي:
لا تحاكموهم، مفاعلة من الفتح بمعنى الحكم كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم على وجه، ويقال للقاضي: فتّاح، والفتح يجيء
بمعنى الحكم، فلا حاجة إلى جعله من الفتاحة، نعم هو أيضاً يجيء بمعنى الحكم
كالفتح، قال في (القاموس)(٣): الفتح: الحكم بين خصمين كالفتاحة بالضم والكسر،
وفي (النهاية)(٤): في اسمه تعالى يقال: الفتاح أي: يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده،
(١) لأنهم القَائِلُونَ: إِنَّ خَالِقِ الْخَيْرِ يَزْدَان، وَخَالِقِ الشَّرِّ أَهْرمَنْ؛ أَيٍ: الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: الْمَجُوسُ
يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنْ فِعْلِ النُّورِ، وَالشَّرُّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، كَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنَ
اللهِ، وَالشَّرُّ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنَ النَّفْسِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٨٢).
(٢) في ((التقرير)): في هذه الرواية تُكلّم، إن صحت الرواية فهو زجر على القول الأول، ولا مانع
في جعل أمثال هذه الرواية تشديداً.
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٢٦).
(٤) ((النهاية)) (٣/ ٤٠٦).

٣٩٨
(٣) باب الإيمان بالقدر
١٠٩ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: ((سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ
وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ يُجَابُ :
أو الحاكم بينهم، من فتح الحاكم بين الخصمين: إذا حكم بينهما، وقيل: لا تبدؤوهم
بالمجادلة والمناظرة، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنهم يوقعونكم في الشك
والشبهة .
وفيه: أن الإسلام سَدّ باب المجادلة مع أهل الأهواء المتعصبة فإنها تضر في
الاعتقاد كما وقع للمتكلمين، نسأل الله السلامة، نعم يجب رد أهل البطالة لا على
وجه المجادلة بل بالرفق واللين، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾
[النحل: ١٢٥].
ويحتمل أن يكون المراد - والله أعلم -: ولا تبتدؤوهم بالكلام والمباسطة معهم،
وهذا أنسب بقوله: (لا تجالسوهم)، وأشد وأغلظ في ترك مصاحبتهم واختيار مجانبتهم
فضلاً عن البحث والقيل والقال .
١٠٩ - [٣١] (عائشة) قوله: (ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي يجاب) ستة
مبتدأ و(لعنتهم) صفته و(الزائد) خبره، أو خبره محذوف أي: في الرجال أو في الأمة
ونحوه، والزائد خبر محذوف أي: أحدها، ولو ذهبنا إلى مقالة الرضي أن بناء صحة
وقوع النكرة مبتدأ على الإفادة لقلنا: (ستة) مبتدأ و(لعنتهم) خبره، وقوله: (لعنهم
الله)، إما دعائية أو خبرية مستأنفة بتقدير فماذا بعد أو لم ذا، والثاني أظهر.
و(كل نبي مجاب) إما حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر، أو بين البيان
والمبين، ولو قرئ (مجاب) بالجر صفة لنبي لجاز أن يعطف قوله: (وكل نبي) على
فاعل (لعنتهم) لوجود الفصل، ولكنه لم تثبت الرواية بالجر، وأيضاً يلزم منه أن لا يكون

٣٩٩
(١) كتاب الإيمان
الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ
أَذَلَّهُ اللهُ وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللهِ،.
بعض الأنبياء مجاب الدعوة، كذا قالوا، هذا وقد وقع في بعض النسخ: (ولعنهم
الله) بالواو فيكون عطفاً على جملة (لعنتهم)، و(يجاب) بدل (مجاب)، والظاهر من
سياق الكلام على هذا التقدير أن يكون قوله: (وكل نبي) عطفاً على فاعل (لعنتهم)، أو
على فاعل (لعنهم)، و(يجاب) صفة نبي، وتكرار الفعل في المعطوف الأول للاهتمام،
ويدفع المحذور المذكور للتوصيف بأنه لا يجب أن تكون الصفة للتقييد والتخصيص،
فتدبر .
والمراد بـ (الزائد في كتاب الله) من يُدخل في كتاب الله ما ليس منه، أو من
يحرف لفظه أو معناه، وقال التُّورِبِشْتِي(١): أي في القرآن أو في حكم الله، وهو أن
يدخل في جملته ما ليس منه، والظاهر أن ضمير في جملته يرجع إلى أحد الأمرين
المذكورين من القرآن أو الحكم، وإرادة الحكم من الكتاب صحيح من كتب بمعنى
فرض، وهو كثير، ولكن تخصيصه القرآن بالذكر غير مناسب، والأولى التعميم ليشتمل
أهل الكتاب حرفوا كتابهم، وبـ (المستلط) أمراء الجور والظلم، و(الجبروت) فعلوت
من التجبر بمعنى التكبر أي: ادعاء الكبر وشدته، واللام في (ليعز) إما للتعليل فهو
قيد اتفاقي؛ لأن الغالب والعادة على أن التجبر يكون لهذا الغرض لا لتقييد الحكم
بذلك، حتى إنه لو تجبر لا لهذا الغرض جاز التسلط، أو للعاقبة وهو أجود كما في
قوله تعالى: ﴿َِعَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا﴾ [القصص: ٨].
وقوله: (والمستحل لحرم الله) أي: مكة وما حولها من الأرض المعينة، وهو
(١) ((كتاب الميسر)) (٦٩/١).

٤٠٠
(٣) باب الإيمان بالقدر
وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِثْرَّتِي مَا حَرَّمَ اللهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي
((الْمَدْخَلِ)) ورَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [هب في الشعب(١): ٣٨٥٠، ت: ٢٠٨٠].
الذي يفعل فيه ما يحرم فعله فيه من الاصطياد ونحوه، وعند الشافعية: المدينة أيضاً
حرم تجري أحكام الحرم فيه، وعندنا وعند مالك(٢): هي حرم بمعنى رعاية الاحترام
لا جريان الأحكام، وتصح إضافته إلى الله لأنه بتحريمه صار حراماً، والعجب من
الطيبي تخصيصه بمكة إلا أن يكون عندهم روايتان، وقد ضبط في النسخ (حرم) بضمتين
على أنها جمع حرمة، قال التُّورِبِشْتِي: وهو تصحيف ممن لا مهارة لهم بهذا العلم.
والعترة: نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، والمستحل
من عترة الرسول وتسخير ما حرم الله: من يفعل بهم ذلك كإيذائهم وترك تعظيمهم والتقصير
في أداء حقوقهم، والمستحل بهذا المعنى عاصٍ، فلعنته من باب الزجر والتشديد،
وأما من اعتقده حلالاً فكافر بالاجماع، وتخصيص ذكر الحرم والعترة مع أن المستحلّ
لكل ما حرم الله مستحق للزجر والعقوبة سواء كان حرم الله تعالى وعترة الرسول الله وكليات
أو غيرهما لزيادة الاهتمام والتأكيد في التحريم والمبالغة في الوصفية لشرفهما واجتماع
حق التعظيم والحرمة معاً، فواجب على المكلف القيام بحفظهما والاهتمام بالاجتناب
عما يخل بحرمتهما أقصى الغاية، فعلى هذا كانت (من) في (من عترتي) ابتدائية
متعلقة بـ (المستحل) بتضمين معنى الأخذ.
(١) أما عزو الحديث إلى ((المدخل)) للبيهقي فلم يوجد، وهو موجود في ((شعب الإيمان)).
(٢) قال الموفق: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمَاً لَبَيْنَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ بَيَاناً عَامًّا، وَلَوَ جَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، كَصَيْدِ
الْحَرَمِ. ((المغني)) لابن قدامة (٣٢٣/٣)، وانظر: ((أوجز المسالك)) (١٥ / ٦٠٧).