النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(١) كتاب الإيمان
فَإِيَّاكُمْ إِيَّكُمْ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٧٥، م: ٥٧].
٥٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((وَلاَ يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)).
قَالَ عِكْرِمَّةُ: قُلْتُ لِإِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ
بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ تَبَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ،
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لاَ يَكُونُ هَذَا مُؤْمِناً تَامًّا، وَلاَ يَكُونُ لَهُ نُورُ الإِيمَانِ. هَذَا
لَفْظُ البُخَارِيِّ. [خ: ٦٨٠٩].
٥٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: («آيَةُ الْمُنَافِقِ
ثَلاَثٌ)).
وقد سبق في الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له)(١)، والأمانة ضد الخيانة مطلقاً،
فتدبر .
وقوله: (فإياكم إياكم) من باب التحذير، والتكرير للتأكيد المناسب للتحذير،
ولا يذهب عليك أنه يحتمل أن يكون من القسم الأول للتحذير، أي: إياكم من هذه
الذنوب، ويحتمل أن يكون من القسم الأخير، أي: اتقوا أنفسكم وشرورها.
٥٤ - [٦] (ابن عباس) قوله: (فإن تاب عاد إليه) ظاهره يدل على أن عود
الإيمان إنما يكون بعد التوبة، ويمكن أن يكون المراد من التوبة الرجوع والخروج عن
ذلك العمل على المعنى اللغوي كما يأتي في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة
[برقم: ٦٠].
٥٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (آية المنافق ثلاث ... إلخ)(٢) أي: علامته،
(١) انظر: الحديث (٣٥).
(٢) خَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ لاِشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُخَالَفَةِ التي هي عليها مبنى النفاق من مخالفة السِّرِّ =

٣٠٢
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
زَادَ مُسْلِمٌ: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)، ثُمَّ انَّفَقَا: ((إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)). [خ: ٣٣، م: ٥٩].
٥٦ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَرْبَعٌ مَنْ
کُنَّ فِیهِ.
ولا يلزم من وجود علامة النفاق أن يكون النفاق موجوداً حقيقة، يعني أنها من صفات
المنافقين، وهم أحقاء بها، ولا يحق للمؤمن أن يتصف بها؛ لما فيها من مخالفة الظاهر
للباطن، ولعلها إن اجتمعت في المؤمن واعتاد بها وأصرّ عليها ودامت فيه واستمرت
ورسخت يفضي به إلى حقيقة النفاق، وهو إنذار وتحذير للمؤمن أن يتصف بها كيلا
يعتاد، وحث على التجنب والتحرز عنها، وتشديد وتغليظ على من اتصف بشيء من
ذلك، وإشارة إلى أن النفاق حقيقي ومجازي كالشرك جلي وخفي.
وقيل: إن هذا تنبيه وإعلام منه ◌َّ لأصحابه بأشخاص المنافقين بذكر صفاتهم
ليجتنبوا منهم ويتحرزوا عن صحبتهم من غير تعيين بذكر أسمائهم لئلا يفتضحوا بين
الناس وينتشر سرهم، وقد يقال في قوله: (وإذا وعد أخلف) أي: وعد على قصد
الخلاف مضمراً في قلبه ذلك حين الوعد، أما إذا وعد عازماً على الوفاء، ثم لم
يحصل الوفاء بعارض فليس من هذا القبيل، وهذا التأويل يمكن إجراؤه في قوله: (إذا
أؤتمن خان) کما لا يخفى .
٥٦ - [٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (أربع) الظاهر المتبادر من العبارة أن قوله:
(أربع) مبتدأ والشرطية خبره، والحق أن المدار في نكارة المبتدأ على الإفادة كما قال
الرضي.
= الْعَلَنَ، ومَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِمعتبر، كذا في ((التقرير))، وانظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٢٦).

٣٠٣
(١) كتاب الإيمان
كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ
حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اقْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا
خَاصَمَ فَجَرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٥٨].
٥٧ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ
كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغِنمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مرَّة». رَوَاهُ مُسلم.
[م: ٢٧٨٤].
وقوله: (كان منافقاً خالصاً) فيه مبالغة في التشديد والتغليظ.
وقوله: (حتى يدعها) الظاهر في المعنى أن الضمير لخصلة لا للخصال جملتها ،
وأيضاً لو كان للخصال لكان الظاهر أن يقول: يدعهن.
وقوله: (إذا عاهد غدر) في (القاموس)(١): العهد: المَوْثِقُ، والغدر ضد الوفاء،
فهذا قريب من معنى قوله: (إذا وعد أخلف) وأخص منه.
وقوله: (وإذا خاصم فجر)(٢) في (القاموس)(٣): الخصومة: الجدل، وفجر:
فَسَقَ وكَذَب [وكذَّب]، وعصى وخالف، وفي (الصراح)(٤): میل کردن ودروغ گفتن
وبي فرماني [نمودن] وتباهي كردن.
٥٧ - [٩] (ابن عمر) قوله: (كالشاة العائرة) أي: المائلة المترددة لطلب
الفحل بين الغنمين، أي: القطيعين لا تدري أيهما تتبع، كذلك المنافق لا إلى هؤلاء
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٩).
(٢) أَيْ: شَتَمَ وَرَمَى بِالأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٢٨).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٣، ١٠١٧).
(٤) ((الصراح)) (ص: ٢٠٥).

٣٠٤
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
الْفَصْلُ الثَّانِي:
*
٥٨ - [١٠] عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ
بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لاَ تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ
لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ، فَأَنَّا رَسُولَ اللهِوَلَّهِ فَسَأَلاَهُ عَنْ [تِسْعِ] آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئاً، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ،
ولا إلى هؤلاء معيناً، في (الصراح)(١): عير بيك گوشه بيرون شدن ناقه بطلب فحل،
وخص العائرة بالذكر؛ لأن المنافق يمشي إلى الطائفتين بشهوة نفسه واستيفائها منهم.
الفصل الثاني
٥٨ - [١٠] قوله: (صفوان بن عسال) بفتح العين وتشديد السين المهملتين.
وقوله: (إلى هذا النبي) أي: الذي يقال: إنه نبي، أو قاله استهزاءً يشعر به
لفظ (هذا)، أو لأنهم كانوا قائلين بنبوته وَلّ إلى الأميين.
وقوله: (لكان له أربع أعين) قالوا: هذا كناية عن مضاعفة السرور، فإن السرور
يمد القوة الباصرة، وسمعت من بعض المشايخ أن المراد عينا القلب وعينا الرأس؛
يعني أنه يفرح ظاهراً وباطناً، ويمكن أن يقال: إنه إذا سمع يترقب وينتظر ظهور صدقه
وشيوع أمره وكثرة أتباعه من أهل ديننا؛ لأن من ينتظر شيئاً ويترقبه يفتح عينيه في
طريق وصوله، فكأنه يصير عيناه أربعاً لكثرة الترقب والانتظار، والله أعلم.
وقوله: (فسألاه عن تسع آيات بينات) المتبادر إلى الفهم بالنظر إلى قوله تعالى :
(١) ((الصراح)) (ص: ٢٠١).

٣٠٥
(١) كتاب الإيمان
وَلاَ تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلاَ تَسْحَرُوا، وَلاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا،
وَلاَ تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلاَ تَوَلَّوا لِلْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ،
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيِنَتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وسؤال اليهود أن يكون المراد
معجزات ظهرت على يد موسى بيلا من اليد والعصا والدم وأخواتها (١) على ما ذكرت
في التفاسير مع اختلاف فيما ذكروا، فعلى هذا قوله: (لا تشركوا) أحكام ذكرها
النبي ◌َّ لهم بعد ذكر جوابهم، ولم يذكر الراوي الجواب لشهرتها، قالوا: ويجوز أن
يراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة لكل الشرائع، سميت بالآيات لأنها تدل على
حال المكلف بها من السعادة والشقاوة، ثم استأنف بذكر ما يخص اليهود زائداً على
الجواب .
قال الطيبي(٢): إنه كان عندهم عشر آيات، تسع منها متفق عليها، والعاشر
مختص بهم، فسألوا عن التسع وأضمروا العاشر، فلما بينه وَّ# قبّلا يديه ورجليه
وشهدا بنبوته.
أقول: بل ذكر هذه الأحكام كلها دليل على نبوته؛ لأنها مذكورة في التوراة،
فذكره وَلّ إياه إنما يكون بالوحي؛ لعدم قراءته التوراة، فهي في حكم الإخبار بالغيب
كما لا يخفى، فافهم، ويحتمل أن يكون الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم.
وقوله: (بيريء) أي: بريء مما یتهم به .
وقوله: (ولا تولوا) بضم التاء من التولية في أكثر النسخ، وبلام الجر على الفرار،
(١) وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والسنون، ونقص الثمرات. انظر: ((المرقاة))
(١ / ١٢٩).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٩٤).

٣٠٦
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لاَ تَعْتَدَوا فِي السَّبْتِ)). قَالَ: فَقَبَّلاَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ،
وَقَالاَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، .
وفي بعضها بفتح التاء من التولي بحذف حدى التائين ونصب الفرار بدون لام الجر،
فالمعنى واحد، قال في (القاموس) (١): وَلّى تولية كتولى: أدبر.
وقوله: (عليكم خاصة اليهود): (خاصةً) بالتنوين، و(اليهود) بالنصب على
الاختصاص، قال النُّورِبِشْتِي: ووجدت في كثير من طرق هذا الحديث (يهود) بغير
حرف التعريف، وهو المنادى المفرد المعرفة حذف منه حرف النداء، قال: وذلك
أفصح لفظاً، وأحسن معنًى، وقال أيضاً: ولقد أدركت جماعة ممن لا دربة لهم بهذا
العلم يتلفظون بقوله: (خاصة اليهود) على صيغة المنادى المضاف، وهم لم يأخذوا
العلم من أفواه الرجال، ولم يتفكروا في انحراف المعنى، وذلك لأن الاعتداء في
السبت لم يكن مختصًا بخاصة اليهود دون عامتهم، وليس المعنى كذلك، وإنما
المعنى: وفرض عليكم يا يهود وخصّ بكم خاصة أن لا تعتدوا في السبت.
وفي (كتاب أبي عيسى): وعليكم اليهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، وهذا
كلام الشيخ توربشتي يوجب أن يؤخذ هذا العلم عن المشايخ ويتمرن برهة من الزمان
في خدمته وتصحيحه عليهم، ولا يكتفى فيه بعلم العربية كما فعله بعض العلماء
فأخطؤوا، وأما في زماننا فقد شاع بين الطلبة الاشتغال بهذا العلم الشريف كيف شاؤوا
وبما شاؤوا، فضلوا وأضلوا، ومن الأدب أن لا يتكلم فيه أحد ما دام في البلد أعلم
منه، عافانا الله من ذلك.
و قوله: (وقالا : نشهد أنك نبي) أي: نعرفه ونعلمه، ولكن لا نذعن به ولا نؤمن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣٣).

٣٠٧
(١) كتاب الإيمان
قَالَ: ((فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَبِعُونِي؟)). قَالَ: إِنَّ دَاوُدَ عَهِ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لاَ يَزَالَ
مِنْ ذُرِّيَتِهِ نَبِيُّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَّو
دَاوُدَ(١) وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣١٤٤، س: ٤٠٧٨].
٥٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («ثَلاَثٌ مِنْ أَصْلِ
الإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، لاَ تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلاَ تُخْرِجْهُ مِنَ
الإِسْلاَم بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِي اللهُ ..
للمانع المذكور، فافهم.
وقوله: (قالا: إن داود ع ◌َ* دعا ربه) افتروا على داود أنه دعا هذا الدعاء؛ لأن
داود لي قرأ في التوراة نعت محمد رَّ وأنه خاتم النبين، وأنه ینسخ به جميع الأديان،
فکیف یدعو بخلافه؟
٥٩ - [١١] (أنس) قوله: (لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام) بيان لعدم
التكفير وتأكيد له، والأولى أن الأولى رد على الخوارج، والثانية على المعتزلة القائلين
بالواسطة .
وقوله: (ماض) أي: باق مستمر، وفيه رد على المنافقين الزاعمين أن دولة
الإيمان تنقرض بعد أيام.
قال الطيبي(٢): ولعل محيي السنة أورد هذا الحديث في باب النفاق لهذا المعنى،
(١) لم أجده في ((سننه))، قال الحافظ في ((الدراية)) (٢/ ٢٣٢): رواه الأربعة إلا أبا داود. وقال في
(التلخيص الحبير)) (٤ / ١٧٣): رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.
نعم رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (ح: ١٢٦٠).
(٢) (شرح الطيبي)) (١ / ١٩٦).

٣٠٨
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الدَّجَّلَ، لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ،
وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٣٢].
٦٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا زَنَى الْعَبْدُ
خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ،
ولا يخفى أن عدم التكفير بالذنب المراد منه الكبيرة أظهر مناسبة لباب الكبائر وبيان
حكمها، فلهذا الحديث مناسبة أيضاً بباب الإيمان بالقدر، لكنه اعتبر الجزء الأول
منه فأورده في هذا الباب.
وقوله: (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال) غاية لشرعية الجهاد؛ لأن بعد
قتله وخروج يأجوج وماجوج بعده وقتالهم لم يبق كافر.
وقوله: (لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل) يعني يجب إمضاؤه مع إمام عادل
محب وظالم، فلا يجوز تركه وإن كان ظالماً، والمراد استواء الحالتين وعدم إبطال
الجور، وأيضاً العدول قد يتوهم إبطال الجهاد لوجود الأمن، وعدم الفساد حتى يحتاج
به إلى الجهاد، فقال: يجب إقامة الجهاد في الحالتين، كذا قيل، فافهم.
٦٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (خرج منه الإيمان) هذا أيضاً تغليظ وتشديد
كالحكم بسلبه عنه في الحديث الآخر، ومع ذلك فيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم
الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكمه، وتأويل الإيمان بالحياء لا يوافق سياق
الحدیث.
وقوله: (كالظلة) بالضم: كل ما أظلك، وفي (القاموس)(١): الظل بالضم:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٦).

٣٠٩
(١) كتاب الإيمان
أول سحابة تظل، وفي (مجمع البحار)(١): وهي ما بقي من الشمس؛ كسحاب أو
سقف أو بيت أو غيرها، والظلة صورة الإيمان تمثل بها .
قال السيوطي في رسالته المسماة بـ (المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة): التحقيق
أن جميع المعاني المعقولة في هيئة الأجسام المشخصة، والأحاديث النبوية ناطقة به
وشاهدة له، وذكر أن المنام من ذلك، فإن الرائي في منامه يرى أجساماً فتؤول بأعراض،
فتلك الأجسام المرئية هي صورة لتلك الأعراض المعبر عنها في عالم الملكوت.
ثم سرد الأحاديث في الإيمان، منها هذا الحديث الناطق بكونه في صورة ظلة،
وقال: فحمله على الاستعارة من جملة التأويلات البعيدة التي حكمها الرد، وفي السكينة
مثل الضبابة أو مثل الغمامة، وفي الصلاة: (أنها تخرج بيضاء مسفرة تقول للعبد:
حفظك الله كما حفظتني) (٢)، وكذا في الصيام والإسلام وسائر الأعمال الحسنة والسيئة،
وفي الرحم تقوم عند الله وتقول: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة)(٣)، وفي الأذكار
والدعوات قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: ١٠]،
ج
والصعود والرفع من صفات الأجسام.
وأخرج الترمذي(٤) وحسنه عن ابن عمروظائًا عن النبي وَّ قال: (لا إله إلا الله
ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه)، وأمثال هذا كثيرة.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٩٧).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٠٩٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣١٤٠).
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٣)، ومسلم (٢٥٥٤).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٣٥١٨)، وقال: وليس إسناده بالقوي.

٣١٠
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
وفي اللعنة (أنها إذا وجهت إلى من وجهت، فإن أصابت إليه سبيلاً أو وجدت
فيه مسلكاً وإلا قالت: يا رب وُجِّهْتُ إلى فلان فلم أجد فيه مسلكا ولم أجد عليه سبيلاً
فيقال لها: ارجعي من حيث جئت)(١).
وفي المعروف والمنكر ينصبان للناس يوم القيامة، وفي الأيام والليالي، وفي
الدنيا أن النبي ◌َّ قال: (أتتني الدنيا خضرة حلوة، ورفعت رأسها(٢)، وتزينت لي
فقلت: إني لا أريدك، فقالت: إن انفلتَّ مني لم ينفلت مني غيرك)(٣)، وفي حديث
آخر: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها)(٤) الحديث،
وورد (أنه تحشر الأيام على هيئاتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها، يحفون بها
كالعروس، تضيء لهم يمشون في ضوئها)(٥)، وقال رسول الله بشير: (أتاني جبرئيل
وفي يده مرآة بيضاء، وفيها نكتة سوداء)(٦) الحديث، وأمثال هذا كثير.
وفي الموت: (يؤتى في صورة كبش فيذبح)(٧)، وقد ورد (أن العبد إذا قال:
لا إله إلا الله خرج من فيه طائر أبيض يرفرف تحت العرش) الحديث.
(١) أخرجه أحمد (١ / ٤٠٨).
(٢) في المخطوطة: ((رفعت لي رأيتها))، وهو تحريف.
(٣) أخرجه أحمد في ((الزهد)) (٢٣٩٩).
(٤) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٦٧١)، وابن الأعرابي في ((الزهد)) (٦٩).
(٥) أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٧٣٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٠٢٧)، والطبراني
في ((مسند الشاميين)) (١٥٥٧).
(٦) أخرجه الدارمي في ((الرد على الجهمية)) (٧٦) وفيه: ((كهيئة المرآة البيضاء)).
(٧) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١١٣١٧)، والطبراني في (الكبير)) (١٣٣٤٦).

٣١١
(١) كتاب الإيمان
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
[ت: ٢٦٢٥، د: ٤٦٩٠].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦١ - [١٣] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ الهِوَهِ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ:
((لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئاً وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلاَ تَعُفَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ
تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلاَ تَتَّرُكَنَّ صَلاَةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّداً،
وقال: وأخبرني فقير كان به سُعلة فسأل الله تعالى يريه تلك السعلة، قال: فكنت
أراها مثل الجرادة تأتي إلي وتعرض بين كتفي وأنا أنظر إليها حتى تنتهي الرئة، فأسعل
عند ذلك، فإذا خرجت أنظر إليها حين تخرج وتطير، فيسكن عني السعال، انتهى.
وقوله: (فإذا خرج) أي: فرغ منه.
الفصل الثالث
٦١ - [١٣] (معاذ) قوله: (وإن قتلت وحرقت) بلفظ المجهول فيهما وتشديد
الثاني أي: عرضت لها، فإنه بعد وقوع القتل والتحريق لا معنى للنهي لعدم تصور
الإشراك بعد وقوعهما، حمله على اختيار العزيمة لعلو قدره وارتفاع مقامه، وإلا ففي
التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان رخصة في الشرع، ولذلك قال لعمار
ابن ياسر ته: وإن يعودوا فعد، ويمكن أن المراد لا تعتقد الشرك لخوف القتل
والإحراق، ولا ينبغي أن يتطرق الشك في الإيمان إلى قلبك بعارض الخوف، لكنه
بعید کما لا يخفى.
وقوله: (وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك) قالوا: هذا شرط للمبالغة
وليس بواجب .

٣١٢
(١) باب الكبائر وعلامات النفاق
فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلاَةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّداً فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ، وَلاَ تَشْرَبَنَّ خَمْراً؛
فَإِنَّهُ رَأَسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِنَّكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَّةِ حَلَّ سَخَطُ اللهِ،
وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذا أصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ وَأَنْت
فيهم فَائْبتْ، .
وقوله: (وإياك والمعصية) وإن كانت صغيرة.
وقوله: (فإن بالمعصية) اسم (إن) ضمير الشأن محذوف، وحكم النحاة بضعف
حذفه مع (إن) المكسورة مردود؛ لوقوعه في الأحاديث.
وقوله: (فإذا أصاب الناس موت) أي: طاعون ووباء، (فاثبت) الأصل أن
الطاعون إذا دخل في بلد لا يجوز الخروج عنه، وإذا كان خارجاً لا يجوز الدخول فيه،
أما الدخول فيه فلأنه تعرّض للبلاء، وإلقاء للنفس في التهلكة، وهو منهي عنه في
الشرع، ومخالف لمقتضى العقل.
وأما الخروج عنه فلأن الطاعون والوباء يكون في الغالب عامًا وشاملاً لعامة أهل
البلد، فإذا وقع علم أنه سرت في نفوسهم عامة فلم يفد الخروج؛ لأنه إذا صار وجود
المفسدة والعلة تيقناً والانفكاك عنه غير متوقع؛ كان الاحتراز والفرار عنه عبئاً؛ ولأنهم
إذا توافقوا على الخروج ضاع الذين عجزوا عن الخروج بالمرض المذكور أو بغيره،
ويفقد من يتعهد ويتفقد أحوالهم في الحياة وبعد الممات، وأيضاً فيه كسر قلوب
الضعفاء، وهذا هو الحكمة في ورود الوعيد على الفرار من الزحف.
هذا، وفي ذكر الثبوت عند إصابة الناس الموت مع التبعيد عن الفرار يوم الزحف
إشارة إلى أنه في حكمه، وقد وقع ذلك صريحاً في حديث روته عائشة ﴾ أن الفرار
عن الطاعون كالفرار عن الزحف، ويستلزم كونه كبيرة.

٣١٣
(١) كتاب الإيمان
وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلاَ تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَباً وَأَخِفْهُمْ فِي اللّهِ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢٣٨/٥].
٦٢ - [١٤] وَعَنِ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا النَّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ لَّهِ،
فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الإِيمَانُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١١٤].
وقد يقال: إن في النهي عن الخروج إشارة من الشارع إلى علاج هذا المرض،
وذلك أن الأطباء منعوا صاحب هذه العلة من الرياضة والحركة، وأوصوا بالدعة
والسكون حتى يسلم من هيجان الأخلاط، ولا شك أن الخروج من أرض الوباء والسفر
إلى أرض أخرى لا يحصل غالباً إلا بحركة عنيفة، وضرره ظاهر، ففي النهي عنه جمع
بين العلاج الجسماني والعلاج الروحاني الذي يحصل من التوكل والصبر والرضاء،
وقد ذكرنا حقيقة الطاعون والوباء والفرق بينهما طِبًّا وشرعاً في (شرح سفر السعادة)
فعليك به، وسنذكر تتمة هذا البحث في الفصل الثاني من باب الفأل والطيرة في
حديث(١) (إن من القرف التلف) إن شاء الله تعالى.
وقوله: (من طولك) الطول بالفتح: الفضل والقدرة، والغنى والسعة.
وقوله: (أدباً) مفعول له لما يتضمنه (لا ترفع عصاك) من معنى الضرب.
٦٢ - [١٤] (حذيفة) قوله: (إنما النفاق) أي حكمه بعدم التعرض لأهله
والستر عليهم كان على عهد رسول الله وير لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان،
أما اليوم فلم تبق تلك المصالح، فنحن إن علمنا أنه كافر سرًّا قتلناه حتى يؤمن.
(١) وهي تحت الحديث (٤٥٩٠) عن يحيى بن عبدالله بن بحير.
-

٣١٤
(٢) باب الوسوسة
٢ - باب الوسوسة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى
تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا ..
٢ - بَابُ الوَسْوَسَةِ
الوسوسة في الأصل بمعنى الصوت الخفي، يقال: وسوس الحلي: إذا تحرك،
ويطلق على كلام مختلط غير مبين، يقال: وسوس: إذا اختلط كلامه وتكلم بكلام
لم يبينه، وفي الشرع: حديث النفس والشيطان من الأفكار الفاسدة والخواطر الرديئة
الداعية إلى المعاصي، وما يدعو إلى الطاعات إلهامٌ، ويقال: الوسواس بالفتح والكسر،
وقيل: بالفتح الاسم وبالكسر المصدر، والوسواس اسم للشيطان أيضاً، وعليه يحمل
قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤].
الفصل الأول
٦٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما وسوست به صدورها) يروى بالرفع وهو
الأظهر؛ لأن وسوس لازم، ويراد بصدورها أنفسها، ويروى بالنصب، ووسوست
بمعنى حدثت، والضمير للأمة، كما جاء في الرواية الأخرى: (ما حدثت به أنفسها)،
ويجوز فيها الرفع أيضاً، لكن النصب يؤيده ما جاء في أحاديث أخر: (إن أحدنا يحدث
نفسه)، و(إني أحدث نفسي)، وظاهر الحديث أن العبد لا يؤاخذ ما لم يعمل، وإن
همّ بمعصية وعزم عليها، وإليه ذهب بعض العلماء أخذاً بظاهر الحديث، والصواب
الذي عليه أكثر الفقهاء والمحدثين أنه يؤاخذ على العزم دون الهم، وتحقيقه أن ما وقع
في القلب بغتة من غير اختيار سمّاه بعضهم الهاجس فهو معفو عن جميع الأمم لعدم

٣١٥
(١) كتاب الإيمان
مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتْكَلَّم)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٢٨، ٦٦٦٤، م: ١٢٧].
٦٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِوَ﴿ إِلَى
النَّبِّ ◌َ﴿ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنَّفُسِنَا.
الاختيار فيه، ثم إذا استمرّ وجال في الصدر يسمّى الخاطر فهو معفو عن هذه الأمة
فضلاً من الله وتكريماً لنبيهم ◌َّ، وهو في حكم السهو والنسيان اللذين رفعا عن هذه
الأمة.
ثم إذا همّ بالمعصية في قلبه بالمحبة والتلذذ كما يقصد الوصول إلى امرأة يحبها،
فهذا أيضاً مرفوع، ولا يكتب ما لم يعمل، بل تكتب حسنة إذا همّ وكفّ نفسه عن
العمل، وقد وردت فيه أحاديث متعددة .
وههنا قسم آخر، وهو العزم، وهو توطين النفس على المعصية، وعقد القلب
بها، والتهالك عليها بحيث لا يمنعه عنها إلا عدم تهيؤ الأسباب من خارج، وليس في
نفسه مانع وكراهة ونفرة منها، ويؤاخذ عليه؛ لأنه من أعمال القلب، والعبد مؤاخذ عليها،
ومن هذا القبيل العقائد الفاسدة ومساوئ الأخلاق، والهم الذي ذكرنا سابق علیه،
وليس المراد به القصد الذي يقع به الفعل ويقارنه، وقد يذكر بمعنى العزم، ويقال
بالمؤاخذة، لكن العبرة للمعنى.
وينبغي أن يعلم أن عزم الزنا ليس في حكم حقيقة الزنا، والمؤاخذة عليه مؤاخذة
الزنا، بل هو معصية في نفسه أدنى من الزنا، وبهذا التحقيق ينحل كثير من الإشكالات،
ويحصل به التطبيق في الأحاديث والآيات، فتدبر .
وقوله: (ما لم تعمل) في الأفعال، (أو تتكلم) في الأقوال.
٦٤ - [٢] (عنه) قوله: (إنا نجد) بكسر الهمزة وفتحها.

٣١٦
(٢) باب الوسوسة
مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: (أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟)) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ:
((ذَاك صَرِيحُ الإِيمَان)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤].
٦٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (بَأْتِ الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَقُولُ:
مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ ....
وقوله: (ما يتعاظم) صيغة التفاعل للمبالغة، أي: يجد أحدنا التكلم به في غاية
العظم لاعتقاد القلب بنقيضه يقيناً.
و(أحدنا) مرفوع، وقال الطيبي(١): ويجوز النصب، أي: يعظم [ويشق التكلم
به] على أحدنا، كأنه يريد نصبه على الحذف والإيصال، ولا يخفى بُعده، ثم لا يدرى
أن قوله: (ويجوز النصب) ما معناه؟ إما بالرواية أو بمجرد احتمال العربية، فلا يجدي
الثاني نفعاً، فهلا يقول: يروى بالنصب؟ والله أعلم.
وقوله: (أوقد وجدتموه) مثل هذه العبارة في القرآن والأحاديث كثيرة، وإعرابها
أن الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر من فعل عام، أي: حصل أو وجد ذلك،
وقد وجدتموه، وفيه تکریر وتأكید.
وقوله: (ذاك) إشارة إلى التعاظم أو وجدانكم إياه عظيماً (صريح الإيمان)، لأن
التعاظم إنما يكون لاعتقاد بطلانه، ولخوف الله وخشيته وتعظيمه، وكله من الإيمان.
٦٥ _ [٣] (عنه) قوله: (فيقول) وهذا القول وأمثاله هو الذي أجمله في الحديث
السابق بقوله: (ما يتعاظم أحدنا).
وقوله: (فإذا بلغه) أي: بلغ الشيطان هذا القول، وهو: مَنْ خَلَقَ ربك،
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٠١).

٣١٧
(١) كتاب الإيمان
فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتُهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٧٦، م: ١٣٢].
٦٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ ..
(فليستعذ بالله ولينته) بالقيام وتغير الحالة؛ فإنه مؤثر في دفع ما فيه الرجل كما في حالة
الغضب ونحوها، وإنما أمر بالاستعاذة والانتهاء لأن في محاجة الشيطان والمناظرة معه
فتح باب الوساوس وزيادتها، ولعله يغلب بالشبه والمغالطات، ولم يقدر أحدكم على
دفعه، ولا سبيل إلا الاستعاذة بالله تعالى، والطلب منه تعالى أن يدفع شره بالتمسك
باسمه الهادي، وقد أمر في القرآن المجيد بالاستعاذة من شر الوسواس، والاشتغال
بالرياضة، وتزكية النفس، وتصفية القلب أعلى أقسام الاستعاذة.
واعلم أن الخلاص من اللعين الرجيم لا يحصل إلا بالإعراض عنه، وترك الجدال
والتقاول به وإن جاء بصورة النصيحة والإنصاف، فإن كيده مستتر فيه، قالوا: قد جاء
الشيطان في صلاة بعض المشايخ وقال: لم تصل هذه الصلاة التي صليتها كما ينبغي
فأعدها، قال: لا أعيد، صليت كما تيسر لي وأعتذر إلى ربي سبحانه من التقصير، فألحّ
في ذلك، وقال: إني لك لمن الناصحين، هذه عبادة ومقامك عند الله رفيع، فلا تواجهه
بمثل هذه الصلاة، قال: لا أعيد وأرضى بنزول مقامي، قال: فإن الله لا يقبل منك
مثل هذا العمل، قال: ربي كريم يقبل مني ولا يتأتى مني أكثر من هذا، فانخذل العدو
ومضى، والحمد لله.
٦٦ - [٤] (عنه) قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) الظاهر من العبارة أن
التساؤل يجري بين الناس بعضهم مع بعض ولا بعد، فقد يتفق السؤال إلى أن يبلغ
إلى هذا القول، ويشهد بذلك حديث مسلم(١): (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم
(١) ((صحيح مسلم)) (١٣٥).

٣١٨
(٢) باب الوسوسة
حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً
فَلْيَقُلْ:
حتى يقولوا: هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟) وحديث: (لا يزال الناس يسألونك
يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟) وحديث البخاري: (إن
أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق
الله؟)(١).
والظاهر أن المجادلين من أهل الكلام المتوغلين فيها غير المتحاشين من إطلاق
مثل هذه الألفاظ في مباحثاتهم من غير مبالاة بما يتفوهون داخلون في هذا الوعيد،
وعلى هذا ليس هذا من قبيل الوسوسة، ويحتمل أن يكون المراد التساؤل بين الناس
وأنفسهم والشياطين، وعلى هذا هو من باب الوسوسة.
نعم وقوعه بينهم وبين النفس والشيطان أكثر.
وقوله: (حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟) في هذه العبارة وجوه
أظهرها وأقلها تكلفاً أن يكون المعنى حتى يقال هذا القول، وهو خلق الله ... إلخ،
ويحتمل أن يكون التقدير: هذا قد علم، أو علم هذا، ويكون هذا إشارة إلى ما جرى
من الكلام بينهم بالتساؤل كما يقع في عبارات المصنفين هذا، أي: علم هذا ومعنى
هذا، وهذان الوجهان ذكرهما التُّورِبِشْتِي، وزاد الطيبي(٢) وجهاً آخر، وهو أن التقدير:
هذا مقرر، و(خلق الله) بيان له، ووجهاً آخر، وهو أن يقدر: هذا القول مقرر، فوضع
(خلق الله الخلق) موضع القول، وهو بعيد، فإن هذا إنما يوصف بالمعرف باللام
(١) لم أجده في ((صحيح البخاري))، بل أخرجه مسلم (١٣٦).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٠٣).

٣١٩
(١) كتاب الإيمان
آمَنتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ عن أنس: ٧٢٩٦، م: ١٣٤].
لا بما وضع موضعه، هذا وقد جاء في رواية مسلم عن أنس، وفي رواية البخاري عن
أبي هريرة - كما يأتي في الفصل الثالث(١) -: (هذا الله خلق الخلق)، وهو يحتمل سوى
الوجوه المذكورة أن يكون (هذا الله) مبتدأ وخبراً، أو (هذا) مبتدأ، و(الله) عطف بيان،
و(خلق الخلق) خبره.
واعلم أن قوله: (فمن خلق الله) بعد قوله: (خلق الله الخلق) ظاهر الفساد، إذ
لم يبق شيء يوصف بالخلقة إلا دخل تحت قوله: (خلق الله الخلق)، فإذا ادّعى قسماً
آخر خارجاً عن تلك الجملة فقد ناقض بآخر كلامه أوله، وكان المقصود التشكيك في
انتهاء سلسلة الوجود إلى الواجب تعالى وتقدس، والذهول والإذهال عنه، وطريقة أهل
العقل في ذلك التمسك والتعلق بالدليل والبرهان، ولكن قضية جناب الرسالة عن ذلك
الاستعاذة والالتجاء بالله تعالى والإيمان به، فافهم.
وقوله: (آمنت بالله ورسله) إن كان ذلك القول صادراً عن اعتقاد وسؤالاً عن
خالقه تعالى وتقدس مع تسليم كونه مخلوقاً كما هو الظاهر من عبارة (من خلق الله) فهو
كفر، وهذا القول توبة ورجوع عن ذلك، وإن كان بطريق الوسوسة أو البحث والمجادلة
خصوصاً إذا كان التساؤل بين النفس والشيطان على ما قاله الطيبي(٢) لم يكن كفراً،
فقوله: (آمنت) في المعنى استعاذة وانتهاء، فاقتصار الطيبي في تعليل قوله:
(فليقل آمنت بالله) على أنه كفر يجب تداركه بكلمة الإيمان لا يخلو عن شيء،
فليتأمل .
(١) انظر: الحديث (٧٥ - ٧٦).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٠٣).

٣٢٠
(٢) باب الوسوسة
٦٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ
أَحَدٍ إِلَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ». قَالُوا: وَإِيَّاكَ
يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللهَ أَعَانِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ،
٦٧ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)
أي: بكل أحد من بني آدم مصاحب من الملك ومصاحب من الشيطان، وهو القرين،
فقرينه من الملائكة يأمره بالخير، وقرينه من الشيطان يأمر بالشر، وقد ورد في بعض
الروايات أنه لا يولد لبني آدم ولد إلا يولد لإبليس مثله ويوكل به، كذا في الحواشي
نقلاً عن بعض الشروح.
وقوله: (وقرينه من الملائكة) ليس في (المصابيح) ولا في نسخ من (صحيح
مسلم)، وقال الطيبي(١): ولكن ذكره الحميدي والصغاني في (المشارق) عن مسلم.
وقوله: (قالوا: وإياك) أي: وإياك يعني أيضاً داخلاً في هذا العموم، وفي رواية:
(قيل: وأنت، قال: وأنا)، هكذا ذكر لفظ الحديث في (مشارق الأنوار) للقاضي
عیاض.
وقوله: (فأسلم) قال التُّورِبِشْتِي: يروى مفتوحة الميم على بناء الماضي من
الإسلام، ومضمومة الميم على بناء المضارع من السلامة، ومن أهل العلم من يختار
الرواية بضم الميم، ويقول: القرين من الجن إنما هو الشيطان، والشيطان هو المصر
على العتو والتمرد، والمطبوع على الكفر فأنّ يتصور منه الإسلام؟
قلت: وإذا صحت الرواية فلا عبرة بهذا التعليل، ولا يستبعد من فضل الله
(١) (شرح الطيبي)) (١ / ٢٠٥).