النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (١) كتاب الإيمان قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرُو أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ))؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١]. وَالْحَدِيثَنِ الْمَرْوِيَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ). وَالآخَرُ: ((الْكِبْرِيَاء رِدَائِي))، سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى. * الفصل الثاني: ٢٩ - [٢٨] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِ بِعَمَلٍ يُدْخِلِي الْجَنَّةَ . الوجوه الثلاثة الطيبي(١)، والوجه الثالث أوجه وألطف. وقوله: (أن الإسلام يهدم ما قبله) مظلمة كانت أو غيرها، وأما الهجرة والحج فيهدمان ما عدا المظالم، هذا ما عليه الجمهور، وقيل: يهدم الحج المظالم أيضاً، وقد روي في ذلك حديث سنذكره وأقوال العلماء فيه في كتاب الحج، والله أعلم. وقوله: (وأن الهجرة ... إلخ) زيادة على الجواب لدفع استبعاد هدم الإسلام الذي هو أصل الأصول ما قبلها بأن ذلك جارٍ فيما هو فرعه من الأعمال، وقوله: (أما علمت) في معنى (اعلم)، عبر بهذا الوجه تنبيهاً على أنه أمر مهم ينبغي أن يسبق العلم به لکل أحد، فافهم. الفصل الثاني ٢٩ - [٢٨] (معاذ) قوله: (يدخلني الجنة) بالرفع صفة لـ (عمل)، وهو الأقوى (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٦٢). ٢٦٢ (١) كتاب الإيمان وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: ((لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمِ، وَإِنَّهُ لِيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَشَرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْت))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابٍ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والأوجه رواية ودراية، وكذا قوله: (يباعدني من النار). وقال النُّورِبِشْتِي: الجزم فيها على جواب الأمر غير مستقيم رواية ومعنى. وقوله: (لقد سألت عن عظيم) في شرح الشيخ: أي يتعسر جوابه، أو عن عظيم فعله . وقوله: (وإنه ليسير) أي: جوابه على الأول، أو فعله على الثاني، وقال: يرجح الثاني قوله: (تعبد) لأنه استئناف لبيان ذلك الأمر العظيم. أقول: بل قوله: (وإنه ليسير على من يسره الله) أيضاً ظاهر في الثاني كما لا يخفى. وقوله: (ألا أدلك على أبواب الخير): (ألا) يحتمل أن تكون للعرض، وأن تكون الهمزة للاستفهام دخلت على حرف النفي، والثاني هو الظاهر من الأحاديث الأخر، لوقوع (بلى) في جوابه، إلا أن يكون باعتبار الأصل؛ لأن أصل العرض أيضاً هو الهمزة الداخلة على لا النافية . وقوله: (الصوم جنة ... إلخ) الظاهر أن المراد بهذه المذكورات نوافلها، فإنه لما ذكر الفرائض التي هي الأركان الخمسة الكافية في دخول الجنة والنجاة عن النار؛ ذكر النوافل التي هي أسباب كمال الخيرات وأبواب مزيد البركات، فالصوم كالُّرس يمنع وصول الخطيئة وصدورها من الصائم؛ لمنعه الشهوات ومداخل الشيطان. ٢٦٣ (١) كتاب الإيمان وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوفٍ اللَّيْل)»، ثمَّ تَلاَ ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ: (أَلَ أَدُلُّكَ بِرَأْس الأَمرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟)) قُلْتُ: بَلَی یَا رَسُولَ اللهِ، وقوله: (والصدقة تطفئ الخطيئة) الصادرة وإن كانت الحسنات يذهبن السيئات مطلقاً، ولكنه في الصدقة لوصول نفعها إلى الغير أتم وأكمل فخص به، ثم قوله: (الصوم جنة) يحتمل أن يكون جملة واحدة يتضمن ذكر باب من الخير، وهو الصوم، وعلى هذا يقدر لقوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) خبر مثل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة، أو من أبواب الخير، وأن يكون الصوم خبر مبتدأ محذوف، أي أحدها الصوم، وجنة خبر لمحذوف آخر، أي وهي جنة، وكذلك قوله: (والصدقة تطفىء)، وعلى هذا لا حاجة إلى تقدير خبر لقوله: (وصلاة الرجل). وقوله: (ثم تلا) أي: لبيان فائدة الصلاة في جوف الليل، كذا قيل، والأظهر أن يكون فضيلة الصدقة والصلاة معاً لشمول الآية إياهما، فافهم. ثم انتخب من الأمور الدينية خلاصتها وأفضلها وقال: (ألا أدلك وأخبرك برأس الأمر) أي: بأصل أمر الدين الذي لا وجود له بدونه كالرأس بالنسبة إلى الجسد، وهو الإسلام المراد به ههنا كلمة الشهادة التي يحصل به أصل الدين . وقوله: (وبعمود الأمر) بفتح العين: الذي يحصل به قوة وكمال كالعمادة بالنسبة إلى البيت، وهو الصلاة التي تحصل بإقامتها قوة في الدين. وقوله: (وبذروة سنامه) والذروة بكسر الذال وضمها: أعلى الشيء، كذروة الجبل، و(السنام) بفتح السين بالفارسية: كوهان شتر، وهو الجهاد مع الكفار يحصل ٢٦٤ (١) كتاب الإيمان قَالَ: ((رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَاهُ»، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟)) قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: (كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا))، . به علو ورفعة في الدین. وقوله: (قلت: بلى يا نبي الله) لما زادت رغبة السائل وشوقه إلى استماع ذلك الأمر العظيم ودركه في هذه المرتبة باستماع صفاته العظيمة؛ زاد كلمة الإجابة وناداه وله زيادة في الإجابة والإقبال، وكذا في الثالثة مع تفنن نشأ من كثرة الشوق في العبادة، وقال: (يا نبي الله) مع ما في هذا العنوان ومعنى الإخبار والرفعة من المناسبة، ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) وملاك الشيء بالكسر والفتح: قوام الشيء ونظامه، وما يُعتمد عليه فيه، وفي (مختصر النهاية) للسيوطي (١): الملاك بالكسر والفتح: ما يقوم به الأمر، يقال: القلب ملاك الجسد، وفي (القاموس)(٢): ملاك الأمر بالفتح ويكسر: قوامه الذي يُملك به، وقال النُّورِبِشْتِي: أهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بكسر الميم. وقوله: (كله) أما تأكيد للأمر أو للملاك. وقوله: (كف عليك هذا) أي: لسانك، فلا تتكلم بما يضرك وبما لا يعنيك، ولما كان السكوت كف اللسان في الظاهر ضرراً وثقيلاً على صاحبه؛ استعمله بكلمة (على). - (١) انظر: ((الدر النثير)) (٢/ ٩٦٢)، وعبارة السيوطي في ((مختصره)) هي: ((الملاك)) بالكسر والفتح: قوام الشيء ونظامه وما يعتمد عليه فيه. (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٧٩). ٢٦٥ (١) كتاب الإيمان فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ یَا مُعَاذُ ! . وقوله: (وإنا لمؤاخذون) يقال: آخذه بذنبه مؤاخذة، ولا يقال: واخذه، والمؤاخذة: أن يأخذ أحد أحداً بذنب. وقوله: (ثكلتك) بكسر الكاف، في (القاموس)(١): الثكل بالضم: الموت والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، ويُحرَّك، وقد ثَكِلَ كفرح فهو ثَاكل وثكلانُ، وهي ثاكل وثَكلانةٌ قليلة، وثَكولٌ وثَكْلَی. وفي (النهاية)(٢): (ثكلتك أمك): أي فَقَدَتْكَ، والثُّكل: فقد الولد، وامرأة تاكل وثَكْلَى، ورجل ثاكل وثكلان، كأنه دعاء عليه بالموت لسوء فعله أو قوله، والموت يعم كل أحد، فإذن الدعاء عليه كلا دعاء عليه، أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءاً، ويجوز كونه مما يجري على ألسنتهم ولا يراد به الدعاء؛ كتربت يداك، وهو الأظهر. وقال النُّورِبِشْتِي: ثكلته أمه، وقتلته السيول، وقاتله الله، ونظائرها كلمات يستعملونها عند التعجب والحث على التيقظ في الأمور، ولا يريدون بها الوقوع ولا الدعاء على المخاطب بها، لكنهم أخرجوها عن أصلها للتأكيد مرة، وللتعجب والاستحسان تارة، وللإنكار والتعظيم أخرى، وقد جاء واثكلياه، وهو إما مصدر واللام مكسورة، وإما صفة واللام مفتوحة، وجاء واثكل أمياه بضم ثاء وسكون كاف وبفتحهما . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩٥). (٢) ((النهاية)) (١ / ٢١٧). ٢٦٦ (١) كتاب الإيمان وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، وقوله: (وهل يكب الناس): (یکب) بفتح الياء وضم الكاف مضارع كبه بمعنى صرعه وأسقطه، وأَكَبَّ من الإفعال بمعنى سقط، فمجرده متعد ومزيده لازم، على عكس المعهود في الإفعال، وهذا هو المشهور، وفي (القاموس)(١): كبّه: قَلَبَه، وصرعه، کأكبه، و کبکبه فأكب، وهو لازم متعد، وأَکَبّ عليه: أقبل ولزم، انتهى. وقوله: (أو على مناخرهم) شك من الراوي، وهو جمع منخر بفتح الميم وكسر خاء وفتحها: ثقبة الأنف، والمراد ههنا الأنف نفسه، كذا في شرح الشيخ(٢). وفي (النهاية)(٣): أخذ بنُخْرة الصبي، أي: بأنفه، ونُخْرتا الأنف: ثقباه، والنَّخَرَة بالحركة: مقدم الأنف، والمنخر والمنخران أيضاً ثقبا الأنف، انتهى. وقال الكرماني(٤): المنخر بفتح الميم وكسر خاء، وقد تكسر ميمه اتباعاً للخاء، وفي (القاموس)(٥): نَخَرَ يَنْخِرُ: مَدَّ الصوت في خياشيمه، والمنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما، وكمجلس ومُلْمُولٍ (٦): الأنف، ونُخْرة الأنف: مقدمُه، أو خَرْقُه، أو ما بين المنخرین، أو أرنبته، انتهى . وقد جاء في الحديث: (أتي السكران في رمضان، فقال: للمنخرين)(٧) أي: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣٢). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١/ ٢٥٥). (٣) ((النهاية)) (٥/ ٣٢). (٤) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٠٨). (٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٧). (٦) في الأصل: ((مملوك))، والتصويب من ((القاموس)). (٧) انظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٨ / ٣٢١)، و((مصنف عبد الرزق)) (١٣٥٥٧). ٢٦٧ (١) كتاب الإيمان إِلَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [حم: ٢٣١/٥، ت: ٢٦١٦، جه: ٣٩٦٩]. ٣٠ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٦٨١]. كبه الله لمنخريه، وجاء: لما خلق الله إبليس نخر، والنخر صوت الأنف، وبالجملة المراد ههنا السقوط والدخول في النار على وجوههم، ولما كان الأنف أرفع أجزاء الوجوه ويقع السقوط عليه أولاً نسب إليه. و(الحصائد) جمع حصيدة، والحصد: قطع الزرع، شبه إطلاق المتكلم لسانه بما يقتضيه الطبع من الكلام من غير تمييز بين الخير والشر ما يعني وما لا يعني بفعل الحاصد الذي لا يميز بين شوكة وزرع، وهذا باعتبار الأغلب، فإن أكثر ما يقع الإنسان في البلاء من جهة اللسان، وذكر التُّورِبِشْتِي أنه ذكر في بعض الروايات (حصاد ألسنتهم) وذهب في معناه إلى حصاد اللسان وهي رزانته، قال: وذلك ليس بشيء لأنه يخالف رواية الجمهور، والظاهر أن بعض الكلمة سقط عن الكاتب على ما وجد في النسخة، انتهى. ولقد ضيع هذا الراوي وحرم عن إدراك بلاغة هذه الاستعارة اللطيفة البليغة الصادرة من أفصح فصحاء العرب والعجم ◌َّر، فهذه الرواية مما لا ينبغي أن تروى وتسمع، والله أعلم. ٣٠ _ [٢٩] (أبو أمامة) قوله: (من أحب الله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) يعني من كان جميع أفعاله لوجه الله لا لحظ نفسه وميل إلى ما سوى الله ورضاه سبحانه، فقد جعل إيمانه كاملاً تامًّا، وهذا توحيد الإخلاص ٢٦٨ (١) كتاب الإيمان ٣١ - [٣٠] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَفِيه: ((فقد اسْتكْمَل إِيمَانَهُ)). [ت: ٢٥٢٠]. ٣٢ - [٣١] وَعَنْ أَبِ ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٥٩٩]. ٣٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وتجريد الذي لا يتيسر إلا للكُمَّلِ من الصديقين، رزقنا الله، واستكمل وأكمل وكمل بمعنی أتم وجمل . ٣١ - [٣٠] (معاذ بن أنس) قوله: (مع تقديم وتأخير) لفظ (المصابيح) هو الأول. ٣٢ - [٣١] (أبو ذر) قوله: (أفضل الأعمال(١) الحب في الله والبغض في الله) معناه معنى حديث أبي أمامة، و(في) أجلية بمعنى اللام كقولهم: (عذبت امرأة في هرة)(٢)، وقولهم: المتفكر في معرفة الله، ونحو ذلك، وأمثال هذه الأحاديث من جوامع الكلم التي تجمع معنى الإسلام والإيمان والإحسان، ويتضمن أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة . ٣٣ _ [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) (١) أَىِ الْبَاطِنُِّ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى حَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ وَالشُّهُودِ، فَـ(أَلْ)) لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ؛ إِذِ الصَّلاَةُ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ مُطْلَقاً بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَتَيْنِ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٠٧). (٢) أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٢٤٢). ٢٦٩ (١) كتاب الإيمان وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٦٢٩، س: ٤٩٩٥]. وقد سبق بيانه في حديث عبدالله بن عمرو(١). وقوله: (والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)(٢) أَمِنَ كفرح أمنة، فأنا آمن، أي: لم يخافوه على أموالهم وأنفسهم، والأعراض جعلها داخلة في الدماء بكمال تعلقها بنفس الإنسان كأنها جزؤه، ثم ظاهر سياق الكلام يوهم بمغايرة الإيمان والإسلام والمؤمن والمسلم ومغايرة أحكامهما ولكنهما واحد، والفقرة الثانية تأكيد وتقرير للأولى، ورتب من سلم على المسلم ومن أمنه على المؤمن رعاية للمطابقة في مادة الاشتقاق تفنناً غير أنه اقتصر في الثاني على مأثم اليد على ما هو الظاهر اكتفاءً، أو لأن آفة اللسان ظاهرة شائعة لا حاجة إلى تكرارها، بخلاف آفة اليد فإنها مفتقرة إلى البيان والتقرير، هكذا وجهه الطيبي(٣). ويمكن أن يقال: الإيمان من حيث إنه فعل القلب أكمل من الإسلام وهو الانقياد في الظاهر، والأمن أيضاً أتم وأقوى من السلامة، فإن السلامة أن لا يصيب منه ضرر وآفة مع توهم حصوله واحتماله، والأمن أن لا يبقى التوهم والاحتمال أيضاً، فافهم . (١) انظر: الحديث (٦). (٢) هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْكُتُبِ السَِّّةِ، بَلْ هُوَ مَقْطَعٌ فِهَا، لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي ((مُسْتَدْرَكِهِ) (ح: ٣٤) بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدَّمَ الْمُؤْمِنَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ اشْتَمَلَ عَلَى أُصُولٍ كَثِيرَةٍ فِي الدِّين. («مرقاة المفاتيح)» (١ / ١٠٧ -١٠٨). (٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٧١). ٢٧٠ (١) كتاب الإيمان ٣٤ - [٣٣] وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) بِرِوَايَةٍ فَضَالَةَ: ((وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا والذُّنُوبَ)). [هب: ٥٤٩]. ٣٥ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ إِلاَّ قَالَ: ... ٣٤ - [٣٣] (فضالة) قوله: (والمجاهد من جاهد نفسه)(١) أي المجاهد الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهداً من حارب نفسه لكونها أعدى الأعداء وملازماً للشخص دائماً به کیدها، ویدق درکه ویصعب علاجه. وقوله: (المهاجر من هجر الخطايا والذنوب) لأن المقصود من الهجرة التمكن من الطاعات بلا مزاحمة الأغيار، وتشوش القلب بمصاحبة الأشرار، ففي الحقيقة الهجرة ترك الذنوب والخطايا، فمن هو في الوطن تارك الخطايا والمأثم، فهو مهاجر حقيقة، ومن خرج منه ولم يترك الذنوب فلا هجرة له نافعة، فالمهاجر الحقيقي من هجر الخطايا والذنوب، وقد مر في حديث عبدالله بن عمرو (٢). ٣٥ - [٣٤] (أنس) قوله: (قلما خطبنا) (ما) مصدرية، والفعل بتأويل المصدر فاعل (قلَّ) أي: خطبتُه، أو كافّة، فيكون (قلما) بمعنى (ما) النافية، ويحتمل أن يكون (ما) عبارة عن زمان موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف، وأما إن كانت مقحمة كما قال الطيبي(٣) فلعل الفعل مؤول بالمصدر، أو منزل منزلته ليكون فاعل (قل)، فتدبر. (١) إِذْ هُوَ الْجِهَادُ الأَكْبَرُ، وَيَنْشَأُ مِنْهُ الْجِهَادُ الأَصْغَرُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٠٨). (٢) انظر: الحديث (٦). (٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٧٢). ٢٧١ (١) كتاب الإيمان (لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةً لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [هب: ٤١٨٤]. * الفصل الثالث : ٣٦ - [٣٥] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلِ يَقُولُ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ)). رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٨، ٢٩]. ٣٧ _ [٣٦] وَعَنْ عُثْمَانَ رَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٦]. وقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) إن أريد بالأمانة المعنى المتعارف من حفظ أموال الناس ومجالسهم مثلاً، وبالعهد ما جرى بينهم من ميثاق، فهذا تغليظ وحث على محافظتهما، والمنفي هو الإيمان الكامل، وإن أريد التكاليف الشرعية والعهد الذي أخذه الله من عباده بأداء حقوق ربوبيته والانقياد لأحكامه، فحيث يشتمل ذلك الدين والإيمان كله أصولاً وفروعاً فلا إشكال في هذا النفي، ويكون في الكلام تكرير أو تأكيد أو تقرير، ويحتمل أن تكون الأمانة محمولة على المعنى الأعم، والعهد على الأخص، فيكون تخصيصاً بعد تعميم، فتدبر. الفصل الثالث ٣٦ _ [٣٥] (عبادة بن الصامت) قوله: (حرم الله عليه النار) قد مر تأويله(١). ٣٧ - [٣٦] (عثمان) قوله: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) بأن لم يطرأ (١) انظر: الحديث (٢٥). ٢٧٢ (١) كتاب الإيمان ٣٨ - [٣٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (ثِنْتَانِ مُوجِبَتَانِ)) . قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: ((مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسلم. [م: ١٥٠]. ٣٩ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللهِ و ◌َّهُل مَعنا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﴿َ فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللهِلَّهِ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا،. قلبه ما يضاده، ويحتمل أن يكون المراد حصول العلم في ذلك الوقت فإن له فضيلة خاصة، فافهم، ثم هذا الحديث ظاهر في أن الإيمان هو التصديق فقط . ٣٨ _ [٣٧] (جابر) قوله: (ثنتان) أي: خصلتان، وهما الإشراك وعدم الإشراك؛ يعني الكفر والإيمان. وقوله: (موجبتان) أي: الجنة والنار بحكم الله ووعده ووعيده. ٣٩ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (في نفر) في (النهاية)(١): النفر: رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة من ثلاثة إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، انتهى. وقد يستعمل بمعنى القوم والجماعة من الجن والإنس. وقوله: (من بين أظهرنا) أي من بيننا، والأظهر جمع ظهر مقحم للتأكيد، ومثله ظهرينا وظهرانينا بفتح النون، ووجهه أن من كان بين قوم كان بين أظهرهم؛ لأن ظهر كل واحد منهم يكون في جانب عنه، وتوضيحه ما قال في (النهاية)(٢) في حديث : (فأقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم) أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد (١) ((النهاية)) (٥ / ٩٣). (٢) ((النهاية)) (٣/ ١٦٦). ٢٧٣ (١) كتاب الإيمان وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ وَّهِ، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطَاً لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، إليهم، وزيدت ألف ونون مفتوحة تأكيداً، ومعناه أن ظهراً منهم قدامه وظهراً منهم وراءه، فهو مكنوف من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً. وقوله: (أن يقتطع دوننا) في (الصراح)(١): الاقتطاع پاره أز چيزي جدا كردن، وفي (النهاية)(٢): أي يؤخذ ويتفرد به، قال النووي(٣): أي يصاب بمكروه من عدوه، ومنه أبا حزم أحذرهم أن يقتطعوك، أي: لا يرونك منفرداً فيطمعوا في قتلك فيقتلوك، فالمعنى: خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره حال كونه دوننا، أي: متجاوزاً عنا . وقوله: (وفزعنا) لعل الخشية في الباطن، والفزع ظهور آثارها في الظاهر كما يناسب قول أبي هريرة : (فكنت أول من فزع)(٤)، فافهم. وقوله: (حتى أتيت حائطاً) المراد بالحائط البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار، وجمعه الحوائط، وأصله من الإحاطة، في (القاموس) (٥): الحائط : الجدار والبستان. (١) (الصراح)) (٣٢٥). (٢) ((النهاية)) (٤/ ٨٢). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) (١ / ٢٣٥). (٤) أخرجه مسلم (٣١). (٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١١). ٢٧٤ (١) كتاب الإيمان فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَاباً؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ خَائِطٍ مِنْ بِثْرٍ خَارِجَةٍ، وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ، قَالَ: فَاحْتَفَزْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهَِِّ، فَقَالَ: وقوله: (هل أجد له باباً) أي: مفتوحاً، ويجوز أن لا يكون دورانه حول الحائط كله، بل دار بعض أطرافه ولم يجد بابه، والظاهر أن خروجه لم يكن من الطريق الذي دخل به، بل من بابه الذي وجده بعد الدخول، والله أعلم، ولعله ◌َّر أغلق بابه بعد دخوله وسد طريقه . وقوله: (فإذا ربيع) الربيع: الجدول والنهر الصغير. وقوله: (من بئر خارجة) بتنوين فيهما موصوف وصفة، وبتنوين (بئر) وبهاء الضمير في (خارجه) يرجع إلى الحائط، أي: بئر في موضع خارج الحائط، وبإضافة (بئر) إلى (خارجة) بتاء تأنيث اسم رجل، والوجه الأول أظهر، وقيل: هو المشهور، والبئر يؤنث، كذا في (القاموس)(١)، ثم الظاهر أن المراد بالبئر ههنا معناها المعروف لا البستان كما قيل. نعم قد تطلق البئر على البستان لكونها فيه؛ كبئر بضاعة، وهي بستان. وقوله: (فاحتفزت) بالزاي، أي: تضاممت ليسعني المدخلُ، في (القاموس)(٢): احتفز: تضامّ في سجوده وجلوسه، واستوى جالساً على وركيه، وفي (الصراح)(٣): احتفاز برسريائ نشستن وخويشتن درچيدن، وفي حديث علي ظه: (إذا صلت المرأة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٧٢). (٣) ((الصراح)) (ص: ٢٢٤). ٢٧٥ (١) كتاب الإيمان (أَبُو هُرَيْرَةَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((مَا شَأْنُكَ؟)) قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَ فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَيَّتُ هَذَا الْخَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَّا هُرَيْرَةَ) وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيَّنٍ، فَمَنْ لَقِيَكَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، فلتحتفز إذا جلست وإذا سجدت)(١)، وفي حديث الأحنف: كان يوسع لمن أتاه، فإذا لم يجد متسعاً تحفز له تحفزاً، هذا، وأما رواية الراء فليس له معنى ظاهر مناسب للمقام، والصواب هو الرواية بالزاي، كذا قالوا. وقوله: (أبو هريرة) أي: أنت أبو هريرة؟ على طريق الاستفهام للتعجب؛ لكون الطريق مسدوداً فاستغرب. وقوله: (أعطاني نعليه) كما هو العادة في أعطاء شيء مما يعرف به أنه أرسله، ولعله لم يكن شيء آخر عنده سواهما، وقد ذكر الطيبي(٢) في تخصيص النعلين نكات مناسبة لا تخلو عن خفاء، والله أعلم. ولعله ◌َّ لما شاهد منهم كمال المحبة والإخلاص من فزعهم بأدنى مفارقة وتوحشهم بذلك؛ عطف عليهم وتوجه إلى جناب القدس لاستجلاب الرحمة لهم، فأوحي بذلك. وقوله: (فمن لقيك ... إلخ) حاصل المعنى أخبرهم بأن من شهد به مستيقناً دخل الجنة، فافهم. (١) أخرج نحوه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٠٧٢). (٢) (شرح الطيبي)) (١ / ١٧٥). ٢٧٦ (١) كتاب الإيمان فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلاَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجِنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنَ ثَدْبَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاِسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَّ هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَِّ، فَأَجْهَشْتُ بِالْبُكَاءِ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ. وقوله: (فكان أول من لقيت عمر) الظاهر برفع أول ونصب عمر، ويجوز العكس . وقوله: (فخررت لاستي) بكسر الهمزة وسكون السين، أي: سقطت على مقعدي، واللام بمعنى (على). وقوله: (فقال: ارجع) كان عمره عالماً من عند النبي ◌َ﴿ أن هذا بشارة تطبيباً لقلوبهم، وأنهم لو سمعوا يتكلوا، وأن الأمر لم يكن للإيجاب، ولذا خلاهم رسول الله ◌َ﴿ آخراً، فافهم. وقوله: (فأجهشت بالبكاء) في (القاموس)(١): جهش إليه كسمع ومنع جهشاً وجهوشاً وجهشاناً: فزع إليه وهو يريد البكاء، كالصبي يفزع إلى أمه، كأجهش، ولما كان في الحديث ذكر البكاء كان في الجهش تجريد، ومنه حديث: (أصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله وَلير)(٢). وقوله: (ركبني عمر) أي علا عليَّ عادياً. في (القاموس)(٣): ركبه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٤٣). (٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣/ ٣٦٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٢٢٥٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٨). ٢٧٧ (١) كتاب الإيمان فَإِذا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَا لَك يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)) قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بعثتني بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْبَيَّ ضَرْبَةً، فَخَرَرْتُ لِإِسْتِي، فَقَالَ: ارْجع، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَنْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشِّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((فَخَلَّهِمْ)). رَوَاهُ مُسلم. [م: ٥٢]. ٤٠ - [٣٩] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَه إِلَّ الله)). رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٢٤٢/٥]. کسمعه : علاه. وقوله: (على أثري) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، ويروى بفتحتين، أي: فنظرت فإذا هو على عقبي . وقوله: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدَّى بأبي وأمي، وأبي وأمي فداك، فداه يفديه فداء وفِدىَ، ويُفتح، وافتدى به وفاداه: أعطى شيئاً فأنقذه، والفداء ككساء، وكـ (على) و(إلى)، والفدية: ذلك المعطى، وفاداه بنفسه وفداه: إذا قال له: جعلت فداك . وقوله: (فلا تفعل) دعاء وتضرع من عمر ظبه إلى حضرته أن لا يفعل لما رأى من المصلحة . ٤٠ - [٣٩] (معاذ بن جبل) قوله: (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله) لعل جمع المفاتيح باعتبار المواد وأفراد المؤمنين، أو الجنات، أو درجاتها ومنازلها، أو ٢٧٨ (١) كتاب الإيمان ٤١ - [٤٠] وَعَنْ عُثْمَانَ عَهُ قَالَ: إِنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ حِينَ تُوُفِيَ حَزِنُوا عَلَيْهِ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ، جعل كل جزء منها مفتاحاً مبالغة . ٤١ - [٤٠] (عثمان) قوله: (حين توفي) بصيغة المجهول من التوفي، أي: توفاه الله وقبض روحه، والوفاة الموت، كذا في (القاموس)(١)، وحقيقة التوفي استيفاء الحق وقبضه تاماً، فالله سبحانه يستوفي حق الأجل الذي ضرب له، كما قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَقَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقد يسند التوفي إلى ملك الموت كما قال: ﴿ يَوَقَّنَكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، أي: يستوفي عددكم ويستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئاً، والتفعل بمعنى الاستفعال يأتي كثيراً، كتنقصه واستنقصه وتعجلته واستعجلته، كذا قال البيضاوي، وعلى صيغة المجهول جاءت القراءة السبع في قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقرىء (يتوفون) بصيغة المعلوم، ـّه . أي: يستوفون آجالهم، قيل: وهو قراءة علي وقوله: (حزنوا علیه) حزن کفرح بصيغة المعلوم لازم بمعنی اندوهگین شدن، حزن وحزين لغتان منه، وكنصر متعد، يقال: حزنه وأحزنه: جعله حزيناً، فهو محزون، وحزن بسكون الزاي مصدر، ويجيء بمعنى الأرض الوعرة، والحزن بالضم ويفتحتين اسمان بمعنی (اندوه) خلاف السرور، ويجيئان مصدرين من كلا البابين . وقوله: (يوسوس) الوسوسة: حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوسواس بالكسر، والاسم بالفتح، كذا في (القاموس)(٢)، و(وسوس) لازم، أي: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٦). ٢٧٩ (١) كتاب الإيمان قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُم، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَاشْتَكَى عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﴾، ثُمَّ أَقْبَلاَ حَتَّى سَلَّمَا عَلَيَّ جَمِيعاً، فَقَالَ أَبَّو بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ الَّ تَرَّةَّ عَلَى أَخِيكَ عُمَرَ سَلامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى، وَاللهِ لَقَدْ فَعَلْتَ، قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلاَ سَلَّمْتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ عُثْمَانُ، قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ، فَقُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: تَوَفَّى اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَلِ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الأَمْرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قد سَأَلْتُّهُ عَن ذَلِكَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، وقع في الوسوسة. فقوله: (يوسوس) بكسر الواو الثانية، أي: يقع في الوسوسة، والفتح لحن. وقوله: (مر علي عمر وسلم) عرف ذلك بعد الإفاقة وتحقيق الحكاية فاشتكى عمر، لعل الشكاية لأجل فوات هذا الواجب من عثمان طه، وهو رد السلام، أو لأجل فوات بر کة دعائه . وقوله: (قلت: ما فعلت) أي ما تركت رد السلام عليه، عبر بالفعل إشارة بأنه لم يقع ذلك منه باختياره ليكون فعلاً صادراً منه يؤاخذ عليه، أو يقال: إن الترك أيضاً فعل، فافهم. وقوله: (صدق عثمان) و کیف یصدر ذلك منه مع شعوره، ثم خاطب عثمان وقال: قد شغلك عن ذلك أمر عظيم نشأ من وفاة رسول الله وَ له، ويحتمل أن يتم الكلام بـ (صدق)، والضمير فيه لـ (عمر)، ويكون عثمان ظه منادى بحذف حرف النداء، وذلك وجه، والله أعلم. ٢٨٠ (١) كتاب الإيمان قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي فَرَدَّهَا [عَلَيَّا؛ فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ». رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ١ /٦]. وقوله: (ما نجاة هذا الأمر) قال الطيبي(١): يجوز أن يكون المراد بالأمر ما عليه المؤمنون من الدين، أي: نسأله عما يتخلص به من النار، وأن يراد به ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها والركون إلى شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها، أي: نسأله عن نجاة هذا الأمر الهائل، وهذه الكلمة سبب النجاة من النار، والنجاة من الغفلة وصداء القلب، ولهذا التزمه السائرون إلى الله العارفون به، انتهى ملخصاً. ويتوجه على الوجه الأول أن عثمان ظله هو الذي روى الحديث الذي في الفصل السابق من حديث مسلم، وهو: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، فكيف يصح قوله: (توفى الله تعالى نبيه ◌َ﴿ قبل أن نسأله عن نجاة هذا الأمر)؟ اللهم إلا أن يقال: إنه نسي الحديث لما دهشه من المصيبة والحيرة، هذا والصواب أن يقال: إن المراد النجاة عن حديث النفس ووسواس الشيطان كما جاء في رواية محمد بن جبير: أن عمر مرّ على عثمان فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، فدخل على أبي بكر بنظُه فاشتكى ذلك إليه، فقال أبو بكر ﴿له: ما منعك أن تردّ على أخيك السلام؟ قال: والله ما سمعته وأنا أحدث نفسي، قال أبو بكر ظله: فماذا تحدث نفسك؟ قال: خلا بي الشيطان، فجعل يلقي في نفسي أشياء ما أحب أني تكلمت بها وأن لي ما على الأرض، قلت في نفسي حين ألقي الشيطان ذلك: يا ليتني سألت رسول الله وير: ما ينجينا من (١) ((شرح الطيبي)) (١ /١٧٨).