النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (١) كتاب الإيمان فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أعداد مبهمة لا نهاية لكثرتها، ولذا أبهم، ولو أريد التحديد لم بيهم، كذا قال الطيبي(١)، وهو قول قريب إلى الصواب، لكنه قد ينافيه وقوع غير عدد السبعين في بعض الروايات كالستين، وتعيين البضع من ست أو سبع أو أربع، وقد تصدى العلماء لحصرها وضبطها، وذلك لا يخلو عن تكلف، والله أعلم. قال في (فتح الباري)(٢) نقلاً عن القاضي عياض: قد تكلف جماعة في عد الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، وقال الشيخ: ولم يتفق من عدّ الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان؛ فإنه عدّ كل طاعة عدّها الله تعالى في كتابه أو النبي ◌َّه في سننه، وقال: وقد لخصت مما أوردوه [ما أذكره] وهو أن [هذه] الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، ثم ذكر في أعمال القلب أربعة وعشرين خصلة، وفي أعمال اللسان سبعاً، وفي أعمال البدن ثمان وثلاثين، والمجموع تسع وستون مذكورة في كتابه، ومع ذلك الحصر محل بحث، فلعله ترك فيها بعض الأنواع، وأما الأفراد فأكثر كما يظهر بالنظر في ذلك، والله أعلم. وقوله: (فأفضلها قول: لا إله إلا الله) أكثر ما يذكر في الأحاديث لا إله إلا الله، ويراد به مجموع هذا مع محمد رسول الله اكتفاء بالجزء الأعظم الأقدم كما ستعرف، ويمكن أن يكون المراد ههنا هو وحده؛ لأن المراد بيان أفضل شعب الإيمان، ولا شك أن هذا الجزء أفضل، ولا يلزم منه أن يكون كافياً في الإيمان، فافهم، وإنما قال: قول لا إله إلا الله؛ لأن التصديق نفس الإيمان، وأما القول فشعبة منه، فتأمل. (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١١٥). (٢) ((فتح الباري)) (١ / ٥٢)، و((إكمال المعلم)) (١ / ٢٧٢). ٢٢٢ (١) كتاب الإيمان وَأَدْنَهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩، م: ٣٥]. وقوله: (إماطة الأذى عن الطريق) وهي تنحية مثل الشوك والحجر والقذر والشجر المؤذي للمرور، ونحو ذلك، وذلك على نوعين: أحدهما: أن ينحي عن طريق المسلمين ما يتأذون به، والثاني: أن لا يتعرض لهم في طرقهم بما يؤذيهم، وترك ذلك في حكم الإماطة، كذا قال النُّورِبِشْتِي، ولو أُوّلَ بدفع كل ما يؤذيهم وتركه مطلقاً؛ لكان شيئاً عظيماً شاملاً لأشياء كثيرة، ومع ذلك هو أدنى من قول: (لا إله إلا الله) وغيره، وذلك أمر نسبي، كذا قيل، وفي اعتبار ترك ما يؤذي بهذا المعنى أدنى الشعب خفاءٌ مع ورود: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) إلا أن يقال: ليس المراد الأدنى حقيقة بل أمر نسبي، ودفع ما يؤذي متأخر رتبة عن حقيقة التوحيد والإقرار به بلا شبهة(١)، فافهم . وقوله: (الحياء شعبة من الإيمان)(٢) الحياء بالمد في اللغة: تغير وانكسار تعتري (١) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَفْضَلُهَا مِنْ وَجْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ عِصْمَةَ الدَّمِ وَالْمَالِ، لاَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَإِلَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٧٠). (٢) وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمِّي إيماناً كما يسمَّى الشيء باسم ما قام مقامه. (فتح الباري)) (١ / ٧٤). وقال الحافظ التُّورِبِشْتِي رحمه الله تعالى: فإن قيل: الحياء يوجد أيضاً في الكافر؟ قلت: النبي ولو أشار إلى الحياء الصادق الذي وصفناه؛ لأن المؤمن إذا عامل الناس بالحياء فلأن يعامل الله به أحق وأجدر، ومن لم يؤمن بالله ولم يترك المعاصي له فإنه لم يستح، ومن لم يستح من ربه فهو بمعزل من الحياء، والله أعلم، انظر: ((التعليق الصبيح)) (١ / ٧٤). وقال القاري (١ / ١٤٠): والمراد به الحياء الإيماني، وهو خلق يمنع الشخص من الفعل = ٢٢٣ (١) كتاب الإيمان ٦ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، . الإنسان بحكم الطبيعة من خوف ما يعاب به، وفي الشرع(١): خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولاختيار العبد مدخل في تحصيل هذا كما في سائر الأخلاق وتهذيبها، وبهذا الاعتبار جعله من شعب الإيمان (٢)، وإنما أفرده بالذكر لكونه شعبة عظيمة كالداعي إلى باقي الشعب؛ إذ الحييّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، فمن استحيا من الله حق الحياء، فقد أتى بالخيرات أجمعها ظاهراً وباطناً. وقيل: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول: هذه شعبة واحدة من شعب الإيمان، فهل يحصى ويعد شعبها؟ فافهم. ٦ - [٥] (عبدالله بن عمرو) قوله: (المسلم من سلم المسلمون)(٣) خرج مخرج الغالب، وإلا فالذمي كذلك، وفيه: تغليب، فإن المسلمات داخلاتٌ فيهم، وفي رواية = القبيح بسبب الإيمان؛ كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، لا النفساني الذي خلقه الله في النفوس، وهو تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام ويعاب عليه، انتهى. (١) وسئل الجنيد عن الحياء فقال: رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء. ((الرسالة القشيرية)) (ص: ٩٩)، وانظر: ((التعليق الصبيح)) (١ / ٧٥). (٢) يشكل كون الحياء جزءاً للإيمان مع أن الإيمان اكتساب والحياء غريزة، فكيف تكون الغريزة جزءاً للاكتسابي، إلا أن يقال: إن العرب يسمون الشيء باسم سببه، وكذا بالآخر، فكذلك ههنا تركه سبب للمعاصي الكثيرة. كذا في ((تأويل مختلف الحديث)) (ص: ٣٤٥). (٣) التعريف في المسلم والمهاجر للجنس، وقال ابن جني: من عادة العرب أن يوقعوا على الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سموا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب، والله أعلم. ((عمدة القاري)) (١ / ٧٥ - ٧٦). ٢٢٤ (١) كتاب الإيمان وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)). هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: ابن حبان(١): (من سلم الناس) وهو أعم، كذا ذكر السيوطي، والمراد أن المسلم الكامل من هذه صفته، وهو مبالغة في الحث بالاتصاف بها، ولا يلزم من ذلك أن من اتصف [بها] وحدها كان كاملاً، فإن المراد مع مراعاة باقي الأركان، وحقيقة المراد مَن جمع إلى أداء حقوق الله تعالى حقوق المسلمين، ووجه تخصيص اللسان واليد(٢) بالذكر؛ لأن أكثر أنواع الإيذاء يقع بهما، واللسان هو المعبّر عما في الإنسان، وأكثر الأفعال باليد، ووجه تقديم اللسان لأن الإيذاء به أغلب وأشد، ولأنه يمكن القول به في الماضین والموجودین والحادثین بخلاف الید. نعم يمكن أن تشارك اليد اللسان في ذلك بالكتابة، ويشمل اليد اليدَ المعنويةَ كالاستيلاء على حق الغير من غير حق، وعلى كل تقدير يستثنى ما كان من الزجر والضرب وغيرهما لحق الشرع، وذلك ظاهر. وقوله: (المهاجر) هو كالمسافر في التعبير عن الفاعل بالمفاعل، ويحتمل أن يكون على معنى بابه؛ لأنه من لازم كونه هاجراً وطنه، والهجرة شاملة للهجرة الظاهرة، وهي الفرار بالدين من الفتن، والباطنة، وهو ترك ما تدعو إليه النفس والشيطان، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد الخروج من دارهم، أو تطبيباً لقلوب من لم يدرك ذلك بحصول ثواب الهجرة لمن هجر ما نهى الله عنه. وقوله: (أيّ المسلمين) وفي رواية : (١) ((صحيح ابن حبان)) (٣٦١). (٢) قال الحافظ (١ / ٥٤): وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، انتهى. ٢٢٥ (١) كتاب الإيمان ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانه وَيَده)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠، م: ٤٠]. ٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسِ ﴿هُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ يُؤْ مِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٥، م: ٤٤]. (أيّ الإسلام)(١) [أي]: أي خصال الإسلام، أم أيّ ذوي الإسلام، وعلى الأول يحتاج في الجواب إلى تقدير: خصلة من سلم، بخلاف الثاني، وهو أوفق برواية الكتاب. ٧ - [٦] (أنس) قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) من المحبة ما يكون جبليًّا لا اختيار للعبد فيه، وهو خارج عن البحث؛ لأن الكلام في الإيمان الذي يكلف العبد في تحصيله وتكميله، فالمراد بالمحبة (٢) ههنا ما يكون للاختيار فيه مدخل، وحاصله ترجيح جانبه ﴿ في أداء حقه بالتزام دينه واتباع سنته ورعاية أدبه وإيثار رضاه على كل من سواه من النفس والولد والوالد والأهل والمال حتى يرضى بهلاك نفسه، وفقدان كل محبوب دون فوات (١) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: ((أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟)) وَالْفَرْقُ بَيْنَ (خَيْرٍ) وَ(أَفْضَلَ) بِأَنَّ الأَوَّلَ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ، إِذْ هُوَ النَّفْعُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرِّ وَالْمَضَّرَّةِ، وَالثَّانِي مِنَ الْكِمِّيَّةِ، إِذْ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِلَّةِ، انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٧٢). (٢) قال شيخنا على هامش ((اللامع الدراري مع كنز المتواري)) (٢/ ١٣٦): قال عامة الشراح: إن المحبة ههنا عقلية، لكن والدي - نور الله مرقده - كان يقول: إن المحبة تعم العقلية والطبعية كلتيهما، لكن المحبة الطبعية تسترها العوارض أحياناً، وتظهر عند التزاحم، مثال ذلك: رجل يكون له ولد يحبه حبًّا جمًّا، لكنه لو وضع هذا الطفل الحبيب قدمه على القرآن الكريم فماذا سيكون؟ إن الوالد سيرمي بابنه بعيداً ويضطرب لما حدث، هكذا لو أساء حبيب أحد في ذات الرسول *، فلا يمكن لمسلم أن يتحمل ذلك مهما بلغت محبة الحبيب، انتهى. فهذا هو محبته عليه الصلاة والسلام، فالمراد حب الطبعي، كذا في ((التقرير)). ٢٢٦ (١) كتاب الإيمان ٨ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاَوَةَ الإِيمَانِ : حقه ◌َّي، ولم يذكر النفس في هذا الحديث كما ذكر في الدعاء المأثور: (اللهم اجعل حبَّك أحبّ إليّ من نفسي ومالي وولدي)؛ لأن في محبة الوالد والولد شيء من مدخلية الاختيار بخلاف النفس. هذا وقد يفهم مما ورد: (ومن الماء البارد) إلى العطشان(١) أنه قد تسري المحبة إلى الطبيعة، ويضطر المحب في محبة المحبوب بحيث لا يبقى له اختيار بحسب الظاهر، كما في محبة العطشان الماء البارد، ولعل حصول هذه المرتبة بالاستدامة والاستقامة على رعاية حقوق المحبة الاختيارية حتى يصير عادة قريبة من الجبلة، وهذا أكمل مراتب الإيمان، والكلام في الإيمان الكامل، وللكمال مراتب، بعضها أعلى بالنسبة إلى بعض. اعلم أن منشأ المحبة وسببها إما الحسن أو الإحسان، أما الإحسان فإن الإنسان مجبول على محبة من أحسن إليه، وأما الحسن فلأنه قد يكون في رجل حسن يحبه الناس، وإن لم يصل إحسان منه إليهم، كمن سمع رجلاً في أقصى ديار المغرب موصوفاً بالفضائل الصورية والمعنوية، يحبه السامع وتنجذب نفسه إليه، وإن لم يكن وصول أثرها إليه، وهذان الوصفان ينحصران في النبي ◌َّر، وفي الحقيقة هما مقصوران على الله تعالى، فإن الخير كله بيديه، وحاصلان فيه ◌َّ منه جل وعلا، وبهذا الوجه يمكن أن تسند الأحبية إليه وَل أو إلى الله وَك أو إليهما، فافهم. ٨ - [٧] (عنه) وقوله: (ثلاث من كن فيه ... إلخ): (ثلاث) بتقدير: خصال ثلاث، مبتدأ، والشرطية خبره. وقوله: (من كان) بتقدير : خصال من كان، بدل أو (١) أخرجه الترمذي (٣٤٩٠). ٢٢٧ (١) كتاب الإيمان مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْداً لاَ يُحِبُّهُ إِلَّ لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ. خبر مبتدأ محذوف، وهذا هو الأظهر. وقوله: (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) استشكل ههنا بأنه واله ذم الخطيب الذي جمع بين ضمير الله ورسوله، كما أخرجه مسلم(١) عن عدي بن حاتم: أن رجلاً خطب عند رسول الله وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال ◌َّى: (بئس الخطيب قل: ومن يعص الله ورسوله)، وأكثر الشراح على أن وجه كراهة النبي وير على الخطيب هو الجمع بين ضمير الله ورسوله الذي يقتضي التسوية، فأمره بتقديم اسم الله وعطف رسوله عليه المشعر بالتبعية والفرعية، فکیف جمع ههنا؟ وأجيب بأن القول بأن وجه الكراهة هو الجمع بين الضميرين غير مسلم؛ لأن اقتضاء التسوية محل بحث؛ لوقوع هذا الجمع والتشريك في مثل هذه العبارة في خطبته وَيجر، كما أورده صاحب (سفر السعادة) من حديث أبي داود والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، وقد وقع مثل التشريك المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ. يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، بل السبب في الذم المذكور اقتصاره على هاتين الكلمتين مع سلوك طريق الاختصار في الضميرين، بل اللائق بشأن الخطيب في أمثال هذه المقاصد البسط والتفصيل والتطويل وعدم الملال من ذلك، كما وقعت في خطبته وَّي التي وقع فيها هاتان الكلمتان. وقيل: سبب الذم أن ذلك الخطيب وقف على قوله: (ومن يعصهما) ووصله بقوله: (فقد رشد)، وذلك يوهم عطفه على من يطع الله ورسوله، ووقوع (فقد رشد) (١) ((صحيح مسلم)) (٨٧). ٢٢٨ (١) كتاب الإيمان كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١، م: ٤٣، ٦٨]. ٩ - [٨] وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا،. جزاء لهما، وهذا القول ضعيف مخالف لسياق الحديث كما لا يخفى. وقال الطيبي(١): ثنى الضمير ههنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة، فإنها وحدها ضائعة لا عبرة بها، وأمر بالإفراد في حديث عدي إشعاراً بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية من حيث إن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه استقلال كل من المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، فافهم. ٩ - [٨] (العباس بن عبد المطلب) قوله: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً) قال الشيخ ابن عطاء الله الإسكندري الشاذلي في (كتاب التنوير في إسقاط التدبير)(٢): في قوله: (ذاق طعم الإيمان) دليل على أن من لم يكن كذلك لا يجد حلاوة الإيمان ولا يدرك مذاقه، وإنما يكون إيمانه صورة لا روح لها، وظاهراً لا باطن له، ومرتسماً لا حقيقة تحته. وفيه: إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا؛ لأنه لما رضي بالله ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وأبقی قیاده إليه خارجاً عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير الله واختياره، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي بالله ربًّا كان له الرضا من الله كما قال: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهٌ﴾، وإذا كان له الرضا من الله تعالى أوجده الله تعالى حلاوة ذلك ليعلم ما منّ به عليه، وليعرف (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٢٠). (٢) (ص: ٨). ٢٢٩ (١) كتاب الإيمان وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤]. إحسان الله إليه، ولا يكون الرضا بالله تعالى إلا مع الفهم، ولا يكون الفهم إلا مع النور، ولا يكون النور إلا مع الدنو، ولا يكون الدنو إلا مع العناية، فلما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله تعالى وأنواره؛ عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه، ولو سقم قلبه بالغفلة عن الله لم يدرك ذلك، لأن المحموم ربما وجد طعم السكّر مرًّا، وليس هو في نفس الأمر كذلك، فإذا زالت أسقام القلوب أدركت الأشياء على ما هي عليه، فتدرك حلاوة الإيمان ولذاذة الطاعة ومرارة القطيعة والمخالفة، فيوجب إدراكها لحلاوة الإيمان اغتباطها به وشهود المنة من الله عليها، وتطلب الأسباب الحافظة للإيمان والجالبة له، ويوجب إدراك لذاذة الطاعة المداومة عليها وشهود المنة من الله فيها، ويوجب إدراكها لمرارة الكفران والمخالفة التركَ لهما والنفورَ عنهما وعدمَ الميل إليهما، فيكمل الترك للذنب وعدم التطلع، وليس كل متطلع تاركاً، ولا كل تارك غير متطلع، وإنما كان كذلك لأن نور البصيرة دله على أن المخالفة لله تعالى والغفلة عنه سمٌّ للقلوب مهلك، فنفرت قلوب المؤمنين عن مخالفة الله تعالى كنفرتك عن الطعام المسموم . وقوله شير: (وبالإسلام ديناً) لأنه إذا رضي بالإسلام ديناً فقد رضي بما رضي به المولى، واختاره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وإذا رضي بالإسلام ديناً فمن لازم ذلك امتثال أوامره، والانكفاف عن وجود زواجره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقوله وَلجر: (وبمحمد نبياً) فلازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكون له وليًّا، وأن يتأدب بآدابه، وأن يتخلق بأخلاقه؛ زهداً في الدنيا وخروجاً عنها، وصفحاً عن الجناية، ٢٣٠ (١) كتاب الإيمان ١٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بَهُودٌِّ وَلاَ نَصْرَاِيٍّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣]. وعفواً عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المبالغة قولاً وفعلاً، وأخذاً وتركاً، وحبًّا ويغضاً، وظاهراً وباطناً، فمن رضي بالله ربًّا استسلم له، ومن رضي بالإسلام ديناً عمل له، ومن رضي بمحمد ◌َ﴿ نبيًّا تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها، إذ محال أن يرضى بالله ربًّا ولا يرضى بالإسلام ديناً، ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بَيِّنٌ لا خفاء فيه . ١٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (والذي نفس محمد بيده) هذا الحلف كثر وقوعه منه رَّ لدلالته على فناء إرادته وتصرفه في إرادة الله ثقتك وتصرفه، قال صاحب (سفر السعادة): وكان ◌َّ يكثر الحلف بالله تعالى، والذي صح في الأحاديث أكثر من ثمانين موضعاً، وقد أمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبٍ إِنَّهُ لَحَقّ﴾ [ يونس: ٥٣]، ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُو ◌ْقُلْ بَى وَرَقِ لَُعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. وقوله: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) يقال: سمع بفلان أي: بلغ خبره إليه، ويقال: سمع الناس بفلان أي: تسامعوا به، والباء زائدة؛ أي: لا يسمعني، أو يضمن (سمع) معنى (أخبر)، والمعنى: أخبر برسالتي واحد، يتناول الكثير والقليل، والذكر والأنثى، و(من هذه الأمة) صفة (أحد)، و(يهودي) بدل من (أحد)، و(من) للتبعيض، والمراد أمة الدعوة بدليل قوله: (لم يؤمن بي)، والأمة: جماعة أرسل ٢٣١ (١) كتاب الإيمان ١١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّه: (ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُودُ إِذَا أَذَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيِهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُّهَا فَأَذَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٧، م: ١٥٤]. إليهم رسول، والجيل: من كل حيٍّ، كذا في (القاموس)(١)، و(ثم) هذه للاستبعاد كما في قوله: (ثم أعرض عنها)، والمراد: [من] سمع بي وتبين له معجزتي ثم لم يؤمن، كان من أصحاب النار وإن كان من أهل الكتاب. ١١ - [١٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد) دل على أن الكتابي إن لم يؤمن بمحمد لي كان إيمانه بنبيه وعمله على دینه ضائعاً لا يثاب عليه؛ لأنه قد نسخ دینه، وأما إذا آمن به پۉ يثاب على دينه والعمل به وإن كان منسوخاً؛ فضلاً من الله تعالى وكرامة منه تعالى لهذا الدين العظيم، فلهذا السبب یثبت له أجران، كذا قالوا، فتدبر. وقوله: (فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها) التأديب متعلق بالأحوال والأخلاق، والتعليم بالأحكام والمسائل، والإحسان فيهما أن يكونا على وجه ينبغي ويكفي، أو يكونا باللطف والتأني، وثبوت الأجرين للكتابي والعبد المذكورين ظاهر، وأما للرجل الذي كانت عنده أمة يطأها ... إلخ، فعلى الإعتاق والتزوج. وأما التأديب والتعليم فيعمان الناس الأجانب والأولاد وغيرهم ولا يختصان بالإماء، أو هما توطئتان لاشتمالهما الإعتاق والتزوج، ولهذا ذكرهما بـ (ثم) المفيدة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٤). ٢٣٢ (١) كتاب الإيمان ١٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ. لبعد درجتهما في إتمام الإحسان إليها وإكماله، كذا قيل، وفيه تأمل. وأما قيد (يطؤها) فالظاهر أنه اتفاقي، وإشارةٌ إلى أن الوطء المذكور كان لا أجر له فيه، ثم بإبلاغه إلى ما بلغ حصل الأجر، ثم قيل: إن المراد ثبوت الأجرين المذكورين في كل عمل كالصلاة والصوم، وإلا فلا غرابة في ثبوت الأجرين لمن عمل عملين (١) . ١٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (حتى يشهدوا) أو يأتوا بما في حكم الشهادة؛ كقبول الجزية من أهل الكتاب، والمهادنة من عبدة الأوثان، والاستئمان في الكل، أو يكون ورود هذا القول قبل هذه الأحكام(٢). وقوله: (يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) القتال ينتهي بالشهادة، وهذا إشارة إلى تمامها وكمالها بإتيان الإسلام وأركانها إلا أن يقال بثبوت القتال على ترك الواجبات (١) قال شيخنا في هامش «الکوکب» (٢/ ٢٣٠): وما أفاد والدي المرحوم ۔ نور الله مرقده- عند تدريس («مشكاة المصابيح)) أن مناط تكرار الأجر هو التزاحم، فكل فعل يوجد فيه التزاحم يثنى عليه الأجر، انتهى. وفي ((المرقاة)) (١ / ٧٩): وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ نَسْخِ الأَدْيَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ لاَ ثَوَابَ لِأَصْحَابِهَا مُطْلَقاً دَفَعَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَكَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ ثَوَابَ عِبَادَةِ الْمَعْلُوكِ لِلْمَالِكِ، فَلِذَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَرُبَّمَا كَانَ يُقَالُ: إِنَّ إِعْتَقَ الْجَارِيَةِ وَتَزَؤُّجَهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ، وَهُوَ طَبْعٌ، فَلاَ يَكُونُ فِيهِمَا أَجْرٌ، فَرَفَعَهُ وَبَالَغَ فِيهِ وَقَالَ: لَهُ أَجْرَانِ . (٢) وقال السندي: إما مخصوص بمشركي العرب، أو كان قبل شروع الجزية. ((حاشية السندي على صحيح البخاري)) (١ / ١٥). ٢٣٣ (١) كتاب الإيمان عَصَمُوا مِنِّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلاَّ أَنَّ مُسْلِماً لَمْ يَذْكُرْ: ((إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ)). [خ: ٢٥، م: ٢٢]. والإصرار عليه بتأويل باطل، كما قاتل الصديق أمير المؤمنين تظله مانعي الزكاة، فيكون المراد بحق الإسلام قتل النفس المعصومة والخيانة في أموال الناس وترك الفرائض بتأويل باطل، فافهم. وتخصيص الصلاة والزكاة بالذكر للإشارة إلى العبادت البدنية والمالية ولكونهما أمي العبادات وكونهما متقاربين ذكراً في القرآن، ويحتمل أنه عليه قال هذا قبل فرضية ما سواهما. وقوله: (وحسابهم على الله) أي: فيما يسرون من الكفر والمعاصي، يعني نحكم بالإسلام وحقوقه بالظاهر، والله يتولى حساب الباطن، وإطلاق هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة يدل على قبول توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الإسلام في الظاهر وإن أبطن الكفر، والمراد بالزنديق كل ملحد في الدين لا دين له والمنكر للآخرة والربوبية والدين جملة، وقيل: هو المبطن المظهر للإسلام في الظاهر كالمنافق. وفي (القاموس) (١): وهو معرب زن دين أي دين المرأة، وفي الأصل اسم لقوم من المجوس يقال لهم: الثنوية، يقولون بالخالقين النور مَبدأ الخيرات، والظلمة مَبدأ الشرور، ومأخوذ من الزند وهو كتاب بالفهلوية لرجل يقال له: زردشت. وفي قبول توبته أقوال ذكرها الطيبي(٢)، أصحها القبول، والمراد بعدم القبول تحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه في الآخرة، والأظهر أنه إن كان ألحد أحياناً وتاب سريعاً قبل، وإن كان ممن أصر على ذلك تمرداً وعرف أنه ينافق في التوبة ويتوب (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٢). (٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٤٥٣). ٢٣٤ (١) كتاب الإيمان ١٣ - [١٢] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذمَّتِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِيّ. [خ: ٣٩١]. من خوف السيف ويدافعه للوقت فلا، والله أعلم. ١٣ - [١٢] (أنس) قوله: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا)(١) إنما ذكر هذه الثلاثة ولم يذكر الإسلام وأركانه من الشهادتين وغيرهما؛ لأنها علامات صحيحة دالّة على الإسلام وتميز المسلم من غيره، لأن من صلى كما نصلي دلّ ذلك على إقراره بنبوة محمد ◌َّه وبما جاء به من عند الله كلّه، وذكر استقبال القبلة، وإن كان شرط الصلاة لاشتهار أمرها واختصاصها بصلاتنا بخلاف القيام والقراءة ونحوهما، وكذا أكل ذبيحتنا مخصوص بأهل الإسلام، والذمة والذمام بالكسر: العهد والضمان والحرمة والحق، وسمّي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. وقوله: (فلا تخفروا الله) بضم التاء وسكون الخاء وكسر الفاء على صيغة المضارع (إفعال) من الخفر، والخفرة بمعنى العهد والأمان، كما في حديث: (من صلى الصبح فهو في خفرة الله)(٢)، أي ذمته، وفي حديث: (الدموع خفر العيون) جمع خفرة بمعنى الذمة أي: الدموع التي تجري خوفاً من الله تخفر العيون من النار، خَفَره أجاره فهو خفير، وكذا خَفّره من التخفير وأخفره أيضاً بمعنى جعلته خفيراً، والخفارة بالضم والكسر: الذمام، وقد يجيء الهمزة للسلب أخفرته بمعنى غادرته ونقضت عهده، وهو (١) وفي ((التقرير)): فيه تنبيه على أن لأكل الذبيحة أيضاً دخلاً في الإسلام، فلا يقال: إننا مسلمو اللحم فقط، ذكره الشيخ التهانوي في وعظه، والشهادة دخلت في صلواتنا، وتخصيص القبلة لعله لمزيد الاهتمام إليه لقرب التحول إليه، وقيل لكونه أعرف من الصلاة، انتهى. (٢) انظر: ((كنز العمال)) (١٤٢٩١). ٢٣٥ (١) كتاب الإيمان ١٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُّهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: (تَعْبُدُ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئاً وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة فَلْيَنْظِرِ إِلَى هَذَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٩٧، م: ١٤]. المراد في الحديث: (فلا تخفروا الله)، أي: لا تغدروه في عهده ولا تعاملوه معاملة الغادر في نقض عهده. ١٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (أتى أعرابي) العرب سكان الأمصار، أو عام، والأعراب منهم سكان البادية لا واحد له، كذا في (القاموس) (١)، وقد قيل: الأعراب البدوي وإن لم يكن من العرب. وقوله: (قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً) لم يذكر الشهادة لشهرتها، أو لتضمن قوله: (لا تشرك به) إياها، أو لأن السؤال عن عمل بعدها، والمراد بالإشراك إما عبادة الأصنام أو الرياء. وقوله: (لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه) استشكل هذا بأنه لم يذكر في هذا الحديث جميع الواجبات والمنهيات ولا السنن ولا المندوبات فكيف يصح قوله: (لا أزيد)؟ وأجيب بأنه يحتمل أن الفرائض لم يكن يومئذ إلا ما ذكر، والمراد عدم زيادة النوافل ونقصان الفرائض، وصاحب هذه الحال ناج بلا شك، وإن كان بترك السنن مسيئاً، وقيل: لعله كان هذا قبل شرعية النوافل والسنن، وقيل: المراد الزيادة على حد (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨). ٢٣٦ (١) كتاب الإيمان ١٥ - [١٤] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ، - وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ - قَالَ: المشروع والنقصان عنه كزيادة ركعة أو نقصانها، وقد قيل: إنه قد جاءت الروايات مختلفة في ذكر الواجبات في هذا الحديث زيادة ونقصاناً، وذلك من تفاوت أحوال الرواة حفظاً وضبطاً أو رواية لما هو المقصود بالاستشهاد، وزيادة الثقة مقبولة، وجاء في رواية البخاري في هذا الحديث زيادة، وهي: (فأخبره رسول الله يَّر شرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئاً)، وعلى هذا لا إشكال أصلاً، ويؤيده أن في هذا الحديث أيضاً (قال: تعبد الله) فعمّم، ثم خصصه بقوله: (وتقيم الصلاة ... إلخ)، فافهم. أو هذا الكلام في التصديق والقبول؛ أي: لا أزيد عليه في السؤال مما يتعلق بتحقيق ما ذكرت، ولا أنقص منه في التصديق والقبول، أو كان السائل رسولاً فحلف أن لا أزيد ولا أنقص في الإبلاغ، هذا كله ما ذكره الطيبي(١) ملخصاً. وقيل: قول الرجل هذا كناية عن شدة الضبط ومبالغة في الأخذ والاهتمام بما أمر الشارع، وليس المراد حقيقة الكلام، فلا ينافي الإتيان بالنوافل والواجبات الأخر، وكذا الكلام في حديث طلحة الآتي. ١٥ - [١٤] (سفيان بن عبدالله الثقفي) قوله: (لا أسأل عنه): أي عن ذلك القول؛ لكونه جامعاً فصلاً بَيِّناً لا إجمال فيه ولا إشكال، وقيل: الضمير للإسلام، أي: لا أسأل معه عن الإسلام، فافهم. (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٣٢). ٢٣٧ (١) كتاب الإيمان ((قُلْ: آمَنْتُ بِالله ثمَّ اسْتَقِم)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨]. ١٦ - [١٥] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِعَه مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، . وقوله: (قل آمنت بالله ثم استقم) أي: اشهد بوحدانية الله سبحانه وصدقه كما هو بأسمائه وصفاته وأفعاله فيما أخبر وأمر ونهى، فدخل فيه جميع ما يؤمن به، ثم التزم القيام بحقيقة قولك، واستقامة الإنسان ملازمة النهج المستقيم، وهو لفظ جامع للإتيان بجميع الأوامر والنواهي على وجه الدوام والثبات من غير زيغ وفتور، وفي (القاموس)(١): استقام الأمر: اعتدل، وفي (شرح الحكم العطائية): الاستقامة: الاستواء في اتباع الحق على منهاج السداد من غير إفراط ولا تفريط في أركانها، وعمل بلا فترة ولا إخلال، وتوبة بلا إصرار ولا رجوع، وإخلاص بلا تشوف ولا ملاحظة، واستسلام بلا منازعة ولا معارضة، وتفويض بلا تردد ولا تدبير، وملازمها واصل قطعاً، ومفارقها خائب في الحال، فهي الكرامة على الحقيقة لا غيرها، وقال في (قواعد الطريقة): الاستقامة: حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة، أي: ارتياضها واعتيادها بتحصيل الملكات الراسخة فيها من الفضائل. ١٦ - [١٥] (طلحة بن عبيدالله) قوله: (من أهل نجد) في (القاموس)(٢): النجد: ما أشرف من الأرض وما خالف الغور، أعلاه تهامة واليمن، وأسفله العراق والشام، وأوله من [جهة] الحجاز ذات عرق. وقوله: (ثائر الرأس) الثور: الهيجان والوثب والسطوع، من ثار الشيء يثور: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٣). ٢٣٨ (١) كتاب الإيمان نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلاَ نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، إذا انتشر وارتفع، وفي الحديث: (صلاة العشاء إذا سقط ثور الشفق)، أي: انتشاره وثوران حمرته، وفي الحديث: (بل هي حمى تفور أو تثور) (١)، (ورأيت الماء يثور من بين أصابعه)(٢). وقوله: (ثائر الرأس)، أي: ينتشر شعر الرأس قائمة، وهو منصوب على الحال أو مرفوع على الصفة، والرواية الأولى أشهر. وقوله: (نسمع دويّ صوته) في (النهاية)(٣): الدويّ صوت ليس بالعالي نحو صوت النحل، وحكي ضم داله أيضاً، وفي (القاموس)(٤): ودويّ الريح: حفيفها، وكذا من النحل والطائر، وقال الكرماني(٥): هو بفتح دال وكسر واو تحتانية على المشهور وحكي ضم الدال، وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه، معناه صوت شديد لا يفهم منه شيء کدوي النحل، وقال السيوطي: الدوي صوت متکرر مرتفع لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد، وهو بالنصب على رواية (نسمع) بالنون، والرفع على رواية التحتانية؛ أي: صيغة المجهول. وقوله: (عن الإسلام) أي: عن أركانه وفرائضه، ويمكن أنه سأله عن حقيقة الإسلام، لكن لم يذكر في الجواب الشهادتين لشهرتهما وللعلم بهما، ولم يذكر الحج، (١) أخرجه البخاري (٣٦١٦). (٢) أخرج البخاري نحوه (٣٥٧٩)، والنسائي نحوه (٧٧). (٣) ((النهاية)) (٢/ ١٤٣). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨١). (٥) ((شرح الكرماني)) ١ / ١٨٠). ٢٣٩ (١) كتاب الإيمان فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((وَصِيَامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: ((لاَ، إِلَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)). قَالَ: وَذَكَرَلَهُ رَسُولُ اللهَِ﴿ِ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: ((لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)). قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦، م: ١١]. إما لعدم فرضيته إذ ذاك، أو لعدم كون السائل أهله، وبالجملة السؤال والجواب عن أركان الإسلام خمستها أو ما كان منها يومئذ فرضاً، فيكون المراد بقوله: (هل عليَّ غيرهن) أي: من الصلاة، وبقوله: (هل عليَّ غيره) من الصوم وغيرهما من الصدقة، وهو ظاهر، فلا يلزم أن لا يكون واجب غير ما ذكر، فلا متمسك فيه للشافعية - كما قال الطيبي(١) - في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب [الوتر، و] التسمية في الذبح، والتباعد بقدر القلتين عن جوانب النجاسة في الماء الراكد، والوليمة، والعقيقة، ولا في أن الشروع غير ملزم لأنه نفى وجوب شيء آخر مطلقاً شرع فيه أو لم يشرع على أنه يلزمهم أن لا يكون في الإسلام فرض غير ما ذكر أصلاً مع كثرتها عيناً وكفاية، وكون الشروع ملزماً إنما يثبت لصون العمل عن الإبطال المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٣]، وأما الوتر فليس من الفرائض القطعية المرادة ههنا، ويراد بالتطوع ما يقابله أو يثبت وجوبه بعد ذلك کالحج، والله أعلم. وقوله: (أفلح الرجل إن صدق) الفلاح: الفوز والنجاة، كذا في (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٣٦). ٢٤٠ (١) كتاب الإيمان ١٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ﴿﴾ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَنَوُا النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنِ الْقَوْمُ؟ - أَوْ: مَنِ الْوَفْدُ؟ -) قَالُوا: رَبِيِعَةُ. قَالَ: ((مَرْحَباً بِالْقَوْمِ - أَوْ: بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا . (القاموس)(١)، و(إن صدق) بكسر الهمزة، وقد يفتح بتقدير اللام، والمراد صدقه في إخباره بعمله بذلك من غير زيادة ونقصان، أو صدقه فيما يفهم من كلامه من الاهتمام بالأخذ والرغبة في التصديق، فيكون الفلاح بحسن النية، فافهم. ١٧ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (إن وفد عبد القيس)(٢) الوفد: جماعة قدموا على ملك، جمع وافد، من وفد إليه وعليه وفداً وفوداً ووفادةً: قَدِمَ ووَرَدَ، فهم وُفودٌ ووفد وأوفاد، وعبد القيس أبو قبيلة من أسد ربيعة، ومضر بن نزار كزفر أبو قبيلة في مقابلتهم ومحاربوهم، ويقال له: مضر الحمراء فإنه أعطي الذهب من ميراث أبيه، وربيعة أعطي الخيل، أو لأن شعارهم كان في الحرب الرايات الحمر. وقوله: (مرحباً) منصوب بفعل مقدر وجوباً؛ أي: أتيتم وصادفتم مكاناً واسعاً، والرحب: المكان الواسع، من رحب ككرم وسمع رحباً بالضم ورحابة: اتسع، وكذلك أهلاً وسهلاً، أي: أتيت أهلك، ووطئت مكاناً سهلاً، أي: ليناً، ضد الحزن، والباء في (بالقوم) متعلق بالترحيب المفهوم من الكلام، يقال رحّب به ترحيباً: دعاه إلى الرحب، أو يكون التقدير ههنا: قلت مرحباً، أو المعنى هذا الدعاء ملتبس بالقوم، أو الباء بمعنى اللام و(غير) منصوب على أنه حال، و(خزايا) جمع خزيان أو خزيٌّ من خَزِيَ کرضي خزياً بالكسر: وَقَعَ في بَلِيَّةٍ وشدةٍ فذلّ بذلك، وأخزاه الله : (١) (القاموس المحيط)) (ص: ٢٢٧). (٢) وفي ((التقرير)): كانوا نازلين ببحرين، أربعة عشر رجلاً أو أربعون، كلتا الروايتين جمعتا بالتعدد، أو بأن الأشراف أربعة عشر، وفدوا سنة ثمان.