النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (١) كتاب الإيمان قَالَ: ((الإِسْلاَمُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، (الإحياء) (١ / ١١٦) في ذلك كلام طويل، وقد دل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] على التغاير مبنياً على ما ذكرنا من إطلاقهما على المعنيين المذكورين، وقد ذكر في العقائد أن الإيمان والإسلام واحد، بمعنى أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، ولم يجز سلب أحدهما عن الآخر. واستدلوا بقوله سبحانه: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ -٣٦]، ولم يكن هناك إلا بيت واحد، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِنَ كُمْءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَلُواْ إِن كُم مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: ٨٤]. والحق أنه إن كان الإسلام اسماً للأركان الخمسة فقط، فالإيمان يوجد بدون الإسلام على مذهب أهل السنة من عدم دخول الأعمال في حقيقة الإيمان، أما على قول من لم يجعل الإقرار جزءاً من حقيقته فظاهر، وأما على قول الجمهور القائلين يكون الإقرار جزءاً من حقيقة الإيمان فكذلك، لكون الإسلام عبارة عن مجموع الشهادة التي هي الإقرار والأعمال المذكورة، وكذا الإسلام يوجد بدون الإيمان كما في المنافقين، وإن كان اسماً لما يشتمل على التسليم القلبي الذي بمعنى التصديق كما عرفت في تحقيق معنى الإيمان، فهما متصادقان بل مترادفان، والإسلام المعتبر في الدين هو بهذا المعنى، ولهذا حكموا بأن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، فتدبر. وقوله: (الإسلام أن تشهد) ظاهره أنه لابد في الإسلام من لفظ (أشهد)، فلو أسقطها أو قال بدلها (أعلم) لا يكون مسلماً، والشهادة أخص من العلم؛ لأنها خبر قاطع، فكل شهادة تتضمن العلم دون العكس، وحمل الشهادة في الحديث على العلم غير صحيح؛ لأن المقصود بيان ماهية الإسلام، فلابد أن يكون باللسان، وقد وقع ٢٠٢ (١) كتاب الإيمان وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، حديث آخر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا)(١) الحديث، والحق أن المراد القول والإخبار وإن لم يكن بلفظ (أشهد)؛ للإجماع على أن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد أسلم، وقد ورد في الحديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)(٢)، وقد صحت رواية (حتى يقولوا)، وقد اشترط بعض الشافعية لفظ (أشهد) أو ما في معناه كـ (أعلم)، والحق الإطلاق. وقوله: (وتقيم الصلاة) الروايات الصحيحة المشهورة بنصب (تقيم)، وقد يرفع هذا وما بعده مستأنفة عما قبلها؛ لأنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان، والأصوب النصب؛ لأن الانقياد في معنى الإسلام أتم وأكمل في المجموع، فكان الحمل عليه أولى وأنسب، وإن كان أصله حاصلاً في الشهادتين وحدهما، فصار الإسلام مثل الإيمان في أن كمالهما بالأعمال ونقصانهما بتركها. والمراد بإقامة الصلاة تعديل أركانها، ورعاية شروطها وآدابها، وظاهرها وباطنها، ومحافظة أن يقع فيها زيغ واعوجاج في أفعالها، منْ أَقَامَ العودَ: إذا قوَّمه، أو المواظبة والمداومة عليها، من أقمت السوق: إذا جعلتَها نافقة رائجة، أو الجِدّ في أدائها من غير فتور وتوان، من أقام الأمر: إذا جدّ فيه وتجلّد. وقال سيدي الشيخ أبو العباس المرسي - قدس الله روحه، وأوصل إلينا فيوضه وفتوحه -: كل موضع ذكرت فيه الصلاة في معرض المدح فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة، إما بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها، قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ (١) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢١). (٢) أخرجه الترمذي (٢٦٣٨)، وابن حبان (١٥١). ٢٠٣ (١) كتاب الإيمان وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقال الله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوةٍ وَمِن ذُرِيَّتَِّ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقال : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ولما ذكر المصلين قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّيْنَ ا الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، ولم يقل: للمقيمين الصلاة، والإقامة أنه إذا صلى المؤمن صلاة فتقبلت منه خلق الله تعالى من صلاته صورة في ملكوته راكعة ساجدة إلى يوم القيامة، وثواب ذلك لصاحب الصلاة. وإقامةُ الصلاة: حفظُ حدودها مع حفظ السر مع الله وثّق، لا يختلج بسرك سواه. والصلاة أصلها (صَلَوَةٌ) - بفتحات - مأخوذة من (الصلا)، وهو وسط الظَّهر مِنّا ومن كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة(١) والذَّنَبِ، أو ما عَن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان، كذا في (القاموس)(٢). وقال في (شرح الأربعين)(٣): (الصلا): عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب، ويمتد منه عِرقان، في كل ورك عرق، يقال لهما: الصلوان، فإذا ركع المصلي انحنى صلاه وتحرّك، ومنه سمي ثاني خيل السباق مصلياً؛ لأنه يأتي مع صلوي السابق، ثم نقل منه إلى الدعاء تشبيهاً للداعي في تخشعه بالمصلي، كذا قال صاحب (الكشاف)(٤)، هو يدل على كونه في معنى الصلاة متقدماً على معنى الدعاء واصلاً له، وهو محل توقف، ويمكن أن يجعل في كل المعنيين من (الصلا) من غير أن ينقل من (١) الجاعرة: الاست، أو حلقة الدبر. ((القاموس)) (ص: ٣٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٨). (٣) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٦٣). (٤) ((الكشاف)) (١ / ٢٣). ٢٠٤ (١) كتاب الإيمان وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، أحدهما إلى الآخر، وقد ذكرناه في (حاشية البيضاوي)، فتدبر. وقوله: (وتؤتي الزكاة) الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، وفي الشرع: اسم للمخرج من المال إلى الفقراء، سمي بها لأنه يؤخذ من مال نام ببلوغه النصاب الذي مضى عليه الحول، أو لأنه ينمي الأموال بالبركة وحسنات مؤديها بالتكثير، أو لأنه يطهرها من الخبث، ونفس المزكي من رذيلة البخل، ويحتمل اشتقاقه من تزكية الشهود فهو يزكِّيه ويشهد له بصحة إيمانه أو دعوى محبة الحق تعالى. وقوله: (وتصوم رمضان) مشتق من الرمض محركة: شدّة وقع الشمس على الرمل وغيره، رَمِضَ يومُّناً كَفَرِحَ: اشتدّ حرُّه، وقَدَمُه: احترقت من الرمضاء، للأرض الشديدة الحرارة، ورمضان معروف، جمعه رمضانات ورمضانون، سمي به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر زمن الحر والرمض، أو من رمض الصائم: اشتدّ، كذا في (القاموس)(١)، أو راجِعٌ إلى مَعْنَى الغافِرِ، أي: يَمْحُو الذُّنوبَ ويَمْحَقُها. ثم اختلفوا في إطلاق رمضان من غير إضافة شهر إليه، فقيل: يكره مطلقاً، وقيل: لا يكره مطلقاً، وقيل: إن دلت قرينة على أن المراد غير الله سبحانه؛ لأنه من أسمائه، ويرد القول بالكراهة مطلقاً ما ورد في الأخبار الصحيحة: (إذا جاء رمضان أو إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة)(٢)، وزعم أنه من أسماء الله تعالى غير صحيح، ولم يرو فيه إلا أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا لخبر صحيح، ولو (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٤). (٢) أخرجه مالك (٦٨٤)، والبخاري (١٨٩٨، ١٨٩٩)، ومسلم (١٠٧٩). ٢٠٥ (١) كتاب الإيمان وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). قَالَ: صح أيضاً لم تلزمه الكراهة إلا بنهي صريح، ولم يرو، كذا في (شرح الأربعين)(١). وقوله: (وتحج البيت) أي: تقصده بالوجه المخصوص، وهو للحج عندنا، وللعمرة أيضاً عند الشافعية، إذ هي واجبة عندهم على الصحيح، والبيت اسم جنس غلب على الكعبة، كالكتاب على القرآن المجيد عند الأصوليين، وعلى كتاب سيبويه عند النحاة . وقوله: (إن استطعت إليه سبيلاً) بأن تجد زاداً وراحلة على الوجه المقرر في الشرع، قال في (شرح الأربعين)(٢): وصح عند الحاكم وغيره أنه يَّر فسر بهما السبيل في الآية، وعند مالك: يجب على من قدر على المشي ويندب عند غيره خروجاً من الخلاف، وإنما صرح باشتراط الاستطاعة في الحج دون أخواتها مع أن الاستطاعة(٣)، أي: سلامة الأسباب والآلات شرط في سائر العبادات؛ لكون الاستطاعة ههنا أمراً زائداً لا يسبق الذهن إليه إلا بذكره، وهو الزاد والراحلة كما بينته السنة، ويدل عليه قوله : (سبيلاً)، فذكرها اهتماماً بشأنها وشفقةً على العباد لئلا يرتكبوا المشاق، وأيضاً ذكرها اتباعاً للنظم القرآني . وقال في (شرح الأربعين)(٤): عدم الاستطاعة في نحو الصلاة والصوم لا يسقط فرضها بالكلية، وإنما يسقط وجوب أدائها بخلافها في الحج، فإن عدمها يسقط وجوبه (١) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٦٤). (٢) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٦٥). (٣) المراد بالاستطاعة استطاعة الزاد والراحلة مع صحة البدن عند الحنفية، وقال الشافعي بالأول فقط، ومالك بالثاني فقط. كذا في ((التقرير)) (١ / ٣٧). (٤) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٦٥). ٢٠٦ (١) كتاب الإيمان صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، بالكلية، فتأمل . وقوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) لأن مقتضى السؤال عدم العلم، ومقتضى التصدیق العلم، فإن قيل: قد يصدق الطالب الشیخ إيماناً به وتسلیماً له فلا یکون دلیل العلم؟ قلنا: تصديقه كان على وجه التصويب والتقرير بدلالة المقام، فافهم. وقوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان في اللغة: التصديق مطلقاً، وفي الشرع: التصديق بأمور خاصة، وهي المعلومة من الدين بالضرورة كما مر، فكأنه سأل عن أشياء يصدق بها حتى يحصل الإيمان الشرعي، فأجاب ببيان تلك الأشياء، ففسر الإيمان ببيان متعلقاته، وأصل معنى الإيمان معروف من اللغة، فلا يكون تعريفاً بنفسه كما يوهم، فافهم. وقوله: (وملائكته) جمع (ملك) على غير القياس، وقيل: جمع (ملأك) على غير القياس مقلوب (مألك)، (مفعل) من الأُلُوكة، وهي الرسالة والسفارة، فخفف بنقل الحركة والحذف فصار ملك، وقيل غير ذلك، وتاؤه التأنيث الجمع، وقيل: للمبالغة، وقد جاء بدون التاء. وقوله: (وكتبه) قالوا: هي مئة وأربعة، أنزل منها خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم، وعشرة على إبراهيم، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن. وقوله: (ورسله) أي: أنبيائه، فهو مبني على ترادفهما. وقوله: (واليوم الآخر) وهو من الموت إلى دخول الجنة، والمراد الإيمان به وبما أخبر الشارع بوقوعه فيه، وإنما سمي اليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، كذا قيل. والظاهر أن المراد الزمان، وهو آخر الأزمنة المحدودة. ٢٠٧ (١) كتاب الإيمان وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، .. وقوله: (بالقدر خيره وشره) وفي رواية لمسلم: (بالقدر كله)؛ أي: بأن الله قدر الخير والشر قبل الخلق، وجميع الكائنات بقضائه وقدرته وإرادته، وأن ما قدّره الله لابد من وقوعه، وما لم يقدّره يستحيل وقوعه، قالوا: الإيمان بالقدر على قسمين: أحدهما: الإيمان بأنه قد سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشر، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. وثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلها من خير وشر وكفر وإيمان. وهذا القسم ينكره القدرية كلهم، والأول لا ينكره إلا غُلاتهم، وكفرهم بإنكاره كثير من العلماء، وهو محل الخلاف حيث لم ينكروا العلم القديم، كما نص عليه الشافعي وأحمد وغيرهما، كذا ذكره شيخ شيوخنا ابن حجر المكي في (شرح الأربعين)(١)، رحمة الله عليه. ويؤخذ من هذا الحديث تكفيرهم لجعل القدر من أجزاء المؤمَن به، ويشهد لذلك تبرئة ابن عمر منهم، وخبر: (القدرية مجوس هذه الأمة)(٢)، والأشبه عدم التكفير، وتبرئة ابن عمر تغليظ على الابتداع، والحديث غير ثابت، والمسألة آيلة إلى تكفير أهل القبلة من أهل البدعة وعدمِه، والأشبه عدم التكفير فيما ليس معلوماً في الدين بالضرورة، وفيما فيه مجال للشبهة والتأويل، وهو المختار الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء، والله أعلم. وقوله: (فأخبرني عن الإحسان) لما بيّن معنى الإسلام والإيمان الذي هو أصل (١) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٧٣). (٢) أخرجه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٥٩/١، رقم: ٢٨٦). ٢٠٨ (١) كتاب الإيمان قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، الدين ومداره أراد أن يكشف عن معنى الإحسان الذي به كمال الدين، وتمامه يرجع إلى الصدق في الإخلاص الذي لا يصح ولا يتم الإيمان والعمل إلا به، وقد كثر في الآيات والأحاديث ذكره؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿لَلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌َتَّقَواْ وَّءَامَنُوْ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]، وأمثالها . وهو إفعال من الحسن، ويستعمل على وجهين: أحدهما: إحسان العمل وإتيانه على وجه الإكمال والإتقان؛ كقولهم: أحسنت كذا وفي كذا، ومنه (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ... ) الحديث(١)، وثانيهما: بمعنى الإنعام على الغير؛ كقولهم: أحسنت إلى فلان: إذا فعلت معه ما يحسن فعله، والمراد ههنا الأول؛ إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات وإتيانها على الوجه الأكمل . وقال الطيبي(٢): يجوز أن يحمل الإحسان ههنا أيضاً على الإنعام، وذلك أن العامل المرائي يبطل عمله ويحبط فيظلم على نفسه، فقيل له: أحسن إلى نفسك ولا تشرك بالله، واعبد الله كأنك تراه، وإلا فهلكت، انتهى. ولا يخلو هذا عن تكلف. وقوله: (أن تعبد الله) عبد: أطاع، والتعبد: التنسك، والعبودية: الخضوع والذل. وقوله: (كأنك تراه) بيّن رسولُ الله ◌َ ﴿ الإحسانَ في العبادة على وجهين: (١) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٧)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٤٤٠٥)، وابن ماجه (٣١٧٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ١٠٣). ٢٠٩ (١) كتاب الإيمان فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)). قَالَ: أحدهما: لمن بلغ غاية مرتبته بحيث كان يرى معبوده ويعاينه سبحانه، وهو مقام المشاهدة، وتلزمه غاية الهيبة والتعظيم والإجلال، والخضوع والخشوع، والحياء والمحبة، والانجذاب والشوق والذوق، والاجتماع بظاهره وباطنه. وثانيهما: لمن لم ينته إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ورقيب على أحواله، وقد نبّه عليه بقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)؛ يعني: إن لم يكن في حضورك بحيث كأنك تراه فَلاَحِظْ رؤيته سبحانه واطلاعه عليك، وهذا حال المراقبة، وهو في اصطلاحهم: ملاحظة العبد نظر الله سبحانه إليه واطلاعه على أحواله الظاهرة والباطنة، وهذا أيضاً يورث الخوف والخشية، والاجتماع في الحركات والسكنات، وضبط الأفعال، ورعاية الأدب في جميع الحالات، وعدم الالتفات يميناً وشمالاً، كمن قام في حضرة سلطان جبار قهار يراقب أحواله ويشاهد أعماله، يضيق عليه مجال الغفلة وسوء الأدب، لكن المقام الأول أعلى وأرفع، وهو مقام سيّد المرسلين وأكمل العابدين، حيث أشار إليه بقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وبما قررنا الكلام سقط قول من قال: ينبغي أن يكون الجواب قد انتهى عند قوله: (تراه) الأول وما بعده مستأنف؛ لأن الأول مقدور للعبد؛ لجواز أن يوجد ولا يوجد، والثاني واقع لا محالة لا مدخل لاختيار العبد فيه، فإنه تعالى يرى الكائنات كلها دائماً، فلا نصيب للعبد في ذلك؛ لأن المطلوب استحضار العبد أنه بين يدي الحق وملاحظته ومراقبته إياه، وهذا مقدور للعبد ومكمل لعبادته، فهو من تتمة الجواب. ثم اعلم أنه قد لاح على باطن بعض العارفين من الصوفية أنه قد وقف على (تراه) الثانية بإرادة معنى: أنك إذا فنيت عن نفسك فلم تكن شيئاً ولم تر نفسك؛ شاهدت ربك؛ لأنها الحجاب بينك وبين شهود الرب تعالى. ٢١٠ (١) كتاب الإيمان قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في (شرح الأربعين)(١): إن المعنى وإن صح إلا أن لفظ الحديث لا ينطبق عليه، فتنزيله عليه جهل من قائله بقواعد العربية وأساليبها. وقال الشيخ ابن حجر الكبير العسقلاني(٢): وأقدم بعض غلاة الصوفية على هذا التأويل بغير علم، وغفل قائله للجهل بالعربية، فإنه لو كان المراد ما زعم؛ لكان قوله: (تراه) محذوف الألف، وإثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس، فلا يصار إليه، وأيضاً لو كان ما ادعاه صحيحاً لصار قوله: (فإنه يراك) ضائعاً؛ لأنه لا ارتباط له بما قبله. قال: ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها: (فإنك إن لا تراه فإنه يراك)، وكذلك في رواية سليمان، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمله على ارتكاب التأويل المذكور، وفي رواية أبي فروة: (فإن لم تره فإنه يراك)، وكذلك في حديث أنس وابن عباس، وكل هذا يبطل هذا التأويل، انتهى. ويمكن أن يقال: إن إثبات الألف في المضارع المجزوم لغة شائعة واردة في كلامهم، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: ﴿أرسله معنا غداً يرتعي ويلعب﴾ [يوسف: ١٢] على وجه، وفي قوله: ﴿من يتقي ويصبر﴾، وقال الشاعر(٣): ألم يأتيك والأنباء تنمي (١) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٨٠). (٢) ((فتح الباري)) (١ / ١٢٠). (٣) هو قيس بن زهير، وتمام البيت: بمالاقت لبون بني زياد ألم يأتيك والأنباء تنمي انظر: ((مجمع الأمثال)) (ص: ٢٤٧). ٢١١ (١) كتاب الإيمان فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا. على أن الجزم في الجزاء فيما كان الشرط ماضياً غير واجب، والماضي أعمّ من أن يكون لفظاً أو معنى، كما ذكر في النحو. ويمكن أن يكون ارتباط قوله: (فإنه يراك) لبيان إمكان الرؤية، كما استدل بعض المتكلمين على إمكان رؤيتنا سبحانه برؤيته إيّانا بغير جهة ومكان وخروج شعاع وغيرهما، وإن كان لا يتمّ الاستدلال، ويجوز أن تكون الروايات الأخر بالمعنى بناء على فهم الراوي من معنى الحديث، على أن فهم من فهم من رجال الصوفية ذلك ليس تأويلاً للحديث وبياناً لمعناه المراد عند علماء العربية، وإنما ذلك شيء يلوح على بواطنهم بغلبة ما فيها من حال المحو والفناء، وليس ذلك إلا من هذا اللفظ الوارد في هذه الرواية، وذلك في الحقيقة من قبيل: ترى، والخيار عشرة بدانق، والله أعلم. ثم قيل: إن في الحديث دلالة على أن رؤيته تعالى في الدنيا ممكنة عقلاً، لأن (لم) لنفي الممكن؛ كزيد لم يقم، بخلاف الحجر لا يطير، وإمكان الرؤية في الدنيا هو الحق، وإن لم يكن واقعاً، انتهى. وفيه: أن المعنى كما يقتضيه السياق: فإن لم تكن كأنك تراه، فالممكن ما في حكم الرؤية دون حقيقتها، فافهم. وقوله: (فأخبرني عن الساعة) لما بيّن الدين سأل عن القيام؛ لبعثهم على العمل والإخلاص، والمراد السؤال عن وقت قيامها، وإنما سميت ساعة اعتباراً بأول أزمنتها، أو لأنها تقوم بغتة في ساعة، أو لأنها عند الله على طولها كساعة عند الخلق. وهي لغةً: قطعة من زمان غير محدودة، وفي اصطلاح أهل الحساب: جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار. وقوله: (ما المسؤول عنها) أي ما الذي سئل عن الساعة، وهو النبي ◌َّلغز، يقال: ٢١٢ (١) كتاب الإيمان بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ ربَتَھَا، سألت الرجل عنه، أي: عن أحواله، والرجل مسؤول، وذلك الشيء مسؤول عنه، ولا يقال للرجل: مسؤول عنه، بل مسؤول أو مسؤول منه، فلا يتوهم ههنا أن الظاهر أن يقال: المسؤول عنه ليرجع الضمير إلى اللام، فتدبر. وقوله: (بأعلم من السائل) أي: هما سواء في عدم العلم بوقت قيامها، ويمكن أن يراد ما هو المتعارف من هذا التركيب من كون السائل أعلم؛ أعني: لو قدر العلم بها لكان جبريل أعلم؛ لكونه في الملكوت العُلى ناظراً في اللوح المحفوظ، موكولاً إليه إيحاء العلوم إلى الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وقوله: (فأخبرني عن أماراتها) المراد علاماتها الصغرى لا الكبرى التي تظهر عند قربها، ويدل على ذلك الجواب. وقوله: (أن تلد الأمة ربتها) الرب لغة: المالك والسيد، والمدبر والمربي، والمتمم والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله إلا نادراً، والمراد ههنا المولى والسيد أو المالك حكماً أو حقيقة، والتخصيص بالأنثى إما لشيوع الجهل فيهن، أو للزوم الحكم في الذكور بطريق الأولى، أو بتقدير موصوفها نفساً أو نسمة، أو للتحاشي عن إطلاق الرب على غيره تعالى، ويدفعه رواية (ربها) بلفظ الذكور، وقد علم إطلاق الرب مضافاً على غير الرب تعالى، وجاء في رواية (بعلها) بمعنى ربها، والبعل قد جاء بمعنى الرب والسيد، منه قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] على معناه المشهور على بعض المعاني المذكورة في توجيهه كما ستعرف عند بيانها . واعلم أنهم ذكروا فيه وجوهاً، فقيل: إن المراد به كثرة السراري بكثرة السبي، فيكون الولد سيداً ومولَى لأمه بنسبة الأب، إما لأن مال الإنسان صائر إلى ولده بعد ٢١٣ (١) كتاب الإيمان الموت، أو باعتبار تصرفه فيه بإذنه صريحاً أو دلالةً، أو عرفاً وعادةً، أو جعل الولد ربًّا لها لأنه سبب عتقها، فكان كربّها المنعم عليها، أو لأنه لما كثر السبي يمكن أن يكون فيما بينهم من الأولاد من يسبي أمه ويملكها، فإن لم يظهر أنها أمه فيستمر على ذلك، وإن ظهر عتقت عليه فصار معتقها، والمعتق كالرب المنعم، وكونها علامة من جهة وجود الترفه والتنعم والخروج عن دائرة الاعتدال والاقتصاد في المعيشة وأسبابها وآلاتها المفضي إلى الخروج عن انتظام الأحوال والدخول في الفساد والاختلال، أو من جهة أن كثرة الجهاد والقتال موجب لاستيلاء المسلمين على بلاد الكفر، وقوة الإسلام وغلبة أهله وكماله، وإذا تقرر أن لكل كمال زوالاً يكون منذراً بانتهاء دور الإسلام وانقطاع دولته، وهو علامة قيام القيامة، أو من جهة إساءة أدب الأولاد مع الأمهات وعقوقها(١)، ومعاملتهم معهن معاملة الملاك والسادات، ويمكن أن يتملك الولد بالسبي أو بالشراء ممن سبى أمه فيطأها أو يتزوجها. فإن قلت: کثرة الجهاد والاستيلاء على بلاد الكفر کان كثيراً في صدر الإسلام، والظاهر أن علامات القيامة تقع في آخر الزمان، وأن المقصود الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب الساعة؟ قلنا: صدر الإسلام أيضاً كان آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى منه، وقد كان نبينا وَّ نبي آخر الزمان، فلو وقع بعض علامات القيامة في (١) قال الحافظ (١/ ١٢٢): أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمّه معاملة السيِّدِ أمتَه من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازاً لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربَّى مربِيّاً والسافلُ عالياً، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض. انتهى. ٢١٤ (١) كتاب الإيمان وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ. ذلك الزمان أيضاً لم يبعد، ولعله يكون الجهاد واستيلاء المسلمين على بلاد الكفار في آخر الزمان أكثر وأكثر، والله أعلم. وقيل: هذا إخبار بكثرة بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان؛ لفساد أحوال الناس في رعاية الأحكام، واختلاط الحلال والحرام، حتى يشتري الولد بتداول الأيدي أمَّه جاهلاً بأنها أمُّه، فالعلامة من جهة غلبة الجهل الناشئ عنه بيع أمهات الأولاد، وهو ممنوع إجماعاً، ولا اعتبار بقول المخالف، ولو اعتبر حملُه على البيع في حال حملها، وهو حرام بلا نزاع من أحد، كذا في (فتح الباري)(١). وقيل: المراد أن الإماء يلدن الملوك والأمراء، فتكون أمهاتهم من جملة الرعايا، ويكونون ملاكاً وسادات بالنسبة إليهن، وهذا أيضاً في آخر الزمان، لا سيما في أثناء دولة بني العباس، والرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالباً عن وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر، فتدبر. وقوله: (أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء) الحفاة: جمع حاف بالمهملة، وهو من لا نعل برجله، و(العراة) جمع عار، وهو من لا ثوب على جسده، و(العالة) بتخفيف اللام جمع عائل، من عال: افتقر، و(رعاء) - بكسر أوله وبالمد - جمع راع، ويجمع أيضاً على رعاة بضم أوله، والرعي: الحفظ، يقال: رَعَى الأمر وراعاه: حفظه، والراعي كل من ولي أمر قوم، والشاء: الغنم جمع شاة، وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء؛ كتمر وتمرة، وفي رواية مسلم: (رعاء البهم) بضم الباء وسكون الهاء وحركتها، جمع بهمة: صغار الضأن والمعز، وقد يختص بالمعز، (١) ((فتح الباري)) (١ / ١٢٢). ٢١٥ (١) كتاب الإيمان يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ» والبهيمة: كل ذات قوائم أربع، والجمع بهائم، وفي رواية البخاري: (رعاء الإبل البهم) جمع الأبهم، وهو الأسود، وهو إما صفة لـ (رعاء)، لأن الأدمة غالب ألوان العرب، أو المراد مجهول الأنساب، وقيل: الذي لا شيء لهم، كذا قال السيوطي، أو صفة الإبل، والسواد شر ألوان الإبل، وخيرها الحمر التي يضرب بها المثل، فيقال: (خير من حمر النعم)، ورواية: (رعاء الشاء) أنسب بالسياق من رواية (رعاء الإبل) وأبلغ؛ لأنهم أصحاب ثروة وخيلاء، وليسوا عالة بالنسبة إلى رعاء الشاء، وإن كانوا بالنسبة إلى الملوك والأمراء فقراء ضعفاء، والجمع بين الروايتين أنه يحتمل أنه وليه جمع بينهما، فحفظ راوٍ أحدَهما والآخرُ الآخرَ، والله أعلم. وقوله: (يتطاولون في البنيان) أي: يبنون الدور والقصور المرتفعة، ويتفاخرون ويتكبرون بها، وهو مفعول ثان لقوله: (ترى) إن كانت الرؤية بمعنى العلم، أو حال إن كانت بصرية(١)، وقد يجعل المفعول قوله: (رعاء الشاء) بمعنى الملوك؛ لأنه قد تجعل الكناية عن ذلك، ويستأنس بصحة هذا المعنى مما ذكر في رواية أبي هريرة تظله، وحاصله: أن الفقراء والأذلاء يصيرون أغنياء وأعزةً وملوكاً، ويصير ذلك سبباً لاختلال أمور الدنيا والدين وهدم أركانهما، فذلك من أمارات الساعة، وقد صح: (لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع)(٢) أي لئيم بن لئيم، وصح أيضاً (من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار)(٣)، قيل: فيه دليل كراهة تطويل (١) قال القاري (١ / ٦٤): هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ جَعَلْتَ الرُّؤْيَةَ فِعْلَ الْبَصِيرَةِ، أَوْ حَالٌ إِنْ جَعَلْتَهَا فِعْلَ الْبَاصِرَةِ. (٢) أخرجه أحمد (٣٨٩/٥). (٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٤ / ٥٩٧، رقم: ٨٦٦١)، والدارمي (٤٧٦). ٢١٦ (١) كتاب الإيمان قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِئْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا عُمَرُ أَنَدْرِي مَنِ السَّائِلُ))؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإنَُّ جِبْرِيلُ أَنَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) البناء، وفي شرح الشيخ: في إطلاقه نظر، بل الوجه تقييد الكراهة إن سلمت بما لا تدعو الحاجة إليه، وعليه يحمل خبر: (ويؤجر ابن آدم على كل شيء إلا ما يضعه في هذا التراب)، وغيره من الأخبار الواردة في هذا الباب. وقوله: (قال) أي : عمر. وقوله: (ثم انطلق) أي: ذلك الرجل. وقوله: (فلبثت) على صيغة المتكلم، وقد يروى (فلبث) بلفظ الغائب؛ أي النبي ◌َّ (مليًّا) أي: زماناً طويلاً، ومنه الملوان: الليل والنهار، وأما المهموز فهو من الملاءة بمعنى اليسار والغنى، وقد تثبت رواية الترمذي وأبي داود وغيرهما أنه لبث ثلاثاً، وظاهره أنه ثلاث ليال، وفي (صحيح أبي عوانة): (فلبثت ليالي، فلقيني رسول الله وَ﴿ بعد ثلاث)، ولابن حبان: (بعد ثلاثة)، ولابن منده: (بعد ثلاثة أيام)، قال الشيخ ابن حجر(١): وينافيه خبر أبي هريرة: (فأدبر الرجل، فقال ◌َله: رُدّوه، فأخذوا يردّونه، فلم يروا شيئاً، فقال: هذا جبرئيل)، وأجيب بأنه يحتمل أن عمر ◌ُه لم يحضر قوله هذا، بل كان قد ذهب فأخبر به بعد ثلاث، انتهى . هذا وقد يفسر قوله: (مليًّا) بساعة طويلة، ورواية (ثلاثاً) بثلاث ساعات، ويستبعد غيبة عمره عن مجلسه وَ﴿ ثلاثة أيام، والله أعلم. وقوله: (فإنه جبريل) أي: إذا كنتم غير عالمين فاعلموا أنه جبريل . (١) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٨٧). ٢١٧ (١) كتاب الإيمان رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨]. ٣ - [٢] وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَعَ اخْتِلاَفٍ، وَفِيهِ: وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّالْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلَّ اللهُ، ثُمَّقَرَأَ: ﴿إِنَّالَّهَ عِندَهُ. عِلّمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّدُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤]. مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٥٠، م: ١٠]. وقوله: (رواه مسلم) فهو من أفراده، ولم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئاً، فلا يكون الحديث متفقاً عليه في الاصطلاح، لأنه إنما يطلق على ما أخرجه الشيخان من صحابي واحد . نعم قد أخرج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه، فهو متفق عليه. ٣ - [٢] (ورواه أبو هريرة)(١) قوله: (الصم البكم) فيه تحقير لشأنهم بكونهم جاهلين لا يستمعون العلم والحق ولا ينطقون به؛ كما قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَ هُمْ أَضَلُ ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقوله: (في خمس)(٢) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وأخرج أحمد(٣) عن ابن مسعود: (أوتي نبيكم [مفاتيح ] كل شيء سوى هذه الخمس)، والمراد لا يعلم بدون تعليم الله منه، وتحقيق معنى هذه الآية وبيان إفادتها الحصر (٤)، يطلب من كتب التفسير . (١) اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي على الأشهر، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً يبلغ إلى أكثر من ثلاثين، انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٥١)، و((إسعاف المبطأ)) (ص: ١٢٢). (٢) فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ أَخْبَرَ الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ الْحَصْرُ؟ قُلْتُ: الْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ كُلِيَّاتِهَا دُونَ جُزْئِيَّاتِهَا. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٦٦). (٣) ((مسند أحمد)) (١ / ٣٨٦). (٤) قال الحافظ (١ / ٤٩): لم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال. ٢١٨ (١) كتاب الإيمان ٤ - [٣] وَعَنِ ابْنٍ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((يُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، . ٤ - [٣] (ابن عمر) قوله: (بني الإسلام على خمس) وفي رواية: (خمسة) بالتاء، فالمجرد عن التاء بتقدير دعائم أو قواعد أو خصال، ومعها على تأويل الأركان أو أشياء أو نحو ذلك، كذا قال الطيبي(١)، وقيل: إن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوط التاء إن كان المميز مذكوراً، وأما إذا لم يذكر فيجوز الأمران صرح به النحاة، كذا في الحاشية نقلاً من خط الأمير جمال الدين المحدث، وأيده الشيخ في (شرح الأربعين)(٢) بقوله: (أربعة أشهر وعشراً)، وبقوله: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)، نعم في الرواية دليل على إرادة الأركان، وقد جاء في رواية : (خمس دعائم)، انتهى. ثم اعلم أنه إن أريد الأركان أو القواعد للبيت وهي داخلة في البيت يكون الإسلام محمولاً على الظاهر الذي دل عليه حديث جبرئيل من كون حقيقته عبارة عن الأركان الخمسة المذكورة، وإن أريد الدعائم أو أعمدة الخباء ونحوها، وهي خارجة، حمل على معنى الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَهُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أو على معنى الإيمان بناء على القول باتحادهما، وعلى كل تقدير ففيه استعارة مكنية بتشبيه الإسلام ببيت أو خباء، وإثبات البناء له تخييلية، ويحتمل أن تكون الاستعارة تبعية بتشبيه ثبات الإسلام واستقامته ببناء بيت أو خباء، ثم اشتق منه الفعل، فتدبر. وقوله: (شهادة) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه على أنه خبر؛ أي: أحدهما، (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ١١١). (٢) ((فتح المبين لشرح الأربعين)) (ص: ٩٠). ٢١٩ (١) كتاب الإيمان وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨، م: ٤٥]. ٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، . أو مبتدأ أي: منها، وقد ينصب بتقدير أعني، وكذا في أخواته الأربع، وفي الأخريين يحتمل اكتساء إعراب المضاف المحذوف؛ أعني: أداء. ٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) في (القاموس)(١): البضع كالمنع: القطع، وهو بالكسر ويفتح: ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوزت لفظ العشر؛ ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال [ذلك. الفراء: لا يذكر مع العشرة(٢) والعشرين] إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومئة [ولا ألف]، وفي (النهاية)(٣): هو بالكسر وقد يفتح: ما بين الواحد إلى العشر، أو الثلاث إلى التسع، ومنعه الجوهري مع العشرين، وقد جاء في الحديث: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد ببضع وعشرين)(٤). وقال السيوطي: إنه ما بين الثلاث إلى السبع، وقيل: إلى العشر، وقيل: من اثنين إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع، والبضعة بالفتح وقد تكسر: القطعة من اللحم، والجمع بَضْع بالفتح، وكعِنَبٍ وصِحَافٍ وتَمَراتٍ، وفي (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٨). (٢) وفي نسخة ((التاج)) للزبيدي: ((إلا مع العشرة)). (٣) ((النهاية)) (١/ ١٣٣). (٤) أخرج نحوه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٤٧٢). ٢٢٠ (١) كتاب الإيمان الحديث: (فاطمة بضعة مني) أي: جزء مني، وروي (إنما بنتي مضغة مني) بضم الميم بمعناه، والبضع بالضم: الجماع، أو الفرج نفسه، والمھر والطلاق والنكاح، ضد. ثم المذكور في بعض روايات البخاري: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بعض وستون أو بضع وسبعون) على الشك، وفي بعضها: (بضع وسبعون) من غير شك، كما في رواية الكتاب، ولأبي عوانة في (صحيحه) من طريقه: (ست وسبعون أو سبع وسبعون)، ورجح قوم رواية (بضع وستون)؛ لأنها المتيقن وما عداها مشكوك فيه، ورجح الآخرون روايات الزيادة لكونها زيادة ثقة، وتعقب بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج. ثم اعلم أن شعب الإيمان أكثر من أن تحصى وتضبط؛ لأن أنواع الفرائض والواجبات وإن انحصرت وانضبطت لكن أفراد السنن والنوافل والآداب من الأعمال والأخلاق لا تنحصر في عدد، ولا تنضبط في حصر، ومع ذلك يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس وتحصيل سعادتها في المبدأ والمعاد بتحصيل الكمال العلمي والعملي، وذلك باعتقاد الحق والاستقامة في العمل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ [ فصلت: ٣٠]، وقوله ◌َّ: (قل: آمنت بالله ثم استقم)(١)، لكنه يَّه أخبر بالعدد المخصوص، فإما أن يقال: أنواع الفضائل والخصائل الإيمانية وأصولها منحصرة في هذا العدد وإن لم نعرفها، وترى عندنا أقل بالإرجاع أو أكثر بالتفصيل، أو يقال: المراد به التكثير دون التحديد، واستعمال لفظ السبعين في هذا المعنى كثير متعارف، ويكون ذكر البضع للترقي والإشارة إلى أن شعب الإيمان (١) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٣)، وابن حبان (٩٧٢).