النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
مقدمة المشكاة
وَالإِعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللهِ لاَ يَتِّمُّ إِلاَّ بِيَانِ كَشْفِهِ،
وقوله: (والاعتصام بحبل الله لا يتم إلا ببيان كشفه) اعتصم بفلان: تمسك
به، والحبل معروف، والبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وفي (الصراح)(١): بيان:
سخن پيدا وكشاده گفتن وفصاحت، ويقال: فلان أبين من فلان؛ أي: أفصح، وفي
الحديث: (إن من البيان لسحرا)، وسيجيء بيانه في (باب البيان والشعر) من الكتاب،
والكشف: الإظهار ورفع شيء عما يواريه ويغطيه، كذا في (القاموس)(٢)، وفي
(الصراح)(٣): كشف: کشاده وبرهنه كردن .
وإضافة البيان إلى كشفه بيانية، والضمير للرسول ◌َله، والمراد بحبل الله: عهده
الذي أخذ من عباده بالإيمان والتوحيد والإقرار بربوبيته والتزام طاعته وعبادته، المشارُ
إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهذا العهد قد نسوه بسبب تعلق الأرواح بالأبدان،
وطريان الكدورات والحجب الحاصلة لها من هذا التعلق، وتراكم ظلمات الذنوب
والمعاصي، فأرسل الله تعالى الرسل إليهم لتذكير هذا العهد خصوصاً سيد الرسل
صلوات الله علیه وعلیهم، أظهره وذکرهم به بیانٍ صحيحٍ وکشفٍ صریحٍ حتى يوفوا به
فتحصل لهم النجاة من عذاب جهنم، والفوز بنعيم الجنة، كما قال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ
بِعَهْدِكُمْ ﴾ [البقرة: ٤٠].
ويحتمل أن يكون المراد بحبل الله القرآن كما ورد في الحديث: (القرآن حبل
(١) (ص: ٥٠٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٨٣).
(٣) (ص: ٣٦٢).

١٤٢
المقدمات
وَكَانَ ((كِتَابُ الْمَصَابِيحِ)) الَّذِي صَنَّفَهُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قَامِعُ
الْبِدْعَةِ، .
الله)(١) الممدود من السماء إلى الأرض، فكما أن استعمال الحبل سبب الوصول إلى
ماء البئر الذي [هو] سبب الحياة الدنياوية وبقاء الأجسام، كذلك العمل بالقرآن سبب
الوصول بعين الحياة الأبدية وحياة الأرواح بالمعارف الإلهية والعلوم الدينية والفوز
بنعيم الجنة، أو لأن الحبل سبب النجاة من الردى والوقوع في البئر عند الاحتياج إلى
الماء، كذلك القرآن سبب النجاة عن النار والوقوع فيها، وجاء في حديث آخر: (القرآن
حبل الله لا تنقضي عجائبه، من اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم) (٢)، هذا الطرف من
الحديث يأتي ذكره في فضائل القرآن. وقال:
لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
وقوله: (الذي صنفه) يقال: صنفه تصنيفاً: جعله أصنافاً وميّز بعضها عن بعض،
من الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب، وجمعه: أصناف.
وقوله: (محيي السنة) السنة في اللغة: الطريقة، وفي الشريعة: الطريقة المسلوكة
في الدين، وقد سبق معناه في اصطلاح المحدثين، وهو قول النبي وفعله وتقريره بَّر،
وقد يعمّ بما يتناول الصحابة والتابعين، وعند الأصوليين: ما واظب عليه النبي وَلّل
ولم يكن عليه دليل الوجوب، وقد يعتبر مع المواظبة الترك أحياناً .
وقوله: (قامع البدعة) قمعه كمنعه: قهره وذلَّلَه، وقَمَعَ البردُ النَّباتَ: رَدّه
وأحرقه، والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استُحْدِثَ بعد النبي ◌ٍِّ من
(١) أخرجه الدارمي (٣٣٧٨)، وأخرج نحوه مسلم (٢٤٠٨)، والترمذي (٢٩٠٦).
(٢) أخرجه البزار في ((مسنده)) (٨٣٦)، والترمذي نحوه (٢٩٠٦).

١٤٣
مقدمة المشكاة
أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودِ الْفَرّاءِ الْبَغَوِيُّ، .
الأهواء والأعمال، كذا في (القاموس)(١)، وستجيء أقسامه وما هو مذموم منها وغير
مذموم في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة) إن شاء الله تعالى.
وقوله: (الفراء) صانع الفرو وبائعه، وهذا نعت لأبي الشيخ كان ذلك
صنعته .
وقوله: (البغوي) منسوب إلى بغشور قرية بين هراة ومرو، والأغلب في النسبة
إلى المركَّب الامتزاجي النسبة إلى الجزء الثاني، وقد ينسب إلى الجزء الأول أيضاً،
نحو مَعْدِيٌّ في معدي كرب، وبَعْلِيٌّ في بعلبك، والبغوي من هذا القبيل، وقد يقال
لتلك القرية: بغ، فعلى هذا لا حاجة إلى الاعتذار، ويقال في توجيه وجود الواو:
إنه أجرى (بغ) مجرى (دم) محذوف العجز، فأعيدت الواو في حال النسبة مثل دموي،
كذا قيل، ولزيادة الواو قاعدة في النسبة نحو علوي وغزنوي ذكرت في علم الصرف،
فليرجع ثمة .
وقد ذكر في وجه تلقيبه بمحيي السنة أنه لما صنف كتابه (شرح السنة) رأى
النبي ◌َّه في المنام فقال له: أحياك الله كما أحييت سنتي.
وقال: في (جامع الأصول)(٢): الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي
الفقيه الشافعي صاحب (كتاب المصابيح) و(شرح السنة) و(كتاب التهذيب) في الفقه،
وله من التصانيف الحسان ما يشهد له بعلو المنزلة، مات بعد المئة الخامسة سنة ست
عشرة وخمس مئة، رحمه الله.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٧ و٦٩٧).
(٢) (١٢ / ٣١٢).

١٤٤
المقدمات
رَفَعَ اللهُ دَرَجَتَهُ أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي بَابِهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الأَحَادِيثِ
وَأَوَابِدِهَا، وَلَمَّا سَلَكَ ﴿ُطَرِيقَ الإِخْتِصَارَ،
وقوله: (أجمع كتاب صنف في بابه) المراد أنه من أجمع كتاب، أو هو مبالغة
للترغيب في تحصيله، وهي صادقة من وجه، والمراد من (بابه) جميع أحكام الإسلام
والإيمان من العمليات والاعتقاديات وما يتعلق بها من الفضائل والآداب وأمثالها،
فيكون الضمير في (بابه) لكتابه.
وقوله: (وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها) ضبطه ضبطاً: حفظه، ورجل
ضابط، وجمل ضابط: قوي شديد، والشوارد جمع شاردة، وشرد البعير شروداً
وشراداً بالكسر: نفر، والأحاديث جمع حديث ضد القديم، وقد عرفت معناه
الاصطلاحي، ونقل عن الفراء أنه قال: الأحاديث جمع أحدوثة في الأصل، ثم جعل
جمع حديث، وقال في (القاموس)(١): الحديث: الجديد والخبر، وجمعه أحاديث
شاذٌ، وقال: الأحدوثة ما يُتَحَدَّثُ به، والأوابد جمع آبدة: البهيمة المتوحشة، وفي
(القاموس)(٢): الأوابد: الوحوش، وأَبَدَت البهيمة وتأبدت: وحشت وتوحشت.
والمراد بالشوارد: الأحاديثُ المخرجة في الأصول، ومواضع إيرادها فيها قد
خفيت على الطالبين، فكأنها نفرت منهم، وبالأوابد: الأحاديثُ التي دلالتها على معانيها
التي قصدت منها خفية، فكأنها توحشت من الطلاب، وبإيراد محيي السنة إياها في
الأبواب المناسبة والمواضع اللائقة التي تظهر منها معانيها ويتضح المراد منها ارتفع
الشرود وانتفى التوحش منها، وصارت مضبوطة مأنوسة، كذا قال الأمير جمال الدين
(١) (ص: ١٦٦).
(٢) (ص: ٢٥٤).

١٤٥
مقدمة المشكاة
وَحَذَفَ الأَسَانِيدَ؛ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النِّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ - وَإِنَّهُ مِنَ الثّقَاتِ -
كَالإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالأَغْفَالِ، فَاسْتَخَرْتُ اللهَتَعَالَى،
المحدث رحمة الله عليه .
وقوله: (وحذف الأسانيد) عطف على (سلك) على طريقة عطف التفسير،
والإسناد قد عرف معناه في المقدمة، وهو عبارة عن رجال الحديث، والمراد ههنا
ترك ذكر المُخْرِج؛ لأن المصنف إنما زاد على صاحب (المصابيح) ذكر الصحابي وذكر
مخرج الحديث، فالظاهر أن مقصوده بيان ما أهمله الشيخ مما ذكره، ويشعر بهذا
الاحتمال قوله الآتي: (ليس ما فيه أعلام كالأغفال)، ويحتمل أن يراد بالإسناد المعنى
المصطلح، أعني ذكر الرجال كلهم، لكن المصنف اكتفى بذكر المخرج لما سيأتي من
قوله: (وإني إذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي (وَّ)، ويؤيد هذا الاحتمال
ظاهر قوله: (وإن كان نقله - وإنه من الثقات - كالإسناد)، وعلى هذا الوجه يكون ذكر
الصحابي غير محتاج إليه بل يكون للتبرك والتأكيد، فافهم.
وقوله: (وإنه من الثقات) صحح (إنه) بالكسر على أنه حال من المضاف إليه،
أعني الضمير المجرور في (نقله)، وبالفتح عطف على اسم كان بتأويل المصدر؛ أي:
وإن كان نقله وكونه من الثقات، والأظهر عندي هو المعنى الأول، والثقات جمع ثقة،
وهو مصدر في الأصل من وثق يثق ثقة كوعد يعد عدة، سمي به الرجل الذي يوثق به
ویعتمد عليه .
وقوله: (لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال) الأعلام بالفتح: جمع علم كقلم
وأقلام، وهو أثر دال على شيء، والأغفال: جمع غفل بضم الغين المعجمة وسكون
الفاء كقفل وأقفال، والغفل: الأرض التي ليس فيها أثر عمارة وليست فيها علامة؛ أي:

١٤٦
المقدمات
وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ، فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ كَمَا
رَوَاهُ الأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونَ،
ليست الأراضي التي فيها أعلام كالأراضي التي لا علامة فيها، ويجوز أن تكون الأعلام
والأغفال بكسر الهمزة على لفظ المصدر، ولا يذهب عليك أن مقتضى السياق أن
يقول: ليس الأغفال كالتي فيها الأعلام(١)، فافهم.
وقوله: (استوفقت) بتقديم الفاء على القاف من التوفيق، وهو الموجود في
النسخ المصححة، وفي بعضها: (استوقفت) بتقديم القاف من الوقوف، وفي بعضها:
(استوثقت) بالمثلثة مكان الفاء من الوثوق.
وقوله: (فأعلمت ما أغفله) يعني أن صاحب (المصابيح) تَرَكَ ذكر الصحابي
في الأحاديث كثيراً، وأنا التزمت ذكره في كل حديث، وتَرَكَ ذكر مخرج الأحاديث
بحيث يعلم في كل حديث بخصوصه، وأنا أوردت ذكره في كل حديث بخصوصه،
وإن كان الاصطلاح قرره في قوله: (من الصحاح) و(من الحسان) أن يذكر في الأول
أحاديث الشيخين جمعاً أو فرادى وفي الثاني أحاديث غيرهما يعلم المخرج مجملاً،
فافهم .
والتخريج: إيراد الحديث بإسناده، كما يقال: أخرجه الشيخان، أو أخرجه
الترمذي، أو أخرجه أبو داود مثلاً، ويراد أنهم أوردوا الحديث في كتبهم بإسناده،
(١) قال القاري: وَلَعَلَّهُ قَلَبَ الْكَلاَمَ تَوَاضُعاً مَعَ الإِمَامِ، وَهَضْماً لِنَفْسِهِ عَنْ بُلُوغِ ذَلِكَ الْمَرَامِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ الذَّعَى أَنَّ فِي صَنِيعِ الْبَغَوِيِّ قُصُوراً فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ عَدَمُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ أَوَّلاً،
وَعَدَمُ ذِكْرِ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ آخِراً، فَإِنَّ ذِكْرَهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِد. ((مرقاة المفاتيح))
(١ / ١٣).

١٤٧
مقدمة المشكاة
وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُونَ؛ مِثْلُ أَبِي عَبْدِاللهِ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ(١)،
وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمٍ بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرَيِّ(٢)، .
والمصنف ذكر (رواه) مكان أخرجه.
(١) هو أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين، إمام الأئمة المجتهدين، سلطان المحدثين، أبو
عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بردزبه الجعفي مولاهم ولاء
إسلام، البخاري، نسبة إلى بخاري بلدة عظيمة من بلاد ما وراء النهر لتولده فيها، وصار بمنزلة
العلم له ولكتابه، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤ هـ،
وتوفي وقت العشاء ليلة السبت ليلة الفطر سنة ٢٥٦هـ، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر بخرتنك
على فرسخين من سمرقند، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يوماً، ولم يخلف ولداً،
قال السيد جمال الدين المحدث: يقال له: أمير المؤمنين في الحديث، وناصر الأحاديث
النبوية، وناشر المواريث المحمدية، قيل: لم ير في زمانه مثله من جهة حفظ الحديث واتقانه
وفهم معاني كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيثية حدة ذهنه، ودقة نظره، ووفور فقهه، وكمال
زهده، وغاية ورعه، وكثرة اطلاعه على طرق الحديث وعلله، وقوة اجتهاده واستنباطه، وكانت
أمه مستجابة الدعوة، توفي أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر والدته ثم عمي، وقد عجز الأطباء
عن معالجته، فرأت إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام قائلاً لها: قد رد الله على
ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد رد الله عليه بصره، كَانَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ:
دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيِبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ أَحَداً بِالْعِرَاقِ وَلاَ بِخُرَاسَانَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُ مِنْهُ. وانظر ترجمته في :
((المرقاة)) (١/ ١٤)، ومقدمة ((الفتح)) (ص: ٥٦٣ - ٥٨٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٩/ ٤٧ -
٥٥)، ومقدمة ((إرشاد الساري)) (١/ ٣١ -٤٦)، و((تهذيب الأسماء واللغات)) (١ / ٦٧ - ٧٦)،
و((طبقات الشافعية)) (٢/ ٢ - ١٩)، و((تاريخ بغداد)) (٢ /٤ - ٣٤)، و((أعلام المحدثين)) للمحقق
(ص: ١٣٥).
(٢) هو الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب
الصحيح، يلقب بعساكر الدين، ولو أنه عجمي المولد والمسكن لكنه عربي السلالة والأرومة، =

١٤٨
المقدمات
وَأَبِي عَبْدِاللهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ الأَصْبَحِيِّ(١)،
= إذ إن نسبه يتصل بقبيلة بني قشير من أشهر قبائل العرب ولذلك يقال قشيرياً - بالتصغير -،
ولد عام وفاة الشافعي سنة أربع ومئتين، وقيل: سنة ٢٠٦هـ ورجحه ابن الأثير في مقدمة ((جامع
الأصول)) (١ / ١٨٧)، وبه قال ابن خلكان. وتوفي في رجب سنة إحدى وستين ومئتين،
سمع من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقتيبة بن سعيد
والقعنبي، وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحفاظ دهره، كأبي حاتم الرازي وابن خزيمة
وخلائق. وله المصنفات الجليلة غير جامعه الصحيح.
انظر ترجمته في: ((المرقاة)) (١/ ١٦ - ١٧)، و((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٠٠ - ١٠٤)، و((جامع
الأصول)) (١/ ١٨٧)، و((وفيات الأعيان)) (٥ / ١٩٤ - ١٩٦)، و((تهذيب الكمال)) (٥٩٢٣)،
و((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٥٨٨)، و((العبر)) (٢/ ٢٣)، و((تاريخ ابن كثير)) (٣٣/١١ _ ٣٥)،
و(المنتظم)) (٥/ ٣٢)، و(تهذيب التهذيب)) (١٠ / ١٢٦ -١٢٨)، و((النجوم الزاهرة)) (٣٣/٣)،
و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٢٦٠)، و((شذرات الذهب)) (٢/ ١٤٤)، و((أشعة اللمعات)) (١ / ١٣ -
١٤)، و((الإكمال)) للمصنف، و((بستان المحدثين)) (ص: ١١٦ - ١١٧)، و((أعلام المحدثين))
للمحقق (ص: ١٧٥).
(١) هو أحد الأئمة الأعلام، ركن من أركان الإسلام، فقيه الأمة، إمام دار الهجرة، صاحب
المذهب، أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الحِمْيَرِيُّ الأَصْبَحِيُّ المَدَنِيُّ، كان
من أسرة عربية عريقة من أشرف القبائل جاهلية وإسلاماً، وأول من نزل من آبائه بمدينة النبي يثير
هو جده الأعلى أبو عامر، وهو من ذي أصبح بطن من اليمن من ملوك اليمن بني أبرهة بن
الصباح. ولد سنة ثلاث وتسعين على الأشهر، وكذا قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ١٢٢)،
وتوفي سنة تسع وسبعين ومئة، ودفن بالبقيع. انظر ترجمته في: مقدمة ((أوجز المسالك))
(١/ ٧٥)، ومقدمة ((التعليق الممجد)) (١/ ٧٣)، و((المرقاة)) (١ /١٩)، و((سير أعلام النبلاء))
(٤٨/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١/ ٢٠٧ - ٢١٣)، و((العبر)) للذهبي (١ / ٢٧٢)، و((أعلام
المحدثين)) للمحقق (ص: ٨٥).

١٤٩
مقدمة المشكاة
وَأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ(١)، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ
ابْنِ حَنْبَلِ الشّيْبَانِيّ(٢)،
(١) هو الإِمَامُ، عَالِمُ العَصْرِ، نَاصِرُ الحَدِيثِ، فَقِيهُ المِلَّةِ، صاحب المذهب أَبُو عَبْدِاللهِ مُحَمَّدُ بنُ
إِذْرِيسَ بِنِ العَبَّاسِ بِنِ عُثْمَانَ بنِ شَافِعٍ بِنِ السَّائِبِ بنِ عُبَيدِ بنِ عَبْدِ يَزِيدَ بنِ هِشَامِ بنِ المُطَلِبِ بنِ
عَبْدِ مَنَافِ القُرَشِيُّ، المُطَلِيُّ، الشَّانِيُّ نسبة إلى جده الأكبر شافع، قيل: شافع كان صاحب
راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه فأسلم، وقيل: لقي شافع النبي ◌َّ وهو مترعرع،
ولد بغزة سنة ١٥٠ هـ، على الأصح، وهي سنة وفاة أبي حنيفة، وتوفي آخر يوم من رجب ليلة
الخميس أو ليلة الجمعة سنة أربع ومئتين، ودفن بعد العصر يوم الجمعة بقرافة مصر، وعاش
أربعاً وخمسين سنة. انظر ترجمته في: ((المرقاة)) (١/ ٢٠)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٥/٩)،
و((سير أعلام النبلاء)) (١٠/ ٥)، و((تذكرة الحفاظ)) (١ / ٣٦١)، و«تاريخ بغداد)) (٢ / ٥٦ -
٧٣)، و(«البداية والنهاية)) (١٠ / ٢٥١)، و((أعلام المحدثين)) للمحقق (ص: ١٠٨).
(٢) هو الإمام الحافظ الحجة صاحب المذهب أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن
أسد الشيباني المروزي البغدادي، كان عربياً خالصاً من قبيلة شيبان، قدم به أبوه من مرو وهو
حمل، فوضعته أمه ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، ومات بها لاثنتي عشرة خلت
من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، قال الشافعي: خرجت
من بغداد وما خلفت بها أحداً أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل، قال أبو
زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه
الأبواب، وقال أيضا: حزرت كتبه اثني عشر حملاً أو عدلاً كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه،
وقال أبو داود السجستاني: كأن مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من
أمر الدنيا. انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب» (١ / ٥٧)، و((سير أعلام النبلاء)» (١١ / ١٧٧)،
و((تاريخ بغداد)) (٤١٢/٤ -٤٣٢)، و((المرقاة)) (١ / ٢٢)، و((أعلام المحدثين)) للمحقق
(ص: ١١٩).

١٥٠
المقدمات
وَأَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ(١)، وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ
السِّچِسْتَانِيِّ(٢)،
(١) هو الإمام الحافظ الحجة أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي
الضرير البوغي الترمذي، نسبة إلى ترمذ، واختلف في ضبطها كثيراً، والمعروف المشهور على
الألسنة كسر التاء والميم وبينهما راء ساكنة بوزن ((إثمد)) كما ضبطها صاحب ((القاموس))، وهي
مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، وتقع الآن بجنوب أوزبكستان قرب
الحدود الأفغانية، ولد سنة ٢٠٩هـ، وتوفي بترمذ سنة تسع وسبعين ومئتين. وله تصانيف كثيرة
في علم الحديث، انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (١٣ / ٢٧٠)، و((تهذيب التهذيب))
(٢٤٨/٥)، و((تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٦٣٤)، و((المرقاة)) (١ / ٢٣)، و((أعلام المحدثين)) للمحقق
(ص: ٢٢٤).
(٢) هو الإمام الحافظ الحجة أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني بكسر السين الأولى وتفتح
ويكسر الجيم وسكون السين الثانية بعدها تاء مثناة من فوقها وبعد الألف نون، نسبة إلى سجستان،
وهي بين هراة والسند قرب بلوجستان، وسجستان معرب سيستان، ولد في سجستان سنة ٢٠٢هـ،
لكن قضى جلّ أيام حياته في بغداد، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة ٢٧٥ هـ
عن ثلاث وسبعين سنة.
قال الذهبي: تفقه أبو داود بأحمد بن حنل ولازمه مدة، قال: وكان يشبه به، كما كان أحمد
يشبه بشيخه وكيع، وكان وكيع يشبه بشيخه سفيان، وكان سفيان يشبه بشيخه منصور، وكان
منصور يشبه بشيخه إبراهيم، وكان إبراهيم يشبه بشيخه علقمة، وكان علقمة يشبه بشيخه عبدالله
ابن مسعود ، وقال: كان يشبه عبدالله بن مسعود بالنبي ◌ّ في هديه ودله، انظر ترجمته
في: ((سير أعلام النبلاء)) (١٣ / ٢١١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢/ ٣٨٩)، و((تذكرة الحفاظ)»
(٢ / ٥٩١)، و((وفيات الأعيان)) (٢ / ٤٠٥)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢/ ٢٩٦)، و(«البداية
والنهاية)) (١١ / ٧٥)، و((المرقاة)) (١/ ٢٣)، و((أعلام المحدثين)) للمحقق (ص: ٢٠١).

١٥١
مقدمة المشكاة
وَأَّبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ النَّسَائِيِّ(١)، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ يِزِيدَ
ابْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِيِّ(٢)، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِبْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ(٣)، ...
(١) هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام ناقد الحديث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي
ابن سنان بن بحر بن دينار الخراساني النسائي صاحب السنن، نسبة إلى نسأ - بفتح النون والسين
المهملة وبعدها همزة-، وهي مدينة بخراسان، ولد سنة ٢١٥هـ، وتوفي في شعبان سنة ٣٠٣هـ،
وفي رواية أنه دفن في الرملة في فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر، وعاش ثمان
وثمانين سنة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (١٤ / ١٢٥)، و((تهذيب التهذيب))
(١/ ٢٨)، و(«تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٢٩٨)، و((وفيات الأعيان)) (١ / ٧٧)، و«المرقاة» (١ / ٢٤)،
و((أعلام المحدثين)) للمحقق (ص: ٢٥٠)، و((بستان المحدثين)) (ص: ١١١).
(٢) هو الحَافِظُ، الكَبِيرُ، الحُجَّةُ، المُفَسِّرُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ ابنِ مَاجَهْ القَزْوِيُّ، الربعي
بالولاء، مُصَنِّفُ (السَُّنِ))، وَ«التَّارِيخِ))، وَ«التَّفْسِيرِ))، وَالقَزْوِيُّ نسبة إلى قَزْوِينَ، وهي من أشهر
عراق العجم - أي: إيران -، وُلِدَ: سَنَةَ تِسْعِ وَمَثَتَيْنِ. ومَاتَ فِي رَمَضَانَ سَنَّةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ
وَمَنْتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَعَاشَ أَرْبَعاً وَسِتِّينَ سَنَّةً. انظر ترجمته في: (سير
أعلام النبلاء)) (١٣/ ٢٧٧)، و(«تهذيب التهذيب)) (٥ /٣٣٩)، و(«البداية والنهاية» (١١ / ٧١)،
و((وفيات الأعيان)) (٤/ ٢٧٩)، و((المرقاة)) (١ / ٢٥)، و((أعلام المحدثين)) للمحقق (ص: ٢٧٨)،
و((بستان المحدثين)) (ص: ١١٢)، و((العجالة النافعة)) (ص: ٢٨).
(٣) هو الإِمَامُ الحَافِظُ أَحَدُ الأَعْلاَمِ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنِ الفَضْلِ بْنِ بَهْرَامَ بنِ عَبْدِ اللهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ
الثَّمِيمِيُّ، ثُمَّ الدَّارِمِيُّ، السَمَرْ قَنْدِيُّ. وَدَارِمٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ بنِ حَنْظَلَةَ بنِ زَيدِ مَنَةَ بنِ تَمِيمٍ. وُلِد
سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِئَةٍ، عامَ توفي ابْنُ المُبَارَكِ، وتوفي سَنَةً خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمَثَينٍ، يَوْمَ
التَّروِيَّةِ بَعْدَ العَصرِ، وَدُفِنَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُّعَةِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَّةً. انظر ترجمته
في: ((سير أعلام النبلاء)) (١٢ / ٢٢٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩٤/٥)، و((تذكرة الحفاظ)»
(٢/ ٥٣٤)، و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٢٣٥)، و((شذرات الذهب)) (٢/ ١٣٠)، و((المرقاة))
(١ / ٢٥).

١٥٢
المقدمات
وَأَبِ الْحَسَنِ عَلِيٍّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ(١)، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ
الْبَيْهَقِيِّ(٢)، وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ(٣) وَغَيْرِهِمْ وَقَلِيلٌ
مَا هُوَ.
وقوله: (العبدري) منسوب إلى عبد الدار بن قصي، بطن مشهور من قريش،
(١) هو الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُجَوِّدُ، شَيْخُ الإِسلاَمِ، عَلَمُ الجِهَابِذَةِ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بِنُ عُمَرَ بنِ
أَحْمَدَ بنِ مَهْدِيٍّ بنِ مَسْعُودِ بنِ النُّعْمَانِ بنِ دِينَارٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، مِنْ أَهْلِ مَحَلَّةِ دَارِ القُطْنِ
بِبَغْدَادَ. أول من صنّف القراءات وعقد لها أبواباً. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَاكِمُ فِي كِتَابِ «مُزِّي
الأخبارِ): أَبُو الحَسَنِ صَارَ وَاحِدَ عَصْرِهِ فِي الِحِفْظِ وَالفَهْمِ وَالوَرَعِ، وَإِمَاماً فِي الْقُرَّاءِ وَالنَّحْوِيِّينَ.
وُلِدَ: سَنَ سِتُّ وَثَلاَثِ مِثَّةٍ، وَتُؤُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيسِ لِثَمَانِ خَلَوْنَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ مِنْ سَنَةٍ خَمْسٍ
وَثَمَانِينَ وَثَلاَثِ مثٍّ .
انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (١٦ / ٤٤٩)، و(«البداية والنهاية)) (١١ / ٣١٧)، و((وفيات
الأعيان)) (٣/ ٢٩٧)، و((المرقاة)) (١/ ٢٥)، و((تذكرة الحفاظ)) (٣/ ٩٩١)، و((العبر)) (٣/ ٢٨)،
و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٣٩٣).
(٢) هو الإِمَامُ الحَافِظُ، الثَّْتُ، الفَقِيْهُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ بنِ مُؤْسَى
البَيْهَقِيُّ، نسبة لبيهق على وزن صيقل بلد قرب نيسابور. وقال إمام الحرمين: ما من شافعي
إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرته لمذهبه
وأقاويله، صنف السنن الكبرى وغيرها من كتب الحديث، ولد فِي شَعْبَانَ سنة أربع وثمانين
وثلاث مئة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)»
(١٨/ ١٦٣)، و((وفيات الأعيان)) (١ / ٧٥)، و((المرقاة)) (١/ ٢٧)، و((تذكرة الحفاظ))
(٢/ ١١٣٢)، و((العبر)) (٣/ ٢٤٢)، و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٤٣٣).
(٣) هو الإِمَامُ، المُحَدِّثُ الشَّهِيرُ، أَبُو الحَسَنِ رَزِينُ بنُ مُعَاوِيَةَ بنِ عَمَّرٍ، أَبُو الحَسَنِ العَبْدَرِيُّ
الأَنْدَلُسِيُّ، السَّرَقُسْطِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ (تَجرِيدِ الصِّحَاحِ». تُؤُنِّيَ بِمَكَّةَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ
وَثَلاَئِينَ وَخَمْسٍ مِثَةٍ. ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠/ ٢٠٤).

١٥٣
مقدمة المشكاة
وَإِّي إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ؛ لِأَنَّهُمْ
قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنَا عَنْهُ. وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ وَالأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ
أَثَرَهُ فِيهَا، وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ غَالِباً عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ :
والدار صنم، وبه سمي عبد الدار.
وقوله: (وسردت الكتب والأبواب(١)) السرد: الخَرْز في الأديم، ونسج الدرع،
والتتابع في الكلام، وفي الصوم كما في حديث: (لم يكن ◌ّ يسرد الحديث سرداً)
أي: يتتابعه ويستعجل فيه، وحديث: (يسرد الصوم) أي: يواليه ويتتابعه، ويجيء
بمعنی جودة سیاق الحدیث أيضاً، يقال: فلان یسرد الحدیث، إذا كان جيد السياق له،
والمناسب للمقام إرادة هذا المعنى، يعني: لما رأيت الشيخ سرد الكتب(٢) والأبواب
واتخذ لها التراجم والعنوانات على الوجه اللائق المناسب اتَّبعته في ذلك من غير
تقدیم وتأخیر وتغییر وتبدیل .
واعلم أن من عادة المصنفين أن يتخذوا مبحثاً عاماً شاملاً لمباحث كثيرة تحته
كالجنس بالنسبة إلى الأنواع التي تحتها الأصناف ويعنونوه بالكتاب، والمباحث التي
تحته بالأبواب، والأصناف التي تحت الأنواع بالفصول، ككتاب الطهارة وأبواب الغسل
والوضوء والتيمم وفصل غسل الجنابة وغسل الجمعة مثلاً، لكن المصنف جعل الأبواب
منحصرة في الفصول ولم يذكر فيها شيئاً سوى ما في الفصول، فتدبر.
وقوله: (واقتفيت أثره فيها) الاقتفاء: الاتباع، والأثر بكسر الهمزة وسكون
المثلثة وبفتحهما: العلامة، وفي (الصراح) الأثر: نشان پا.
(١) أَيْ: أَوْرَدْتُهَا، وَوَضَعْتُهَا مُتَتَابِعَةً مُتَوَالِيَةً. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٣).
(٢) في المطبوعة: ((لما رتَّب الشيخ الكتب)).

١٥٤
المقدمات
أَوَّلُهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا وَإِنِ اشْتَرَكَ
فِيهِ الْغَيْرُ؛ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ.
وقوله: (أولها ما أخرجه الشيخان(١) ... إلخ) هذا على زعم الشيخ، مع كونه
كثيراً غالباً، وكون خلافه كما فعل المؤلف نادراً قليلاً.
وقوله: (لعلو درجتهما في الرواية) أي: فلا يُحتاج في أصل الصحة إلى نسبة
الحديث مع وجودهما إلى غيرهما، مع ما فيه من الاختصار والاقتصار على المقصود،
فلا يرد ما قيل: لو ذكر المصنف غير الشيخين أيضاً لكان أولى وأحرى؛ لأنه وإن لم
يكن محتاجاً إليه في أصل الصحة ولكن يحتاج في الترجيح؛ لأن كثرة الروايات من
وجوه الترجيحات.
واعلم أن ما أخرجه الشيخان معاً يسمى حديثاً متفقاً عليه في اصطلاح المحدثين
لكن بشرط أن يروياه من صحابي واحد، ولو روى أحدهما من صحابي والآخر من
صحابي آخر لا يسمى متفقاً عليه في الاصطلاح، صرح به الشيخ ابن حجر في (شرح
(١) والمراد بالشيخين فِي اصْطِلاَحِ الْمُحَدِّثِينَ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: أبو حنيفة
وأَبُو يُوسُفَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وأما الإخراج والتخريج فهو إيراد المحدث
الحديث بسنده في كتابه، ويقال له الرواية أيضاً، فلا يقال في حق أحد ممن جمع الأحاديث
في مؤلفاتهم ونقلوها من كتب الأصول كالبغوي في (المصابيح)) والخطيب في ((المشكاة)) وابن
الأثير في ((جامع الأصول)) وأمثالهم، قال الجزائري في ((توجيه النظر)) (١ / ٣٤٩): أما التخريج
فيطلق على معنيين: أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، وأكثر ما تقع هذه العبارة
للمغاربة، والأولى أن يقولوا: الإخراج كما يقوله غيرهم، الثاني: عزو الأحاديث إلى من
أخرجها من الأئمة، ومنه قيل: ((خرج فلان أحاديث كتاب كذا))، و((فلان له كتاب في تخريج
أحاديث الإحياء))، ونحو ذلك، انتهى. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١/ ٣٣)، و((مرعاة المفاتيح))
(١ / ٢٣).

١٥٥
مقدمة المشكاة
وَثَانِيهَا: مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ.
وَثَالِثُهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ
عَلَى الشَّرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْتُوراً عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدْتَ
حَدِيثاً فِي بَابٍ؛ فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرٍ أُسْقِطُهُ
نخبة الفكر).
وقوله: (مع محافظة على الشريطة) وهي التزام ذكر الصحابي والمخرج في كل
حديث، وهذا الفصل الثالث زيادة من المصنف وليس مذكوراً في (المصابيح)، وإنما
المذكور فيه هو القسم الأول والثاني، وذلك أيضاً ليس معنوناً بعنوان الفصل بل عنون
القسم الأول بقوله: من الصحاح، والثاني بقوله: من الحسان، وتسميته بالحسان
اصطلاح جديد من محبي السنة وإلا ففيه من صحاح الحديث أيضاً، أو هو تغليب.
وقوله: (ثم إنك إن فقدت حديثاً - إلى قوله : - وإن عثرت) شرع في بيان بعض
تصرفاته وأعماله في الكتاب، (ثم) ههنا للتراخي في الرتبة والتكلم؛ أي: بعد ما سمعت
من المقدمات، اعلم أنه قد يوجد حديث في باب المذكور في (المصابيح) ولم أذكره
لكونه وقع مكرراً فيه فأسقطته لأجل التكرار، وقد يكون حديث اختصره الشيخ فأتركه
أنا أيضاً على اختصاره، وقد أضم إليه في بعض المواضع بقية الحديث، وذلك لشيء
يدعوني إما إلى تركه على اختصاره أو إلى ضم بقيته إليه، أما الداعي إلى الاختصار
فكما يكون جزء من حديث مناسباً للباب دون باقي أجزائه أو يكون جزءاً مناسباً لهذا
الباب وجزءاً آخر مناسباً لباب آخر فأختصر وأقتصر على جزءٍ منها في هذا الباب،
وأذكر جزءاً آخر في ذلك الباب، وما لم يَجمع من الحديث بين هذين الوصفين
ألحقت معه باقیه .

١٥٦
المقدمات
وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكاً عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُوماً إِلَيْهِ تَمَامُهُ؛
فَعَنْ دَعِ اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ وَأُلْحِقُهُ، وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ
ذِكْرٍ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِي؛ فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي
كِتَابَيٍ ((الْجمع بين الصحيحن)) لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ(جَامِعَ الأُصُولِ))؛
وقوله: (بعضه) بدل من قوله: (آخر)، والضمير في (اختصاره) للحديث، وهو
الأظهر، وقد يجعل لمحبي السنة وفيه من تفكيك الضمير ما لا يخفى.
وقوله: (وإن عثرت على اختلاف في الفصلين - إلى قوله : - وإن رأيت)، شرح
هذا الكلام يستدعي بسطاً في الكلام، فاعلم أن المصنف يقول: قد تقرر أن ما أورده
الشيخ محيي السنة - رحمه الله - من الأحاديث في القسم الأول فهو من الشيخين، منهما
أو من أحدهما، وما أورد في القسم الثاني فهو من غيرهما من الأئمة المذكورين .
وقد يذكر الشيخ حديثاً في الأول ونسبتُّه أنا إلى غير الشيخين، وذلك مذكور
في مواضع كما في الفصل الأول من (باب سنن الوضوء)، ومن (باب فضائل القرآن)
وغيرهما، ونسبت بعض أحاديث القسم الثاني إلى الشيخين كما في الفصل الثاني من
(باب ما يقرأ بعد التكبير) و(باب الموقف) وغيرهما، فاعلم أن عذري في ذلك ودليلي
عليه أني تتبعت كتابين جُمع فيهما أحاديث الشيخين، أحدهما كتاب (الجمع بين
الصحيحين) للحميدي(١)، والثاني (جامع الأصول) لابن الأثير الجزري(٢)، ولم أقتصر
(١) هو الإِمَامُ القُدْوَةُ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي نَصْرٍ فُتُوح بن عَبْدِاللهِ بنِ فُتُوحٍ بِنِ حُمَيْدٍ
الأَزْدِيُّ الحُمَيْدِيُّ، صَاحِبُ (الجَمعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ)). ولد قَبْل سَنَة عِشْرِينَ وَأَرْبَعٍ مِئَةٍ،
وتُؤُفِّيَ فِي سَابعِ عَشر ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِ مِثَةٍ. انظر: ((سير أعلام النبلاء))
(١٩/ ١٢٦)، و((تذكرة الحفاظ)) (٤ /١٢١٨)، و ((الكامل في التاريخ)) (١٠ / ٢٥٤).
(٢) هو الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد المشهور بابن الأثير الجزري، ولد =

١٥٧
مقدمة المشكاة
في معرفة أحاديث الشيخين على تتبع هذين الكتابين، بل اعتمدت على صحيحي
الشيخين ومتنيهما؛ أي: أصلي كتابيهما ونفسيهما دون (الجمع بين الصحيحين) و(جامع
الأصول) المشتملين عليهما المغايرين لهما كالشرحين لهما، فما وجدت من الأحاديث
للشيخين في الكتابين المذكورين وفي أصلي صحيحهما نسبتها إليهما، وما لم أجد
لم أنسب إليهما وإن كان مخالفاً لما ذكره الشيخ محيي السنة، وهذا ادِّعاء منه كمال
التتبع والتصفح لأحاديث الشيخين، يعني: أني لو اقتصرت على تتبع الكتابين وقلت:
ليس هذا الحديث للشيخين، لكان لقائل أن يقول: لعله يكون في متني صحيحهما،
ولو اقتصرت على تتبع متني صحيحهما يقال: لعله يوجد في كتابي (الجمع بين
الصحيحن) و(جامع الأصول)، فتتبعت الكل ليحصل الوثوق والاعتماد في هذه
النسبة على وجه الكمال، ولم يبق لأحد مجال المقال.
هذا ولكن لا يخفى أن تتبع الصحيحين ومتنيهما و(الجمع بين الصحيحين)
و(جامع الأصول) إنما يفيد معرفة أحاديث الشيخين وذكرهما في الفصل الثاني، وأما
ذكر غير الشيخين في الفصل الأول فلابد من تتبع كتب الآخرين من الأئمة وتصفح
سنتهم لتُعرف أحاديثهم، فيُذكرون في الفصل الأول، وغاية ما يعرف من تتبع الصحيحين
وأختيهما عدمُ كون الحديث المذكور في الفصل الأول منهما، وأما كونه من غيرهما
من الأئمة فلابد فيه من تتبع كتبهم كما لا يخفى، ولعل المصنف لم يتعرض لها لظهور
المراد ووضوح المقصود، ولأن مطمح نظره إظهار المخالفة مع الشيخ في النسبة إلى
= سنة ٥٤٤ هـ، وتوفي سنة ٦٠٦هـ. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٢١/ ٤٨٨)، و((العبر))
(١٩/٥)، و((الكامل في التاريخ)) (١٢ / ١٢٠).

١٥٨
المقدمات
اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَي الشَّيْخَيْنِ وَمَنْنَيَّهِمَا، وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلاَفاً فِي نَفْسٍ
الْحَدِيثِ؛ فَذَلِكَ مِنْ تَشَغُّبِ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ
الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ ﴿ه، وَقَلِيلاً مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ
فِي كُتُبِ الأَصُولِ أو وَجَدْتُ خِلاَفَهَا فِيهَا، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ.
الشيخين، فافهم وبالله التوفيق.
وقوله: (وإن رأيت اختلافاً في نفس الحديث ... إلخ) أي: إن وجدت حديثاً
أورده محبي السنة بلفظ، وأنا أوردته بلفظ آخر، (فذلك) الاختلاف ناش (من تشعب
طرق الأحاديث) وتعدد أسانيدها، فاللفظ الذي أورده الشيخ جاء بطريق، واللفظ الذي
أوردته أنا جاء من طريق آخر، ولما كان ههنا محلٌّ أن يقال: فَلِمَ لم تورد بلفظ الشيخ
ولِمَ اخترت هذا اللفظ؟ قال في جوابه: (ولعلي ما اطلعت على تلك الرواية التي سلك
طريقها الشيخ)، فلما لم أطلع كيف أوردها؟ وههنا احتمال آخر وهو أنه اطلع عليها،
ولكن كان الطريق الذي أوردها المؤلف أسلم وأقوى، ولم يذكره اكتفاءً وتواضعاً مع
الشیخ واعترافاً بعدم علمه واطلاعه.
ثم الظاهر أن يقول: تشعب طرق الحديث؛ أي: هذا الحديث له طرق وروايات
متعددة، وكأنه أراد بالأحاديث: الروايات لهذا الحديث أو المعنى، فذلك من تشعب
الطرق التي تكون للأحاديث، وما نحن فيه من هذا الباب، أو لأنه لم ينحصر ذلك في
حديث واحد بل في أحاديث متعددة فجمع لهذا الاعتبار، فافهم.
وقوله: (في كتب الأصول) المراد بها كتب الأئمة ومؤلفاتهم التي هي أصول
الروايات ومعادنها .
وقوله: (فإذا وقفت عليه) أي: على قولي هذا المنبئ عن نسبة شيء من الخطأ

١٥٩
مقدمة المشكاة
فَانْسِبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ، لاَ إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ رَفَعَ اللهُ قَدْرَهُ فِي
الدَّارَيْنِ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
والاشتباه ونحوهما إلى الشيخ وقلة تصفحه.
وقوله: (لا إلى جناب الشيخ) في (القاموس)(١): الجناب: الفناء، وفي
(الصراح)(٢): جناب بالفتح دركاه، والعرب إذا أرادوا أن يذكروا اسم أحد من العظماء
بالتعظيم والاحترام أضافوا الجناب إليه، كأنه لا يمكن ذكر اسمه لعلو قدره إلا اسم
جنابه و عتبته .
وقوله: (حاشا لله من ذلك) في (القاموس)(٣): حاش لله؛ أي: تنزيهاً له،
ولا يقال: حاش لك بل حاشاك وحاشا لك.
اعلم أن للنحاة خلافاً في معنى هذه الكلمة وفي أنها اسم أو فعل أو حرف، فقال
بعضهم: الصحيح أنه اسم مرادف للتنزيه بدليل أن بعض القراء قرأ في ﴿حَشَ للَّهِ﴾
[يوسف: ٣١، ٥١] الواقع في سورة يوسف: (حاشاً لله) بالتنوين، وبعضهم قرأ بالإضافة:
(حاش اللهِ)، واللام في (الله) للبيان؛ أي: لبيان المنزه والمبرئ على صيغة اسم الفاعل،
كأنه قال: براءة وتنزيه، ثم قال: لله؛ أي: هذه البراءة والتنزيه الله؛ أي: المنزِّه والمبرئ
الله، وهذه اللام مثل اللام في سقياً لك وهنيئا لك.
فحاصل المعنى على هذا القول: الشيخُ منزّه ومبرأ عن أن يُنسب القصور وقلة
الدراية إليه، وهذا التنزيه والتبرئة الله؛ أي: هو المنزِّه والمبرئ، وحينئذ وإن كان الظاهر
(١) (ص: ٧٨).
(٢) (ص: ٢٢).
(٣) (ص: ٥٤٧).

١٦٠
المقدمات
رَحِمَ اللهُ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا طَرِيقَ
الصَّوَابِ ..
أن يقول: الله بلا لام لكن أدخل اللام ليفيد معنى الاختصاص كأنه قال: تنزيهه عن ذلك
مخصوص بالله تعالى وله تنزيهه ولا ينبغي لغيره، وفيه تعظيم وتنزيه لهذا التنزيه.
ويحتمل أن يكون حاصل المعنى على هذا القول: أقول في حقه: التنزيه الله
ولوجهه خالصاً لا لأمر آخر، وفيه أيضاً من المبالغة ما لا يخفى.
وقال بعضهم: (حاشا) فعل، وفسروا قوله تعالى: ﴿حَشَ﴾ أي: جانب يوسف
الفاحشة، وجعلوا اللام في ﴿اللَّهِ﴾ بمعنى الأَجْل؛ أي: جانب يوسف الفاحشة لأجل الله
ولوجهه ورضاه لا لغرض آخر .
وعلى هذا القول حاصل المعنى في عبارة (المشكاة) يرجع إلى أنه: جانَبَ الشيخ
محيي السنة ذلك القصور لأجل الله، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد أني
إنما قلت: (حاشا) في شأنه لله لا لغرض آخر، وقال قوم: حاشا اسم فعل؛ أي: أبرئ
أو أبرأت.
وأما القائلون بكونه حرفاً فإنما يقولون به في مقام الاستثناء، ولا يستقيم معنى
الاستثناء ههنا، فتدبر، كذا ذكر الأمير جمال الدين رحمه الله(١) .
وقوله: (وقف على ذلك) أي: على ما ذكر الشيخ من الرواية ولم أجده.
وقوله: (نبهنا عليه) التنبيه إن حمل على حقيقته اختص بزمان حياة المصنف وإلا
فالمراد به إصلاح الكتاب على سبيل المحو والإثبات والتبديل والتحويل وتعليق الحواشي
عليه، وهو صحيح على طريق المجاز.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٦).