النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث ...
* [أصح الأَسَانِيد]:
وأما إطلاق ((أصح الأسانيد)) على سند مخصوص على الإطلاق ففيه اختلاف.
فقال بعضهم: أصح الأسانيد: زين العابدين عن أبيه عن جده.
وقيل: مالك عن نافع عن ابن عمر .
وقيل: الزهري عن سالم عن ابن عمر.
والحق أن الحكم على إسناد مخصوص بالأصحية على الإطلاق غير جائز، إلا
أن في الصحة مراتب عُليا، وعدة من الأسانيد تدخل فيها، ولو قُيّد بقيد بأن يقال:
أصح أسانيد البلد الفلاني، أو في الباب الفلاني، أو في المسألة الفلانية، يصح، والله
أعلم(١).
فَضْے
* [اصْطِلاَحَات الثِّرْمِذِيّ]:
من عادة الترمذي أن يقول في (جامعه): حديث حسن صحيح، حديث غريب
حسن، حديث غريب صحيح، ولا شبهة في جواز اجتماع الحسن والصحة بأن يكون
حسناً لذاته وصحيحاً لغيره، وكذلك في اجتماع الغرابة والصحة كما أسلفنا.
* [إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]:
وأما اجتماع الغرابة والحسن فيستشكلونه بأن الترمذي اعتبر في الحسن تعدد
الطرق، فكيف يكون غريباً؟.
(١) انظر: ((ظفر الأماني) (ص: ١٣٥).

١٢٢
المقدمات
* [جَوَاب الإِشْكَال]:
ويجيبون بأن اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق بل في قسم منه،
وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة فالمراد به قسم آخر (١).
وقال بعضهم: إنه أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء في بعض الطرق
غريباً، وفي بعضها حسناً.
وقيل: الواو بمعنى ((أو)) بأنه يشك ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم معرفته
جزماً.
وقيل: المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحي بل اللغوي بمعنى: ما يميل
إليه الطبع، وهذا القول بعيد جداً.
فَضْلُ
* [الإِحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]:
الاحتجاج في الأحكام بالخبر الصحيح مجمع عليه، وکذلك بالحسن لذاته عند
عامة العلماء، وهو ملحق بالصحيح في باب الاحتجاج، وإن كان دونه في المرتبة،
والحديث الضعيف الذي بلغ بتعدد الطرق مرتبة الحسن لغيره أيضاً محتج.
* [الإِحْتِجاج بالضعيف]:
وما اشتهر أن الحديث الضعيف معتبر في فضائل الأعمال لا في غيرها، المراد
مفرداتُه لا مجموعُها؛ لأنه داخل في الحسن لا في الضعيف، صرح به الأئمة، وقال
(١) انظر: ((توجيه النظر)) (ص: ٣٨٨).

١٢٣
مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث ...
بعضهم: إن كان الضعيف من جهة سوء حفظ أو اختلاط أو تدليس مع وجود الصدق
والديانة ينجبر بتعدد الطرق، وإن كان من جهة اتهام الكذب أو الشذوذ أو فُحْشِ الخطأ
لا ينجبر بتعدد الطرق، والحديث محكوم عليه بالضعف، ومعمول به في فضائل
الأعمال، وعلى مثل هذا ينبغي أن يحمل ما قيل: ((إن لحوق الضعيف بالضعيف
لا يفيد قوة)) وإلا فهذا القول ظاهر الفساد، فتدبر.
فَضْلُ
: [صَحِيحِ البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]:
لما تفاوتت مراتب الصحيح، والصحاح بعضها أصح من بعض، فاعلم أن الذي
تقرر عند جمهور المحدثين أن (صحيح البخاري) مقدم على سائر الكتب المصنفة،
حتى قالوا: أصح الكتب بعد كتاب الله (صحيح البخاري).
* [وَجه تَرْجِيحِ صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]:
وبعض المغاربة رجحوا (صحيح مسلم) على (صحيح البخاري)، والجمهور
يقولون: إن هذا فيما يرجع إلى حسن البيان وجودة الوضع والترتيب ورعاية دقائق
الإشارات ومحاسن النكات في الأسانيد، وهذا خارج عن المبحث، والكلام في
الصحة والقوة وما يتعلق بهما، وليس كتاب يساوي (صحيح البخاري) في هذا الباب
بدليل كمال الصفات التي اعتبرت في الصحة في رجاله، وبعضهم توقف في ترجيح
أحدهما على الآخر، والحق هو الأول.
[الْمُتَّفق عَلَيْهِ]:
والحديث الذي اتفق البخاري ومسلم على تخريجه يسمى متفقاً عليه، وقال

١٢٤
المقدمات
الشيخ(١): بشرط أن يكون عن صحابي واحد.
* [عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفْقِ عَلَيْهَا]:
وقالوا: مجموع الأحاديث المتفق عليها ألفان وثلاث مئة وستة وعشرون.
[دَرَجَات الصِّحَاح]:
*
وبالجملة :
١ - ما اتفق عليه الشيخان مقدم على غيره.
٢ - ثم ما تفرد به البخاري.
٣ - ثم ما تفرد به مسلم.
٤ - ثم ما كان على شرط البخاري ومسلم.
٥ - ثم ما هو على شرط البخاري.
٦ - ثم ما هو على شرط مسلم.
٧ - ثم ما رواه غيرهم من الأئمة الذين التزموا الصحة وصححوه، فالأقسام
سبعة .
؛ [معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم] :
والمراد بشرط البخاري ومسلم أن يكون الرجال متّصفين بالصفات التي يتصف
بها رجال البخاري ومسلم من الضبط والعدالة وعدم الشذوذ والنكارة والغفلة.
وقيل: المراد بشرط البخاري ومسلم رجالهما أنفسهم.
(١) أي: ابن حجر العسقلاني.

١٢٥
مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث ...
والكلام في هذا طويل ذكرناه في مقدمة (شرح سفر السعادة).
فَضْے
[الْبُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]:
*
الأحاديث الصحيحة لم تنحصر في صحيحي البخاري ومسلم، ولم يستوعبا
الصحاح كلّها بل هما منحصران في الصحاح، والصحاح التي عندهما وعلى شرطهما
أيضاً لم يورداها في كتابيهما فضلاً عما عند غيرهما. قال البخاري(١): ما أوردت في
كتابي هذا إلا ما صحّ، ولقد تركت كثيراً من الصحاح، وقال مسلم(٢): الذي أوردت
في هذا الكتاب من الأحاديث صحيح، ولا أقول: إن ما تركت ضعيف، ولابدّ أن
يكون في هذا الترك والإتيان وجهُ تخصيص الإيراد والترك، إما من جهة الصحة أو من
جهة مقاصد آخر.
* [مُسْتَدْرك الْحَاكِم]:
والحاكم(٣) أبو عبد الله النيسابوري صنف كتاباً سماه (المستدرك) بمعنى أن
(١) انظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ١٩)، و(تدريب الراوي)) (١ / ٥٥)، و((هدي الساري))
(ص: ٥)، و((توضيح الأفكار)) (١/ ٥٤).
(٢) انظر: ((صحيح مسلم)) (رقم: ٩٣٢).
(٣) هو الإمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدثين أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن
حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري، الشهير بالحاكم، المعروف بابن البيع. ولد سنة
٣٢١ هـ، وتوفي سنة ٤٠٥هـ. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء)» (١٧ / ١١٢)، و((طبقات
الحفاظ)» (ص: ٤٠٩)، و((تاريخ بغداد)) (٥/ ٤٧٣)، و(«تذكرة الحفاظ)) (١٠٣٩/٣)، =

١٢٦
المقدمات
ما تركه البخاري ومسلم من الصحاح أورده في هذا الكتاب، وتلافى واستدرك بعضها
على شرط الشيخين، وبعضها على شرط أحدهما، وبعضها على غير شرطهما، وقال:
إن البخاري ومسلماً لم يحكما بأنه ليس أحاديث صحيحة غير ما خرجاه في هذين
الكتابين، وقال: قد حدث في عصرنا هذا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن
على أئمة الدين بأن مجموع ما صح عندكم من الأحاديث لم يبلغ زهاء عشرة آلاف،
ونقل عن البخاري أنه قال: حفظت من الصحاح مئة ألف حديث، ومن غير الصحاح
مئتي ألف.
والظاهر - والله أعلم - أنه يريد الصحيح على شرطه، ومبلغُ ما أورد في هذا
الكتاب مع التكرار سبعة آلاف ومئتان وخمس وسبعون حديثاً، وبعد حذف التكرار أربعة
آلاف.
* [صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]:
ولقد صنف الآخرون من الأئمة صحاحاً مثل (صحيح ابن خزيمة) (١) الذي يقال
له: إمام الأئمة، وهو شيخ ابن حبان، وقال ابن حبان في مدحه: ما رأيت على وجه
الأرض أحداً أحسن في صناعة السنن وأحفظ للألفاظ الصحيحة منه، كأن السنن
والأحاديث کلّها نصب عينه.
= و ((علم رجال الحديث)) (ص: ٢٨٧).
(١) هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه إمام الأئمة شيخ الإسلام محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر
السلمي النيسابوري الشافعي، صاحب التصانيف. ولد سنة ٢٢٣هـ وتوفي سنة: ٣١١هـ. انظر
ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (١٤ / ٣٦٥)، و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٣١٠)، و((طبقات
الشافعية)) (١٠٩/٣)، و((علم رجال الحديث)) (ص: ٢٨٠).

١٢٧
مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث ...
* [صَحِيحِ ابْن حبَان]:
ومثل (صحيح ابن حبان)(١) تلميذ ابن خزيمة، ثقة ثبت فاضل إمام فَهَّام، وقال
الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم واللغة والحديث والوعظ، وكان من عقلاء
الرجال.
* [َصَحِيح الْحَاكِمِ (الْمُسْتَدْرِك)]:
ومثل صحيح الحاكم أبي عبدالله النيسابوري الحافظ الثقة المسمى بـ (المستدرك)،
وقد تطرق في كتابه هذا التساهلُ وأخذوا عليه، وقالوا: ابن خزيمة وابن حبان أمكن
وأقوى من الحاكم، وأحسن وألطف في الأسانيد والمتون.
* [المختارة للمقدسي]:
ومثل (المختارة) للحافظ ضياء الدين المقدسي(٢)، وهو أيضاً خرج صحاحاً
ليست في الصحيحين وقالوا: كتابه أحسن من (المستدرك).
(١) هو الإمام الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد
التميمي البستي، صاحب الكتب المشهورة، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين، وتوفي سنة
٣٥٤هـ، انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (١٦ / ٩٢)، و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٣٧٤)،
و((تذكرة الحفاظ)) (٣/ ٩٢٠)، و((النجوم الزاهرة)) (٣/ ٣٤٢)، و((علم رجال الحديث))
(ص: ٢٨٢).
(٢) هو الإمام الحافظ الحجة أبو عبدالله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن
السعدي، المقدسي الأصل، الصالحي الحنبلي، صاحب التصانيف النافعة والرحلة الواسعة،
ولد سنة ٥٦٩هـ، وتوفي سنة ٦٤٣هـ، من تصانيفه المشهورة ((فضائل الأعمال)) و((الأحاديث
المختارة)) و((مناقب المحدثين)) و((فضائل الشام)) وغير ذلك. انظر ترجمته في: ((سير أعلام
النبلاء)) (١٢٦/٢٣)، و((ذيل التقييد في رواة السند والأسانيد)) (١/ ١٧٠)، و((تذكرة الحفاظ))
(٤ / ١٤٠٥)، و((النجوم الزاهرة)) (٦/ ٣٥٤).

١٢٨
المقدمات
[صِحَاح أُخْرَى]:
*
ومثل صحيح أبي عوانة (١) وابن السكن(٢) و(المنتقى) لابن جارود(٣).
وهذه الكتب كلها مختصة بالصحاح، ولكن جماعة انتقدوا عليها تعصباً أو
إنصافاً، وفوق كل ذي علم عليم، والله أعلم.
فَصْلُ
* [الْكتب السِّنّة]:
الكتب الستة المشهورة المقرّرة في الإسلام التي يقال لها (الصحاح الست) هي :
(١) هو الإمام الحافظ الكبير أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ثم الإسفرائيني،
صاحب ((المسند الصحيح)) الذي خرجه على ((صحيح مسلم))، مولده بعد الثلاثين ومئتين،
وتوفي سنة: ٣١٦هـ، قال الحموي: أحد حفاظ الدنيا، وسافر في طلب الحديث إلى البلاد
الشاسعة. انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (١٤ / ٤١٧)، و((طبقات الحفاظ))
(ص: ٣٢٧)، و((تذكرة الحفاظ)) (٣/ ٧٨٠)، و((شذرات الذهب)) (٢/ ٢٧٤)، و((معجم
البلدان)) (١ / ١١٧).
(٢) هو الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي، ولد سنة ٢٩٤هـ،
وتوفي سنة ٣٥٣هـ، وصنف ((الصحيح المنتقى))، انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء))
(١٦ / ١١٧)، و((طبقات الحفاظ)) (ص: ٣٧٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (٣/ ٩٣٧)، و((شذرات
الذهب» (٣/ ١٢).
(٣) هو الإمام الحافظ الناقد عبدالله بن علي بن الجارود، أبو محمد النيسابوري، المجاور بمكة،
ولد في حدود الثلاثين ومئتين، وتوفي سنة سبع وثلاث مئة، انظر: ((سير أعلام النبلاء))
(١٤ / ٢٣٩) .

١٢٩
مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث ...
١ - صحيح البخاري، ٢ - وصحيح مسلم، ٣ - والجامع للترمذي، ٤ - والسنن لأبي
داود، ٥ - والنسائي، ٦ - وسنن ابن ماجه، وعند البعض (الموطأ) بدل ابن ماجه،
وصاحب (جامع الأصول) اختار (الموطأ).
• [أَحَادِيث الْكُتب الأَرْبَعَة]:
وفي هذه الكتب الأربعة(١) أقسام من الأحاديث من الصحاح والحسان والضعاف،
وتسميتها بـ (الصحاح الست) بطريق التغليب.
[اصْطِلاَحِ الْبَغَوِيّ]:
وسمى صاحب (المصابيح) أحاديث غير الشيخين بالحسان، وهو قريب من هذا
الوجه، قريب من المعنى اللغوي، أو هو اصطلاح جديد منه.
* [کتاب الدَّارمِيّ]:
وقال بعضهم: كتاب الدارمي أحرى وأليق بجعله سادس الكتب؛ لأن رجاله
أقلّ ضعفاً، ووجود الأحاديث المنكرة والشاذة فيه نادر، وله أسانيد عالية، وثلاثياته
أکثر من ثلاثيات البخاري.
وهذه المذكورات من الكتب أشهر الكتب، وغيرها من الكتب كثيرة شهيرة.
: [مصَادر السُُّوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]:
ولقد أورد السيوطي(٢) في كتاب (جمع الجوامع) من كتب كثيرة تتجاوز خمسين،
(١) أي: سنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه.
(٢) هو الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي الشافعي،
صاحب التصانيف الكثيرة، ولد سنة: ٨٤٩هـ، وتوفي سنة: ٩١١هـ - ١٥٠٥م، انظر: ((البدر
الطالع)» (١/ ٣١١)، و((الضوء اللامع)) (٢ / ٢٣١)، و((الأعلام)) (٣/ ٣٠١).

١٣٠
المقدمات
مشتملة على الصحاح والحسان والضعاف، وقال: ما أوردت فيها حديثا موسوماً بالوضع
اتفق المحدثون على تركه ورده، والله أعلم.
* [جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنین]:
وذكر صاحب (المشكاة) في ديباجة كتابه جماعة من الأئمة المتقنين وهم:
البخاري، ومسلم، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل،
والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي،
ورزين، وأجمل في ذكر غيرهم، وكتبنا أحوالهم في كتاب مفرد مسمّى بـ (الإكمال
بذكر أسماء الرجال)، ومن الله التوفيق وهو المستعان في المبدأ والمآل.

هَالَّـ
مُقَدِّمَةُ الِمِشْكَاةِ
الْحَمْدُ لله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ،
قوله: (الحمد لله) أتى بالحمد بعد التسمية اقتداء بكتاب الله، بل نقول: امثالاً
لأمره سبحانه بناءً على ما قيل: إن فاتحة الكتاب تعليم من الله تعالى للعباد بأن يحمدوه
على صفات كماله، ويشكروه على عظيم نواله، ويبتدؤوا به في عزائم أمورهم في كل
حال وفي كل حين، وهو الموجب لورود الحديث بالابتداء به والوعيد على تركه،
والتزام السلف تصدير كتبهم به، ولذا أتى بلفظ (الحمد لله)، ثم الظاهر أنه محمول
ههنا على حقيقة الإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد، واختصاصه به، وإنشاؤه إنما هو
بقوله: (نحمده) وإلا يلزم التكرار، يعني أنه تعالى لما كان مستحقاً للحمد بالذات،
وكان ثابتاً له دائماً، سواء كان من العباد أو منه على ذاته المقدسة في الكلام القديم،
أو ببث الآيات(١) وإظهار الكمالات وإفاضة الآلاء وإسباغ النعماء، وقد أمرنا به،
فلابدّ أن نحمده، ويجوز أن يحمل على الإنشاء، ويتجدد فائدةُ قوله: (نحمده) بعطف
(نستعينه ونستغفره) عليه .
ولفظ الجمع في نحمده وما عطف عليه لنفسه ولجميع أفراد النوع الإنساني معه،
بل لجميع الخلق الجسماني والروحاني الحامدين لربهم بلسان القال والحال، ﴿وَإِن
مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهْدِهِ ﴾ [الإسراء: ٤٤] إشارة إلى أن هذا الأمر العظيم لا يتيسر من واحد
(١) كذا في (ب)، وفي (ر): ((وإثبات الآيات)).

١٣٢
المقدمات
وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَبََّتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ
لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ.
من أفراد النوع الإنساني حتى يجتمعوا بل ومن عداهم من الخلائق أجمعين، ومع
ذلك نحتاج إلى إعانته تعالى وتأييده وتيسيره، ونتبرأ من حولنا وقوتنا، ونستغفر من
تقصيراتنا في أداء ذلك كما هو حقه من الصدق والإخلاص، وكما يليق بجناب قدسه
و کبریائه، ويناسب کمال عظمته وتواتر آلائه.
ثم أكده بقوله: (نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) بأن يراد بها
إثبات الحول والقوة وشوب الرياء والسمعة في حمد ذاته العظيمة وشكر نعمائه الجسيمة،
أو الاشتغال بغير حمده وشكره مع تواتر الآلاء ودوام النعماء والغفلة عن ذكره ومراقبته
تعالى مع كونه حاضراً ناظراً دائماً.
ويجوز أن يراد بها التصدي للتصنيف في علم الحديث مع قصور في تجريد
الإخلاص وتصحيح النية، أو تقصير في أداء حق الشكر على هذه النعمة الجزيلة، أو
التكلم بالباطل وما لا يعني؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ ﴾ [ق: ١٨]،
أو يكون المراد أعم من ذلك، من ارتكاب المحرمات والمكروهات والتهاونٍ في أداء
العبادات والطاعات مطلقاً.
ولما أضاف الشر والسوء إلى نفسه باعتبار الفعل والكسب أشار إلى أن الكل
بخلق الله، وأن القدر خيره وشره منه تعالى، ومنه الهداية والإضلال فقال: (من
يهده(١) الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) وهذا الكلام وإن كان خبراً عن
(١) قال القاري: إنَّ الضَّمِيرَ الْبَارِزَ ثَابِتٌ فِي ((يَهْدِهِ)، وَأَمَّا فِي («يُضْلِلْ)) فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ،
وَهُوَ عَمَلٌ بِالْجَائِزَيْنِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٨/١).

١٣٣
مقدمة المشكاة
بيانه الواقع وإثبات توحده وتفرده سبحانه بالهداية والإضلال، لكنه في المعنى طلبٌ
وسؤال للهداية منه تعالى والحفظ والوقاية عن الإضلال كأنه قال: أنت الهادي وأنت
المضلّ، لا إله إلا أنت، فاهدنا ولا تضلّنا، فإنك قادر على ما تشاء.
ثم الهداية لها معنيان، أحدهما: الدلالة وبيان الطريق الموصل وتعليم علاماتها
وكيفية سلوكها، وهذا الذي يسند إلى القرآن والرسول كالضلالة إلى الأصنام والشيطان،
وثانيهما: الدلالة الموصلة والإيصال إلى المقصد، وهذا فعل الله تعالى دون غيره
تعالی، وهو المراد ههنا.
ولما ورد في الحديث: (كل خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء)، رواه
الترمذي(١)، وقال: هذا حديث حسن، ورواه أبو داود وسكت عليه، أورد الشهادتين،
ووصف الشهادة بكونها وسيلةً للنجاة عن عذاب النار وسخط الله والبعد عن جناب
قربه تعالى، وكفيلةً لرفع درجات الجنة وقرب الله تعالى ورضاه، وهي التي تكون
بالصدق والإخلاص ومواطأة القلب باللسان مع الاستقامة عليها إلى وقت الموت،
كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدّمُواْ﴾ [الأحقاف: ١٣].
وإيراد صيغة الجمع في الحمد والاستعانة والاستغفار، ولفظ الواحد في الشهادة؛
لأن الأول مقام الفرق وملاحظة الكثرة برؤية الآلاء والتقصيرات والذنوب، والثاني
مقام الجمع ومشاهدة وحدة الذات فيناسب لفظ الواحد، فتدبر، وليوافقَ كلمة الإسلام
ومواردها في الأحاديث.
اعلم أن هذا الكلام الذي ذكره في الخطبة أكثره من كلام النبوة كما روى
(١) ((سنن الترمذي)) (١١٠٦)، و((سنن أبي داود)) (٤٨٤٣).

٠٠.٠
١٣٤
المقدمات
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةً،
مسلم(١) عن ابن عباس: (أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه
الريح، فسمع سفهاءَ من أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنونٌ، فقال: لو أني رأيت
هذا الرجل لعلّ الله يشفيه على يديَّ، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه
الريح، [وإن الله يشفي على يدي من يشاء] فهل لك؟ فقال رسول الله ◌َله: إن الحمد لله
نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، [أما بعد! قال: ] فقال:
أَعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهنّ عليه رسولُ الله ◌َّ ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت
قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ
ناعوس (٢) البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه).
وقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) المراد بالإله المعبود بالحق، وبالله الذات
المقدسة الإلهية، فإن التحقيق أنه عَلَمٌ للذات لا صفة، وخبرُ (لا) محذوف، فقيل: يقدر
في الإمكان ليفيد امتناع وجود إله غيره تعالى، وقيل: في الوجود لأن (لا) التي لنفي
الجنس إنما تكون قرينة على نفي الوجود، ولأن النزاع إنما وقع فيه، والأصوب أن
لا يقدر الخبر على لغة بني تميم .
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٠٤٥).
(٢) قال النووي: ضبطناه بوجهين أشهرهما ((ناعوس)) بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر
نسخ بلادنا، والثاني ((قاموس)) بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث
في غير ((صحيح مسلم))، وقال القاضي عياض: أكثر نسخ ((صحيح مسلم)) وقع فيها (قاعوس))
بالقاف والعين، قال أبو عبيد: قاموس البحر وسطه، وقال صاحب كتاب ((العين)): قعره
الأقصى، انظر: ((المنهاج)) للنووي (٦ / ١٥٧).

١٣٥
مقدمة المشكاة
وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بَعَثَهُ، ...
وقوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) اعلم أن محمداً عَلَمٌ منقول موضوع
في الأصل لمن كثرت خصاله الحميدة، سمي به نبينا بإلهام من الله لجده عبد المطلب
بذلك، وقد سماه الله به قبل الخلق بألفي عام على ما ورد عند أبي نعيم(١)، وروى
ابن عساكر عن كعبٍ الأحبار (٢): أن آدم يا رآه مكتوباً على ساق العرش، وفي
السموات، وعلى كل قصر وغرفة في الجنة، وعلى الحور العين، وعلى ورق شجرة
طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، ولم يسمّ أحد قبله
به، لكن لما قرب زمنه ونشر أهل الكتاب نعته * سمّى قوم أولادهم به رجاء
النبوة لهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وعِدَّتهم خمسة عشر كما بينه بعض
العلماء .
وإنما قدم (عبده) على (رسوله) لما ورد في الحديث الصحيح (ولكن قولوا:
عبده ورسوله) ولأنه أحب أسمائه وَّه إلى الله وأرفعها إليه، ومن ثم وصفه الله تعالى به
في أشرف المقامات، فذكره في إنزال القرآن عليه فقال: ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]،
وقال: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ ﴾[الكهف: ١]، وقال: ﴿نَّلَ اُلْفُرْقَانَ عَى عَبْدِهِ،﴾ [الفرقان: ١]،
وفي مقام الدعوة إليه في قوله: ﴿لَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِيَدْعُوهُ ﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء
والوحي إليه في ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]،
ومن ثَم لما خُيِّر ◌ِ لّه بين أن يكون نبيًّا ملكاً أو نبيًّا عبداً اختار الثاني، وسليمان عليَ
سأل الأول، فانظر بُعدَ ما بين المرتبتين.
(١) انظر: ((حلية الأولياء)) (٣/ ٢٧٣)، و((كنز العمال)) (٣٣٠٤٣).
(٢) انظر: ((تاريخ دمشق)» (٢٣/ ٢٨١).

١٣٦
المقدمات
وَطَرِقُ الإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانُهَا، وَجُهِلَ
مَكَانُهَا، فَشَيَّدَ صَلوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِها مَا عَفا، وشَفَى مِنَ
الْعَلِيلِ فِي تَأْيِيِدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شفى،.
وقوله: (وطرق الإيمان قد عفت آثارها) إلى آخر الفقرات الأربع، يحتمل أن
يكون المراد بطرق الإيمان: الأنبياءَ والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،
ومتابعيهم من العلماء الأتقياء، والمراد بعفاء الآثار وخبو الأنوار ووهن الأركان: تركَ
العمل بما شَرَعوه وأَمروا به العباد وأوضحوا من الأحكام: الفرائض والواجبات والسنن
والآداب والأخلاق، وتركَ تعلّمها وتعليمها، وعدمَ فهم ما قصدوا بها من العلوم
والمعارف، والمراد بجهل مكانهم: الجهلَ بمراتبهم ومنازلهم في الدين.
ويحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان: الأشياءَ التي يوصل بها إلى كماله من
الأعمال والآداب والأخلاق والرياضات، وبعفاء آثارها وخبو أنوارها ووهن أركانها وجهل
مكانها: عدمَ العلم والعمل بها وعدم الاتصاف بالأشياء المذكورة، كذا قيل، فتدبر.
وقوله: (فَشَيَّدَ) أي: رفع وأعلى، شاد الحائطَ يَشيده: طَلاه بالشِّید بالكسر، وهو
ما طُلِيَ به حائط من جصٌّ ونحوه، والمعالم: جمع معلم، ومعلم الشيء: مظنته
وما يستدل به کالعلامة، وفي (الصراح)(١): معلم بالفتح نشان که برراه نهند.
وقوله: (وشفى من العليل في تأييد كلمة التوحيد من كان على شفى) في
(القاموس)(٢): الشفاء الدواء، وفي (الصراح)(٣): شفاء بالكسر والمد: تندرستي يافتن
(١) (ص: ٤٨٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (٣/ ٤٣٨).
(٣) (ص: ٥٦٨).

١٣٧
مقدمة المشكاة
وتندرستي دادن، يقال: شفاه الله من مرضه؛ أي: أنجاه منه، والعليل فعيل من العِلّة
وهي بالكسر: المرض، علّ يَعِلّ وأعلّه الله فهو مُعَلٌّ وعَلِيلٌ، ولا تقل: مَعْلُولٌ،
والمتكلمون يستعملون هكذا، كذا في (القاموس)(١)، والمراد بكلمة التوحيد كلمة
الإيمان وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله .
والشفا بالفتح والقصر حرف كل شيء؛ أي: طرفه وجانبه، وأشفى على الشيء:
أشرف عليه. وفي (مجمع البحار)(٢): يقال: هو على شفاً بفتح الشين مقصور منونٌ؛
أي: على شرف الهلاك، ومنه: مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت، وحذف منه
التنوين في لفظ الكتاب للوقف، ويقال للرجل عند موته، وللقمر عند محاقه، وللشمس
عند غروبها: ما بقي إلا شفاً؛ أي: قليلٌ .
والمعنى: شفى وأنجى من الهلاك والردى من كان على جانب من الطريق وطرف
منه غير سالك لها، أو على طرف من نار جهنم قريب الوقوع فيها، فيكون تلميحاً إلى
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أو كان على شرف الهلاك
بسبب الضلال، والمراد الجنس؛ أي: المعلولين بعلة الجهل والكفر، و(من) بيانية،
وهو بيان لمن قدم عليه للسجع أي: شفى من كان على شفا من المعلولين، أو تبعيضية
أي: شفى من جملة المعلولين من كان على شفا.
وقوله: (في تأييد) الظاهر أنه متعلق بقوله: (شفى) حال من ضميره؛ أي: كائناً
ثابتاً في تأييد كلمة الحق، أو يكون (في) للتعليل، وقيل: يجوز أن يكون متعلقاً بعليل؛
(١) ((القاموس المحيط)) (٣/ ١٣٧).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٢٤٠).

١٣٨
المقدمات
وأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ
قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا .
أي: العليل الضعيف في هذا الأمر، فظهر بما ذكرنا أن العليل بالعين المهملة وهو
الموجود في النسخ.
قال الأمير جمال الدين المحدث رحمة الله عليه فى ترجمته على ديباجة الكتاب :
وهو الثابت في أصل سماعنا والمصحَّح في النسخ الحاضرة من (المشكاة) قال(١):
ويجوز أن يكون بالغين المعجمة، إما من الغِل بالكسر بمعنى الحقد والضغن، أو من
الغلل بفتحتين بهذا المعنى، أو بمعنى حرقة العطش؛ أي: من كان ذا ضغن وحقد على
أهل الإيمان، أو كان تائهاً حائراً في تيه الضلال مشرفاً على الهلاك كالعطاش، انتهى.
ويكون وجه الإعراب كما ذكر آنفاً، وأقول: قد جاء الغليل بمعنى المصدر، ومنه قول
الشاعر (٢) :
إن الذين ترونهم إخوانكم يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا
وفي (القاموس): وكأميرٍ: العطشُ أو شدتُه، أو حرارة الجوف(٣)، وحينئذ يكون
من الغليل متعلقاً بـ (شفی).
وقوله: (وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها) يقال: المراد بكنوز السعادة:
الإسلام والإيمان والإحسان والطاعات والعبادات والتوجهات التي هي من مقتضيات
هذه المقامات، والعلوم والمعارف والأنوار والأسرار التي هي مواهب هذه المكاسب
(١) انظر: ((مرقاة المصابيح)) (١ / ١٠).
(٢) هو عبدة بن الطبيب، انظر: ((منتهى الطلب من أشعار العرب)) (ص: ٨٤).
(٣) ((القاموس المحيط)) (٣/ ١٤٢).

١٣٩
مقدمة المشكاة
أَمَّا بَعْدُ:
ونتائجها، وفيه رمز خفي إلى قوله ويقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز
الجنة)(١)، وهذه الجملة على وزان قوله تعالى: ﴿هُدَى لِلْثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] باعتبار انتفاعهم
بها، وإلا فالإيضاح والإظهار عام شامل للكل مَن أراد أو لم يرد، وقصد أو لم يقصد.
وقوله: (أما بعد) قال الزّجّاج: مقام استعمال (أما بعد) هو أن يسوق المتكلم
كلاماً على أسلوب فيريد أسلوباً آخر فيقول: أما بعد، وقال بعضهم: تقدير الكلام
أما الثناء على الله والصلاة على النبي ◌َّ﴿ فهو ما ذكر، أما بعد الثناء والصلاة فهو
كذا، فيكون في المعنى لتفصيل ما أجمل، والمشهور أنه في ابتداء الكلام يكون
للاستئناف، وذكر هذه الكلمة مسنون في الخطبة، وقد كان وقيم يقول في الخطبة بعد
الثناء على الله بما هو أهله: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي
محمد ... )(٢)، الحديث.
واختلفوا في أول من تكلم بها فقيل داود يا، وقال الشيخ في (فتح الباري)(٣):
أخرجه الطبراني مرفوعاً عن أبي موسى الأشعري، وقال: في إسناده ضعف، وأخرج
موقوفاً عن الشعبي: أن فصل الخطاب الذي أوتي داود عيا كما قال الله سبحانه:
﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] هو هذه الكلمة، وقيل: يعقوب ﴾﴾، وقيل:
أول من تكلّم بها يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: قس بن ساعدة،
وقيل: سحبان بن وائل، وقد أشار إلى ذلك فيما ينسب إليه من البيت من قوله:
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (٤٢٠٥)، و((صحيح مسلم)) (٢٧٠٤).
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٨٦٧)، وأحمد في «مسنده)) (٣/ ٣٧١)، وابن حبان في
((صحیحه)) (١٠).
(٣) (٢ / ٤٠٤).

١٤٠
المقدمات
فَإِنَّ النَّمَشُّكَ بِهَدْبِهِ لاَ يَسْتَتِبُّ إِلاَّ بِالإِقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، ..
إذا قلت أما بعد أني خطيبها
لقد علم الحي اليمانون أنني
وقال الشيخ: القول الأول أشبه وأثبت، وقد يجمع بين الأقوال بأن الأولية في
الأول حقيقةٌ وفي البواقي إضافية، والله أعلم.
وقوله: (فإن التمسك بهديه(١)) الهدي بفتح الهاء وسكون الدال: الطريقة
والسيرة، وكذا الهدية بكسر الهاء وفتحها، يقال: هدى هدي فلان؛ أي: سار
سير ته .
وقوله: (لا يستتب) أي: لا يستقيم ولا يستمر، وفي (الصحاح)(٢): استتب له
الأمر؛ أي: تهيأ واستقام واستمر، كذا في (النهاية)(٣).
وقوله: (إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكاته) المشكاة: كوّة في الجدار غير نافذة
یوضع فیھا المصباح، وفي (الصراح)(٤): مشکاة: سوراخ ناگذاره که چراغ دروي نهند،
شبّه صدره سي﴿ بالمشكاة التي فيها مصباح، وهو قلبه المنوَّر بنور الله، أو شبّه قلبه
بالزجاجة التي كالكوكب الدري، واللطيفةَ القدسية المنوّرة لقلبه بالمصباح، حتى يوافق
بقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ فِيهَا مِصْبَائٌ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ ﴾ الآية [النور: ٣٥]،
فافهم .
(١) أَيٍ: التَّشَبُّكَ وَالثَّعَلُّقَ بطَرِيقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَيَحْتمِلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي ((هَذْبِهِ) إِلَى
اللهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِهَدْيِهِ تَوْحِيدُهُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ /١٠).
(٢) ((الصحاح)) (١ / ٢٠٨).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (١ / ٤٦٥).
(٤) (ص: ٥٦٨).