النص المفهرس
صفحات 181-200
واختلف الناس في كيفية الإسراء والصحيح الذي عليه عامة السلف أنه كان مرتين مرة
في المنام وأخرى بجسده عند الله، قال الزهري: وكان بعد مبعثه ﴾ بخمس سنين، هذا
هو الصحيح وقد غلط العلماء شريكاً في قوله كان قبل البعثة (١).
والحطيم: بمكة بين الركن والباب، وقيل: هو الحجر المخرج من الكعبة، وسمي به
لأن البيت رفع وترك هو محطوماً، قوله { 14: ((ابنا خالة)). قال ابن السكيت: يقال:
هما ابنا عم ويقال: ابنا خال، ويقال: هما ابنا خالة، ولا يقال: ابنا عمة،
وسدرة المنتهى: قال ابن عباس وغيره: سيمت بذلك لأن علم الملائكة ينتهي إليها،
ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله 8/ ، وقال ابن مسعود: سميت بذلك لكونه ينتهي إليها
ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالی.
قوله {14: ((فإذا نبقها مثل قلال هجر)) النبق: بفتح النون وكسر الباء وقد يسكن ثمر
السدر، واحدته نبقة ونبقة، وأشبه شيء به العناب، قبل أن تشتد حمرته، والقلال:
بكسر القاف جمع قلة، والقلة: جرة عظيمة تسع قربتين أو أكثر.
قال في النهاية(٢): وهجر اسم بلد معروف بالبحرين وهو مذكر مصروف وأما هجر
التي تنسب إليها القلال فهي قرية من قرى المدينة(٣).
وأما قول ((بواب السماء)): وقد بعث إليه، فمراده، وقد بعث إليه للإسراء وصعود
السموات، وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة، والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه
إلى هذه المدة، وهذا هو الصحيح والله أعلم. ذكر ذلك جماعات من العلماء.
قوله {43: ((فرجعت فوضع عني عشراً)) أي فرجعت إلى الموضع الذي ناجيته منه،
وقال: مقابل النهران الباطنان هما السلسبيل والكوثر.
(١) انظر: المنهاج للنووي (٢٧٤/٢).
(٢) انظر: النهاية (٢٤٦/٥ - ٢٤٧).
(٣) انظر: شرح الحديث في المنهاج للنووي (٢٩٠/٢ - ٢٩٣).
١٨١
٤٧٢٧- وروی ثابت عن أنس أن رسول الله # قال: « أتیت بالبراق، وهو دابة أبيض
طويل، فوق الحمار ودون البغل، يقع حافره عند منتهي طرفه، فركبته حتى أتيت بيت
المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه
ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن،
فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء ... )) وقال في السماء الثالثة: ((فإذا
أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحّب بي، ودعا لي بخير ... )) وقال في
السماء السابعة: ((فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل
يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهي، فإذا ورقها
كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت، فما أحد
من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إلي (٢٠٧/أ) ما أوحى، ففرض
علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، وقال: فلم أزل أرجع بين
ربي ویین موسی، حتی قال: یا محمد ! إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة
عشر، فذلك خمسون صلاة، من هَمّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها
کتبت سیئة واحدة ».
قلت: رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس(١) وقد حذف المصنف منه جملاً تقدمت
في حديث مالك بن صعصعة طلباً للاختصار.
والبراق: هو بضم الموحدة سمي به لصفائه وبريقه.
وبيت المقدس: بفتح الميم وإسكان القاف، وكسر الدال المخففة، وبضم الميم وفتح
القاف والدال المشددة، لغتان مشهورتان: فبالتخفيف إما مصدر كقوله تعالى: ﴿ إليه
مرجعكم﴾ وإما مكان فمعناه: بيت مكان الطهارة، أو الذي جعل فيه الطهارة من
الذنوب وبالتشديد المطهر.
والحلقة: بإسكان اللام على الفصيح وحكي فتحها.
(١) أخرجه مسلم (١٦٢).
١٨٢
قوله: اخترت الفطرة، فسروا الفطرة هنا بالإسلام، والاستقامة ومعناه: اخترت
علامة الإسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة لكونه سهلاً طيباً ظاهراً سائغاً للشاربين
سليم العاقبة، وأما الخمر: فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع من الشرور فى الحال
وفي المآل.
وعرج: بفتح العين والراء، صعد.
قوله #: فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، فيه دليل على جواز
الاستناد إلى القبلة وجعل الظهر إليها، وقد وقع فى أصول مسلم المعتمدة: السدرة
المنتهى، بالألف واللام كما رواه المصنف، وأما الرواية الأولى التي رواها مالك بن
صعصعة فقال فيها سدرة المنتهى (١).
٤٧٢٨ - كان أبو ذر يحدث أن رسول الله # قال: «فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة،
فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ
حكمة، وإيماناً، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء،
فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، فلما فتح، علونا السماء
الدنيا، إذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه
ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت
لجبريل: من هذا ؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نَسَم بنيه، فأهل
اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه
ضحك، وإذا نظر قبل شماله بکی.
وقال ابن شهاب رضي الله عنه: فأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس رضي الله عنه وأبا
حية الأنصاري كانا يقولان: قال النبي :{8: « ثم عرج بي، حتى ظهرت بمستوى أسمع
فيه صريف الأقلام))، وقال ابن حزم، وأنس: قال النبي 8#: ((ففرض الله على أمتي
خمسين صلاة، فرجعت حتى مررت على موسى، فراجعني فوضع شطرها، وقال في
(١) انظر: المنهاج للنووي (٢٧٦/٢ - ٢٧٩).
١٨٣
الآخر: فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، ما يبدل القول لدي، فرجعت
إلى موسى: فقال: راجع ربك فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي
إلى السدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي ؟ ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ
اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ». (٢٠٧ /ب).
قلت: رواه الشيخان: البخاري في أحاديث الأنبياء ومسلم في الإيمان من حديث
أنس.(١) قال: كان أبو ذر يحدث وقد حذف المصنف منه جملاً طلباً للاختصار وبين
الشیخین اختلاف يسير.
والنسم: بفتح النون والسين واحدته نسمة، وهي نفس الإنسان، والمراد: أرواح بني
آدم، قال القاضي عياض رحمه الله(٢): في هذا إنه 8 ** وجد آدم ونسم بنيه من أهل
الجنة والنار، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، قيل: في الأرض السابعة، وقيل:
تحتها، وقيل: في سجن، وأرواح المؤمنين منعّمة فى الجنة، فيحتمل أنها تعرض على
آدم أوقاتاً فوافق وقت عرضها مرور النبي ® به، ويحتمل أن كونهم في النار والجنة، إنما
هو أوقات دون أوقات، ويحتمل أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار عن يساره،
وكلاهما حيث شاء الله، والأسْودة: جمع سواد، وهو جمع قلة، وهو الشخص، لأنه
يرى من بعيد أسود(٣).
وظهرت: أي علوت وصعدت.
والمستوى: بفتح الواو، المصعد، وقيل: المكان، وصريف الأقلام: بالصاد المهملة
تصويتها حال الكتابة، قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله ووحيه،
وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب، ويرفع لما أراده من
أمره وتدبيره.
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٥٠٣/١).
(٣) انظر: غريب الحديث (١٣٤/٤)، والمصدر السابق.
١٨٤
جنابذ اللؤلؤ: بالجيم المفتوحة وبعدها نون مفتوحة ثم ألف ثم باء موحدة ثم ذال
معجمة وهي القباب واحدتها جنبذة.
اللؤلؤ: بهمزتين وبحذفهما وبإثبات الأول دون الثانية وبالعكس(١).
٤٧٢٩ - قال: ((لما أسري برسول الله - انتهى به إلى سدرة المنتهي، وهي في السماء
السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به
من فوقها، فيقبض منها))، قال: ( إذا يغشى السدرة ما يغشى﴾ قال: فراش من
ذهب، قال: فأعطي رسول الله ﴿ ثلاثاً، أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم
سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات.
قلت: رواه مسلم في كتاب الإيمان في الإسراء من حديث عبدالله بن مسعود ولم يخرجه
البخاري ورواه النسائي أيضاً.(٢)
قوله: انتهي به إلى سدرة المنتهي وهي في السماء السادسة، كذا هو في جميع أصول
مسلم، - وتبعه في المصابيح - السادسة، وقد جاء من حديث أنس أنها في السماء
السابعة، قال القاضي(٣): كونها في السابعة هو الأصح، وقول الأكثرين وهو الذي
يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهي، قلت: ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في
السادسة ومعظمها في السابعة، فقد علم أنها في نهاية من العظم، وقد قال الخليل رحمه
الله: هي سدرة في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة.
والمقحمات: هو بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء، ومعناه: الذنوب العظام
الكبائر التي تقحم صاحبها في النار أي تلقيهم فيها، والمراد: بغفرانها أنه لا يخلد في
النار، وليس المراد أنه لا يعذب أصلاً، فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة،
على تعذيب بعض العصاة من الموحدين، والمراد بعض الأمة على مذهب من يرى أن
(١) انظر: إكمال المعلم (٥٠٢/١ - ٥١١)، والمنهاج للنووي (٢٨٥/٢ - ٢٨٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٣).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٥٢٥/١)، والمنهاج للنووي (٣/٣ - ٤).
١٨٥
من لايفيد. (٢٠٨/أ) العموم مطلقاً، وعلى مذهب من يقول تفيده في الأمر والنهي
لا في الخبر والله أعلم(١).
٤٧٣٠ - قال رسول الله ®: «لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي،
فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله، فرفعه الله
تعالى لي أنظر إليه، ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم، وقد رأيتني في جماعة من
الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد، كأنه من رجال شنوءة وإذا
عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهاً عروة ابن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم
يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني: نفسه - فحانت الصلاة، فأمتهم، فلما
فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمد ! هذا مالك خازن النار، فسلّم عليه،
فالتفت إليه، فبدأني بالسلام » .
قلت: رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة وخرج البخاري (٢) من هذا الحديث
ذكر بيت المقدس من حديث جابر وصفة موسى وإبراهيم من حديث أبي هريرة وابن
عباس ولم یذکر سائره.
قوله {وَل: ((فكربت كرباً ما كربت مثله))، هو بضم الكافين من كربت، والضمير في
مثله عائد على الكرب، وهو بفتح الكاف على وزن الضرب وهو الغم (٣).
قال القاضي عياض (٤): فإن قيل كيف يصلون وهم في الدار الآخرة وليست بدار
عمل ؟ وللمشايخ فيما ظهر لنا عن هذا أجوبة: أحدها: أنهم كانوا كالشهداء، بل هم
أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يصلوا ويحجوا كما ورد في الصحيح
من حديث آخر، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا، لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في
(١) انظر: إكمال المعلم (٥٢٦/١)، والمنهاج للنووي (٤/٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٢)، والبخاري (٣٤٣٧)، وخرج أوله بمعناه من حديث جابر (٣٨٨٦).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (٣٠٨/٢).
(٤) انظر: إكمال المعلم (٥١٦/١ - ٥١٨).
١٨٦
هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا انقضت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار
الجزاء، انقطع العمل، الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال الله تعالى:
﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾.
الوجه الثالث: أن يكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، أو في بعض ليلة الإسراء.
الوجه الرابع: أنه # رأى حالهم، وما كانوا عليه في حال حياتهم، كما قال ◌َها:
وكأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى عيسى.
الوجه الخامس: أن يكون أخبر عما أوحي إليه 83% من أمرهم وما كان منهم، وإن لم
یرهم رؤية عین، انتهى كلامه.
فصل في المعجزات
من الصحاح
٤٧٣١ - أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على
رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله ! لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أبصرنا،
فقال: ((يا أبا بكر ماظنك باثنين الله ثالثهما ؟)).
قلت: رواه البخاري في فضل أبي بكر وفي الهجرة وفي التفسير ومسلم في الفضائل
والترمذي في التفسير من حديث أنس.(١)
ومعنى: الله ثالثهما: بالنصرة والمعونة والحفظ والسديدة وهو داخل في قول الله تعالى:
( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾.
(١) أخرجه البخاري (٣٦٥٣) (٣٩٢٢) (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والترمذي (٣٠٩٦).
١٨٧
٤٧٣٢ - قال لأبي بكر: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله ﴿ ؟
قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد،
فرفعت لنا صخرة طويلة (٢٠٨/ب) لها ظل، لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده،
وسويت للنبي # مكاناً بيدي، فنام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول
الله وأنا أنفض ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل، فقلت:
أفي غنمك لبن ؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب ؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فحلب في قعب
کثبة من لبن، ومعي إدواة، حملتها للنبي # يرتوي فيها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي
* فكرهت أن أوقظه، فوافقته حتى استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد
أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله فشرب، حتى رضيت، ثم قال: ((ألم يأن للرحيل
؟)) قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت:
أتينا يا رسول الله، فقال: ((لا تحزن، إن الله معنا))، فدعا عليه النبي { فارتطمت به
فرسه إلى بطنها في جَلَّد من الأرض، فقال: إني أراكما دعوتما علي، فادعوا لي، فالله
لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي # فنجا، فجعل لا يلقى أحداً إلا قال:
كفيتم ما هنا، فلا يلقى أحداً إلا رده.
قلت: رواه البخاري(١) في علامات النبوة بطوله، وفي فضائل أبي بكر وفي الهجرة
وفي الاستئذان قطعة منه، ومسلم في آخر الكتاب بطوله كلاهما عن البراء عن أبي بكر
الصدیق.
ويسمى هذا الحديث حديث الرحل لأن أوله قال البراء: جاء أبو بكر رضي الله عنه
فاشترى من أبي رحلاً، وقال: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملته معه، وخرج أبي
ينتقد ثمنه، فقال له: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سرت مع رسول الله 48%. ،
قال: نعم أسرينا ليلتنا ومن الغد ... وساق الحديث، وفي نسخ المصابيح: قال البراء ابن
(١) أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩ بعد حديث ٣٠١٤).
١٨٨
ـة
عازب لأبي بكر، والذي في الصحيحين أن والد البراء وهو عازب هو الذي سأل أبا بكر
والبراء هو راوي الحديث لاأنه هو السائل، وكذا رواه المصنف في شرح السنة(١).
وأنفض ما حولك: أي أحرسك وأطوف هل أرى طلباً، يقال: أنفضت المكان
واستنفضته إذا نظرت جميع ما فيه(٢).
قوله: أفي غنمك لبن ؟ هو بفتح اللام والباء يعني اللبن المعروف، هذه الرواية
المعروفة، قال النووي(٣): وروي بضم اللام وإسكان الباء أي شياه ذات ألبان.
والقعب: قدح من خشب، والكثبة: بضم الكاف وإسكان المثلثة، وهي قدر الحلبة
وقيل: هي القليل منه. والإداوة: كالركوة. وارتوى: استقى.
وبرد: بفتح الراء على المشهور، وقال الجوهري (٤): بضمها.
قوله: فوافقته حتى استيقظ، قال بعضهم: اختلف رواة كتاب البخاري في هذين
اللفظين فمنهم من يرويه "فوا فقته حتى "بتقديم الفاء على القاف، وحين التي هي
للطواف، والمعنى: فوافق إتياني إياه حين استيقظ، ومما يشهد لذلك ما جاء في بعض
طرق مسلم فوافقته، وقد استيقظ، ومنهم من يرويه على ما ذكرنا من تقديم القاف.
(٢٠٩/أ).
ومع حتى، أي فوافقته فيما اختاره من النوم، ومنهم: من يرويه بتقديم القاف على
الفاء، من الوقوف، والمعنى: صبرت عليه، وتوقفت في المجيء إليه حتى استيقظ.
فارتطمت به فرسه: أي ساخت قوائمها كما يسوخ في الوحل وهو بالراء المهملة وبالتاء
المثناة من فوق وبالطاء المهملة وبالميم المفتوحتين.
والجلد: بفتح الجيم واللام، الأرض الصلبة (٥).
(١) انظر: شرح السنة للبغوي (٣٦٨/١٣).
(٢) انظر: أعلام الحديث (١٦٠٧/٣).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (١٩٨/١٨).
(٤) انظر: الصحاح للجوهري (٤٤٥/٢).
(٥) انظر: شرح السنة (٣٧٠/١٣).
١٨٩
٤٧٣٣- قال: سمع عبدالله بن سلام بمقدم رسول الله {8# وهو في أرض يخترف، فأتى
النبي # فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة ؟
وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: ((أخبرني بهن
جبريل آنفاً: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول
طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد،
وإذا سبق ماء المرأة، نزعت ))، قال: أشهد أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله، یا
رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم،
يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال: (( أي رجل عبدالله فيكم ؟)) قالوا: خيرنا وابن
خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: ((أرأيتم إن أسلم عبدالله بن سلام ؟)) قالوا: أعاذه
الله من ذلك، فخرج عبدالله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،
فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه، قال: هذا الذي كنت أخاف یا رسول الله.
قلت: رواه البخاري في التفسير من حديث أنس.(١)
ويخترف: بالخاء المعجمة أي يجتني الثمار.
٤٧٣٤ - قال: إن نبي الله 8# شاور حين بلغنا إقبال أبي سفيان، فقام سعد بن عبادة،
فقال: يارسول الله والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو
أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله # الناس،
فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، فقال رسول الله 8#: ((هذا مصرع فلان))، ويضع يده على
الأرض ههنا، وههنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله لق﴾.
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث أنس ولم يخرجه البخاري.(٢)
" وبرك الغماد": أكثر الرواة على فتح الباء الموحدة وإسكان الراء هذا هو المشهور
المعروف في روايات المحدثين، وقال بعض أهل اللغة: صوابه كسر الراء، وكذا قيده
(١) أخرجه البخاري (٤٤٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٧٩).
١٩٠
بعض رواة البخاري، واتفق الجمهور على أن الراء ساكنة، وجوز بعضهم فيها الفتح،
وهو ضعيف.
والغماد: بغين معجمة مكسورة ومضمومة لغتان وهو موضع بأقصى هجر (١).
قوله " فندب رسول الله ﴿ الناس " أي دعاهم. قوله " فماماط" هو بالطاء المهملة أي ما
تباعد(٢).
٤٧٣٥ - أن النبي # قال: وهو في قبة آدم يوم بدر: «اللهم أنشدك عهدك ووعدك،
اللهم إن تشأ لا تعبد بعد الیوم »، فأخذ أبو بکر بیدہ (٢٠٩/ب) فقال: حسبك پا
رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ( سيهزم الجمع
ویولون الدبر﴾.
قلت: رواه البخاري في الجهاد وفي المغازي وفي التفسير والنسائي في التفسير من حديث
ابن عباس ولم يخرجه مسلم.(٣)
٤٧٣٦ - أن النبي # قال يوم بدر: ((هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب)).
قلت: رواه البخاري في المغازي ولم يخرجه مسلم. (٤)
وأداة الحرب: آلته وأداة كل شيء آلته.
٤٧٣٧ - قال: بينما رجل من المسلمين - يومئذٍ - يشتد في أثر رجل من المشركين
أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى
المشرك أمامه خَرّ مستلقياً، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة
(١) انظر: المنهاج للنووي (١٧٥/١٢).
(٢) انظر: المصدر السابق (١٧٦/١٢).
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٧٥)، والنسائي في الكبرى (١١٥٥٧).
(٤) أخرجه البخاري (٣٩٩٥).
١٩١
السوط، فأخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدّث رسول الله ل﴿، فقال:
(( صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة)).
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله
(١)
عنهم.
قوله: "أقدم حيزوم" قال الجوهري(٢): يقال: أقدم بفتح الهمزة وسكون القاف
وكسر الدال وهو زجر للفرس كأنه يؤمر بالإقدام، قال: وفي حديث المغازي: "إِقْدِم
حَيْزوم ". بكسر الهمزة والصواب فتحها.
قوله " حيزوم" بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وضم الراء المعجمة وآخره
میم كذا رواه الكافة ورواه بعض رواة مسلم بالنون.
قال ابن الأثير(٣): وقد جاء في التفسير أنه اسم فرس جبريل عليه السلام أراد"
یاحیزوم " فحذف حرف النداء.
٤٧٣٨- قال: رأيت عن يمين النبي ® وعن شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب
بیض، یقاتلان کأشد القتال، ما رأیتهما قبل ولا بعد، يعني: جبريل وميكائيل.
قلت: رواه البخاري في المغازي ومسلم في فضائل النبي 8 من حديث سعد بن أبي
وقاص.(٤)
٤٧٣٩ - قال: بعث رسول الله # رهطاً إلى أبي رافع، فدخل عليه عبدالله ابن عتيك
بيته ليلاً وهو نائم، فقتله، فقال عبدالله بن عتيك: فوضعت السيف في بطنه، حتى
أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب، حتى انتهيت إلى درجة،
فوضعت رجلي فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فانطلقت
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٢٠٠٧/٥).
(٣) انظر: النهاية (١/ ٤٦٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٠٥٤)، ومسلم (٢٣٠٦).
١٩٢
إلى أصحابي، فانتهيت إلى النبي # فحدثته، فقال: ((ابسط رجلك)). فبسطت
رجلي، فمسحها، فكأنما لم أشتكها قط.
قلت: رواه البخاري(١) في المغازي من حديث البراء بن عازب، ولم يذكر مسلم قصة
رافع وكان اسمه: عبدالله بن أبي الحقيق وكان ذلك بعد قتل كعب بن الأشرف.
٤٧٤٠ - قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت لي كدية شديدة، فجاؤوا النبي ﴾
فقالوا: هذه كلية عرضت في الخندق، فقال: ((أنا نازل )» ثم قام وبطنه معصوب
بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي ﴿ المعول، فضرب، فعاد كئيباً
أهيل، فانكفأت (٢١٠/أ) إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء، فإني رأيت رسول الله
* خَمَصاً شديداً ؟ ، فأخرجت جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن، فذبحتها،
وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ## فساررته فقلت: يا
رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعال أنت ونفر معك، فصاح
النبي #: ((يا أهل الخندق إن جابراً صنع سوراً، فحيّ هلا بكم)) فقال النبي {#: ((لا
تُنزلن برمتکم، ولا تخزن عجینکم حتى أجيء ))، وجاء فأخرجت له عجيننا، فبصق
فيه وبارك، ثم عمد إلى بُرْمتنا، فبصق وبارك، ثم قال: ((ادعي خابزة فلتخبز معك،
ولا تنزلوها )). وهم ألف، فأقسم بالله لأکلوا حتی ترکوه
واقدحي من برمتکم،
وانحرفوا، وإن بُرمتنا لتغطّ كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.
قلت: رواه البخاري في المغازي من حديث جابر(٢).
والكدية: بضم الكاف قطعة غليظة صلبة من حجر أوغيره، لا يعمل فيها المعول ولا
الفأس شيئاً.
(١) أخرجه البخاري (٤٠٣٨) (٤٠٣٩) (٤٠٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤١٠١) (٤١٠٢)، ومسلم (٢٠٣٩).
١٩٣
" وكثيباً أهيل " قال البخاري: أهيل أراهم بالسيل، والكثيب: الرمل المستطيل المحدود
ب، ومعنى أهيل: رملاً سائلاً ومنه " كئيباً مهيلاً" أي مصبوباً سائلاً فكل شيء أرسلته
من دقيق أو رمل أو غيره فقد هلته وأهلت لغة في هلت فهو مهال ومهیل.
ومعنى أهيم: كمعنى أهيل والهيام بالفتح الرمل الذي لايتماسك أن يسيل من اليد
اللينة.
قوله فإنكفأت إلى امرأتي: أي رجعت إلى امرأتي.
وخمصاً: بفتح الخاء المعجمة والميم وبالصاد المهملة أي ضموراً في بطنه من الجوع،
والخمصة: الجوعة، والمخمصة شدة المجاعة. والبهيمة: بضم الموحدة وفتح الهاء تصغير
بهمة وهي الصغيرة من أولاد المعز.
والداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم.
والسور: الطعام الذي يدعى إليه الناس، واللفظة فارسية كذا قاله ابن الأثير(١).
وحي هلا بكم: أي هلموا إلى ذلك وأقبلوا مسرعين، وهما كلمتان جعلتا كلمة
واحدة، والبرمة: القدر مطلقاً وجمعها برام.
واقدحي: أي اغرفي، والمقدحة: المغرفة.
قوله: وإن برمتنا لتغط هو بالغين المعجمة والطاء المهملة أي لتغلى وتسمع غطيطها.
٤٧٤١- قال: إن رسول الله ﴾ قال لعمار حين يحفر الخندق: فجعل يمسح رأسه،
ويقول: ((بؤس ابن سُمَّيّة، تقتلك الفئة الباغية)).
قلت: رواه مسلم في الفتن من حديث أبي قتادة.(٢)
قال ابن الأثير(٣): بأس يبأس بؤساً وبأساً: افتقر واشتدت حاجته، والاسم منه
بائس، كأنه ﴿ ترحّم له من الشدة التي يقع فيها، فقال: بؤس ابن سمية أي يابؤس.
(١) انظر: النهاية (٢ /٤٢٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩١٥).
(٣) انظر: النهاية (٨٩/١).
١٩
وسمية اسم أم عمار، وهي أول شهيدة استشهدت في الإسلام قتلها أبو جهل قبل
الهجرة.
٤٧٤٢ - قال رسول الله :﴿: حين أجلي الأحزاب عنه: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا،
نحن نسیر إليهم ».
قلت: رواه البخاري في المغازي (٢١٠ /ب) من حديث سليمان بن صرد، وليس
لسليمان في الصحيحين إلا حديثان هذا أحدهما.(١)
٤٧٤٣- قالت: لما رجع رسول الله 8%) من الخندق، وضع السلاح واغتسل، أتاه
جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ ، والله ما وضعته،
اخرج إليهم ! قال النبي #: ((فأين؟))، فأشار إلى بني قريظة.
قلت: رواه البخاري في المغازي ومسلم في الصلاة كلاهما من حديث عائشة.(٢)
٤٧٤٤- قال أنس: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غَنْم موكب جبريل عليه
السلام حين سار رسول الله # إلى بني قريظة.
قلت: رواه البخاري في بدء الخلق وفي المغازي من حديث حميد بن هلال عن أنس.(٣)
وبني غنم: بفتح الغين المعجمة وسكون النون. و "موكب جبريل" أي قومه الذي هو
فيهم. والموكب: هو الجماعة الذي يسيرون برفق.
٤٧٤٥ - قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله {$ بین یدیه رکوة، فتوضأ
منها، ثم أقبل الناس نحوه، قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب، إلا ما في
رکوتك، فوضع النبي ګ# یده في الرکوة، فجعل الماء یفور من بين أصابعه کأمثال
العيون، قال: فشربنا وتوضأنا. قيل لجابر: كم كنتم ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا
خمس عشرة مائة.
(١) أخرجه البخاري (٤١٠٩) (٤١١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٤١١٧)، ومسلم (١٧٦٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤١١٨).
١٩٥
قلت: رواه الشيخان في المغازي كلاهما من حديث جابر بن عبدالله.(١)
٤٧٤٦ - قال: كنا مع رسول الله # أربع عشرة مائة يوم الحديبية، - والحديبية بئر - ،
فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي # ، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم
دعا بإناء من ماء، فتوضأ ثم مضمض ودعا، ثم صبّه فيها، ثم قال: (( دعوها ساعة ))،
فارووا أنفسهم ورکابهم حتى ارتحلوا.
قلت: رواه البخاري في علامات النبوة قال: وكانوا ألفاً وأربع مائة أو أكثر ولم يخرج
مسلم عن البراء في هذا شيئاً. (٢)
والحديبية: بتخفيف الياء، وعامة الفقهاء والمحدثين يشددونها، سميت ببئر هناك عن
مسجد الشجرة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل، قيل: هي من الحرم وقيل بعضها من
الحل، وكانت غزوة الحديبية في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة.
٤٧٤٧- قال: کنا في سفر مع رسول الله ﴾﴾ فاشتکی إلیه الناس من العطش، فنزل،
فدعا فلاناً، ودعا علياً، فقال: ((اذهبا فابتغيا الماء))، فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين -
أو سطيحتين - من ماء، فجاءا بها إلى النبي # فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي 98
بإناء، ففرّغ فيه من أفواه المزادتين، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، قال: فشربنا
عطاشاً أربعين رجلاً حتى روينا، فملأنا كل قِرْبة معنا وإداوة، وايم الله، لقد أقلع
عنها، وإنه ليخيّل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ.
قلت: رواه البخاري في التيمم، واللفظ له ومسلم في الصلاة في باب "من نام عن
صلاة أو نسيها " كلاهما من حديث عمران بن حصين في حديث طويل اختصر المصنف
منه هذه القطعة. (٣) (٢١١/أ).
١
(١) أخرجه البخاري (٤١٥٢)، ومسلم (١٨٥٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٧٧).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).
١٩٦
والمزادة: التي يسميها الناس الراوية، والراوية: اسم البعير الذي يستقى عليه ثم توسع
فيه، والسطيحة: نحو المزادة غير أنها أصغر من المزادة فهي من جلدين والمزادة أكبر.
٤٧٤٨ - قال: سرنا مع رسول الله:# حتى نزلنا وادياً أفيح، فذهب رسول الله { }
يقضي حاجته، فلم ير شيئاً يستتربه، وإذا شجرتان بشاطىء الوادي، فانطلق رسول
الله ﴿ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي علي بإذن الله))،
فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ
بغصن من أغصانها، فقال: « انقادي علي بإذن الله )). فانقادت معه كذلك، حتى إذا
كان بالمنصف مما بينهما، قال: ((التئما علي بإذن الله))، فالتأمتا، فجلست أحدث
نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله 8# مقبلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا،
فقامت کل واحدة منهما على ساق.
قلت: رواه مسلم في الزهد (١) في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه أحاديث لأبي
اليسر كعب بن عمرو السلمي الصحابي، وأحاديث جابر بن عبدالله من رواية عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من
الأنصار قبل أن يهلكوا: فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله { 7 . ... وساق
عن أبي اليسر قصة طويلة ثم أتى جابر بن عبدالله وساق عنه أطول من ذلك، ذكر
المصنف قطعة مما هو عن جابر، ولولا خشية الإطالة لذكرته بطوله، لما اشتمل عليه من
الفوائد ذكره الحميدي في مسند أبي اليسر فيما انفرد به مسلم عن البخاري (٢).
قوله "واد فيح": قال في النهاية(٣): كل موضع واسع يقال له: أفيح.
(١) أخرجه مسلم (٣٠١٢).
(٢) انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (٣/ ٥١٣ - ٥١٨) رقم (٣٠٣٧).
(٣) انظر: النهاية (٣ / ٤٨٤).
١٩٧
٠
والمخشوش: بخاء وشينين معجمتين هو البعير الذي جعل في أنفه خشاش - بكسر الخاء
- وهو عود يربط عليه حبل يدلك به لينقاد. قوله " الذي يصانع قائده" أي الذي يطاوع
وينقاد لقائده.
والمنصف: بفتح الميم والصاد وهو نصف المسافة.
٤٧٤٩- قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت: يا أبا مسلم ما هذه
الضربة؟ قال: ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي #
فنفت فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.
قلت: رواه البخاري في المغازي، وأبو داود في الطب من حديث يزيد بن أبي عبيد عن
سلمة.(١)
تنبيه: ما قلناه هو المعتمد نبه عليه المزي وغيره وعزاه ابن الأثير لأبي دواد خاصة وهو
وهم والله أعلم(٢).
٤٧٥٠ - قال: رسول الله # يوم خبير: ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على
يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)). (٢١١/ب) فلما أصبح الناس، غَدَوْا
على رسول الله #، فقال: ((أين علي بن أبي طالب؟)) فقالوا: هو يا رسول الله
يشتكي عينه، فأُتي به، فبصق في عينه، ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع،
فأعطاه الراية.
قلت: رواه البخاري في فضائل علي وفي الجهاد من حديث سهل بن سعد، وكانت
غزوة خيبر في السنة السادسة من الهجرة.(٣)
٤٧٥١- قال: نعى رسول # زيداً، وجعفراً، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم
خبرهم، فقال: ((أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذ جعفر، فأصيب، ثم أخذ ابن
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٦)، وأبو داود (٣٨٩٤).
(٢) انظر: تحفة الأشراف (٤٧/٤ رقم ٤٥٤٦)، وجامع الأصول (٣٧٦/١١) رقم (٨٩٢٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٧٠١) (٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦).
١٩٨
رواحة، فأصيب))، وعيناه تذرفان، « حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله - يعني:
خالد بن الوليد - حتی فتح الله علیهم ».
قلت: رواه البخاري في الجنائز وفي الجهاد وفي علامات النبوة وفي المغازي من حديث
أنس، وهذه الغزوة غزوة مؤتة كانت في السنة الثامنة من الهجرة.(١)
٤٧٥٢- قال: شهدت مع رسول الله * يوم حنين، فلما التقى المسلمون والكفار،
ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله # يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام
بغلة رسول الله # أکفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان بن الحارث آخذ برکاب رسول
الله :﴿ فنظر رسول الله 8 - وهو على بغلته كالمتطاول عليها - إلى قتالهم فقال: ((هذا
حين حمي الوطيس))، ثم أخذ حصيات فرمى بهنّ وجوه الكفار، ثم قال: (( انهزموا
ورب محمد))، فوالله ماهو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حَدّهم كليلاً وأمرهم
مدبراً.
قلت: رواه مسلم في المغازي مطولاً والنسائي في البر من حديث العباس ابن عبد
المطلب ولم يخرجه البخاري.(٢)
قوله :#: "حمي الوطيس" هو التنور، واستعاره لشدة الحرب، ويقال: هو من
كلامه ◌َ﴿ ابتكره لم يسبق إليه، وغزوة حنين كانت في السنة الثامنة عام فتح مكة.
٤٧٥٣- قیل للبراء: افررتم یوم حنین ؟ قال: لا ، والله ما ولی رسول الله ێ ، ولكن
خرج شبان أصحابه ليس عليهم كثير سلاح، فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم،
فرشقوهم رشقاً ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله {8#، ورسول الله قنا
على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث يقوده، فنزل واستنصر وقال:
أنا ابن عبد المطلب
أنا النبي لا كذب
ثم صفّهم.
(١) أخرجه البخاري (٤٢٦٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٧٥)، والنسائي في الكبرى (٨٦٥٣).
١٩٩
قلت: رواه الشيخان كلاهما في المغازي بألفاظ متقاربة من حديث أبي إسحاق عمرو
بن عبدالله السبيعي، قال: قال رجل للبراء: أفررتم يوم حنين ... الحديث.(١)
٤٧٥٤- قال: كنا والله إذا احمر البأس، نتقي به، وإن الشُّجاع منا للذي يحاذي به،
يعني النبي 8%.
قلت: رواه الشيخان وهو رواية من الحديث الذي قبله.(٢)
واحمر البأس: أي اشتد الحرب من قولهم: موت أحمر إذا وصف (٢١٢/أ).
بالشدة، وربما يكون احمرار الحرب كناية عن كثرة إراقة الدماء.
ونتقي به أي نجعله واقياً لنا العدو.
٤٧٥٥- قال: غزونا مع رسول الله # حنيناً، فولّى صحابة رسول الله {ل ، فلما
غَشُوا رسول الله ﴿ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل
به وجوههم، فقال: (( شاهت الوجوه )». فما خلق الله منھم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً
بتلك القبضة، فولوا مدبرین.
قلت: رواه مسلم في المغازي من حديث سلمة بن الأكوع ولم يخرجه البخاري.(٣)
وشاهت الوجوه: بالشين المعجمة أي قبحت.
٤٧٥٦ - قال: شهدنا مع رسول الله # حنيناً، فقال رسول الله # لرجل ممن معه -
يدعي الإسلام -: ((هذا من أهل النار)). فلما حضر القتال، قاتل الرجل أشد القتال،
وكثرت به الجراح، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت الذي تحدث أنه من أهل
النار، قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال، فكثرت به الجراح؟، فقال: ((أما إنه من
أهل النار)). فكاد بعض الناس يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ وجد الرجل ألم
الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهماً فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى
(١) أخرجه البخاري (٤٣١٥) (٤٣١٦) (٤٣١٧)، ومسلم (١٧٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣١٧)، ومسلم (١٧٧٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٧٧٧).
٢٠٠