النص المفهرس

صفحات 441-460

قوله : يربأ هو بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء المهملة وفتح الباء الموحدة
والهمزة ومعنى يربأ يرأب، قال في النهاية (١) يقال: ربأت القوم وارتبأ بهم إذا ربئتهم
أي تحفظهم من عدوهم، والاسم الربيئة وهو العين. والطليعة، ويا صباحاه: كلمة
تستعمل للإنذار بأمر مخوف.
٤٢٧٦ - قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا النبي ® قريشاً فاجتمعوا،
فعم وخص، فقال: ((يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يابني عبد
شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة ابن كعب ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني
عبد مناف ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني
عبد المطلب ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار، فإني لا
أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها بيلالها)).
- وفي رواية: « یا معشر قریش ! اشتروا أنفسکم، لا أغني عنکم من الله شيئاً، یابني
عبد مناف ! لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب ! لا أغني عنك من
الله شيئاً، وياصفية عمة رسول الله ! لاأغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد !
سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً )).
قلت: الحديث والرواية رواهما الشيخان: البخاري في تفسير سورة الشعراء، ولفظ
الرواية له، ومسلم في الإيمان ولفظ الحديث له كلاهما من حديث أبي هريرة (١)،
والبلال: جمع بلل، والعرب يطلقون النداوة على الصلة كما تطلق اليبس على
القطيعة، لأنهم رأوا بعض الأشياء تتصل وتختلط بالندواة ويحصل بينها التجافي
والتفريق باليبس، استعار البلل لمعنى الوصل واليبس لمعنى القطيعة.
(١) النهاية (١٧٩/٢)، والمنهاج للنووي (١٠١/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤ - ٢٠٦).
٤٤١

قوله {31: سليني ما شئت من مالي، يجوز أن تكون مالي مجروراً بمن، ويجوز أن تكون
ما موصولة مجرورة بمن والجار والمجرور صلته أي من الذي لي (١).
من الحسان
٤٢٧٧- قال رسول الله 8#: «أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة،
عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل )).
قلت: رواه أبو داود والحاكم في المستدرك كلاهما في الفتن من حديث أبي موسى
وصححه الحاكم وأقره الذهبي في مختصر المستدرك على تصيححه (١) وفي ذلك نظر،
فإن في سند أبى داود والحاكم المسعودي وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله
ابن مسعود الهذلي الكوفي، واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد، وقال العقيلي
تغیر فی آخر عمره، في حديثه اضطراب، وقال ابن حبان: اختلط حديثه فلم يميز
واستحق الترك(٣).
(١) انظر: المنهاج للنووي (٩٨/٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٧٨)، والحاكم (٤٤٤/٤). والمسعودي وإن كان قد اختلط إلا أنه رواه عنه معاذ
بن معاذ العنبري، عند الروياني في مسنده (٣٣٤/١ رقم ٥٠٥)، وقد اختلف فيه على أبي بردة فرواه
عن أبي بردة عن أبي موسى سعيد بن أبي بردة كما عند أحمد (٤١٠/٤) أيضاً. وكذلك معاوية بن
إسحاق وذكر البخاري في التاريخ الكبير (٣٨/١ - ٣٩) طرق هذا الحديث وبين ما فيها من اضطراب
وأضاف كذلك علة أخرى من كلامه أنه مخالف الأحاديث الصحيحة التي تكاد أن تكون متواترة بأن
أناساً من أمة محمد# يدخلو النار ثم يخرجون منها بشفاعة النبي 8#. وانظر: السلسلة الصحيحة
(٩٥٩).
4
(٣) عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة الكوفي المسعودي، قال الحافظ: صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه:
أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط. انظر: التقريب (٣٩٤٤). وانظر للتفصيل: تهذيب الكمال
(١٧ / ٢١٩ - ٢٢٧).
٤٤٢

٤٢٧٨- عن رسول الله 8 قال: «إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة
ورحمة، ثم ملكاً عضوضاً، ثم كائن جبرية وعتواً وفساداً في الأرض، يستحلون
الحرير، والفروج، والخمور، يرزقون على ذلك، وينصرون، حتى يلقوا الله تعالى)).
قلت: لم أره فى شيء من الكتب الستة ورواه البيهقي في شعب الإيمان والدارمي في
الأشربة كلاهما من حديث أبي عبيدة، ولفظ الدارمي: قال رسول الله 8 4 * : (ق
١٤١ / ب) ((أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملكاً ورحمة، ثم ملكاً أعفر ثم ملك
وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير )) وإسناده جيد.(١)
قوله ﴿: ثم يصير ملكاً عضوضاً، هو أن يصيب الرعية فيه عسف فكأنهم يعضون
فيه عضاً والعضوض من أبنية المبالغة.
٤٢٧٩- قالت: سمعت رسول الله 8# يقول: ((إن أول ما يُكفأ - قال الراوي يعني:
الإسلام - ، كما يُكفأ الإناء - يعني: الخمر -))، فقيل: كيف يا رسول الله وقد بين الله
فيها ما بين ؟ قال: ((يسمونها بغير اسمها فيستحلونها )).
قلت: رواه الدارمي في كتاب الأشربة عن زيد بن يحيى عن محمد بن راشد عن أبي
وهب الكلاعي، واسمه: عبدالله، عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: سمعت
رسول الله {/ ... الحديث، ورجاله موثقون.(٢)
قوله ﴿: أول ما يكفأ، أي يمال فيفرغ من قولهم: كفأت القدر إذا كبيتها لتفرغ ما
فيها. قوله: يعني الإسلام، قال بعضهم هو نصب على نزع الخافض أي من الإسلام.
قوله: الخمر، هو خبر إن، والمعنى: أن أول ما يغير من الإسلام من الأشياء المحرمة
تغييراً سريعاً يشبه كفء الإناء بما فيه الخمر بأن يغيروا اسمها متأولين في تحليلها فيسمونها
باسم النبيذ والمثلث.
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٥٦١٦)، والطيالسي (٢٢٨)، والدارمي (١١٤/٢). انظر: الصحيحة
(٨٩).
(٢) أخرجه الدارمي (١١٤/٢). وانظر: الفتح (٥٣/١٠)، وقال الشيخ الألباني - رحمه الله - إسناده
حسن، انظر: الصحيحة (٨٩).
٤٤٣

كتاب الفتن
من الصحاح
٤٢٨٠- قال: ((قام فينا رسول الله ﴿ مقاماً، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام
الساعة، إلا حدّث به: حفظه مَنْ حفظه، ونسيه مَنْ نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء،
وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه، فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب
عنه، ثم إذا رآه عرفه )).
قلت: رواه الشيخان وأبو داود ثلاثتهم في الفتن ولم يقل البخاري: ((قد علمه
أصحابي هؤلاء)» وفي أبي داود: قد علمه أصحابه هؤلاء.(١)
٤٢٨١- قال: سمعت رسول الله 8# يقول: ((تعرض الفتن على القلوب، كالحصير
عوداً عوداً، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكتت فيه
نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت
السماوات والأرض، والآخر أسود مُرياداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً، إلا ما أشرب من هواه )).
قلت: رواه مسلم في الإيمان بهذا اللفظ (١)، قال الإمام عبدالحق: لم يخرج البخاري
هذا اللفظ انتهى، وقد أخرج البخاري ومسلم أيضاً ما يقرب من هذا المعنى من حديث
حذيفة أيضاً، ولذلك ذكر الحديث الذي يقرب من هذا المعنى الحميدي (١) في المتفق عليه
ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال: ما قدمناه عن حذيفة من الحديث المتفق عليه جاء بألفاظ
أخر لا تتفق مع هذا، إلا في يسير فلذلك أفردنا هذا عن مسلم خاصة.
(١) أخرجه البخاري (٦٦٠٤)، ومسلم (٢٨٩١)، وأبو داود (٤٢٤٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٤).
(٣) انظر: الجمع بين الصحيحين الحميدي (٢٨٩/١ رقم ٤١٦)، أما المتفق عليه فبرقم (٣٨٩).
٤٤٤

قلت: وبعض الحفاظ يجعل الحديثين في المتفق عليه، قال ابن الأثير: وهو أولى
والأمر في ذلك قریب إن شاء الله.
قال مسلم: قال أبو خالد: قلت: يا أبا مالك - هو سعيد بن طارق - ما أسود مرباداً
؟ قال: شدة البياض في سواد، قلت: فما الكوز مجخياً ؟ قال: منكوساً(٢).
قوله ﴿: تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً، قال النووي (٣): هذان الحرفان مما
اختلف في ضبطهما على ثلاثة أوجه: أظهرها (ق ١٤٢ /أ) وأشهرها عوداً عوداً بضم
العين وبالدال المهملة، والثاني: بفتح العين وبالدال المهملة أيضاً، والثالث: بفتح العين
وبالذال المعجمة، واختار القاضي عياض الوجه الأول، وذكر عن شيوخه أنهم اختاروا
الوجه الثاني.
وقال في النهاية: الرواية بالفتح أي بفتح العين والدال أي مرة بعد مرة، قال: وروي:
بالضم وهو واحد العيدان يعني ما ينسج به الحصير. وروي: بالفتح مع الذال المعجمة
(٤) ، وأما عود بالرفع فهو على أن يكون خبر مبتدأ محذوف
كأنه استعاذ من الفتن انتهى
أي کالحصير نسجها عود عود.
قال القاضي(٥): ومعنى تعرض: أنها تلصق بجانب القلوب، أي جانبها، كما يلصق
الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به، قال: ومعنى عوداً عوداً: أي يعاد
ويكرر شيئاً بعد شيء، ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه: سؤال الاستعاذة منها، وقال
(١) انظر: جامع الأصول (٢٢/١٠) وذكر ابن الأثير كلام الحميدي هذا.
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٤).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (٢٢٦/٢).
(٤) النهاية (٣١٨/٣).
(٥) انظر: إكمال المعلم للقاضي (٤٥٢/١).
٤٤٥

بعضهم: معنى تعرض الفتنة على القلوب: تُظْهر على القلوب أي تظهر لها فتنة بعد
أخرى.
وقوله: كالحصير، أي كما ينسج الحصير عوداً عوداً، قال القاضي: وعلى هذا تترجح
رواية ضم العين، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر،
ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على
صانعها واحداً بعد واحد.
قال القاضي : وهذا معنى الحديث عندي وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة
تشبيهه.
قوله ﴿ : فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة
بيضاء، معنى أشربها دخلت فيه دخولاً تاماً، وألزمها وحلت منه محل الشراب، ومنه
قوله تعالى: ﴿ وأشربوا فى قلوبهم العجل ﴾ أي: حب العجل، ومعنى نكت فيه نكتة:
نقط فيه نقطة وهو بالتاء المثناة في آخره. ومعنى أنكرها: ردها.
وقوله 8#: حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت
السموات والأرض والآخر أسود مرباداً.
قال عياض: ليس تشبيهه بالصفا بياناً لبياضه لكن بصفة أخرى وهي شدته على عقد
الإيمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا وهو الحجر
الأملس الذي لا يعلق به شيء.
وأما مرباداً: فكذا هو فى الأصول، وهو منصوب على الحال، وذكر عياض (٢) خلافاً
في ضبطه، وأن منهم من ضبطه كذلك، ومنهم من رواه مربدّ مثل مسود ومحمر وكذا
ذكره أبو عبيد والهروي والدال مشددة على القولين، وقد فسره في الحديث.
(١) انظر: المصدر السابق (٤٥٣/١).
(٢) انظر: المصدر السابق (٤٥٤/١).
(٣) انظر: الغريبين للهروي (٣٨٠/٢ - ٣٨١).
٤٤٦

وأما قوله: مجخياً، فهو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة ومعناه
مائلاً كذا قاله أهل اللغة وفسره الراوي في الكتاب بقوله: منكوساً، وهو قريب من
معنى المائل، قال القاضى عياض عن شيخه: إن قوله {8#: كالكوز مجخياً، ليس
تشبيهاً لما تقدم من سواده بل هو وصف آخر من أوصافه بأنه قُلب ونُكس حتى لا يَعلق
به خیر ولا حکمة.
قوله: قلت: لسعد ما أسود مرباداً قال: شدة البياض في سواد قال عياض كان
بعض شيوخنا یقول إنه تصحیف وإن صوابه شبه البیاض في سواد لا شدة البياض.
قال في المشارقُ: الربدة لون بين السواد والبياض والغبرة مثل لون الرماد، قال: وفي
بعض روايات مسلم مربئد بالهمزة، وقال: والهمزة لغة في هذا الباب ارباد واحمار(٤).
٤٢٨٢ - قال: حدثنا رسول الله : ﴿ حديثين، رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر:
حدثنا: ((أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا
من السنة)) (١٤٢ /ب) وحدثنا عن رفعها قال: ((ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة
من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام النومة، فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر
المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً وليس فيه شيء، ويصبح الناس
يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدّي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً ويقال
للرجل: ما أعقله ! وما أظرفه ! وما أجلده ! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من
إيمان )».
(١) انظر: إكمال المعلم (٤٥٤/١).
(٢) انظر: إكمال المعلم (١ /٤٥٤).
(٣) انظر: مشارق الأنوار (٢٧٩/١)، والمنهاج (٢٢٨/٢).
(٤) انظر: المنهاج (١٧٣/٢).
٤٤٧

قلت: رواه البخاري في مواضع منها في الفتن بهذا اللفظ ومسلم في الإيمان والترمذي
وابن ماجه في الفتن كلهم من حديث حذيفة.(١)
قال البخاري: الجذر: الأصل من كل شيء، والوكت: أثر الشيء اليسير منه.
قوله: حدثنا حديثين، معناه حدثنا في الأمانة، وإلا فروايات حذيفة كثيرة.
والجذر: بفتح الجيم وكسرها لغتان، وبالذال المعجمة فيهما، وهو الأصل.
وأما الأمانة: فالظاهر أن المراد بها التكاليف الشرعية، والعهد الذي أخذه الله
على العباد.
والوكت: بفتح الواو وإسكان الكاف وبالتاء المثناة من فوق الأثر اليسير.
والمجل: بفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها لغتان، والمشهور الإسكان، قال أهل اللغة:
هو التنفط الذي يصير فى اليد من العمل بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة فيه ماء قليل،
ونفط: بفتح النون وكسر الفاء، ومنتبراً: أي مرتفعاً، وأصل هذه اللفظة الارتفاع،
ومنه المنبر، لارتفاع الخطيب عليه، وقال: نفط ولم يقل: نفطت مع أن الرجل مؤنثة،
إتباعاً للفظ الرجل، أولمعنى الرجل لأنها العضو، ومعنى الحديث: أن الامانة تزول عن
القلوب شيئاً فشيئاً، فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وهو
اعتراض نور مخالف النور الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار كالمجل، وهو أثر محکم،
وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد استقراره في القلب،
واعتقاب الظلمة إياه بجمر دحرجته على رجلك، حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى
(٢)
التنفط ، قاله النووي
.
٤٢٨٣- قال: قلت يارسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل
بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((
نعم، وفيه دخن ))، قلت: وما دخنه ؟ قال: « قوم یستنون بغیر سنتي، ویھدون بغير
(١) أخرجه البخاري (٦٤٩٧) (٧٠٨٦)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٧٩)، وابن ماجه (٤٠٥٣).
(٢) انظر: المنهاج للنووي (٢٢٢/٢ - ٢٢٣).
٤٤٨

هديي، تعرف منهم وتنكر))، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دعاة
على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله ! صفهم لنا،
قال: ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا))، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت
على ذلك )).
قلت: رواه البخاري في علامات النبوة وفي الفتن ومسلم فيه كلاهما من حديث (١) أبي
إدريس الخولاني عن حذيفة، كذا قاله المزي في الأطراف (١) ولم أره في مسلم في الفتن
وإنما ذكره مسلم في أثناء كتاب الجهاد في باب الطاعة للأمير من حديث أبي إدريس
الخولاني عن حذيفة، وكذا ذكره الإمام عبدالحق في (( الجمع بين الصحيحين )) وهو
على ترتيب مسلم فما قاله الحافظ المزي رضي الله عنه وهم، ولفظ المصابيح ثابت في
الصحيحين إلا قوله: (( يستنون بغير سنتي)»، فإنني لم أرها في البخاري لا في باب
علامات النبوة (ق ١٤٣ / أ) ولا في الفتن، وإنما هي في مسلم، والدخن: بفتح الدال
المهملة والخاء المعجمة أصله أن تكون في لون الدابة كدورة تضرب إلى سواد، قالوا:
والمراد هنا، أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض، ولا يزول خبثها ، قال القاضي
عياض: قيل المراد بالخير بعد الشر أيام عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، والهدي:
الطريقة، والهداية والسيرة.
(١) أخرجه البخاري (٣٦٠٦) (٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٤٧).
(٢) انظر: تحفة الأشراف (٤٤/٣ - ٤٥) رقم (٣٣٦٢).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (٣٢٨/١٢).
(٤) انظر: إكمال المعلم (٢٥٥/٦).
٤٤٩
4

قوله {#: تعرف منهم وتنكر، المراد: الأمراء بعد عمر بن عبدالعزيز، ويجوز أن
يكون معناه تبصر منهم المعروف والمنكر أي لا يكون جميع أفعالهم معروفاً ولا جميعها
منكراً، قوله :48: دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال العلماء:
هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلالة كالخوارج وغيرهم، والله أعلم،
وقوله 8#: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، أي من أنفسنا وعشيرتنا، وقيل: من
أهل ملتنا ويتكلمون بما قال الله وقال رسول الله :﴿، وفي قلوبهم شيء من الخير (١).
٤٢٨٤- وفي رواية: « تکون بعدي أئمة، لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي،
وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ))، قال حذيفة، قلت:
كيف أصنع يا رسول الله ! إن أدركت ذلك؟ قال: ((تسمع وتطيع الأمير، وإن ضرب
ظهرك، وأخذ مالك )).
قلت: رواها مسلم على أثر الحديث الذي قبلها من حديث أبي سلام عن حذيفة،
وذكر الدارقطني أن أبا سلام لم يسمع من حذيفة فهو منقطع، وقد قال فيه: قال
حذيفة، قال الذهبي : لم يخرج البخاري لأبي سلام في صحيحه شيئاً لأنه فيما قيل
رواياته مرسلة، قال النووي: وما قاله الدراقطني صحيح، ولكن المتن صحيح
متصل بالطريق الأول، وإنما أتى مسلم بها متابعة فإن المرسل إذا روي من طريق آخر
متصلاً تبينا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان
انتهى. وأبو سلام اسمه ممطور الأسود الحبشي.
(١) انظر: المنهاج للنووي (٣٢٩/١٢ - ٣٣٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٤٧).
(٣) انظر: الإلزامات والتتبع للدار قطني (ص ٢٥٧).
(٤) انظر: الكاشف (٢٩٣/٢) رقم (٥٦٢٣).
(٥) المنهاج (٢٣٦/١٢ - ٢٣٧).
٤٥٠

٤٢٨٥ - قال رسول الله :48: ((بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل
مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)).
قلت: رواه مسلم في الإيمان والترمذي في الفتن من حديث أبي هريرة (١).
٤٢٨٦ - قال رسول الله ﴿: ((ستكون فتن، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها
خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد
ملجأً أو معاذاً فليعُذْ به)).
قلت: رواه الشيخان البخاري في علامات النبوة وفي الفتن ومسلم في الفتن من حديث
أبي هريرة(٢).
(٣)
(٢)
قوله {3/8: من تشرف لها تستشرفه، قال النووي ": روي تشرف على وجهين،
أحدهما: فتح التاء المثناة من فوق والشين والراء والثاني بضم الياء المثناة من تحت
وإسكان الشين وكسر الراء، وهو من الإشراف للشيء وهو التطلع إليه، والتعرض له،
ومعنى تستشرفه تقلبه وتصرعه، والملجأ: العاصم، والموضع الذى يلتجأ فليعذبه أي
فليعتزل فیه.
٤٢٨٧- وفي رواية: ((النائم فيها خيرمن اليقطان، واليقظان خير من النائم)).
(٤)
قلت: هذه الرواية في مسلم في الفتن ولم يذكر البخاري: النائم ..
٤٢٨٨- وفي رواية: (( فإذا وقعت، فمن كان له إبل (١٤٣ /ب) فليلحق بإبله، ومن
کانت له غنم فلیلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فلیلحق بأرضه »، فقال له رجل:
يارسول الله أرأيت من لم تكن له إبل ولاغنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه،
(١) أخرجه مسلم (١١٨)، والترمذي (٢١٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٠١) (٧٠٨١) (٧٠٨٢)، ومسلم (٢٨٨٦).
(٣) المنهاج (١٨ / ١٢).
(٤) أخرجه مسلم (٢٨٨٦).
٤٥١

فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت ؟))، ثلاثاً، فقال
رجل: يا رسول الله أرأيت إن أُكرهت، حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين، فضربني
رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني ؟ فقال: (( ييوء بإتمك وإثمه، فيكون من أصحاب
النار )).
قلت: رواها مسلم في الفتن من حديث أبي بكرة ) قال رسول الله : ((إنها
ستكون فتن الإثم، تكون فتن الإثم، تكون فتن: القاعد فيها خير من الماشي، والماشي
فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا وقعت فمن كان له إبل ... )) وساقه إلى آخره ، ولم
يخرجه البخاري من حديث أبي بكرة بهذا اللفظ.
قوله { /: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، قيل: المراد كسر السيف حقيقة على
ظاهر الحديث، وقيل: مجاز، والمراد: ترك القتال، وهذا الحديث وما أشبهه قد تمسك
به من رأي ترك القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقالت طائفة:
لايقاتل فيه المسلمين وإن دخلوا عليه في بيته وطلبوا قتله، ولا يجوز له المدافعة لأن
الطالب متأول، وهذا قول أبي بكرة وغيره، وقيل: لا يجوز الدخول فيها لكن إذا دخلوا
عليه دفع عن نفسه، وقال معظم علماء الإسلام: يجب نصرة الحق، والقيام مع أهله
ومقاتلة الباغي قال الله تعالى: ﴿ فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾، وتأولوا
الحديث على ما إذا لم يظهر الحق، أو على طائفتين ظالمتين.
قوله ®: يبوء بإثمه وإنمك، أي يلزمه ويرجع عليه، ويحمله أي يبوء الذي أكرهك
بإثمه في إكراهك وفي دخوله في الفتنة، وبإثمك في قتلك وغيره، ويكون من أصحاب
النار أي مستحقاً لها، وفي هذا الحديث رفع الإثم عن المكره على الحضور هناك، وأما
القتل فلا يباح بالإكراه بل يأثم المكره عليه المأمور به بالإجماع، وقد نقل بعضهم فيه
(١) أخرجه مسلم (٢٨٨٦) (٢٨٨٧).
٤٥٢

الإجماع، قال أصحابنا: وكذا الإكراه على الزنا لا يرفع الإثم فيه: ولكن لو ربطت
امرأة ولم يمكنها المدافعة فلا إثم (١).
٤٢٨٩ - قال رسول الله 8#: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم: غنم يتبع بها شعف
الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)).
قلت: رواه البخاري في الإيمان وفي الجزية وفي الفتن وفي علامات النبوة وفي الرقائق
وأبو داود وابن ماجه كلاهما في الفتن والنسائي كلهم من حديث عبدالله بن عبدالرحمن
(٢)
بن أبي صعصعة عن أبي سعيد به ولم يخرجه مسلم . .
قوله { 34: شعف الجبال، هو بالشين المعجمة وبالعين المهملة المفتوحتين وبالفاء وهو
جمع شعفة بالتحريك وهي رأس الجبل.
٤٢٩٠ - قال: أشرف النبي # على أُطُم من آطام المدينة، فقال: ((هل ترون ما أرى؟))،
قالوا: لا، قال: (( فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر)).
قلت: رواه البخاري في الحج وفي علامات النبوة وفي الفتن ومسلم في الفتن(١).
والأطم: بضم الهمزة والطاء وهو القصر والحصن وجمعه آطام ومعنى أشرف: علا
(ق ١٤٤ / أ) والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم أي كثيرة عامة لا تخص طائفة،
وهذا إشارة إلى مقتل عثمان والجمل وصفين وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له (1).
٤٢٩١ - قال رسول الله #: ((هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش)).
قلت: رواه البخاري في علامات النبوة وفي الفتن من حديث أبي هريرة.(٥)
(١) انظر: المنهاج للنووي (١٥/١٨ - ١٦).
(٢) أخرجه البخاري في الإيمان (١٩)، والفتن (٧٠٨٨)، ومن علامات النبوة (٦٤٩٥)، وفي بدأ الخلق
(٣٣٠٠)، وأبو داود (٤٢٦٧)، وابن ماجه (٣٩٨٠)، والنسائي (١٢٣/٨).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠٦٠) (١٨٧٨) (٣٥٩٧)، ومسلم (٢٨٨٥).
(٤) انظر: المنهاج للنووي (١١/١٨ - ١٢).
(٥) أخرجه البخاري في علامات النبوة (٢٦٠٥)، وفي الفتن (٧٠٥٨).
٤٥٣

وغلمة: بكسر الغين المعجمة وفتح الميم وهو جمع غلام، فجمعوه على غلمة
وغلمان، والمراد والله أعلم بذلك: ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وما
فعله الحجاج وأطلق 83 الأمة على الصحابة لأنهم أعظم الأمة.
٤٢٩٢- قال رسول الله 8#: ((يتقارب الزمان، ويُقبض العلم وتظهر الفتن، ويلقى
الشُحّ، ويكثر الهرج))، قالوا: وما الهرج؟ قال: ((القتل)).
قلت: رواه البخاري في الأدب وفي الفتن ومسلم في القدر وأبو داود في الفتن كلهم من
حديث أبي هريرة (١). ومعنى يتقارب الزمان: أي يقرب من القيامة.
ويلقى الشح: هو بإسكان اللام وتخفيف القاف أي يوضع في القلوب، ورواه بعضهم
بفتح اللام وتشديد القاف أي يعطى.
والشح: هو البخل بأداء الحقوق والحرص على ماليس له وقد تقدم تفسيره.
٤٢٩٣ - قال رسول الله ®: والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يأتي على
الناس يوم، لا يدري القاتل فيم قتل ؟ ولا المقتول فيم قتل ؟ فقيل كيف ذلك ؟ قال:
«القاتل والمقتول في النار)).
قلت: رواه مسلم في الفتن من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري.
(٢)
٤٢٩٤ - قال رسول الله #: ((العبادة في الهرج كهجرة إليّ )).
قلت: رواه مسلم والترمذي وابن ماجه كلهم في الفتن من حديث معقل بن يسار ولم
(٣)
يخرجه البخاري.
٤٢٩٥ - قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا،
فإنه لا يأتي عليكم زمان، إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من
نبیکم #.
(١) أخرجه البخاري في الفتن (٧٠٦١)، وفي الأدب (٦٠٣٧)، ومسلم (١٥٧)، وأبو داود (٤٢٥٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٠٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٤٨)، والترمذي (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥).
٤٥٤

قلت: رواه البخاري والترمذي كلاهما في الفتن من حديث الزبير بن عدي عن
أنس.
(١)
من الحسان
٤٢٩٦ - قال: والله ما أدري، أَنسيَ أصحابي أو تناسوا؟ ((والله ما ترك رسول الله وقالا:
من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلثمائة، فصاعداً، إلا قد سماه لنا
باسمه، واسم أبيه واسم قبيلته ».
قلت: رواه أبو داود (٢)
(٢) في الفتن من حديث قبيصة بن ذؤيب عن أبيه عن حذيفة، وفي
سنده: عبدالله بن فروخ، وقد تكلم فيه غير واحد، وقال البخاري: يعرف وينكر،
وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة.
قوله: يبلغ من معه أي مع قائد الفتنة، وهو جملة صفة له، والمعنى والله أعلم: أن
رسول الله 3/* قد ذكر لنا كل قائد فتنة يبلغ أتباعه ثلثمائة فما فوق ذلك یکون إلى يوم
القيامة.
٤٢٩٧ - قال رسول الله *: ((إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وُضع
السيف في أمتي، لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة )).
قلت: هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الفتن من حديث ثوبان، وهو
حديث طويل ولفظ أبي داود عن ثوبان قال: قال رسول الله :8 3: ((إن الله زوى لي
الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ مازوي لي منها، وأعطيت
الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني (ق ١٤٤ / ب) سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة
(١) أخرجه البخاري (٧٠٦٨)، والترمذي (٢٢٠٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٤٣). وإسناده ضعيف، فيه ابن لقبيصة مجهول. التقريب (٨٥٦٠)، وكذلك
عبدالله بن فروخ قال عنه في التقريب " صدوق يغلط " انظر: التقريب (٣٥٥٥)، والكاشف (٢٩٠٨)،
والتاريخ الكبير (٥٣٧/٥)، والثقات (٣٣٥/٨).
٤٥٥

عامة، ولا يسلط عليها عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا
محمد، إني إذا قضيت قضاء فإن لا يرد ولا أهلكهم بسنة عامة ولا أسلط عليهم عدواً
من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو قال
بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضاً، وإنما
أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم
القيامة ... )) وتمام الحديث سيذكره المصنف قبل آخر الباب بحديث عن ثوبان.(١)
٤٢٩٨ - قال: سمعت رسول الله 8# يقول: ((الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً)»،
ثم يقول سفينة: أمسك: خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشراً، وخلافة عثمان
اثنتي عشرة، وعلي ستة.
قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في الفتن والنسائي في المناقب من حديث
(٢)
سفینة، قال الترمذي: حسن، لانعرفه إلا من حديث سعید بن جهمان انتھی.
وسعيد هذا: روى له الأربعة ووثقه ابن معين وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
ومعنى الحديث: أن الخلافة حق الخلافة إنما هي للذين صدّقوا هذا الاسم بأعمالهم،
وتمسكوا بسنة رسول الله ﴿ من بعده، فإذا خالفوا السنة، وبدّلوا السيرة، فهم حينئذ
ملوك وإن سميناهم خلفاء(٣).
٤٢٩٩- قال: قلت: يا رسول الله ! أیکون بعد هذا الخیر شر، كما كان قبله شر ؟
قال: ((نعم))، قلت: فما العصمة؟ قال: ((السيف))، قلت: وهل بعد السيف بقية ؟
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣٩٥٢) وكذلك الترمذي (٢٢٢٩) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٤٦) (٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في الكبرى (٨١٥٥). وأخرجه
كذلك أحمد (٢٢٠/٥).
وإسناده حسن، في إسناده: سعيد بن جمهان وفيه كلام ينزل حديثه عن درجة الصحة. فقال عنه
الحافظ: صدوق له أفراد، التقريب (٢٢٩٢).
(٣) انظر: شرح السنة للبغوي (٧٥/١٤).
٤٥٦

قال: ((نعم، تكون إمارة على أقذاء، وهدنة على دخن))، قلت: ثم ماذا ؟ قال: (( ثم
تنشأ دعاة الضلال، فإن كان لله في الأرض خليفة جلد ظهرك، وأخذ مالك، فأطعه،
وإلا فمت وأنت عاضّ على جذل شجرة))، قلت: ثم ماذا ؟ قال: ((ثم يخرج الدجال
بعد ذلك، معه نهر ونار، فمن وقع في ناره، وجب أجره، وحُط وزره، ومن وقع في
نهره، وجب وزره، وحط أجره))، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ((ثم يُنتج المهر، ولا
يُركب حتى تقوم الساعة )).
قلت: رواه أبو داود والحاكم في المستدرك كلاهما في الفتن مع تغيير بعض الألفاظ
(١)
من حديث حذيفة.
قوله {#: تكون إمارة على أقذاء قال في النهاية ": الأقذاء جمع قذى، والقذى:
جمع قذاة، وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك،
أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم، فشبهه بقَذَى العين والماء والشراب،
قوله {/: وهدنة على دخن، أي صلح على بقايا من الضغن وذلك أن الدخان أثر من
النار يدل على بقية منها.
وأما أمره 348: بالطاعة وإن ضرب ظهره وأخذ ماله فإنه إذا لم يصبر ثارت الفتنة.
قوله { 34: بالطاعة وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة، الجذل: بالكسر والفتح
أصل الشجرة يقطع أغصانها.
وأراد ◌َّ: الحث على العزلة والصبر على مضض الزمان والتحمل لمشاقه وشدائده،
قوله {* ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة. قال الجوهري : المهر: ولد
الفرس، والجمع أمهار ومهار، الأنثى مهرة، قال بعض الشراح: فلا يركب المهر بكسر
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٤٤) (٤٢٤٥) (٤٢٤٧)، والحاكم (٥٠٢/٤)، وصححه، ووافقه الذهبي.
وفي إسناده سبيع بن خالد اليشكري قال الحافظ: مقبول، التقريب (٢٢٢٣).
(٢) انظر: النهاية (٣٠/٤).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٨٢١/٢).
٤٥٧

الكاف من قولهم: أركب المهر إذا حان وقت ركوبه، وقال بعضهم: لعل المراد به زمان
نزول عيسى عليه السلام وظهور الإسلام ووقوع العدل والأمن فلا يركب المهر إلى يوم
القيامة لعدم احتياج الناس في ذلك الزمان إلى محاربة بعضهم بعضاً.
٤٣٠٠ - وفي رواية: (١٤٥/أ) ((هدنة على دخن وجماعة على أقذاء))، قلت: يا
رسول الله ! الهدنة على الدخن، ما هي؟ قال: ((لا ترجع قلوب أقوامٍ على الذي
كانت عليه))، قلت: بعد هذا الخير شر؟ قال: ((فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على
أبواب النار، فإن تمت ياحذيفة وأنت عاض على جذل شجرة: خير لك من أن تتبع
أحداً منهم ».
قلت: رواها أبو داود في الفتن والنسائي في القرآن من حديث حذيفة.(١)
قوله {18: فتنة عمياء صماء أي لا يبصر فيها الحق ولا يسمع، قال ابن الأثير: هى
التي لا سبيل إلى تسكينها لأن الأصم لا يسمع الاستغاثة، ولا يفهم بالإشارة لعدم
رؤيته، وقيل: هي كالحية الصماء التي لا تقبل الرّقَى.
٤٣٠١ - قال: كنت رديفاً خلف رسول الله # يوماً على حمار، فلما جاوزنا بيوت
المدينة، قال: (( كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة جوع، تقوم عن فراشك، فلا تبلغ
مسجدك حتى يُجهدك الجوع ؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( تعفف يا أبا
ذر)) قال: «كيف يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيتُ العبد، حتى أنه يباع القبر
بالعبد ؟ )) قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( تصبریاأبا ذر»، قال: « کیف بك یا
أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل، تغمر بالدماء أحجار الزيت ؟)) قال: قلت: الله ورسوله
أعلم، قال: ((تأتي من أنت منه))، قال: قلت: وألبس السلاح؟ قال: ((شاركت
القوم إذاً))، قلت: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: ((إن خشيت أن يبهرك شعاع
السيف، فالق ناحية ثوبك على وجهك، ليپوء بإممك وإثمه )).
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٧٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣٣).
(٢) انظر: النهاية (٥٤/٣).
٤٥٨

قلت: رواه أبو داود وابن ماجه كلاهما في الفتن والحاكم في المستدرك وقال: على
شرط الشيخين، والمصنف في شرح السنة بسنده المتصل بهذا اللفظ كلهم من حديث
عبدالله بن الصامت ابن أخي أبي ذر عن أبي ذر وسكت عليه أبو داود. (١)
وجهدك: قال ابن الأثير(١): قد تكرر لفظ الجهد كثيراً، وهو بالضم: الوُسْع
والطاقة، وبالفتح: المشقّة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع
والطاقة، أما في المشقة والغاية فبالفتح لا غير.
وتعفف: التعفف هو الكف عن الحرام، والسؤال من الناس.
قوله {8#: حتى يبلغ البيت العبد، المراد بالبيت ههنا القبر، وأراد أن مواضع القبور
تضيق فيبتاعون كل قبر بعيد.
قال الخطابي : قد يحتج بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب قطع النباش وذلك أن
النبي 8# سمى القبر بيتاً فدل على أنه حرز كالبيوت.
قوله #: تغمر الدماء أحجار الزيت أي تسترها.
وأحجار الزيت: هو موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء،
قال بعضهم: قد وقعت هذه الوقعة في أيام يزيد، توجه إليها مسلم بن عقبة المري في
عسكر، ونزل مسلم بالحرة بالقرب من المدينة واستباح حرمتها، وقيل: رجالها ثلاثة
أيام، وقيل خمسة، ثم توجه إلى مكة فمات في الطريق (٤).
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٦١)، وابن ماجه (٣٩٥٨)، والحاكم (٤٢٣/٤)، وصححه، ووافقه الذهبي،
والبغوي في شرح السنة (١١/١٥- ١٢) رقم (٤٢٢٠)، وقد صححه ابن حبان (الإحسان) (٥٩٦٠).
وفيه: مشعث بن طريف، قال الذهبي: لا يعرف، وقال الحافظ: مقبول. انظر: الميزان (٤ /ت
٨٥٥١)، والتقريب (٦٧٢٥). وقال الذهبي في الكاشف (٢٦٦/٢): وثّق.
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣٢٠/١).
(٣) انظر: معالم السنن (٣١٤/٤).
(٤) انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (١ /١٠٩)، والمغانم المطابة في معالم طابة للفيروز آبادي
(ص: ٩).
٤٥٩

قوله 8#: تأتي من أنت منه، معناه الانضمام إلى الفئة التي أنت منها ولفظه لفظ الخبر
ومعناه الأمر.
ويبهرك شعاع السيف، أي: يغلبك ضوؤه وبریقه.
قال الخطابي: الباهر المضيء الشديد الإضاءة.
٤٣٠٢ - قال النبي #: «كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس، مرجت عهودهم
وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا ؟ )) وشبك بين أصابعه، قال: نبم تأمرني ؟ قال: ((
عليك بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم )).
قلت: هذا الحديث قال فيه خلف الواسطي في أطرافه على الصحيح حديث ابن عمر
فكيف (ق ١٤٥ /ب) أنت إذا بقيت حثالة من الناس ... رواه البخاري في الصلاة من
حديث واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر أو عمرو، وقال المزي في الأطراف (١): رواه
البخاري في باب تشبيك الأصابع في المسجد من حديث واقد بن محمد عن أبيه عن ابن
عمر أو عمرو، ورواه الحميدي في " الجمع بين الصحيحين "(١) وجعله مما انفرد به
البخاري ولفظه عن واقد بن محمد عن ابن عمر أو ابن عمرو وقال: شبك النبي 8 3
أصابعه وقال: (( كيف بك ياعبدالله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس، قد مرجت
عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا ؟))، قال: فكيف يا رسول الله ؟
قال: ((تأخذ ما تعرف، وتدع ماتنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم))،
هكذا في حدیث بشربن الفضل عن واقد.
وفي حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي فلم أحفظه، فقوّمه لي
واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبدالله: قال رسول الله (8/: ((يا
عبدالله بن عمرو كيف أنت إذا بقيت ... )) وذكره، وليس هذا الحديث في أكثر النسخ
(١) انظر: معالم السنن (٣١٤/٤).
(٢) انظر: تحفة الأشراف للمزي (٤١/٦ رقم ٧٤٢٨).
(٣) انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (٢٧٨/٢ رقم ١٤٣٥).
٤٦٠