النص المفهرس
صفحات 261-280
(١)
قلت: رواه الترمذي في البر وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى.
وسنده جيد، فإنه رواه الترمذي عن زياد بن أيوب عن المحاربي وهو عبدالرحمن بن
محمد عن الليث بن أبي سليم عن عبدالملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس،
والليث بن أبي سليم: وإن كان الذهبي قال: فيه ضعف يسير من قبل حفظه، فقد
(٢)
خرج له أصحاب السنن مقروناً، وكان ذا صلاة وصيام وعلم كثيرً .
قوله ﴿: لاتمار أخاك، من المماراة وهي المخاصمة أي لا تخاصمه.
قوله: لاتمازحه، قال العلماء: المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط يتأذى به، أو
مدوامة تورث كثرة الضحك، وقسوة القلب، وتشغل عن ذكر الله، والفكر في مهمات
الدين، وتؤول في كثير من الأوقات الى الإيذاء وتورث الأحقاد وتسقط المهابة والوقار،
فأما ماسلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﴿ ﴿ يفعله، فإنه ﴿ إنما كان
يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة وتطبيب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لامنع منه
بل هو سنة، إذا كان بهذه الصفة، ودخل الشعبي وليمة فرأي أهلها سكوتاً، فقال:
مالي أراكم كأنكم في جنازة أين الغناء أين الدف.
وقيل لسفيان بن عيينة: المزاح هُجْنة ؟ قال: بل سنة، ولكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه
مواضعه.
(١) أخرجه الترمذي (١٩٩٥) وإسناده ضعيف، فيه: ليث بن أبي سليم والعجب من المناوي في تعديله
لليث بن أبي سليم وقد ترجم له الحافظ في التقريب (٥٧٢١) صدوق اختلط جداً، ولم يتميز حديثه
فترك.
(٢) انظر كلام الذهبي في الكاشف (١٥١/٢) رقم (٤٦٩٢)، وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن
إسماعيل - يعني البخاري - : ليث بن أبي سليم صدوق، وربما يهم في الشيء، كان ليث يرفع أشياء
لا يرفعها غيره، فذلك ضعفوه. انظر رقم (٢٨٠١).
:
٢٦١
وكان ابن سيرين يمزح ويضحك حتى يسيل لعابه، ثم يقرأ ( إنما الحياة الدنيا لعب
ولهو ﴾.
وقيل: کان ابن سیرین کثیر الضحك بالنهار، كثير البكاء بالليل.
وقيل: سمي المزاح مزاحاً لأنه أزيح عن الحق، أي: بُوعِدُ(١).
باب المفاخرة والعصبية
من الصحاح
٣٩٣٩ - ((سئل رسول الله ﴿ أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم. قالوا:
ليس عن هذا نسألك، قال: «فأكرم الناس یوسف نبي الله، ابن نبي الله ابن نبي الله،
ابن خليل الله»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: ((فعن معادن العرب تسألوني ؟ »
قالوا: نعم، قال: (( فخياركم في الجاهلية: خياركم في الإسلام، إذا فقهوا )).
قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي مناقب قريش ومسلم في المناقب والنسائي
(٢)
في التفسير واللفظ للبخاري.
٠
قال عبدالحق قال البخاري: يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله، زاد
نبي الله فذكر نبيين بين يوسف وإبراهيم، وكذلك في بعض النسخ من كتاب مسلم
ورواية مسلم: (( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)).
وقال البخاري: في بعض طرق هذا الحديث في تفسير سورة يوسف: (( خیارکم في
الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا )).
(١) انظر: شرح السنة للبغوي (١٨٤/١٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٨٩) (٣٣٥٣) (٣٣٧٤) (٣٣٨٣) (٣٤٩٠)، ومسلم (٢٣٧٨)، والنسائي في
الكبرى (١١٢٤٩).
٢٦٢
قال ابن الأثير : الكريم المطلق هو الجواد المعطي الذي لاينفد عطاؤه، والكريم
الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، وسمي يوسف كريماً لأنه اجتمع له شرف
النبوة والعلم والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورياسة الدنيا والدين، فهو نبي
ابن نبي ابن نبي ابن نبي رابع أربعة في النبوة.
ومعادن العرب: أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها.
٣٩٤٠ - قال رسول الله 48: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن
يعقوب بن إسحق بن إبرهیم ».
(٢)
قلت: رواه البخاري في تفسير سورة يوسف وفي غيره من حديث ابن عمر.
٣٩٤١ - قال في يوم حنين: كان أبوسفيان بن الحارث آخذاً بعنان بغلته - يعني بغلة
رسول الله 8 - ، فلما غشيه المشركون، نزل فجعل يقول:
« أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبدالمطلب )
قال: فما رئي من الناس يومئذ أشد منه.
قلت: رواه البخاري في الجهاد ومسلم في المغازي كلاهما من حديث البراء بن
(٣)
عازب (٢).
وقيل: انتسب إلى عبدالمطلب للتقريب، وخصه لأنه ربَّاه { /، وقيل: كان عبدالمطلب
رأي في النوم شجرة عظيمة، خرجت من صلبه وبلغت أغصانها المشرق والمغرب،
وارتفعت فروعها إلى السماء فقص هذه الرؤية على الكهنة، فعبروها بأنها نبي آخر
الزمان يخرج من صلبك، وكانت هذه القصة مشهورة عندهم فيما بينهم، فأشار النبي
* بهذا القول إلى أنه تلك الشجرة، وأنه هو الرؤيا التي رآها عبدالمطلب، فإن قلت:
هذه مفاخرة، قلت: لا، هي من باب قوله تعالى: ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾.
(١) النهاية (١٦٦/٤ - ١٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٨٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٢) (٢٨٦٤) (٢٨٧٤) (٢٩٣٠)، ومسلم (١٧٧٦).
٢٦٣
٣٩٤٢ - قال: جاء رجل إلى النبي # فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله % :: «
ذاك إبراهيم عليه السلام ».
قلت: رواه مسلم في المناقب وأبوداود في السنة والترمذي والنسائي كلاهما في التفسير
كلهم من حديث أنس ولم يخرجه البخاري.(١)
والبرية: الخلق، تقول برأه الله يبرؤه إبراء أي خلقه وتجمع على البرايا.
٣٩٤٣ - قال #: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدالله،
فقولوا: عبدالله ورسوله )).
قلت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وهو طرف من حديث السقيفة، والترمذي في
الشمائل كلاهما من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.(١)
والإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح
عيسى وإطرائه بالباطل، فمنعهم 8# أن يطروه بالباطل.
٣٩٤٤ - أن رسول الله ﴿﴿ قال: «إن الله أوحى إليّ: أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد
على أحد، ولا يبغي أحد على أحد )).
قلت: رواه مسلم في أواخر الصحيح في حديث طويل من حديث عياض ابن حمار
المجاشعي، ولم يخرجه البخاري ولا أخرج عن عياض بن حمار شيئاً.(٣)
والتواضع: تفاعل من الضعة وهو الذل والإهانة. والفخر: داء الكبر والشرف.
من الحسان
٣٩٤٥ - أن النبي 8# قال: (( لينتهين أقوام يتفاخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم
من جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعَل الذي يُدهده الخرء بأنفه، إن الله قد
(١) أخرجه مسلم (٢٣٦٩)، وأبو داود (٤٦٧٢)، والترمذي (٣٣٥٢)، والنسائي في الكبرى (١١٦٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) (٦٨٣٠)، والترمذي في الشمائل (٣٣١).
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥).
٢٦٤
أذهب عنكم عُبّية الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس
کلهم بنوآدم، وآدم من تراب )».
قلت: رواه أبو داود في الأدب والترمذي في المناقب واللفظ للترمذي، وقال:
(١)
سن(١)
حسن.
وروى أيضاً بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﴿ قال: (( ثم قد أذهب الله عنكم عبية
الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، والناس بنو آدم وآدم من تراب))
وقال الترمذي: وهذا أصح عندنا.(٢)
والجعل: حيوان معروف كالخنفساء، والدهدهة: الدحرجة يقال: «هدهت الحجر أي
دحر جته.
والخرء: العذرة، شبههم النبي 183 حالة افتخارهم بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بعد
أن نهاهم بالجعل، وشبه آباءهم المفتخر بهم بالخرء، وشبه نفس افتخارهم بضم
الدهدهة بالأنف.
قوله: عبية الجاهلية، قال الهروي ": هي بكسر العين وضمها يعنى الكبر، قال
الجوهري : يقال: رجل فيه عُبِّية وعِّية أي كِبْر وتجبّر، وعُبِيَّة الجاهلية: نخوتُها.
٣٩٤٦- قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله 8. فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (
السيد الله)) فقلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً، فقال: ((قولوا قولكم، أو بعض
قولكم، ولا يستجرينّكم الشيطان )».
(١) أخرجه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥) وإسناده حسن وأخرجه أحمد (٣٦١/٢، ٥٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي أيضاً (٣٩٥٦).
(٣) انظر: الغريبين للهروي (٦٠/٤).
(٤) الصحاح (١٧٥/١).
٢
٢٦٥
قلت: رواه أبو داود في الأدب وسكت هو والمنذري عليه والنسائي في اليوم والليلة
كلاهما من حديث مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه. (١)
ومعنى الحديث: أن السؤدد حقيقته لله عز وجل، ولعله 8# إنما منعهم مع قوله 8%:
أنا سيد ولد آدم، وقوموا إلى سيدكم، من أجل أنهم حديث عهدهم بالإسلام أو كانوا
يحسبون السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا فعلمهم وأرشدهم إلى الأدب، فقال: قولوا
قولكم يريد أهل دينكم، وادعوني رسولاً ونبياً كما سماني الله عز وجل، ولا تسموني
سيداً كما تسمون رؤساكم قاله الخطابي (٢).
وبعض قولكم: فيه حذف، ومعناه: دعوا بعض قولكم، يريد الاقتصار في المقال،
ولا يستجرينكم الشيطان، قيل: معناه لا يستجرينكم الشيطان على الجرأة بذكر مالا
يليق، وقيل: لا يتخذنكم جَرِيّاً، والجري الوكيل، ويقال: الأجير، وسمي الوكيل
جرياً لأنه يجري مجرى موكله(٣).
٣٩٤٧ - أن النبي {# قال: ((الحَسَب المال، والكرم التقوى)).
قلت: رواه الترمذي في التفسير، وقال: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه
ورواه ابن ماجه في الزهد كلاهما من حديث الحسن عن سمرة (4) وقد تكلم الناس في
سماع الحسن من سمرة وقدمنا ذلك، والحسن هذا هو الحسن البصري وأبوه يسار من
سبي ميسان أعتقته الربيع بنت النضير.
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٥)، وإسناده صحيح وأخرجه أحمد (٢٥/٤).
وانظر: مختصر المنذري (١٧٧/٧).
(٢) معالم السنن (١٠٤/٤).
(٣) المصدر السابق.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٧١)، وابن ماجه (٤٢١٩)، والبغوي في شرح السنة (١٢٥/١٣)، وإسناده
ضعيف، الحسن مدلس، وقد عنعن ولم يسمع كل ما رواه عن سمرة. وله شواهد ذكرها الشيخ
الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٦٩).
٢٦٦
قال وكيع في قوله: الحسب: المال، يريد أن الرجل إذا صار ذا مال عظّمه الناس.
وقال سفيان: إنما هو قول أهل المدينه إذا لم يجد الرجل نفقة امرأته، فُرق بينهما.
وروي عن عمر أنه قال: حسب الرجل ماله، وكرمه دينه، وأصله عقله، ومروءته
خُلقه(١).
(١)
٣٩٤٨ - قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((من تعزَّى بعَزاء الجاهلية، فأعِضّوه يهَنِ
أبيه، ولا تکثُوا )).
قلت: رواه النسائي في السير بسند رجال موثقون. (٢)
والتعزي والاعتزاء: بمعنى الانتساب إلى القوم، يقال: عزيت الشيء وعزيت وأعزوه
إذا أسندته إلى أحد والعزى والعزوة اسم لدعوة المستغيث، وهو أن يقول: يالفلان أو يا
للأنصار ويا للمهاجرين، ومنه الحديث: (( من لم يتعز بعزاء الإسلام فليس منا )). أي
من لم يدع بدعوى الإسلام فيقول يا للإسلام وياللمسلمين ويالله.
وقيل أراد ◌َ® بالتعزي: التأسي والتصبر عند المصيبة، وأن يقول: ( إنا لله وإنا إليه
راجعون ) کما أمر الله تعالی.
ومعنى قوله * بعزاء الله: المراد يترك الكناية، أن يقول له: اعضض بأير أبيك ولا
يكني عن الأير بالهن، وأمره 3# بذلك إغراق في الزجر عن الدعوى انتهى.
یقال: کنیت عن الأمروکنوت عنه إذا وريت عنه بغيره.
(١) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢٥/١٣).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٨٦٤) وإسناده صحيح كما في الصحيحة (٢٦٩)، وأخرجه البخاري في
الأدب المفرد (٩٦٣)، وأحمد (١٣٦/٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٣٥)، وابن حبان
(٧٣٦)، والطبراني في الكبير (١٦٧/١ رقم ٥٣٢). وانظر للتفصيل الأجوبة المرضية للسخاوي
(٦٢١/٢ - ٦٢٤).
٢٦٧
٣٩٤٩ - قال: شهدت مع رسول الله ﴿ أُحداً، فضربتُ رجلاً من المشركين، فقلت:
خذها مني وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي فقال: ((فهلاّ قلت: خذها مني وأنا
الغلام الأنصاري ؟ ».
قلت: رواه أبو داود في الأدب وابن ماجه في الجهاد (١) من حديث عبدالرحمن بن أبي
عقبة عن أبي عقبة، وفي إسنادهما محمد بن إسحاق، وأبو عقبة هذا بصري مولى بني
هاشم بن عبد مناف، وقيل: مولى الأنصار، ذكره غير واحد في الصحابة وقال ابن
عبدالبر: قيل اسمه: رشيد (١).
٣٩٥٠ - عن النبي ® قال: ((من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعير الذي رَدی،
فھو یُنزع بذنبه ».
قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث ابن مسعود بسند صحيح ) (ق١٠٣/أ)
ولذلك سکت هو والمنذري عليه.
قوله : ردى بفتح الراء وكسر الدال المهملة، ويروى بفتحهما لغتان: أي سقط في
بئر أو نهر يريد أنه وقع في الإثم وهلك كالبعير الذي يردى في البئر فصار ينزع بذنبه لا
يقدر على خلاصه، قال ابن الأثير(٤): أراد أنه وقع في الإثم وهلك، كالبعير الذي
تردّي في البئر، وأراد أن يُنزع بذنبه فلا يقدر على خلاصه انتهى.
والمعنى أنه أوقع نفسه في الهلكة بتلك النصرة الباطلة، وقيل: شبه القوم بالبعير
الهالك، لأن من كان على غير الحق فهو كالهالك، وشبه ناصرهم على غير الحق بذنب
هذا البعير الهالك لأنه ينزع بذنبه عند إخراجه من البئر فذنبه ظاهرة في النزع .
(١) أخرجه أبو داود (٥١٢٣)، وابن ماجه (٢٧٨٤) وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد عنعن.
(٢) انظر: الاستيعاب (١٧١٦/٤) رقم (٣٠٩٥)، وقال الحافظ: له صحبة، التقريب (٨٣٢٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١١٨) وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد (٣٩٣/١، ٤٠١، ٤٤٩).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٢١٦/٢).
(٥) انظر: معالم السنن (١٣٨/٤).
٢٦٨
٣٩٥١ - قال: قلت: يا رسول الله ما العصبية؟ قال: ((أن تعين قومك على الظلم)).
قلت: رواه أبو داود في الأدب عن بنت واثلة بن الأسقع أنها سمعت أباها يقول:
قلت: يارسول الله .. وساقه ورواه ابن ماجه في الفتن من حديث عباد بن كثير الشامي
عن امرأة منهم يقال لها فسيلة قالت سمعنا أبي يقول : .. فذكر معناه. (١)
وفسيلة بضم الفاء وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعد اللام المفتوحة
تاء التأنيث وهي: بنت واثلة بن الأسقع، ويقال فيها أيضاً: خصيلة بضم الخاء
المعجمة، وفتح الصاد المهملة.
وعباد بن كثير الشامي وثقه ابن معين وتكلم فيه غير واحد، ولهذا قال المنذري:
وإسناد حديث أبي دواد مثل إسناد ابن ماجه (٢).
٣٩٥٢ - قال: خطبنا رسول الله # فقال: ((خيركم المدافع عن عشيرته، ما لم يأثم)).
قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث سعيد بن المسيب عن سراقة بن مالك بن
جعشم، وفي إسناده: أيوب بن سويد أبو مسعود الحميري السيباني، ضعفه ابن معين
ونسبه إلى سرقة الحديث، وقال ابن المبارك: أرم به، وتكلم فيه غير واحد.(١١
(٤) : وفي سماع سعيد بن المسيب من سراقة المدلجي نظر، فإن وفاة سراقة:
قال المنذري
كانت في سنة أربع وعشرين على المشهور، ومولد سعيد ابن المسيب: سنة خمس
عشرة، فعلى هذا يصح سماعه منه، وقال مالك: إن مولد سعيد بن المسيب لثلاث
(١) أخرجه أبو داود (٥١١٩)، وابن ماجه (٣٩٤٩). وإسناده ضعيف، لضعف عباد بن كثير الشامي ترجم
له الحافظ في "التقريب" (٣١٥٦) وقال: متروك، قال أحمد : = = روى أحاديث كذب، وفسيلة:
هي ابنة واثلة بن الأسقع، مقبولة ولها حديث واحد، انظر التقريب (٨٧٥٩).
(٢) انظر هذا الكلام في مختصر المنذري (١٧/٨ - ١٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٢٠) وإسناده ضعيف.
(٤) مختصر السنن (١٨/٨)، وأيوب بن سويد الرملي، أبو مسعود الحميري السّيْباني قال الحافظ: صدوق
يخطيء، التقريب (٦٢٠).
٢٦٩
سنين بقيت من خلافة عمر وقتل عثمان، وهو ابن أربع عشرة سنة، فيكون مولده على
هذا سنة عشرين أو إحدى وعشرين، فلا يصح سماعه منه، وقال الواقدي: مات سنة
أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبدالملك وهوابن خمس وسبعين سنة وهو قريب من
قول مالك.
٣٩٥٣ - أن رسول الله ﴿ قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل
عصبية، وليس منا من مات على عصبية)).
قلت: رواه أبو داود في الأدب من حديث عبدالله بن أبي سلمان عن جبير ابن مطعم،
ونقل المنذري عن أبي داود في بعض الروايات عنه: هذا مرسل، عبدالله بن أبي
سلیمان: لم يسمع من جبیر، هذا آخر كلامه.(١)
ومراده أن الحديث منقطع، وفي إسناده: محمد بن عبدالرحمن المكي، وقيل فيه:
العُكي، قال أبو حاتم الرازي: هو مجهول، قال المنذري ١١: وقد أخرج مسلم في
صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي هريرة نحوه بمعناه، أتم منه من حديث جندب
بن عبدالله البجلي مختصراً.
٣٩٥٤- عن النبي # أنه قال: ((حبك الشيء: يعمي ويصم)).
قلت: رواه أبو داود في الأدب ١١ وترجم علیه: باب في الهوی من حدیث بلال بن أبي
الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي 8#، وفي إسناده: بقية بن الوليد وأبو بكر بكير بن
عبدالله بن أبي مريم الغساني الشامي وفي كل واحد منهما مقال: وأبو بكر ضعفوه،
وروی عن بلال عن أبیه قوله، ولم یرفعه (ق ١٨ /ب).
(١) أخرجه أبو داود (٥١٢١) وإسناده ضعيف، وانظر: مختصر المنذري (١٩/٨).
(٢) مختصر السنن (١٩/٨)، وانظر قول أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣٢٦/٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٣٠) وإسناده ضعيف.
٢٧٠
قال المنذري : وقيل: إنه أشبه بالصواب، ويروى من حديث معاوية بن أبي
سفيان، ولا يثبت، وسئل ثعلب عن معناه ؟ فقال: يعمي العين عن النظر إلى مساويه،
ويصم الأذن عن استماع العذل فيه وأنشأ يقول:
وكذّبت طرفي فيك، والطّرف صادق وأسْمعت أذني فيك ماليس تسمع
وقال غيره: يعمي ويصم عن الآخرة.
وفائدته: النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في محبته (١).
باب البر والصلة
من الصحاح
٣٩٥٥ - قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك))
قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من ؟ قال: (
ثم أبوك))، ويروى: من أبر؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك ثم أباك، ثم أدناك
أدناك ».
قلت: أخرج الحديث الشيخان وابن ماجه في الأدب كلهم من حديث أبي هريرة
وأبوحاتم والرواية: في مسلم.(٣)
والصحابة: بفتح الصاد بمعنى الصحبة.
(١) انظر: مختصر السنن (٣١/٨).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في أجوبته: " ... ومعنى هذا الحديث أنه خبر يراد به النهي عن اتباع الهوى، فإنه
من يفعل ذلك لا يبصر قبيح ما يفعله، ولا يسمع نصح من يُرشده، وإنما يقع ذلك لمن لم يتفقد أحوال
نفسه، والله أعلم، انظر هداية الرواة (٤ /٤٠٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨)، وابن ماجه (٢٧٠٦)، وابن حبان (٤٣٤).
٢٧١
قوله : من أحق بحسن صحابتي ومن أبر قال: أمك ثلاث مرات، وفي الأب مرة، قال
فيه بعضهم: ينبغي أن تكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب، لأن النبي ◌َ ﴾ أمر ببرها ثلاثاً،
وبر الأب مرة، ويشهد لذلك أنها تحمل مشقة الحمل ثم مشقة الوضع ثم مشقة الحضانة
والتربية والرضاع، دون الأب، وقال بعضهم: لها ثلثا البر: لحديث ورد ذكر الأم فيه
مرتين، والأب مرة، ورواه ابن حبان في صحيحه، واستدل به على ذلك قلت: وليس
بين الحديث الذي ظاهره أن لها ثلاثة أرباع البر، وبين الحديث المقتضي الثلثين منافاة،
بل يحمل الأول على أم ربت الولد وأرضعته، والثاني على أم لم يوجد منها ذلك،
وهذا سنح به الخاطر ولعله الصواب والله أعلم (١).
ونقل عن مالك أنهما في البرسواء، وذكر المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب إجماع
العلماء، والصحيح عندنا أنه إذا اجتمع الأب والأم في الاحتياج إلى النفقة وليس عند
الولد إلا كفايه أحدهما، قدمت الأم، وقيل: الأب وقيل: هما سواء (٢).
٣٩٥٦- قال رسول الله ﴾: ((رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه ))، قيل: من يا رسول
الله ؟ قال: (( من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، ثم لم يدخل الجنة )).
وفي لفظ: (( رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف )).
(٣)
قلت: رواه مسلم في الأدب من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري.
قوله: رغم أنف، أي ذل وخزي، كأنه لصق بالرغام بالفتح وهو التراب، يقال: رغم
بالفتح يرغم بالضم: ذل، ورغم بالكسر يرغم بالفتح أيضاً والرَّغم والرُّغم والرِّغم
(١) انظر: إكمال المعلم (٥/٨ -٦)، والمنهاج للنووي (١٦/ ١٥٤).
(٢) انظر: المنهاج للنووي (١٦/ ١٥٤).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٥١).
٢٧٢
بالجميع الذلة، قوله: أحدهما أو كلاهما، كذا هو في نسخ المصابيح المعتمدة ، وكثير
من نسخ مسلم وفي بعضهما: أحدهما أو كليهما بالنصب(٢).
قال القرطبي : وهو الرواية الصحيحة لأنه بدل من والديه، وأما الرفع فعلى
الابتداء ويتكلف لهما إضمار الخبر.
٣٩٥٧ - قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش، فقلت: يا رسول الله
إن أمي قدمت علي، وهي راغبة، أفأصلها ؟ قال: (( نعم، صليها )).
قلت: رواه الشيخان: البخاري في الهبة وزاد فيه: قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى:
﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) ومسلم وأبو داود في الزكاة من
حديث أسماء بنت أبي بكر (4) واختلفوا هل كانت أمها التي ولدتها وهي قُتَيْلة: بضم
القاف وفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الياء آخر الحروف، وقيل: قيلة: بفتح القاف
وسكون الياء بنت عبدالعزى القرشية العامرية، ولم يبلغنا إسلامها ولا ذكرها ابن
عبدالبر في الصحابيات.
وقيل: إن القادمة على أسماء لم تكن أمها من النسب بل من الرضاع، ومعنى في عهد
قريش في المدة التي (ق١٠٦ / أ) عاهدت قريش فيها رسول الله : ﴿ والمراد أنها جاءت
طائعة، هذا في رواية: راغبة، وجاء في أبي داود: راغمة أي كارهة الإسلام ساخطة
علي، وفي رواية لابن حبان: راغبة راهبة(٥).
والصلة: العطية والإنعام.
(١) كما في مشكاة المصابيح، عن الطبعة الهندية (١٨٣٠/٤).
(٢) انظر: إكمال المعلم (١٤/٨).
(٣) انظر: المفهم للقرطبي (٥١٩/٦).
(٤) أخرجه البخاري (٥٩٧٩) (٣١٨٣) (٢٦٢٠) (٥٩٧٨)، ومسلم (١٠٠٣)، وأبو داود (١٦٦٨).
(٥) انظر: معالم السنن (٦٥/٢)، والمنهاج النووي (١٢٤/٧)، ومختصر السنن للمنذري (٢٥١/٢).
٢٧٣
٣٩٥٨ - قال: سمعت النبي # يقول: ((إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي
الله، وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها بيلالها )).
قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان من حديث قيس ابن أبي حازم عن
(١)
عمرو بن العاص.
قوله: فلان، هو من قول بعض الرواة، خشي أن يسميه فيترتب على تسميته مفسدة
فكنى عنه بفلان، والغرض إنما هو قوله {8#: إنما وليي الله وصالح المؤمنين، فليس وليي
من كان غير صالح وإن قرب نسبه.
قال القاضي عياض : قيل المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص وفيه التبرؤ من
المخالفين والتنبيه على موالاة الصالحين والإعلان بذلك مالم يخف فتنة.
قلت: ويشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من
المؤمنين﴾ على القولين في إعراب: ومن اتبعك، هل هو معطوف على الفاعل
فتقديره: يكيفك الله والمؤمنون، أو على الكاف فتقديره: يكفيك ومن اتبعك الله،
فعلى الأول يكون: وصالح المؤمنين قد عطف على الفاعل وهو الجلالة، وعلى الثاني:
يكون معطوفاً على المضاف إليه، تقديره: وليي الله وولي صالح المؤمنين، كذلك
يعني الله.
قوله أبلها ببلالها: قال النووي: هو بفتح الباء الثانية وكسرها قال القاضي عياض:
رويناه بالكسر قال: ورأيت للخطابي أنه بالفتح، وقال صاحب المطالع ورويناه بالكسر
والفتح من: بله يبله والبلال الماء شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء
الحرارة، ومنه: بلوا أرحامكم أي صلوها (١).
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥). ولم أجد في مسلم: " ولكن لهم رحم أبلها بيلالها".
(٢) إكمال المعلم (٦٠٠/١)، والمنهاج للنووي (١٠٩/٣).
(٣) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٢١٦٧/٣)، وشرح السنة للبغوي (٣٠/١٣)، وفتح الباري
(١٠/ ٤٢٠).
٢٧٤
٣٩٥٩ - قال رسول الله 8#: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات،
ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثره السؤال، وإضاعة المال )).
قلت: رواه البخاري في مواضع في الزكاة وفي الاستقراض وفي الأدب وفي الرقاق،
وهذا لفظه في الاستقراض، ومسلم في الأحكام بطرق وكلها متقاربة اللفظ والنسائي في
الرقائق ثلاثتهم من حديث وراد كاتب المغيرة ابن شعبة ١١ عن المغيرة فرفعه.
قوله: عقوق الأمهات، قال ابن الأثير(١): يقال: عق والده يعقه عقوقاً فهو عاق، إذا
آذاه وعصاه، وهو ضد البر وأصله من العق: وهو الشق والقطع، وإنما خصّ الأمهات
وإن كان عقوق الآباء وغيرهم من ذوي الحقوق عظيماً فلعقوق الأمهات مزية في
القبح، وقد تكرر ذکر عقوق الوالدين من الكبائر في الأحاديث، انتهى.
وسئل الحسن عن بر الوالدين فقال: أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك
مالم یکن إثماً
قوله: ووأد البنات: بالهمز أي دفنهن أحياء.
ومنع وهات: هوبكسر التاء أي منع ماوجب عليه وهات ماليس له. وقيل: وقال:
معناه الحدیث بکل ما تسمعه فیقول: قیل: کذا، وقال: فلان کذا مما لایعلم صحته،
ولا يظنها وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.
واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين: أحدهما: أنهما فعلان، فقيل مبني لما
لم يسم فاعله، أوقال: فعل ماضي والثاني: أنهما اسمان مجروران منونان لأن القال
(٣)
والقيل والقول والقالة كله بمعنى، قاله النووي .
وكثرة السؤال هو الإلحاح فیما لا حاجة إليه.
(١) أخرجه البخاري (٢٤٠٨) (٥٩٧٥)، ومسلم (٥٩٣)، في كتاب الأقضية بعد حديث رقم (١٧١٥)،
والنسائي في الكبرى (تحفة الأشراف (١١٥٣٦). ولم أجده في المطبوع من الكبرى.
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٢٧٧/٣).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (١٦/١٢).
٢٧٥
وإضاعة المال: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا،
وترك حفظه مع إمكان الحفظ، ويدخل فيه سوء القيام على ما يملكه من الرقيق،
والدواب، حتى يضيع فتهلك، وقسمة مالا ينتفع به الشريك كاللؤلؤة والسيف والحمام
الصغير، واحتمال الغبن الفاحش في البياعات ونحوها، وكذلك دفع المال لمن لم يؤنس
رشده.
٣٩٦٠ - قال رسول الله : ((من الكبائر شتم الرجل والديه))، قالوا: يا رسول الله
! وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال: (( نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه
فيسب أمه )).
قلت: رواه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان وأبو داود في الأدب والترمذي في البر
كلهم من حديث حميد بن عبدالرحمن عن عبدالله بن عمرو بن العاص ١) وفي الحديث
دليل على أنه من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء.
(٢) : وفيه سد الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر،
قال النووي
والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك، انتهى.
والذريعة: هي الامتناع مما ليس ممنوعاً في نفسه مخافة الوقوع في محظور، والحديث قد
جاء على وفق قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبو الله عدواً بغير
علم ).
وقال في المفهم: إن قوله 8# ((من الكبائر شتم الرجل أباه )): يعني من أكبر الكبائر،
لأن شتم المسلم الذي ليس بأبٍ كبيرة، فشتم الآباء أكبر منه، انتهى.
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، وأبو داود (٥١٤١)، والترمذي (١٩٠٢).
(٢) المنهاج (١١٧/٢).
(٣) المفهم للقرطبي (٢٨٥/١).
٢٧٦
قلت: وهذا فاسدمن وجهين أحدهما: أنا لا نسلم أن شتم المسلم كبيرة مطلقاً بل
يختلف إن كان الشتم بقذف ونحوه فكبيرة، وإلا فليس بكبيرة فليس مطلق الشتم في حق
الأجانب كبيرة.
والثاني: أنا وإن سلمنا أنه كبيرة في حق الأجانب فذاك مباشرة الشتم، أما التسبب
فلا، فيكون التسبب كبيرة في حق الولد لوالده فبطل تقدير من أكبر الكبائر، والله أعلم.
٣٩٦١ - قال النبي#: ((إن من أبرّ البر: صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي)).
قلت: رواه مسلم وأبو داود كلاهما في البر (١) من حديث عبدالله بن دينار عن عبدالله
بن عمر ولم يخرجه البخاري.
قال النووي (٢): الودهنا: بضم الواو، وفي هذا صلة أصدقاء الأب، والإحسان
إليهم، وإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب وإكرامه، لكونه بسببه، وتلتحق به أصدقاء
الأم والأجداد والمشايخ، وقد ورد أن النبي # كان يصل صدائق خديجة رضي الله عنها
براً بها ﴿ ورضي الله عنها.
قوله: بعد أن يولي أي بعد أن يولي الأب أي يموت، لأن ذلك أعظم في إكرام الأب
ومحبته، ومقتضاه أنه إذا بره في حياته لا يكون أبر البر، بل هو بر وليس بأبر البر وهذا
ظاهر.
٣٩٦٢ - قال رسول الله ﴾: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره
فليصل رحمه )».
قلت: رواه البخاري في البيوع ومسلم في الأدب وأبو داود في الزكاة والنسائي في
التفسير كلهم من حديث يونس عن ابن شهاب عن أنس به.(٣)
(١) أخرجه مسلم (٢٥٥٢)، وأبو داود (٥١٤٣).
(٢) المنهاج (١٦٥/١٦).
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧)، وأبو داود (١٦٩٣)، والنسائي (٤٤٩).
٢٧٧
وبسط الرزق: توسعته وكثرته. قوله {8##: ينسأ، مهموز أي يؤخر، يقال: نسأته أي
أخرته، وكذلك أنسأته، فعلت وافتعلت بمعنى. والأثر: الأجل، سمي بذلك لأنه يتبع
العمر، وأصله من أثر مشيه في الأرض، فإذا مات لا يبقى لقدمه أثر، وهذا محمول عند
بعضهم على أن المراد به البركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أو قاته بما ينفعه
في الآخرة وصيانتها عن الضياع في غير ذلك، وقيل: هذا بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة
في اللوح المحفوظ، ونحوذلك فيظهر لهم أن في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل
رحمه (ق ١٠٨ / أ) فإن وصلها زيد له أربعون، وقد علم الله ما سيفعل من ذلك،
وهو من معنى قوله تعالى: ﴿ يمحو الله مايشاء ويثبت ) وبالنسبة إلى علم الله وما
قدره، لازيادة بل مستحيلة، وبالنسبة إلى ما يظهر للمخلو قين تتصور الزيادة وهو مراد
الحديث، وقيل: إن المراد بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت، وهو ضعيف أو باطل.
وصلة الرحم: درجات بعضها أرفع من بعض فأدناها ترك المهاجرة وأدنى صلتها
بالسلام، وهذا بحسب القدرة عليها والحاجة إليها، فمنها: مايتعين ويلزم، ومنها:
ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعاً، ولامن
قصرعما ينبغي له وتعدی علیه یسمی واصلاً.
واختلفوا في الرحم التي تجب صلتها، فقيل: كل رحم محرم، فلا يجب في بني الأعمام
والعمات وبنى الأخوال والخالات، واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها
أو خالتها في النكاح، وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال، وقيل: عام في كل ذي
رحم محرم، كان أوغير محرم، وارثاً كان أو غير وارث، قال النووي: وهذا أصح (١).
٣٩٦٣ - قال رسول الله ..: ((خلق الله الخلق، فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت
بحقوي الرحمن، فقال: مَهْ؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين
أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك ؟ قالت: بلى يارب، قال: فذاك)).
(١) انظر هذا الكلام في المنهاج للنووي (١٦٩/١٦ - ١٧١).
٢٧٨
قلت: رواه البخاري في التفسير وفي التوحيد وفي الأدب ومسلم في الأدب والنسائي في
التفسير ثلاثتهم من حديث أبي هريرة ١) والحقو: الإزار، ضبطه صاحب الصحاح
بفتح الحاء المهملة وأصله لمعقدة الإزار، ثم استعير للإزار، لمجاورته، وذلك على سبيل
التجوز والتمثيل، ومنه قولهم: عذت بحقو فلان، أي استجرت واعتصمت، قوله:
مه، معناه ماذا، فأبدلت الألف هاء للوقف والسكت والتقدير: ماذا تطلبين، والعائذ:
المستجير.
٣٩٦٤ - قال رسول الله 8#: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله،
ومن قطعني قطعه الله )).
قلت: رواه الشيخان في الأدب وعزاه الطبري لمسلم خاصة وليس بصحيح وقد ذكره
الحميدي وغيره فيما اتفق علیه الشيخان من حديث عائشة.(١)
٣٩٦٥ - قال: قال رسول الله ﴿: «الرحم شُجنة من الرحمن، قال الله تعالى: من
وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته )).
قلت: رواه البخاري في الأدب من حديث أبي هريرةُ يرفعه.
قوله: شجنة هو بالشين المعجمة وبالجيم ثم النون قال الجوهري : الشجنة والشُجنة
بكسر الشين وضمها، عروق الشجر المشتبكة، وبيني وبينه شجنة رحم: أي قرابة
مشتبكة، وذكر هذا الحديث، وقال: معناه الرحم مشتقة من الرحمن، يعني أنها قرابة
من الله مشتبكة كاشتباك العروق، انتهى كلامه.
(١) أخرجه البخاري (٥٩٨٧) (٧٥٠٢)، ومسلم (٢٥٥٤)، والنسائي في الكبرى (١١٤٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥). وانظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (١٤٦/٤).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٨٨).
(٤) الصحاح (٢١٤٣/٥).
٢٧٩
وقال ابن حبان (١١: إنها قرابة مشتبكة كاشتباك العروق ومعنى شجنة من الرحمن أي
مشتقة من اسم الرحمن، واستدل بحديث عبدالرحمن بن عوف الآتي في الحسان،
واختلفوا في أن الذي تقوله الرحم هل هو في الدنيا أو يوم القيامة ؟ واختاره أبو حاتم
وأورد فيه حديثاً، وترجمه بباب بيان أن تشتكي الرحم إنما يكون يوم القيامة لا في
الدنيا. وروي: ((الرحم شجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة تقول ... )) الحديث.
٣٩٦٦ - قال رسول الله #: ((لا يدخل الجنة قاطع)).
قلت: رواه الشيخان في الأدب وأبو داود في الزكاة والترمذي في البر. ١١
قال سفيان: يعني قاطع رحم، وأخرجه أحمد وأبو حاتم كلهم (ق ١٠٨ /ب) من
حدیث جبير بن مطعم.
٣٩٦٧ - قال رسول الله : (( ليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الذي إذا
قَطَعت رحمُه وصلها )).
قلت: رواه البخاري) وأبو داود كلاهما في الزكاة والترمذي في البر وابن حبان في
صحیحه کلهم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص.
وقطعت: بفتح القاف والطاء. ورحمه مرفوع.
٣٩٦٨- أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة، أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم
ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي ؟ ، فقال: (( لئن كنت كما قلت، فكأنما
تُسفهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك )).
قلت: رواه مسلم في الأدب ولم يخرجه البخاري.
(٤)
(١) صحيح ابن حبان ( الإحسان) (١٨٦/٢، ١٨٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٥)، وأبو داود (١٦٩٦)، والترمذي (١٩٠٩)، وأخرجه
أحمد في المسند (٨٤/٤)، وابن حبان (الإحسان) (٤٥٤)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٣٧).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٩١)، وأبو داود (١٦٩٧)، والترمذي (١٩٠٨)، وابن حبان (٤٤٥).
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٥٨).
٢٨٠