النص المفهرس
صفحات 201-220
وقيل: كاسيات من نعم الله، عاريات من شكره، قال في شرح السنة(١): والأول
أصح.
قال في النهاية(٢): يقال كسا يكسي إذا صار ذا كسوة فهو كاسٍ، ويجوز أن يكون
فاعلاً بمعنى مفعول من كسا يكسو کماء دافق.
ومائلات: أي زائغات عن طاعة الله، ومميلات: يعلمن غيرهن الدخول في مثل
فعلهن، وقيل: مائلات متبخترات في مشيتهن، مميلات: الأكتافهن وأعطافهن، وقيل:
مائلات: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، والمميلات اللائي يمتشطن غيرهن
تلك المشطة، قال الزمخشري(٣): المائلات: اللاتي يَملن خيلاء، المميلات: اللاتي يملن
قلوب الرجال إلى أنفسهن.
وكأسنمة البخت: أي اللواتي يتعممن بالمقانع على رؤوسهن، وهي من شعار
القينات. والأسنمة: جمع سنام.
٢٦٦٣ - قال : ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على
صورته )».
قلت: رواه مسلم في الأدب وخرج البخاري (٤) منه إلى قوله {3/8: " فليجتنب الوجه "
لم يزد عليها كلاهما من حديث أبي هريرة.
والضمير في صورته راجع إلى الوجه المضروب، تقديره: فليجتنب الوجه، فإن الله
خلق آدم على صورة الوجه المضروب.
(١) شرح السنة (٢٧٢/١٠).
(٢) النهاية (١٥١/٤).
(٣) انظر: الفائق للزمخشري (٢٦٠/٣).
(٤) أخرجه البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢).
٢٠١
من الحسان
٢٦٦٤ - عن النبي # قال: ((الرّجْل جبار)).
قلت: رواه أبو داود في الديات والنسائي في العارية من حديث سفيان بن حسين عن
الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة يرفعه(١)، قال الدارقطني(٢): لم يروه
غير سفيان بن حسين، وخالفه الحفاظ عن الزهري، منهم مالك، وابن عيينة، ويونس،
ومعمر، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري فقالوا: "
العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار" ولم يذكروا: "الرجل" وهو الصواب،
وقال الخطابي(٣): وقد تكلم الناس في هذا الحديث، وقيل: إنه غير محفوظ.
وسفيان بن حسين، معروف بسوء الحفظ(٤)، وذكر غيره: أن أبا صالح السماك
وعبدالرحمن الأعرج (ق٣٦١/ب) ومحمد بن زياد ومحمد بن سيرين قالوا: إنما هو
العجماء جرحها جبار، قال المنذري(٥): وروى آدم عن أبي إياس عن شعبة عن محمد
بن زياد عن أبي هريرة عن رسول الله#: "الرجل جبار" قال الدار قطني: تفرد به آدم
بن إياس عن شعبة انتهى كلامه.(٦)
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، والنسائي في الكبرى (٥٧٨٨)، وتحفة الأشراف (١٣١٢٠/١٠) وقد سبق
في كتاب البيوع باب الغصب والعارية.
(٢) الدار قطني في سننه (١٧٩/٣)، وفي (١٥٢/٣)، وفي العلل (١٢١/٩)، وفي أطراف الغرائب
(١٧١/٥).
(٣) معالم السنن (٣٥/٤ - ٣٦).
(٤) وسفيان بن حسين أبو محمد الواسطي، قال الحافظ: ثقة في غير الزهري باتفاقهم، التقريب (٢٤٥٠).
وانظر كذلك: فتح الباري (٢٥٦/١٢)، والتمهيد لابن عبدالبر (٢٤/٧ - ٢٥).
(٥) مختصر سنن أبي داود للمنذري (٣٨٤/٦).
(٦) انظر: أطراف الغرائب والأفراد (٢٦١/٥)، ولفظه فيه: "الدابة جرحها جبار .... "، وانظر: هذا
الكلام کله في مختصر المنذري (٣٨٣/٦ - ٣٨٤).
٢٠٢
قلت: وهذا سند لا غبار عليه (١) وهو دليل لمذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه
ولمن ذهب إلى أن الراكب إذا رتجت دابته إنساناً برجلها فهو هدر وقد تقدم هذا في باب
الغصب.
٢٦٦٥ - ((النار جبار)).
قلت: رواه أبو داود وابن ماجه في الديات والنسائي في العارية من حديث عبدالرزاق
عن معمر عن همام عن أبي هريرة يرفعه.(٢)
قال الخطابي(٣): لم أزل أسمع أهل الحديث يقولون: غلط فيه عبدالرزاق، إنما هو:
" البئر جبار" حتى وجدته لأبي داود عن عبدالملك الصنعاني عن معمر، فدل على أن
الحديث لم ينفرد به عبدالرزاق، فإن صح نقله فهو: " النار يوقدها الرجل في ملكه
لأربٍ، فتطيرها الريح فتشعلها في مال، أو متاع لغيره، بحيث لا يملك ردّها، فيكون
هدراً ".
٢٢٦٦ - قال #: ((من كشف ستراً، فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له، فرأى
عورة أهله، فقد أتی حداً لا يحل له أن يأتيه، لو أنه حین أدخل بصره، فاستقبله رجل
ففقاً عينه، ما عيَّرت عليه، وإن مر الرجل على باب لا ستر له غير مغلق فنظر، فلا
خطيئة عليه، إنما الخطيئة على أهل البيت)).(غريب).
قلت: رواه الترمذي في الاستئذان(٤) من حديث أبي ذر يرفعه، وقال: غريب لا
نعرفه إلا من حديث عبدالله بن لهيعة انتهى، وعبدالله بن لهيعة فيه مقال.(٥)
(١) انظر للتفصيل حول هذا الحديث وطرقه والحكم عليه: مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل
للدارقطني (١٢١٤/٣ - ١٢٢١)، ولم يشر إلى هذا الطريق (محمد بن زياد عن أبي هريرة - مرفوعاً -.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي (٥٧٨٩)، وابن ماجه (٢٦٧٦) وإسناده صحيح.
(٣) معالم السنن (٣٧/٤)، وكذلك نقله المنذري (٣٨٦/٦).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٧٠٧)، وفي إسناده ابن لهيعة قال الحافظ (٣٥٨٧): صدوق.
(٥) قال الحافظ في :صریب (٣٥٨٧): صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه
٢٠٣
٢٦٦٧ - نهى رسول الله ﴿ ((أن يُتّعاطى السيف مسلولاً )).
قلت: رواه أبو داود في الجهاد والترمذي في الفتن من حديث جابر، وقال: حسن
غريب.(١)
٢٦٦٨ - أن رسول الله # (ق٣٦٢/أ) نهى أن يقدّ السير بين أصبعين.
قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث الحسن عن سمرة وقد تقدم الكلام في
الحسن عن سمرة.(٢)
والقد: القطع طولاً كالشق والسير ما يقدّ من الجلد أي يقطع ويشق، وإنما نهي عنه
وَ* لئلا تعقر الحديدة يده، وهو شبيه بنهيه أن يتعاطى السيف مسلولاً.
٢٦٦٩ - عن رسول الله # قال: ((من قتل دون دينه، فهو شهيد، ومن قتل دون
دمه، فهو شهيد، من قتل دون ماله، فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، فهو شهيد )).
قلت: رواه أبو داود في السنة والترمذي في الديات والنسائي في المحاربة ؛ وابن ماجه في
الحدود من حديث سعيد بن زيد، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٣)
٢٦٧٠ - عن النبي # قال: ((لجهنم سبعة: أبواب منها باب لمن سلّ السيف على
أمتي أو قال: على أمة محمد {$)) (غريب).
قلت: رواه الترمذي من حديث عبدالله بن عمر. وقال: حديث غريب.(٤)
أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون.
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٨٨)، والترمذي (٢١٦٣)
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٨٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (١٥/٧)، وابن ماجه (٢٥٨٠) وإسناده
صحیح.
(٤) أخرجه الترمذي (٣١٢٣) وفي إسناده جنيد - غير منسوب - ولم يوثقه سوى ابن حبان وذكر أبو حاتم
أن روايته عن ابن عمر مرسلة. وترجم له الحافظ في التقريب (٩٨٨) وقال: مشهور.
٢٠٤
باب القسامة
من الصحاح
٢٦٧١ - أنهما حدثا: إن عبدالله بن سهل، ومحيصة بن مسعود رضي الله عنهما أتيا
خيبر، فتفرقا في النخل، فقُتل عبدالله بن سهل، فجاء عبدالرحمن بن سهل، وحويّصة
ومحيصة ابنا مسعود، إلى النبي ## فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبدالرحمن وكان
أصغر القوم، فقال له النبي 8#: ((كبر الكبر)»، يعني ليّلِي الكلام الأكبر منكم،
فتکلموا، فقال النبي 8#: «استحقوا قتیلکم أو قال: صاحبكم بأیمان خمسین منکم
ا، قالوا: يارسول الله أمر لم نره، قال: (( فتبرأکم یهود في أيمان خمسین منهم ،،
قالوا: يا رسول الله قوم كفار، فقداهم رسول الله {## من قِبَلِه.
قلت: رواه الجماعة: البخاري في مواضع، منها في الأدب ومسلم في الحدود وأبو
داود والترمذي في الديات والنسائي في (ق٣٦٢/ب) القضاء وابن ماجه في الدیات كلهم
من حديث رافع بن خديج (١) وسهل بن أبي حثمة، وقال أبو داود: رواه بشر بن
المفضل ومالك عن يحيى بن سعيد قال فيه: " أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم
صاحبكم، أو قاتلكم"، ولم يذكر بشر" دماً" وقال: ورواه ابن عيينة عن يحيى فبدأ
بقوله: تبرئكم يهود بخمسين يميناً تحلفون، ولم يذكر الاستحقاق وهذا وهم من ابن
عیینة انتهى.
قال الشافعي: إلا أن ابن عيينة كان لا يثبت أقدم النبي :8# الأنصاريين في الأيمان أو
يهود، فيقال في الحديث: أنه قدم الأنصاريين، فيقول: ذاك وما أشبه هذا، وحدث
الإمام الشافعي أيضاً عن ابن عيينة أنه بدأ بالأنصار في أمر يهود، فيقال: إن الناس
(١) أخرجه البخاري (٦١٤٢، ٦١٤٣)، ومسلم (١٦٦٩)، وأبو داود (٤٥٢١)، والترمذي (١٤٢٢)،
والنسائي (٦/٨)، وابن ماجه (٢٦٧٧).
٢٠٥
• يحدثون أنه بدأ بالأنصار، قال: فهو ذاك، وربما حدثه، ولم يشك، وذكر البيهقي: أن
البخاري ومسلماً أخرجا هذا الحدیث من حدیث اللیث بن سعد وحماد بن زيد، وبشر
بن المفضل، عن يحيى بن سعيد، واتفقوا كلهم على البداءة بالأنصار، وابن أبي حثمة:
بحاء مهملة وثاء مثلثة.
ومحيصة: بضم الميم وفتح الحاء المهملة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم صاد مهملة
مفتوحة(١)
-
وحويصة: بضم الحاء المهملة، وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الصاد
المهملة، ويقال: بتشديد الياء وكسرها فيهما. وهما ابنا عم القتيل، وعبدالرحمن أخوه
كما جاء في الحديث.
وكبر الكبر أي قدم الأكبر، والكبر: بضم الكاف وسكون الباء الموحدة وبالراء المهملة
وهو مفسر في الحديث.
قوله#: فتبرئكم يهود أي تبرأ إليكم من دعواكم بخمسين يميناً، وقيل معناه:
يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا، وإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم
شيء، وخلصتم أنتم من اليمين.
ويهود: مرفوع غير منون للتأنيث والعلمية لأنه اسم القبيلة والطائفة.
- وفي رواية: تحلفون خمسين يميناً وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم (ق٣٦٣/أ) فوداه
رسول الله 3% من عنده مائة ناقة.
قلت: رواها الشيخان. (٢)
وفي الحديث دليل على ثبوت رد اليمين إذا نكل من يوجه عليه اليمين، وأنه لا يقضى
بالنكول.
(١) انظر: المنهاج للنووي (٢٠٧/١١ - ٢١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩).
٢٠٦
وفيه: أن الحكم على أهل الذمة كالحكم على المسلمين في أنهم يحلفون إذا توجه
عليهم اليمين، وإذا حلفوا برئوا، وذهب مالك إلى أن: أيمان أهل الكفر لا تقبل على
المسلمين، كما لا تقبل شهادتهم، وفيه: أنهم لما لم يرضوا بأيمان الكفار وداه النبي 8*
من عنده، إذ كان من سنته : أن لا يترك دماً حراماً هدراً.
باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد
من الصحاح
٢٦٧٢ - أتى عليّ رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو
كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله 18: ((لا تعذبوا بعذاب الله))، ولقتلتهم لقول
رسول الله: ((من بدل دينه فاقتلوه)).
قلت: رواه الجماعة إلا مسلماً: البخاري في الجهاد، وفي استتابة المرتدين، وذا لفظه
فيه، وأبو داود والترمذي وابن ماجه ثلاثتهم في الحدود، والنسائي في المحاربة من حديث
ابن عباس.(١)
٢٦٧٣ - قال رسول الله -: ((إن النار لا يعذب بها إلا الله)).
قلت: رواه البخاري في الجهاد وأبو داود فيه والترمذي والنسائي في السير من حديث
أبي هريرة (٢)، ولفظ البخاري قال: بعثنا رسول الله ﴿. في بعث، فقال: إن وجدتم
-
(١) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (١٠٤/٧)، وابن
ماجه (٢٥٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٥٤)، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١)، والنسائي في الكبرى (٨٦١٣).
٢٠٧
فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﴿: حين أردنا الخروج: ((أني أمرتكم
أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما)).
٢٦٧٤ - سمعت رسول الله 8# يقول: ((سيخرج قوم في آخر الزمان، حُدّاث
الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية (ق٣٦٣/ب) لا يجاوز إيمانهم
حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم،
فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة ).
قلت: رواه البخاري في استتابة المرتدين وهذا لفظه فيه، ورواه أيضاً في علامات النبوة
ومسلم في الزكاة وأبو داود في السنة والنسائي في المحاربة من حديث علي رضي الله
عنه.(١)
حداث الأسنان قال في النهاية (٢): هو كناية عن الشباب وأول العمر.
سفهاء الأحلام: السفه في الأصل الخفة والطيش، والمراد به هنا: خفة العقل.
وخير قول البرية: هو النبي ے ..
والحناجر: جمع حنجرة وهي رأس العلصمة حيث تراه نابتاً من خارج.
يمرقون: أي يخرجون، ومنه المرق: وهو الماء الذي يستخرج من اللحم عند الطبخ.
قال الخطابي(٣): وأراد بالدين: الطاعة أي يخرجون من طاعة الإمام المنفرض
الطاعة، وينسلخون منها، والمعنى يجورونه ويبعدونه، كما يخرق السهم الشيء المرمى
به ويخرج منه.
والرمية: الصيد المرمي، وقيل: كل دابة مرمية، قال في النهاية (١): يريد أن دخولهم
في الدين مثل خروجهم منه، لم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي دخل في الرمية،
(١) أخرجه البخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي (١١٩/٧).
(٢) النهاية (٣٣٨/١).
(٣) أعلام الحديث للخطابي (١٦٠٦/٣).
٢٠٨
ومرق منها ولم يعلق به منها شيء، وقال الخطابي (٢): أجمع علماء المسلمين على أن
الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناکحتهم، وأکل ذبائحهم،
وقبول شهادتهم، وسئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقيل: أكفارهم ؟ فقال:
من الكفر فروا، قيل: أفمنافقون ؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء
يذكرون الله بكرة وأصيلاً، فقيل: ماهم ؟ فقال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا.
٢٦٧٥ - قال رسول الله #: «تكون في أمتي فرقين، فتخرج من بينهما مارقة، يلي
قتلهم أولاهم بالحق )).
قلت: رواه مسلم في الزكاة من حديث أبي سعيد ولم يخرجه البخاري بتمامه.(٣)
قوله ﴿: فيخرج من بينهما مارقة إلى آخره، عبر بالمارقة الخوارج تلى قتل الخوارج
أولى أمتي بالحق، هذا معناه.
٢٦٧٦ - قال رسول الله #: في حجة الوداع: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم
رقاب بعض)). (٣٦٤/أ).
قلت: رواه البخاري في مواضع منها في العلم ومسلم في الإيمان والنسائي في العلم
وابن ماجه في الفتن.(٤)
قال في النهاية(٥): قيل أراد لابسي السلاح، يقال: كفر فوق دِرْعه فهو كافر، إذا
لبس فوقها ثوباً كأنه أراد بذلك النهي عن الحرب، وقيل معناه: لا تعتقدوا تكفير الناس
(١) انظر: النهاية (٣٢٠/٤)، و(٢٦٨/٢).
(٢) انظر ماذكره النووي حول تكفير الخوارج في المنهاج (٢٢٤/٧ - ٢٢٥)، وقال في (٢٣١/٧): وأن
الصحیح عدم تکفیرهم.
(٣) أخرجه مسلم (١٠٦٤).
(٤) أخرجه البخاري (١٢١) و (٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٨٢)، وابن ماجه
(٣٩٤١).
(٥) النهاية (١٦٠/٤).
٢٠٩
كما يفعل الخوارج انتهى، قال النووي(١): وأظهر الأقوال فيه أن يفعل كفعل الكفار،
والرواية: يضرب برفع الباء، وهو الصواب، وبه رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح
المقصود هنا، ونقل القاضي عياض أن بعض الرواة ضبطه بإسكان الباء، قال القاضي:
وهو إحالة للمعنى والصواب الضم.
قال النووي(٢): وكذا قال أبو البقاء أنه يجوز جزم الباء على تقدير شرط مضمر أي إن
ترجعوا يضرب، ومعنى بعدي: قال الطبري: معناه بعد فراقي من موقفي هذا، وكان
هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع، أو يكون تحقق # أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم
عنه بعد مماته.
٢٦٧٧ - عن النبي 8 قال: ((إذا المسلمان، حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما
في جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه، دخلاها جميعاً)).
قلت: رواه البخاري في الإيمان ومسلم وابن ماجه في الفتن والنسائي في المحاربة من
حديث أبى بكرة نفيع بن الحارث يرفعه.(٣)
وجرف قال النووي(٤): بالجيم وضم الراء وإسكانها، وفي بعضها حرف بالحاء
المهملة، وهما متقاربان ومعناه: على طرفها قريب من السقوط، قال الجوهري(٥):
الجرْف والجرُف مثل عسْر وعسُر: ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض، ومنه قوله
تعالى: ﴿على شفا جرْف هار) انتهى، فمعنى الحديث: أنها متعرضان للسقوط في نار
جهنم، والجَرْف: الأخد الکبیر.
(١) المنهاج (٧٣/٢ - ٧٤).
(٢) المنهاج (٧٣/٢ - ٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨)، وابن ماجه (٣٩٦٥)، والنسائي
(١٢٥/٧).
(٤) المنهاج (١٧/١٨).
(٥) الصحاح للجوهري (١٣٣٦/٤).
٢١٠
٢٦٧٨ - عن النبي (ق٣٨٤/ب) ## قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل
والمقتول في النار، قلت: هذا القاتل، فما بال المقتول؟)) قال: ((إنه كان حريصاً
على قتل صاحبه )).
قلت: رواه البخاري في الإيمان وفي غيره ومسلم وأبو داود في الفتن والنسائي في
المحاربة من حديث أبي بكرة یرفعه، وهو محمول على من لا تأويل له، ویکون قتالهما
عصبية ونحوها.(١)
٢٦٧٩ - قدم على النبي ﴿ نفر من عُكْل، فأسلموا فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا
إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا، وقتلوا رعاتها
واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل
أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا.
ویروی: فسمر أعينهم.
قلت: رواه البخاري في مواضع بألفاظ متقاربة منها هنا ومسلم في الحدود والنسائي في
المحاربة من حديث أنس.(٢)
وروى مسلم أن النبي 18 إنما سمل أعين أولئك، لأنهم سملوا الرعاء، ذكره من
حديث أنس، وعكل: قبيلة وبلد أيضاً.
واجتووا المدينة: هو بالجيم والتاء المثناة فوق معناه: استوخموها كما جاء مفسراً في
بعض الروايات أي لم توافقهم، وكرهوها لسقم أصابهم، وهو مشتق من الجوى وهو
داء في الجوف.
قوله: فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، وفي بعض الروايات في غير مسلم: أنها لقاح
رسول الله 148 وكلاهما صحيح، فكان بعضها: صدقة، وبعضها له څ .
(١) أخرجه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٢٤٦٨)، والنسائي (١٢٥/٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٠٣)، (٣٠١٨)، (٨٠٣٩)، ومسلم (١٦٧١)، والنسائي (٩٤/٧).
٢١١
وسمل أعينهم: قال النووي(١): هكذا هو في معظم نسخ مسلم باللام، وفي بعضها
بالراء والميم مخففة، قال: وضبطناه في بعض المواضع في البخاري، وسمّر: بتشديد الميم
ومعنى سمل باللام أنه فقأها، وأذهب ما فيها، ومعنى سمر بالراء: كحلها بمسامير
محمية، وقيل: هما بمعنى واحد.
قوله: ثم لم يحسمهم (ق٣٦٥/أ) أي لم يكوهم بالنار، والحسم في اللغة: كي العرق
بالنار لينقطع الدم.
- ويروى: أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون، فما
يُسقون حتى ماتوا.
قلت: هذه الرواية في البخاري في الجهاد(٢) وترجمه: باب إذا حرق المشرك المسلم هل
يحرق، من حديث أبي قلابة عن أنس يرفعه.
قوله: يستسقون فلا يسقون ليس فيه أن النبي 8# أمر بذلك، ولا نهي عن سقيهم،
قال القاضي(٣): وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى، لا يمنع
الماء، فيجمع عليه عذابان، قال النووي (٤): وهؤلاء ارتدوا عن الإسلام فلم يبق لهم
حرمة في سقي الماء ولا في غيره والله أعلم.
من الحسان
٢٦٨٠ - كان رسول الله - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
:.
(١) المنهاج (١١/ ٢٢٢ - ٢٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١٨).
(٣) إكمال المعلم (٤٦٤/٥).
(٤) المنهاج للنووي (١١/ ٢٢٢).
٢١٢
قلت: رواه أبو داود في الجهاد من حديث سمرة وعمران بن حصين.(١)
٢٦٨١ - كنا مع النبي # في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا
فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي # فقال: ((من فجع هذه بولدها
؟)) ردوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها، قال: ((من حرق هذه؟)) فقلنا:
نحن، قال: ((إنه لا ينبغي أن يُعذب بالنار إلا رب النار)).
قلت: رواه أبو داود في الجهاد(٢) من حديث عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن
أبيه، وذكر البخاري وابن أبي حاتم الرازي أن عبدالرحمن ابن عبدالله بن مسعود
سمع من أبيه، وصحح الترمذي حديث عبدالرحمن عن أبيه في جامعه.(٣)
والحمّرة: بالحاء المهملة المضمومة وتشديد الميم، وقد تخفف، طائر صغير كالعصفور.
وتفرش: ذكر ابن الأثير (٤): هذا الفعل في باب الفاء مع الراء وهو أن تفترش
جناحيها وتقرب من الأرض، وترفرف، فعلى هذا هو بفتح التاء وضم الراء من فرش،
إذا بسط، ورواه بعضهم بفتحها. (ق٣٦٥/ب) وتشديد الراء، على أنه مضارع أصله
تتفرّش، فحذفت إحدى التاءين، وذكره أيضاً ابن الأثير(٥) في باب العين مع الراء
والشين، فقال: وفي الحديث فجاءت حُمّرة فجعلت تعرش يعنى بالعين والراء
المهملتين والشين المعجمة، ترتفع فوقهما وتظلل عليهما بجناحيها.
٢٦٨٢- عن رسول الله ﴿ قال: ((سيكون في أمتي اختلاف وفرقه، قوم يحسنون
القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٦٧) قوى سنده الحافظ في الفتح (٢٥١/٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٧٥)، وسنده صحيح كما قال الحاكم (٢٣٩/٤): صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي، وانظر الصحيحة (٢٥).
(٣) انظر: تهذيب الكمال (٢٣٩/١٧).
(٤) النهاية (٣٨٥/٣).
(٥) النهاية (١٨٨/٣).
٢١٣
السهم، من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة،
طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منا في شيء، مَنْ قاتلهم كان
أولى بالله منهم))، قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: ((التحليق)).
قلت: رواه أبو داود في السنة من حديث قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن
مالك(١)، كلّ يرفعه، وقتادة لم يسمع من أبي سعيد، وسمع من أنس.
قوله : سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قال بعضهم: يجوز أن يكون مضاف
الاختلاف والفرقة محذوفاً، تقديره: سيكون في أمتي أهل اختلاف وفرقة، ويجوز أن
يكون المراد به نفس الاختلاف، أي سيحدث في أمتي اختلاف، فعلى الأول: يكون
قوم بدلاً منه، أو خبرَ مبتدأ محذوف أي هم قوم، وعلى الثاني: يكون قوم مبتدأ،
والخبر قوله: هم شر الخلق، ويجوز أن یکون قوم فاعلاً بفعل محذوف، دل عليه معنی
الفرقة أي يضل بها قوم، والقيل: يقال: قلت قولاً وقالا وقیلاً.
والتراقي: جمع ترقوة وهي بفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الراء المهملة وضم
القاف وهي: العظمة التي بين ثُغْرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، ووزنها
فَعْلُوة بالفتح(٢)، والرمية: تقدم تفسيرها في الحديث الثالث من هذا الباب.
وعلى فوقه: هو بضم الفاء وبالواو والقاف. (ق٣٦٦/أ) والفوق: موضع الوتر من
السهم، والمعنى: أنهم لا يرجعون إلى الدين أبداً، حتى يرتد السهم على فوقه حين
رمي، وذلك مستحيل ممتنع.
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٦٥) ورجال إسناده ثقات، لكنه منقطع بين قتادة وأبي سعيد، أما حديث قتادة
عن أنس - الذي أشار إليه المؤلف - أخرجه ابن ماجه (١٧٥)، والحاكم (١٤٧/٢)، وقال: صحيح
على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو رواية لأبي داود (٤٧٦٦)، انظر هداية الرواة (٤٠٧/٣).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١٨٧/١).
٢١٤
قوله 48 *: هم شر الخلق والخليقة، قال في النهاية(١): الخلق: الناس، والخليقة:
البهائم وقیل هما بمعنى واحد.
قوله /: من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قال بعضهم: الضمير في منهم عائد على
الأمة، أي من قاتلهم من أمتي أولى بالله من باقي أمتي، والظاهر عندي: أن منهم إنما
يعود على الضمير في قوله: يدعون إلى كتاب الله، وعلى هذا ينسق الضمائر أي من
قاتلهم كان أولی بكتاب الله منهم.
وما سيماهم: أي ما علامتهم التي نعرفهم بها، قال: التحليق، يجوز أن يكون المراد
مبالغتهم في حلق رؤوسهم، أو التحليق في وقت الجلوس فيجلسون حلقاً.
٢٦٨٣ - قال رسول الله ﴿: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: زنی بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج
محارباً لله ورسوله، فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً، فيقتل
بها ».
قلت: رواه أبو داود في الحدود والنسائي في القود من حديث عائشة ترفعه.(٢)
٢٦٨٤ - قال رسول الله :﴿: ((لا يحل لمسلم أن يروّع مسلماً)).
قلت: رواه أبو داود في الأدب(٣) من حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا
أصحاب محمد # أنهم كانوا يسيرون مع النبي 8، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم
إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله (528: ((لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً)).
والرَّوعِ: الفزع.
(١) النهاية (٧٧/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (١٠١/٧ - ١٠٢) وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٠٤) وإسناده صحيح. انظر: هداية الرواة (٤٠٧/٣).
٢١٥
٢٦٨٥ - عن رسول الله ﴿ قال: ((من أخذ أرضاً بجزيتها، فقد استقال هجرته، ومن
نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه، فقد ولّى الإسلامَ ظهره ». (ق٣٦٦/ب).
قلت: رواه أبو داود في الخراج من حديث أبي الدرداء، وفي إسناده بقية ابن الوليد
وفيه مقال.(١)
والجزية: قال ابن الأثير (٢): هي عبارة عن المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمة، وهي
فعلة، من الجزاء، وأراد بها في هذا الحديث: الخراج الذي يؤدى عنها، كأنه لازم
لصاحب الأرض، كما تلزم الجزية الذمي، هكذا قال الخطابي (٣) وقال أبو عبيد: هو
أن يسلم وله أرض خراج فترتفع عنه جزية رأسه، وتنزل عليه أرضه يؤدي عنها
الخراج، والصّغار: بالفتح، الذل، ويطلق على الجزية نفسها، لاستلزامها الذل، قال
الشافعي: معنى الصغار أن يعلو حكمُ الإسلام حكمَ الشرك، والمعنى من تكفل جزية
كافر وتحمل عنه صغاره، فكأنه ولّى الإسلام ظهره، لأنه بدّل إعزاز الدين بالتزام ذل
الكفر، وقد يستدل بهذا من ذهب إلى أنه لا يصح ضمان المسلم الجزية عن الذمي.
٢٦٨٦ - بعث رسول الله 8 سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع
فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي 8#، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل
مسلم يقيم بين أظهر المشركين))، قالوا: يا رسول الله ! لم؟ قال: (( لا تتراءى
ناراهما )).
قلت: رواه أبو داود في الجهاد والترمذي في السير والنسائي في القصاص من حديث
جرير بن عبدالله(٤) وذكر أبو داود أن جماعة رووه مرسلاً، وأخرجه الترمذي أيضاً
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٨٢)، وفيه بقية بن الوليد، ترجم له الحافظ في التقريب (٧٤١) وقال: صدوق
كثير التدليس عن الضعفاء.
(٢) النهاية (٢٧١/١).
(٣) معالم السنن (٢٦٨/٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والنسائي (٣٦/٨)، انظر: العلل الكبير للترمذي
٢١٦
مرسلاً، وقال: وهذا أصح وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل يعني ابن خالد لم يذكروا
فيه جريراً، وذكر عن البخاري أنه قال: الصحيح مرسل ولم يخرجه النسائي إلا مرسلاً.
قوله: فأمر لهم بنصف العقل، أي بنصف الدية، قيل: إنما لم يكمل لهم الدية لأنهم
أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين أظهر المشركين فكانوا کمن هلك بجناية نفسه وجناية
غيره.
قوله #: لا تتراءى ناراهما، قال الهروي(١): معناه. (ق٣٦٧/أ) لا ينزل المسلم
بالموضع الذي ترائى ناره المشرك إذا أوقد، ولكنه ينزل مع المسلمین في دارهم، كأنه کره
النزول في جوار المشركين، لأنه لا عهد لهم ولا أمان.
وقال في الفائق(٢): معناه أنه يجب أن يباعد منزله من منزل الكافر بحيث إذا أوقدت
فيهما ناران لم تَلُح إحداهما للأخرى، وإسناد الترائي إلى النارين مجاز، كقولهم: دور
بني فلان تتناظر، والترائي: تفاعل من الرُّؤية، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ فلما تراءى
الجمعان ﴾.
٢٦٨٧ - عن النبي #: ((الإيمان قيّد الفتك، لا يفتك مؤمن )).
قلت: رواه أبو داود في الجهاد(٣) من حديث أبي هريرة، وسنده جيد، ليس فيه إلا
أسباط بن بكر الهمداني، وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي، وقد أخرج لهما مسلم.
والفتك: أن يأتي الرجل الآخر وهو غافل غار، والمعنى: أن الإيمان يمنع من الفتك
كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيداً.
(٤٨٣)، والبيهقي (١٣١/٨)، و(١٤٢/٩)، وضعيف الترمذي (٢٧٣).
(١) انظر: الغريبين الهروي (٣٧٤/٢).
(٢) انظر الفائق للزمخشري (٢١/٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٦٩). فيه أسباط الهمداني أبو نصر، صدوق كثير الخطأ يُغرب، التقريب (٣٢٣)،
وإسماعيل السُّدي أبو محمد الكوفي، صدوق يهم، ورُمي بالتشيع، انظر التقريب (٤٦٧).
٢١٧
قال الزمخشري(١): والفرق بين الفتك والغيلة: أن الفتك هو أن يأتي الرجل صاحبه
وهو غار غافل فيقتله جهاراً، والغيلة أن يكتمن له في موضع فيقتله خفية، وفي فائه
الحركات الثلاث، وفتكت بفلان وأفتكت به - عن يعقوب - .
٢٦٨٨ - عن النبي # قال: ((إذا أبق العبد إلى الشرك، فقد حل دمه)).
قلت: رواه أبو داود في الحدود والنسائي في المحاربة(٢) وأخرج مسلم في الإيمان نحوه،
وقال فيه: " فقد كفر حتى يرجع إليهم"، وفي رواية: " فقد برئت منه الذمة، ولم
يقل إلى الشرك "، كلهم من رواية جرير قال النسائي: وأبق عبد لجرير فأخذه فضرب
عنقه.
٢٦٨٩ - أن يهودية كانت تشتم النبي 8 وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل
النبي $ دمها.
قلت: رواه أبو داود في الحدود من حديث الشعبي عن علي وذكر بعضهم أن الشعبي
سمع من علي بن أبي طالب وقال غيره: إنه رآه.(٣)
٢٦٩٠ - قال رسول الله # (ق٣٦٧/ب): ((حد الساحر ضربة بالسيف)).
قلت: رواه الترمذي في الحدود من حديث جندب يرفعه (٤) وقال: لا نعرفه مرفوعاً،
إلا من هذا الوجه، وفي سنده إسماعيل المكي وهو يضعّف من قبل حفظه، والصحيح
عن جندب موقوفاً انتهى، وقد رواه الطبراني عن جندب مرفوعاً.
(١) الفائق للزمخشري (٨٨/٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٦٠)، والنسائي (١٠٣/٧)، وأصله في صحيح مسلم (٧٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٦٢) . =
= قال العلائي في جامع التحصيل (ص٢٠٤) روي عن علي رضي الله عنه، وذلك في صحيح البخاري
(٦٨١٢) حين رجم المرأة يوم الجمعة.
انظر: تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (ص٢١٩).
(٤) أخرجه الترمذي (١٤٦٠) وإسناده ضعيف. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٦٦٥) و (١٦٦٦)،
٢١٨
كتاب الحدود
من الصحاح
٢٦٩١ - أن رجلين اختصما إلى رسول الله # فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله،
وقال الآخر: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم ؟، قال:
(( تكلم ))، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني
الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ويجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم ؟ فأخبروني أن
على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته؟ فقال رسول الله 8#: ((أما
والذي نفسي بيده لأقضین بینکما بكتاب الله: أما غنمك وجاريتك، فرد عليك، وأما
ابنك، فعليه جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس: فاغد على امرأة هذا، فإن
اعترفت فارجمها »، فاعترفت فرجمها.
قلت: رواه البخاري في مواضع منها في المحاربين ومسلم وأبو داود والترمذي في
الحدود والنسائي في الرجم وفي غيره وابن ماجه في الحدود كلهم من حديث أبي هريرة
وزيد بن خالد(١)، ولفظ مسلم: فغدا عليها، فاعترفت فأمر بها رسول الله 38.
فرجمت، وما ذكره المصنف لفظ البخاري، ولهذا وقع في بعض تراجم البخاري : باب
هل يأمر الإمام رجلاً فيضرب الحدود غائباً عنه، وفي بعضها: جلد ابنه مائة وغربه
٠
عاماً.
والدارقطني (١١٤/٣)، والحاكم (٣٦٠/٤)، والبيهقي (١٣٦/٨)، وإسماعيل ابن مسلم المكي،
ضعيف الحديث، انظر: التقريب (٤٨٩).
(١) أخرجه البخاري (٦٦٣٣)، و(٦٨٣٥)، ومسلم (١٦٩٧)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذي
(١٤٣٣)، والنسائي (٢٤٠/٨ - ٢٤١)، وابن ماجه (٢٥٤٩).
٢١٩
قال البخاري: وقال مالك: العسيف: الأجير، وهو بالعين والسين المهملتين.
قوله ﴿: لأقضين بينكما بكتاب الله، يحتمل أن يكون المراد بحكم الله (ق٣٦٨/أ)
وقيل هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ وفسر النبي 8﴿ السبيل:
بالرجم في حق المحصن، كما ثبت في حديث عبادة ابن الصامت، وقيل: المراد نقض
صلحهما الباطل على الغنم والوليدة.
قوله ﴿: واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها.
أنيس هذا: صحابي مشهور وهو ابن الضحاك الأسلمي.
قال ابن عبدالبر: هو ابن مرثد، والصحيح الأول، وهو أسلمي، والمرأة أسلمية،
ولذلك أرسل إليها أسلميا، وإنما بعث﴿ ليعلمها أن الرجل قذفها، وأن لها عليه حد
القذف، إلا أن تعترف فعليها حد الزنا وهو الرجم.
وقد اختلف أصحابنا في هذا البعث، إذا قذف إنسان إنساناً في مجلس الحاكم هل يجب
؟ والأصح وجوبه.
وفيه دليل على جواز الفتوى في زمنه ®، والرخصة لمن هو من أهل الفتوى، أن
يفتي وإن كان ثم من هو أعلم منه، لأنه 8 لم ينكر على الرجل قوله: سألت أهل
العلم مع كونه 8# مقيماً بين ظهرانيهم.
٢٦٩٢ - سمعت رسول الله # يأمر فيمن زنى ولم يحصن: جلد مائة وتغريب عام.
قلت: رواه البخاري في الشهادات من حديث زيد بن خالد، ولم يخرجه مسلم.(١)
والإحصان في هذا الباب أن يجتمع في هذا الزاني أربع شرائط: العقل، والبلوغ،
والحرية، والإصابة في النكاح الصحيح.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٣١).
٢٢٠