النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى اعوال السلوم
٢٢
والمنادمة. وقوله عليه الصلاة والسلام: والدليل على السراء والضراء
أى فى الماضى والآفى اشارة الى الرابع الذى هو فقد سار
ذاتى اى ان العلوم تقوم مقام ذى الرأى السديد اذا استشير
اذهو دال إصاحبه على السراء واسبابها وعلى الضراء وموجباتها
فالحيرة وجهل عواقب الأمور مؤلم النفس ومضيق الصدر لفقد
نور البصيرة فالعلم يريح من تلك الهموم والاحزان .
والاستيلاء قمان احدهما استيلاء يمحق الشر ويدفع الضر
واليه اشار قوله عليه الصلاة والسلام: والسلاح على الاعداء
فبالعلم يزهق الباطل وتندفع الشبهة والجهالة. قيل لبعض المناظرين
فيم فذتك فقال فى حجة تبختر ايضاحا [اتضاحاً] وشبهة تتضائل
اقتضاحا. وثانيهما استيلاء يجلب الخير ويذهب الضير واليه اشار
قوله عليه الصلاة والسلام: والزين عند الاخلاء اى ان العلم جمال
وحسن وكال جذب القلوب من الاخلاء كما قيل :
نعم القرین اذاما عاقلا محبا
العلم زین و کنز لانناد له
القسم الثانى مايجلبه العلم من الوجاهة والرتبة وهى اما
غداقه سبحانه وتعالى وأما عند الملأ الأعلى او عند الملا
الاسفل. الاول اشار اليه قوله عليه الصلاة والسلام: يرفع الله
* أقواما اى يعلى مقامهم ورغبتهم فيجعلهم فى الخير قادة وائمة
اى شرفاء الناس وسادتهم. والقادة جمع قائد وهو الذى يجذب
الى الخيراما مع الالزام كالقاضى والوالى اللذين الزامهم [الزامهما]
على الظاهر وكالخطيب والواعظ اللذين الزامهم [الزامهماً] على
الباطن وكالائمة الذين بعلمهم يهتدى ومحالهم يقتدى .
والثانى اشار اليه قوله عليه الصلاة والسلام: يرغب الملائكة
فى خلتهم اى لهم من المنزلة والمكانة فى قلوبهم ما استولى على
غيوب بواطنهم فرغبوا فى محبتهم وانسوا بملازمتهم وما استولى
علی ظواهرهم فیتبر کون بمسحهم.
والثالث الخار اليه قوله عليه الصلاة والسلام: يستنفرلهم.
كل رطب ويابس فشمل الناطق والنافس . قيل سبب استنفار
هؤلاء رجوع احكامهم اليهم فى صيدهم وقتلهم وحلهم وحرمتهم.
القسم الثالث ما يندفع بالعلم من المضار الدينية وهو
نوعان فعل النواحى وترك الأوامر.
فالاول اتباع الشهوات المضرة واشار اليه قوله عليه
الصلاة والسلام: التفكر فيه يعدل الصيام اى فى كسره الشهوتين .
والثانى النفقة والميل إلى الكسل واشاراليه قوله عليه الصلاةوالسلام:
ومدارسته تعدل القيام اى فى نفى ماعرض فى ذلك لحصول
التنبيه والنشاط والتذكرة والأنباط .
القسم الرابع هو ما يندفع بالعلم من المضار الدنيوية
وهو ايضا نوعان . الاول دفع المصالح والمقاصد وجلب المعايب
والمفاسد وإليه أشار قوله عليه الصلاة والسلام: به توصل الأرحام
اى بالعلم توصل الارحام بين الانام وتدفع مضرة القطيعة وحقدهم
وحدهم ومحاربتهم والثانى مضرة اجتلاب المفاسد برفض
القانون الشرعى العاصم من كل ضلال واليه اشار قوله عليه الصلاة
والسلام: وبه يعرف الجلال والحرام اى بالعلم تبين أحدهما من الآخر
وهو اساس جميع الخيرات. فتأمل فى بيان منافع العلم وكيفية
جوامع الكلم واكثر الصلاة على صاحبه عليه الصلاة والسلام.
الاعلام الثالث: فى دفع ما يتوهم من الضرر فى العلم وسبب
كونه مذموما. اعلم انه لاشىء من العلم من حيث هو علم بضار
ولاشئ من الجهل من حيث هو جهل بنافع لان فى كل علم
منفعة ما فى امر المعاد او المعاش أو الكمال الانسانى وانمايتوهم
فى بعض العلوم انه ضاراوغير نافع لعدم اعتبار الشروط التى
يجب مراعاتها فى العلم والعلماء فان لكل على حدا لاتجاوز .. فمن
الوجوه المغلّطة ان یظن بالعلم فوق غايته كما يظن بالعطب انه یبری
من جميع الامراض وليس كذلك فان منها [ما] لايبرأ بالمعالجة.
ومنها أن يظن بالعلم فوق مرتبته فى الشرف كمايظن بالفقه انه
اشرف العلوم على الاطلاق وليس كذلك فإن علم التوحيد اشرف
منه قطعا. ومنها ان يقصد بالعلم غير غايته كمن يتعلم علما للمال
او الجاه فالعلوم ليس الغرض منها الاكتساب بل الاطلاع على
الحقائق وتهذيب الاخلاق على انه من تعلم علما للاحتراف لم يأت
عالما انماجاء شبها بالعلماء. ولقد كوشف علماء ماوراء النهر بهذا
الامر ونطقوابه لما بلغهم بناء المدارس ببغداد اقاموا مأتم العلم
وقالوا كان يشتغلبه ارباب الهمم العلية والانفس الزكية الذين
قصدون العلم اشرفه والكمالبه فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم
واذا صار عليه اجرة تدانى اليه الاخساء وارباب الكسل فيكون
سببا لارتفاعه ومن ههنا محجرت علوم الحكمة وان كانت شريفة
اقاتها. ومنها ان يمتهن العلم بابتذاله الى غير اهله كمااتفق فى
على الطب فانه كان فى الزمن القديم حكمة موروثة عن النبوة
فصار مهاا لما تمالطاء اليهود فلم يشرفوابه بل رذل العلم بهم.
وما احسن قول افلاطون ان الفضيلة تستحيل فى النفس الردية.
رذية كما يستحيل الغذاء الصالح فى البعن السقيم الى الفساد. ومن
هذا القبيل الحال فى على احكام النجوم فانه لم يكن يتعا طاه الا
العلماء به الملوك ونحوهم فرذل حتى صارلايتعا طاه غالبا
الا جاهل يروج اكاذيبه. ومنها ان يكون العلم عزيز المثال
رفيع المرقى قلما تحصل غايته ويتعاطاء من ليس من اهله
٢٣
المقدمة
Keşf - el - 200un
فى أحوال العلوم
٢٤
لينال تمويه غرضا كما اتفق فى علوم الكيميا والسيميا والسحر
والطلسمات والعجب ممن يقبل دعوى من يدعى علما من هذه
العلوم فالفطرة قاضية بان من يطلع على ذنابة [١] من اسرار
هذه العلوم يكتمها عن والده وولده. ومنها ذم جاهل متعالم
لجهله الاه فان من جهل شيأ افكره وعاداء كما قيل: المره
عدو لما جهده أو ذم عالم متجاهل لتعصبه على أهله بسبب من
الاسباب فانك تسمعهم يقولون تجريم المنطق مع كونه ميزان
العلوم وتحريم الفلسفة مع أنها عبارة عن معرفة حقائق الاشياء
وليس فيها ماينافى الشرع المبين والدين المتين غير المسائل
اليسيرة التى اوردها اصحاب التهافت كما سيأتى . وليس فى كتب
الحنفية القول تحريم المنطق غير الاشباء فان كان صاحبه رآء
كان المناسب ان ينقل. واما مافى كتب الشافعية من التصريح.
فمن قبيل سد الذرائع وصرف الطبائع الى علوم الشرائع .
ولعل المراد من منع الائمة عن تعليم بعض العلوم وتعلمه تخليص
ايجاب العقول القاصرة من تضييع العمر وتعذيبهم بلا فائدة
فان فى تعليم امثاله ليس له عائدة والا فالعلم ان كان مذموما فى
نفسه على زعمهم لا يخلو تحصيله عن فائدة أقلها ردالقائلين بها.
الاعلام الرابع: فى مراتب العلوم فى التعليم . ولا يخفى أنه
يقدم الاهم فالاهم فيه والوسيلة مقدمة على المقصد كما ان
المباحث اللفظية مقدمة على المباحث المعنوية لان الالفاظ
وسيلة الى المعانى ويقدم الادب على المنطق ثم هما على أصول
الفقه ثم هو على الخلاف. والتحقيق ان تقدم العلم على العلم لثلاثة
امور اما لكونه اهم منه كتقديم فرض العين على فرض الكفاية
وهو على المندوب اليه وهو على المباح واما لكونه وسيلة اليه
كما سبق فيقدم النحو على المنطق واما لكون موضوعه جزأ
من موضوع العلم الآخر والجزء مقدم على الكل فيقدم التصريف
على النحو وربما يقدم على على على لالشىء منها بل لغرض التمرين
على ادراك المعقولات كما ان طائفة من القدماء قدموا تعليم
على الحساب وكثيرا ما يقدم الاهون فالاهون ولذا قدم المصنفون
فى كتبهم النحو على التصريف ولعلهم راعوا فى ذلك ان الحاجة
إلى النحو امس . ثم . انه تختلف فروض الكفاية فى التأكد
وعدمه بحسب خلو الاعصار والامصار من العلماء فرب مصر
لا يوجد فيه من قسم الفريضة الا واحد او اثنان ويوجد فيه
عشرون فقيها فيكون تعلم الحساب فيه آكد من أصول الفقه.
واعلم ان الواجب عليه هو فرض عين وهو كل ما أوجبه
الشرع على الشخص فى خاصة نفسه واملما أوجبه على المجموع
وهو تصحيف .6-54-1 (ذبابة) :F [1]
يعملوا به لوقام به واحد لسقط عن الباقين ويسمى فرض كفاية
والعلوم التى هى فروض كفاية على المشهور كل علم لا يستغنى عنه
فى قوام أمرالدنيا وقانون الشرع كفهم الكتاب والسنة
وحفظهما من التحريضات ومعرفة الاعتقاد بإقامة البرهان عليه
وإزالة الشبهة ومعرفة الآفات والفرائض والاحكام الفرعية
وحفظ الابدان والاخلاق والسياسة وكل ما يتوصل به الى
شئ من هذه كاللغة والتصريف والنحو والطب والمعانى
واليان وكالمنطق وتسيير الكواكب ومعرفة الانساب والحساب
إلى غير ذلك من العلوم التى هى وسائل الى هذه المقاصد
وتفاوت درجاتها فى التأكيد بحسب الحاجة اليها.
الباب الثانى فى منشأ العلوم والكتب
وفيه فصول ايضاً
الفصل الاول فى سبها
و فيه افهامات
الافهام الاول: فى ان العلم طبيعى للبشر وانه محتاج اليه. اعلم
ان الانسان قدشاركه جميع الحيوان فى حيوانيته من الحس
والحركة والغذاء وغير ذلك من اللوازم وانما يمتاز عنه بالفكر
وادراك الكليات الذى يهتدى به لتحصيل معاشه والتعاون عليه
بأبناء جنسه وقبول ماجاءت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
عن الله سبحانه وتعالى والعمل واتباع صلاح اخرا. فهو
مفكر فى ذلك دائما لا يفتر عنه وعن هذا الفكر تنشأ العلوم
والصنائع ثم لاجله ولما جبل عليه الانسان بل الحيوان من
تحصيل ماتستدعيه الطباع يكون الفكر راغبا فى تحصيل ماليس
عنده من الادراكات فيرجع الى ما استفاد عنه اما من الافواه
او من الدوال عليه. فهذا ميل طبيعى من البشر الى الاخذ
والاستفادة فمنهم من ساعده فهمه ومنهم من لم يساعده مع ميه
اليه واما عدم الميل فلامر عارضى كفساد المزاج وبعد المكان
عن الاعتدال فلااعتدادبه .
الافهام الثانى: فى ان العلم والكتابة من لوازم التمدن. واعلم
ان نوع الانسان لما كان مدنيا بالطبع وكان محتاجا الى اعلام
مافى ضميره الى غيره وفهم مافى ضمير الغير اقتضت الحكمة
الألهية احداث دوال يخف عليه إيرادها ولايحتاج الى غير
الآلات الطبيعية فقاده الالهام الالهى الى استعمال الصوت
وتقطيع النفس الضرورى بالآلة الذاتية الى حروف بماز
٠٠٠٠٠.
٢٠
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى احوال القوم
٢٦
بعضها عن بعض باعتبار مخارجها وصفاتها حتى يحصل منها بالتركيب
كلمات دالة على المعانى الحاصلة فى الضمير فيتيسر لهم فائدة
التخاطب والمحاورات والمقاصد التى لابد منها فى معاشهم .
ثم ان تركيبات تلك الحروف لما امكنت على وجوه مختلفة
وانحاء متنوعة حصل لهم السنة مختلفة ولغات متباينة وعلوم
متنوعة . ثم ان ارباب الهمم من بين الاعم لما لم يكتفوا
بالمحاورة فى اشاعة هذه النعم لاختصاصها بالحاضرين سمت
همتهم السامية الى اطلاع القاشبين ومن بعدهم على ما استنبطوه
من المعارف والعلوم واقعبوا نفوسهم فى تحصيلها لينتفع بها اهل
الاقطار ولتزداد العلوم بتلاحق الافكار وضعوا قواعد الكتابة
الثابتة نقوشها على وجه كل زمان وبحنوا عن أحوالها
من الحركات والسكنات والضوابط والنقاط وعن تركيبها
وتسطيرها لينتقل منها الناظرون الى الالفاظ والحروف ومنها
الى المعانى فنشأ من ذلك الوضع جملة العلوم والكتب .
الافهام الثالث: فى أوائل ما ظهر من العلم والكتاب واعلم أنه
يقال ان آدم عليه السلام كان عالما بجميع اللغات لقوله سبحانه
وتعالى وعلم آدم الأسماءكلها [الآية] قال الامام الرازى المراداسماء
كل ما خلق الله تعالى من اجناس المخلوقات بجميع اللغات التى يتكلم
بها ولده اليوم وعلم ايضا معانيها وانزل عليه كتابا وهو كما ورد
فی حدیث ابى ذر رضى الله تعالى عنه انه قال : يا رسول الله ای
كتاب أنزل على آدم عليه السلام قال كتاب المعجم قلت
اى كتاب المعجم قال ا ب ت ث ج قلت يا رسول الله كم حرفا
قال تسعة وعشرون حرفا الحديث وذكروا أنه عشر محف
فيها سور مقطعة الحروف وفيها الفرائض والوعد والوعيد
واخبار الدنيا والآخرة وقدبين اهل كل زمان وصورهم
وسير هم مع أنبيائهم وملوكهم وما يحدث فى الارض من الفتن
والملاحم. ولا يخفى أنه مستبعد عند اصحاب العقول القاصرة واما
من امعن النظر فى الجفر ولاحظ شموله على غرائب الامور
فعندليس ببعيد سيما فى الكتب المنزلة . وروى ان آدم عليه
السلام وضع كتابا بانواع الالسن والاقلام قبل موته بثلاثمائة
سنة كتبها فى طين ثم طبخه فلما أصاب الأرض الفرق وجد كل
قوم كتابا فكتبوه من خطه فأصاب اسماعيل عليه السلام
الكتاب العربى وكان ذلك من معجزات آدم عليه السلام
ذكره السيوطى فى المزهر. وفى رواية: ان آدم عليه السلام كان
رسم الخطوط بالبنان وكان اولاده تتلقاها بوصية منه وبعضهم
بالقوة القدسية القابلية [القلبية] وكان اقرب عهد اليه ادريس
عليه السلام فكتب بالقلم واشتهر عنه من العلوم مالم يشتهر عن غيره
ولقب بهرمس الهرامسة والمثلث بالنعمة لانه كان فيا ملكا
حكيما وجميع العلوم التى ظهرت قبل الطوفان انما صدرت
عنه فى قول کثیر من العلماء وهو هرمس الاول اعنى ادريس
ابن يرد بن مهلايل بن انوش بن شيث بن آدم عليه السلام
المتمكن بصعيد مصر الاعلى وقالوا أنه أول من تكلم فى الاجرام
العلوية والحركات النجومية واول من بى الهياكل وعبدالله
تعالى فيها واول من نظر فى الطب والف لاهل زمانه قصائد
فى البسائط والمركبات وانذر بالطوفان. ورأى ان آفة سماوية
تلحق الأرض فخاف ذهاب العلم فبنى الاهرام التى فى صعيد
مصر الاعلى وصور فيها جميع الصناعات والآلات ورسم صفات
العلوم والكمالات حرصا على تخليدها ثم كان الطوفان وانقرض
الناس فلم يبق علم ولا أثر سوى من فى السفينة من البشر وذلك
مذهب جميع الناس الاالمجوس فانهم لا يقولون بعموم الطوفان
ثم اخذ يتدرج الاستئناف والاعادة فعاد ما اندرس من العلم
الى ما كان عليه من الفضل والزيادة فاصبح مؤسس البنيان
مشيد الاركان لازال مؤيدا بالملة الاسلامية الى يوم الحشر
والميزان.
الفصل الثانى
فى منشأ انزال الكتب واختلاف الناس وانقسامهم
وفيه افصاحات
الافصاح الاول: فى حكمة انزال الكتب واعلى ان الانسان
لما كان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من فى نوعه فى اقامة معاشه
والاستعداد لمعاده وذلك الاجتماع يجب ان يكون على شكل
يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ماهو له ويحصل
بالتعاون ماليس له من الأمور الدنيوية والأخروية وكان فى كثير
منها مالاطريق للعقل اليه وان كان فيه فبأنظار دقيقة لا يتيسر
الا لواحد بعد واحد اقتضت الحكمة الالهية ارسال الرسل
وانزال الكتب للتبشير والانذار وارشاد الناس إلى مايحتاجون
اليه من أمور الدين والدنيا فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هى الملة
والطريق الخاص الذى يصل الى هذه الهيئة هو المنهاج والشرعة
فالشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام والحدود والاحكام ابتدأت
من آدم عليه السلام وشيث وادريس عليهما السلام وختمت باتمها
وأكملها فمن النساس من آمن بهم واهتدى ومنهم من اختار
الضلالة على الهدى فظهر اختلاف الآراء والمذاهب من
الكفار والفرق الاسلامية و کل حزب بما لديهم فرحون .
٢٧
المقدمة
Keşf - el - zuzun
فى احوال العلوم
٢٨
الافصاح الثانى: فى اقسام الناس بحسب المذاهب والديانات اعلمان
التقسيم الضابط ان يقال من الناس من لا يقول بمحسوس ولا بمعقول
وهم السوفسطائية فانهم انكروا حقائق الاشياء. ومنهم من يقول
بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية كل منهم معطل لايرد
عليه فكره براد ولا يهديه عقله ونظره الى اعتقاد ولا يرشده
ذهنه الى معاد قد الف المحسوس وركن اليه وظن أن لاعالم وراء
العالم المحسوس ويقال لهم الدهريون ايضا لانهم لا يثبتون معقولا.
ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود والاحكام
وهم الفلاسفة فكل منهم قدترقى عن المحسوس وأثبت المعقول
لکنه لايقول محدود و احكام وشریمة واسلام ویظن انه اذا
حصل له المعقول وأنْضٍ العالم مبدأ ومعادا وصل الى الكمال
المطلوب من جنه فيكُوَّن سعادته على قدر احاطته وعلمه
وشقاوته بقدر جهله وسفاعته وعقله هو المستبد تحميل هذه
السعادة. وهؤلاء الذين كانوا فى الزمن الاولى دجرية وطبيعية
والهية لا الذين اخذوا علومهم عن مشكاة النبوة . ومنهم من يقول
بالمحسوس والمعقول والحدود والاحكام ولا يقول بالشريعة
والاسلام. وهم الصابئة فهم قوم يقرب من الفلاسفة ويقولون
بحدود واحكام عقلية ربما اخذوا اصولها وقوانينها من مؤيد
بالوحى الاانهم اقتصروا على الاول منهم وماتعدوا الى الآخر
وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بناذيمون وهر مس
وهماشيث وادريس عليهما السلام ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء.
ومنهم من يقول بهذه كلها وشريعةما واسلام ولا يقول بشريعة
محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهم المجوس واليهود والنصارى.
ومنهم من يقول بهذه كلها وهم المسلمون وكانوا عند وفاة النبى
صلى الله عليه وسلم على عقيدة واحدة الا من كان يبطن النفاق
ثم نشأ الخلاف فيما بينهم اولا فى امور اجتهادية وكان غرضهم.
منها اقامة مراسم الدين كاختلافهم فى التخلف عن جيش
اسامة وفى موته صلى الله تعالى عليه وسلم وفى موضع دفنه وفى:
الامامة وفی نبوت الارث عنه صلى الله تعالى عليه وسلم وفی قتال
مانی الزكاة وفى خلافة على ومعاوية وكاختلافهم فى بعض
الاحكام الفرعية ثم يتدرج ويترقى الى آخرايام الصحابة رضى الله
عنهم فظهر قوم خالفوا فى القدر ولميزل الخلاف يتشعب حتى
تغرق اهل الاسلام الى ثلاث وسبعين فرقاً [فرقة] كمااشار اليه
الرسول عليه الصلاة والسلام وكان من معجزات، ولكن كارالفرق
الاسلامية ثمانية وهم المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة
والتجارية والجبرية والمشبهة والناجية ويقال لهم أهل السنة والجماعة
هذا ماذكروه فى كتب الفرق .
الافصاح الثالث: فى اقسام الناس بحسب العلوم أعلم أنهم باعتبار
العلم والصناعة قسمان قسم اعتنى بالعلم فظهرت منهم ضروب المعارف
فهم صفوة اله تعالى من خلقه وفرقة لم تمتن بالعلم عناية يستحق
بها اسمه فالأولى ام منهم أهل مصر والروم والهند والفرس
والكلدانيون واليونانيون والعرب والعبرانيون. والثانية بقية الايم
لكن الانبه منهم الصين والترك. وفى الملل والنحل ان كارالام اربعة
العرب والعجم والزوم والهند. ثم ان العرب والهند يتقاوبان
على مذهب واحد وأكثر ميلهم الى تقرير خواص الاشياء
والحكم باحكام الماهيات والحقائق واستعمال الامور الروحانية
والعجم والروم يتقاربان على مذهب واحد واكثر ميلهم إلى
تقرير طبائع الاشياء والحكم بالحكام الكيفيات والكميات
واستعمال الامور الجسمانية انتهى ..
وفی بیان هذهالام تلميحات: التلويح الاول: فی اهل الهند
اعلى ان لون الهندى وان كان فى اول مراتب السودان
فصار بذلك من جبلهم [١] [من جملتهم] الا انه سبحانه
وتعالى جنبهم سوء اخلاق السودان (ودناءة شيفهم وسفاعة
احلامهم) وفضلهم على كثير من السمر والبيض وعلل ذلك
بعض أهل التنجيم بان زحل وعطارد يتوليان بالقسمة لطبيعة
الهند فلولاية زحل اسودت الوانهم ولولاية عطارد خلصت
عقولهم و(لطفت) اذهانهم فهم أهل الآراء الفاضلة والاحلام
الراجحة لمهم التحقق بعلم العدد والهندسة والطب والنجوم والعلم
الطبيعى والالهى فتهم براهمة وهى فرقة قليلة العدد ومذهبهم
ابطال النبوات وتحريم ذبح الحيوان ومنهم صابة وهم جمهور
الهندولهم فى تعظيم الكواكب وادوارها آراء ومذاهب والمشهور
فى كتبهم مذهب السند عند اى دهر الداهر ومذهب الأوجهين [٢]
ومذهب الاركند ولهم فى الحساب والاخلاق والموسيقى تأليفات.
التلويح الثانى : فى الفرس وهم اعدل الاثم واوسطهم دارا
وكانوا فى اول امرهم موحدين على دين أنوح عليه السلام الى
ان تمذهب طهمورت بمذهب الصابين وقسر الفرس على الشرع ..
فاعتقدوه نحوالف سنة إلى ان تمجسوا جميعا بسبب زرادشت
ولميزالوا على دينه قريبا من الف سنة الى أن انقرضوا
ولخواصهم عناية بالطب واحكام النجوم ولهم ارصاد ومذاهب فى
حركاتها. واتفقوا على ان اصح المذاهب فى الادوار مذهب الفرس
ويسمى سنى اهل فارس وذلك أن مدة العالم عندهم جزء من
وهو تصحيف .11 - 67 - 1 (من حياتهم) : .F [1]
[٢] الازجير: طبقات الامم لابن صاعد، ص ١٣
٢٩
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
انى عشر الفا من مدة السندهند [١] وهى ان السيارات واوجاتها
وجوزهراتها تجتمع كلها فى رأس الجمل فى كل ستة وثلاثين
مرة مائة الف سنة شمسية ولهم فى ذلك كتب جليلة .
وفى كتاب الفهرس يقال ان اول من تكلم بالفارسية كيومرت
وتسميه الفرس كل شاء اى ملك الطين وهو عندهم آدم
ابو البشر عليه الصلاة والسلام واول من كتب بالفارسية
بيوراسب المعروف بالضحاك وقيل فريدون. قال ابن
عبدوس فى كتاب الوزراء كانت الكتب والرسائل قبل
ملك كشتاسب قليلة ولم يكن لهم اقتدار على بسط الكلام
واخراج المعانى من النفوس ولما ملك ظهر زرادشت صاحب شريعة
المجوس واظهر كتابه القحيب [٢] (العجيب) بجميع اللغات واخذ
الناس يتعلم الخط والكتاب فزادوا ومهروا. وقال ابن المقفع لغات
الفارسية الفهلوية والدرية والفارسية والخوزية والسريانية . اما
الفهلوية فمنسوبة الى فهله اسم يقع على خمسة بلدان وهی اسیهان
والرى وهمذان وماء نهاوند واذربيجان واماالدرية فلغة
المداين وبها كان يتكلم من بباب الملك وهى منسوبة الى الباب
والغالب عليها من لغة اهل خراسان والمشرق لغة أهل بلخ .
فاما الفارسية فيتكلم بها الموابذة والعلماء وهى لغة أهل فارس .
واما الخوزية فيها كان يتكلم الملوك والاشراف فى الخلوة مع حاشيتهم.
واما السريانية فكان يتكلم بها اهل السواد والمكاتبة فى نوع من
اللغة بالسريانى فارسى. والفرس ستة أنواع من الخطوط وجروفهم
مركبة من ابجد هوزى كمن سف رش نخذغ فالتاء المثناة والحاء
المهملة والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والقاف سواقط.
التلويح الثالث: فى الكلدانيين [٣] وهم امة قديمة مسكنهم
ارض العراق وجزيرة العرب منهم التماردة ملوك الأرض
بعد الطوفان ويختنصر منهم ولسانهم سريانى ولم يبرحوا الى
ان ظهر عليهم الفرس وغلبوا مملكتهم وكان منهم علماء
وحكماء متوسعون فى الفنون ولهم عناية بارصاد الكوا كب واثبات
الاحكام والخواص ولهم هياكل وطرائق لاستجلاب قوى
[١] قول اصحاب السند هند ان الكواكب السبعة واوجاتها
وجوزهراتها تجتمع كلها فى رأس الحمل خاصة فى كل أربعة آلافى الف
الف سنة وثلاثة الف الف سنة وعشرين الف الف شمسية ويسمون
هذه المدة مدة السالم . طبقات الامم لابن صاعد، ص ١٣
الصحيب Katib Celebinin el yazisada bu suretle [2]
المجيب yazildia. Kesf - el- zunun nushalarinda umumiyetle
suretinde gorulmektedit. Bu القحيب Kelimesinin dogru
olup olmadığını tahkik edemedik.
[٣] منهم الجرامقة وهم اهل الموصل والنبط وهم أهل سواد المراق
وجزيرة العرب كان ملكهم واحداً ولسانهم سريانى الى ان تفرعت
العربى والعبرانى من السريانى قلب العبرانيون وهم بنواسرائيل على الشام
وغلبت العرب على جزيرة العرب فبقى بقايا هم فى العراق (منه).
الكوا كب واظهار طبايعها بأنواع القرابين فظهرت منهم
الافاعيل الغريبة من انشاء الطلسمات وغيرها ولهم مذاهب
نقل منها بطلميوس فى المجسطى . ومن اشهر علمائهم ابرخس
واصطفن . وفى الفهرس ان النبطى افصح من السريانى وبه كان
يتكلم اهل بابل واما النبطى الذى يتكلم به (اهل) القرى فهو
سريانى غير فصيح وقيل اللسان الذى يستعمل فى الكتب الفصيحة
بلسان [كان] اهل سورياوحرّان. ولالسريانيين ثلاثة اقلام اقدم
الاقلام ولا فرق بينه وبين العربى فى الهجاء الا ان الثاء المثلثة
والحاءوالذال والضاد والظاء والغين كلها معجمات سواقط و کذا
لام الف وتركب حروفها من اليمين الى اليسار .
التلويح الرابع: فى اهل اليونان [١] هم امة عظيمة القدر
بلاد هم بلاد روم ايلى وآناطولى وقرامان وكانت عامتهم صابئة
عبدة الأصنام [٢] وكان الاسكندر من ملوكهم- وهو - الذى اجمع
ملوك الأرض على الطاعة لسلطانه وبعده البطالسة الى ان غلب عليهم
الروم وكان علماؤهم يسمون فلاسفة الهيون [الهيين][٣] اعظمهم
خمسة بند قليس كان فى عصر داود عليه السلام ثم فيناغورس ثم
سقراط ثم افلاطون ثم ارسطاليس ولهم تصانيف فى أنواع الفنون
وهم من ارفع الناس طبقة واجل اهل العلم منزلة لما ظهر منهم
من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم الرياضية والمنطقية
والمعارف الطبيعية والالهية والسياسات المنزلية والمدنية وجميع العلوم
العقلية مأخوذة عنهم . ولغة قدماتهم تسمى الاغريقية وهى من
اوسع اللغات ولغة المتأخرين تسمى اللطينى لانهم فرقتان الاغريقيون
واللطينيون .
التلويح الخامس: فى الروم وهم ايضا صابئة الى ان قام
قسطنطين بدين المسيح وقسر هم على التشرع به فاطاعوه ولم يزل
دين النصرانية يقوى الى ان دخل فيه اكثر الام المجاورة للروم
وجميع اهل مصر وكان لهم حكماء وعلماء بانواع الفلسفة وكثير
من الناس يقول ان الفلاسفة المشهورين روميون والصحيح أنهم
يونانيون ولتجاور الامتين دخل بعضهم فى بعض واختلط
خبرهم وكلا [وكلتا] الامتين مشهور العناية بالفلسفة الا ان اليونان
[١] وكان ظهور امة اليونان فى حدود سنة ثمان وستين وخمائة
من وفات موسى عليه السلام وكان قبل ظهور اسكندر بخمس واربين
وثمانمائة سنة (منه). واختلف فى نسبهم فقيل انهم من جملة الروم وذكر
المسعودى انيونان من ولد عابرين شالخ اخو قحطان انفصل عن ديار اخيه
فخرج من اليمن يطلب موضا يسكنه فافى الى موضع من القرب فاظمه
فكثر نسله وهو الاصح (منه). [٢] مع أنهم موحدتتّ تمالى لا على
ما ينتقده الجهال من أن عباد الاوثان يرون ان الاوثان مى الخالفة العالم
ولم يسعد قط هذا ذوفكرة (منه). [٣] واحدهم فيلسوف وهو اسم يونانى
معناه محب الحكمة لان فيلو الحب وسونا الحكمة (منه).
:
٣١
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى احوال العلوم
٣٢
من المزية والتفضل مالا ينكر وقاعدة مملكتهم رومية الكبرى [١]
ولغتهم مخالفة للغة اليونان وقيل لغة اليونان الاغريقية ولغة
الروم اللطينية وقلم اليونان والروم من اليسار الى اليمين مرتب
على ترتيب المجد وحروفهم الح وزطى كلمن سعفص قرشت
نح طغ فالذال والهاء والحاء والذال والضاد ولام الف سواقط.
ولهم فلم يعرف بالساميا ولانظيرله عندنا فان الحرف الواحد
منه يحيط بالمعانى الكثيرة ويجمع عدة كلمات . قال جالينوس فى
بعض كتبه كنت فى مجلس عام فتكلمت فى التشريح كلاما عاما
فلما كان بعد ايام لقينى صديق لى فقال ان فلانا يحفظ عليك فى
مجلسك انك تكلمت بكلمة كذا واعاد على الفاظى فقلت من اين
لك هذا فقال انى لقيت بكاتب ماهر بالساميا فكان يسبقك بالكتابة
فى كلامك وهذا العلم يتعلمه الملوك وجة الكتاب ويمنع منه
سائر الناس لجلالته كذا قال [ابن] النديم فى الفهرس. وذكرايضا ان
رجلامتطبيا جاء اليه من بعلبك سنة ثمان واربعين وزعم أنه يكتب
بالساميا قال غيربنا عليه فاصبناء اذا تكلمنا بعشر كلمات اصنى
اليها ثم كتب كلمة فاستعدناها فاعادها بالفاظنا انتهى.
تبصرة ذكر فى السبب الذى من اجله يكتب الروم من اليسار
الى اليمين بلا تركيب انهم يعتقدون ان سبيل الجالس ان يستقبل
المشرق فى كل حالاته فانه اذا توجه الى المشرق يكون الشمال
على يساره فاذا كان كذلك فاليسار يعطى اليمين فسبيل الكاتب
ان يبتدى من الشمال إلى الجنوب. وعلل بعضهم بكون الاستمداد
عن حركة الكبد على القلب
التلويح السادس: فى اهل مصر وهم اخلاط من الايم
الا ان جمهرتهم قبط وانما اختلطوا لكثرة من تداول ملك مصر
من الام كالعمالقة واليونانيين والروم فخفى انسابهم فاننسبوا
إلى موضعهم وكانوا فى السلف صابئة ثم تنصروا الى الفتح
الاسلامى وكان لقدمائهم عناية بانواع العلوم ومنهم هرمس
الهرامسة قبل الطوفان وكان بعده علماء بضروب الفلسفة
خاصة بعلم الطلسمات والنيرنجات والمرايا المحرقة والكيميا
وكانت دار العلم بها مدينة منف فلما بى الاسكندر مدينة
رغب الناس فى عمارتها فكانت دار العلم والحكمة الى الفتح
الاسلامى فمنهم الاسكندرانيون الذين اختصروا كتب
[١] وهى من بناء رومانس اللطينى وهو اول مشهور من ملوك
الروم وكان قبل المسيح بسبعمائة سنة فاتصل ملك اللطيفيين الى قيام
أغسطس على اليونان واضاف ملكهم الى ملكه فصارت مملكة واحدة
من ارمينية الى اقصى الاندلس نحو مائة مرحلة ومكثت الى قيام
قسطنطين بدين المسيح ونى قسطنطينية فى وسط اليونان فصارت
قاعدة ملك الروم (منه).
جالينوس. وقيل ان القبط اكتسب العلم الرياضى من الكلدانيين.
التلويح السابع: فى العبرانيين وهم بنو اسرائيل وكانت
عنايتهم بعلوم الشرائع وسيرالانبياء فكان احبارهم أعلم الناس
بإخبار الانبياء وبدء الخليقة وعنهم اخذ ذلك علماء الاسلام
لكنهم لم يشتهروا بعلم الفلسفة ولغتهم تنسب الى عابر بن شالخ
والقلم العبرانى من اليمين الى اليسار وهو من ابجد الى آخر
قرشت ومابعده سواقط وهو مشتق من السريانى .
التلويح الثامن : فى العرب وهم فرقتان بائدة وباقية والبائدة
كانت امما كعاد ومود انقرضوا وانقطع عنا اخبارهم والباقية
متفرعة من قحطان وعدنان ولهم حال الجاهلية وحال الاسلام
فالاولى منهم التبابعة والجبابرة ولهم مذهب فى احكام النجوم
لكن لم يكن لهم عناية بارصاد الكواكب ولا بحث عن
شئ من الفلسفة وأما سائر العرب بعد الملوك فكانوا أهل
مدرووبر فلم يكن فيهم عالم مذ كور ولاحكيم معروف وكانت
اديانهم مختلفة [١] وعلمهم الذى كانوا يفتخرون به عنم لسانهم
ونظم الاشعار وتأليف الخطب وعلى الاخبار ومعرفة السير
والاعصار . قال الهمدانى ليس يوصل الى احد خبر من اخبار
العرب والعجم الا بالعرب وذلك ان من سكن بمكة احالطوا
بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب وكانوا يدخلون البلاد
التجارات فيعرفون اخبار الناس وكذلك من سكن الحيرة
وجاور الا عاجم على اخبار هم وايام حمير ومسيرها فى البلاد
وكذلك من سكن الشام خبّ باخبار الروم وبنى اسرائيل
واليونان ومن وقع فى البحرين وعمان فعنه انت اخبار السند
والهند وفارس ومن سكن اليمن على اخبار الامم جميعا لانه كان
فى ظل الملوك السيارة . والعرب اصحاب حفظ ورواية ولهم
معرفة بأوقات المطالع والمغارب وانواء الكواكب وامطارها
لاحتياجهم اليه فى المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق والتدرب
فى العلوم واما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله سبحانه وتعالى شيأمنه
ولاهيا طباعهم للعناية به الانادرا .
الفصل الرابع
فى اهل الاسلام وعلومهم وفيه اشارات
الاشارة الأولى: فى صدر الاسلام واعلى ان العرب فى
آخر عصر الجاهلية حين بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم
[١] منهم من يعبد الشمس ومنهم من تهود ومنهم من يعبد الأصنام
حتى باء الاسلام (منه)
٣٣
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٣٤
قد تفرق ملكها وتشتت امرها فضم الله سبحانه وتعالى به
شاردها وجمع عليه جماعة من قحطان وعدنان فآمنوا به
ورفضوا جميع ما كانوا عليه والتزموا شريعة الاسلام من الاعتقاد
والعمل ثم لميلبث رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم الا قليلا
حتى توفى وخلفه اصحابه رضى الله تعالى عنهم أجمعين فغلبوا الملوك
وبلغت مملكة الاسلام فى ايام عثمان بن عفان رضى الله تعالى
عنه من الجلالة والسعة الى حيث نبه عليه النبى عليه الصلاة والسلام
فى قوله زويت لى الأرض فاريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك
امتى مازوى لى منها فاباد الله سبحانه وتعالى بدولة الاسلام دولة
الفرس بالعراق وخراسان ودولة الروم بالشام ودولة القبط بمصر
فكانت العرب فى صدر الاسلام لاتعنى بشىء من العلوم الا بلغتها
ومعرفة احكام شريعتها وبصناعة الطب فانها كانت موجودة عند
افراد منهم لحاجة الناس طرا اليها وذلك منهم صونا لقواعد
الاسلام وعقائد اهله عن تطرق الخلل من علوم الاوائل قبل
الرسوخ والا حكام حتی یروی انهم احرقوا ما وجدوا من
الكتب فى فتوحات البلاد وقد ورد النهى عن النظر فى التوراة
والانجيل لاتحاد الكلمة واجتماعها على الاخذ والعمل بكتاب
الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واستمر ذلك
الى آخر عصر التابعين ثم حدث اختلاف الآراء وانتشار
المذاهب فال الامر الى التدوين والتحصين .
الاشارة الثانية فى الاحتياج الى التدوين. واعلم ان الصحابة
والتابعين رضوان الله تعالى عليهم اجمعين لخلوص عقيدتهم ببركة
صحبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقرب العهد اليه ولقلة
الاختلاف والواقعات وتمكنهم من المراجعة الى الثقات كانوا
مستفين عن تدوين على الشرائع والاحكام حتى ان بعضهم كره
كتابة العلم واستدل بماروى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله
تعالى عنه انه استأذن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فى كتابة
العلم فلم يأذن له وروى عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة
وقال أنما ضل من كان قبلكم بالكتابة وجاء رجل إلى عبدالله
ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال انى كتبت كتابا اريد
أن أعرض عليك فلما عرض عليه اخذ منه ومحا بالماء وقيل له
لماذا فعلت قال لانهم اذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا
الحفظ فيعرض الكتاب عارض فيفوت علمهم . واستدل ايضا
بان الكتاب مما يزيد فيه وينقص ويغير والذى حفظ لا يمكن
تغييره لان الحافظ يتكلم بالعلم والذى يخبر عن الكتابة يخبر
بالظن والنظر. ولما انتشر الاسلام واتسعت الامصار وتفرقت
الصحابة فى الاقطار وحدثت الفتن واختلاف الآراء وكثرت
الفتاوى والرجوع الى الكبراء اخذوا فى تدوين الحديث والفقه
وعلوم القرآن واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستباط
وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول وتكثيرّ
المسائل بادلتها وإيراد الشبهة باجوبتها وتعبين الاوضاع
والاصطلاحات وتبين المذاهب والاختلافات وكان ذلك مصلحة
عظيمة وفكرة فى الصواب مستقيمة فرأوا ذلك مستحبا بل واجبا
لقضية الايجاب المذكور مع قوله عليه الصلاة والسلام العلم صيد
والكتابة قيد قيدوا رحمكم الله تعالى علومكم بالكتابة الحديث .
الاشارة الثالثة فى اول من صنف فى الاسلام . واعلم
أنه اختلف فى اول من صنف فقيل الامام عبد الملك بن عبدالعزيز
ابن جريج الصرى المتوفى سنة حمس وخمسين ومائة وقيل
ابو النضر سعيد بن أبى عروبة المتوفى سنة ست وخمسين ومائة
ذكرهما الخطيب البغدادى وقيل ربيع بن صبيح المتوفى سنة
ستبن ومائة قاله ابو محمد الرامهر مزى ثم صنف سفيان ابن
عينة ومالك بن أنس بالمدينة وعبدالله بن وهب بمصر ومعمر
وعبدالرزاق بالمن وسفيان الثوری ومحمد بن فضيل بن غزوان
بالكوفة وحماد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة وهشيم بواسط
وعبد الله بن المبارك بخراسان وكان مطمح نظرهم فى التدوين ضبط
معاقد القرآن والحديث ومعانيهما ثم دونوا فيما هو كالوسيلة اليهما.
الاشارة الرابعة فى اختلاط علوم الاوائل والاسلام.
واعلم ان علوم الأوائل كانت مهجورة فى عصر الاموية ولما
ظهر آل العباس كان اول من عنى منهم بالعلوم الخليفة الثانى
ابو جعفر المنصور وكان رحمه الله تعالى مع براعته فى الفقه
مقدما فى علم الفلسفة وخاصة فى النجوم محبا لاهلها ثم لما افضت
الخلافة الى السابع عبدالله المأمون ابن الرشيد تم مابدأ.
جده فاقبل على طلب العلم فى مواضعه واستخراجه من معادية.
بقوة نفسه الشريفة وعلو همته المنيفة فداخل ملوك الروم
وسألهم وصلة مالديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا اليه منها بما
حضرهم من کتب افلاطونوارسطو وبقراطوجالينوس واقليدس
وبطلميوس وغيرهم واحضر لها مهرة المترجمين فترجوا فه
على غاية ما امكن ثم كلف الناس قرائتها ورغبهم فى تعلمها
اذالمقصود من المع هو احكام قواعد الاسلام ورسوخ عقائد
الامام وقد حصل وانقضى [١] على ان ا كثرها مما لا تعلق له بالديانات
[١] قال العلامة سعدالدين فى شرح المقاصد: لما كان من المباحث
الحكمية مالا يمدح فى العقائد الدينية ولم يناسب غيرالكلام من العلوم
الاسلامية خلطها المتأخرون بمسائل الكلام افاضة الخمايق واعادة لما
عى يستعانبه فى التفصى عن المضايقى اتهى (منه).
٣٥
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى احوال العلوم
٣٦
ففقت له سوق العلم وقامت دولة الحكمة فى عصره وكذلك
سائر الفنون فانقن جماعة من ذوى الفهم فى ايامه كثيرا من
الفلسفة ومهدوا اصول الادب وبينوا منهاج الطلب ثم اخذ
الناس يزهدون فى العلم ويشتغلون عنه بتزاحم الفتن ثارة ومجمع
الشمل اخرى الى ان كاد يرتفع جملة وكذا شان سائر الصنائع
والدول فانها تبتدى قليلا قليلا ولاتزال يزيد حتى يصل
الى غاية هى منتهاه ثم يعود الى النقصان فيؤل امرء الى الغبية
فى مهاوى النسيان والحق ان اعظم الاسباب فى رواج العلم
وكساده هو رغبة الملوك فى كل عصر وعدم رغبتهم فانا لله
وانا اليه راجعون .
الباب الثالث فى المؤلفين والمؤلفات [١] وفيه ترشيحات
الترشيح الاول فى اقسام التدوين واصناف المدونات.
واعلم ان كتب العلوم كثيرة لاختلاف اغراض المصنفين فى
الوضع والتأليف ولكن تمحصر من جهة المعنى فى قسمين .
الاول اما اخبار مرسلة وهى كتب التواريخ واما اوصاف
وامثال ونحوها قيدها النظم وهى دواوين الشعر .
والثانى قواعد علوم وهى تحصر من جهة المقدار فى
ثلاثة اصناف .
الاول مختصرات تجعل تذكرة لرؤس المسائل ينتفع
بها المنتهى للاستحضار وربما افادت بعض المبتدئين الاذكياء
لسرعة مجومهم على المعانى من العبارات الدقيقة .
والثانى مبسوطات تقابل المختصر وهذه ينتفع بها للمطالعة
والثالث متوسطات وهذه نفعها عام .
ثم ان التأليف على سبعة اقسام لا يؤلف عالم عاقل
الا فيها وهى اما شىء لم يسبق اليه فيخترعه اوشىء ناقص
تممه أوشئ مغلق يشرحه اوشىٌ طويل يختصره دون
ان يخل بشىٌّ من معانيه اوشىٌ متفرق يجمعهاوشى مختلط يرتبه
اوشىء اخطأفيه مصنفه فيصلحه. وينبنى لكل مؤلف كتاب فى
فن قدسيق اليه ان لا يخلو كتابه من خمس فوائد استنباط فى
كان معضلا اوجمعه ان كان مفرقا اوشرحه ان كان غامضا
اوحسن نظم وتأليف اواسقاط حشو وتطويل. وشرط فى التأليف
اتمام الغرض الذى وضع الكتاب لاجله من غير زيادة ولا
نقص وحجر اللفظ الغريب وانواع المجاز اللهم الا فى الرمز
[١] التأليف ابقاع الالفة بين الكلام مع التمييز بين الأنواع والتصنيف
اعم منه اذهو جعل الشىء اصنافا متميزة هذا بحسب الأصل وقد يستعمل
كل مكانٍ الآخر (منه) .
والاحتراز عن ادخال علم فى علم آخر وعن الاحتجاج بما
يتوقف بيانه على المحتجبه عليه لئلا يلزم الدور. وزادالمتأخرون
اشتراط حسن الترتيب ووجازة اللفظ ووضوح الدلالة وينبغى
ان يكون مسوقا على حسب ادراك اهل الزمان وبمقتضى
ماندعوهم إليه الحاجة فمتى كانت الخواطر ثاقبة والافهام للمراد
من الكتب متناولة قام الاختصار لها مقام الاكثار واغنت
بالتلويح عن التصريح والا فلابد من كشف وبيان وايضاح
وبرهان ينبه الذاهل ويوقظ الغافل. وقد جرت عادة المصنفين
بان یذ کروا فى صدر كل كتاب تراجم تعرب عنه سموها
الرؤس وهى ثمانية الغرض وهو الغاية السابقة فى الوهم المتأخرة
فى الفعل والمنفعة ليتشوق الطبع والعنوان الدال بالاجمال على
مايأتى تفصيله وهو قديكون بالتسمية وقديكون بالفاظ وعبارات
تسمى ببراعة الاستهلال والواضع ليعلم قدره ونوع العلم وهو
الموضوع ليعلم مرتبته وقديكون الكتاب مشتملا على نوع ما
من العلوم وقد يكون جزأ من اجزائه وقد يكون مدخلا
كما سبق فى مبحث الموضوع ومرتبة ذلك الكتاب اى متى يجب
ان يقرأ وترتيبه ونحو التعليم المستعمل فيه وهو بيان الطريق
المسلوك فى تحصيل الغاية .
وانحاء التعليم خمسة .
الاول التقسيم والقسمة المستعملة فى العلوم قسمة العام
الى الخاص وقسمة الكل الى الجزء او الكلى الى الجزئيات
وقسمة الجنس الى الأنواع وقسمة النوع الى الاشخاص وهذه
قسمة ذاتى الى ذاتى. وقد يقسم الكلى الى الذاتى والعرضى
والذاتى الى العرضى والعرضى الى الذاتى والعرضى الى العرضى
والتقسيم الحاصر هو المردد بين النفى والاثبات.
والثانى التركيب وهو جعل القضايا مقدمات تؤدى الى المعلوم.
والثالث التحليل وهو اعادة تلك المقدمات .
والرابع التحديد وهو ذكر الاشياء بحدودها الدالة على
حقائقها دلالة تفصيلية .
والخامس البرهان وهو قياس صحيح عن مقدمات صادقة
وانما يمكن استعماله فى العلوم الحقيقية واما ماعداها فيكتفى بالاقناع.
الترشيح الثانى فى الشرح وبيان الحاجة اليه والادب
فيه. واعلم ان كل من وضع كتابا انما وضعه ليفهم بذاته من غير
شرح وانما احتيج إلى الشرح لامور ثلاثة :
الأمر الأول كمال مهارة المصنف فإنه الجودة ذهنه
وحسن عبارته يتكلم على معان دقيقة بكلام وجيز كافيا فى الدلالة
على المطلوب وغيره ليس فى ضرتبته فربما عسر عليه فهم بعضها
٣٧
:- المقدمة
Keşf - el - zunun
فى اجوال السلوم
اونعذر فيحتاج الى زيادة بسط فى العبارة لتظهر تلك المعانى
الخفية ومن ههنا شرح بعض العلماء تصنيفه .
الامر الثانى حذف بعض مقدمات الاقيسة اعتمادا على
وضوحها اولانها من على آخر او اعمل ترتيب بعض الاقية
فاغفل علل بعض القضايا فيحتاج الشارح الى ان يذكر
المقدمات المهملة ويبين مايمكن بيانه فى ذلك العلم ويرشد الى
اماكن فيما لا يليق بذلك الموضوع من المقدمات ويرتب القياسات
ويعطى علل مالم يعط المصنف .
الامر الثالث احتمال اللفظ لمعان تأويلية اولطافة المعنى
عن ان يعبر عنه بلفظ يوضحه اوللالفاظ المجنازية واستعمال
الدلالة الالتزامية فيحتاج الشارح الى بيان غرض المصنف
وترجيحه. وقد يقع فى بعض التصانيف مالايخلو البشر عنه
من السهو والغلط والحذف لبعض المهمات وتكرار التى بعينه
بغير ضرورة الى غير ذلك فيحتاج ان ينبه عليه .
ثم ان أساليب الشرح على ثلاثة اقسام .
الأول الشرح بقال اقول كشرح المقاصد وشرح
الطوالع للاصفهانى وشرح العضد. وأما المتن فقد يكتب فى بعض
النسخ تمامه وقد لا يكتب لكونه مندرجا فى الشرح بلاامتياز .
والثانى الشرح بقوله كشرح البخاري لابن حجر
والكرمانى ونحوهماً وفى امثاله لا يلتزم المتن وانما المقصود ذكر
المواضع المشروحة ومع ذلك قديكتب بعض النساخ منه تماما
اما فى الهامش واما فى المسطر فلاينكر نفعه ...
والثالث الشرح مزجا ويقال له شرح ممزوج يمزج
فيه عبارة المتن والشرح ثم يمتاز اما بالميم والشمين واما يخط
يخط فوق المتن وهو طريقة اكثر الشراح المتأخرين من المحققين
وغيرهم لكنه ليس بمأمون عن الخلط والغلط.
ثم ان من آداب الشارح وشرطه ان يبذل النصرة فيما قد
التزم شرحه بقدر الاستطاعة ويذب عما قد تكفل ايضاحه
بما يذبه صاحب تلك الصناعة يكون شارحا غير
ناقض وجارح ومفسرا غير معترضَ اللهم الااذا عثر على شىء
لا یمکن حمله على وجه صحیح فحیث ینبغی ان ينبه عليه بتعريض
او تصريح متمسكا بذيل العدل والانضاف متجنبا عن الفى
والاعتاف لان الانسان محل النسيان والقلم ليس بمعصوم
من الطغيان فكيف بمن جمع المطالب من محالها المتفرقة وليس
كل كتاب ينقل المصنف عنه سالما من العيب محفوظا له عن
ظهر الغيب حتى بلام فى خطائه فينبغى أن يتأدب عن تصريح
الطعن السلف مطلقا ويكنى بمثل قيل وظن ووهم واعترض
وأجيب وبعض الشراح والمحشى أو بعض الشروح والحواشى
ونحو ذلك من غير تعيين كما هودأب الفضلاء من المتأخرين
فانهم تأثقوا فى اسلوب التحرير وتأدبوا فى الرد والاعتراض
على المتقدمين بأمثال ماذكر تنزيها لهم عما يفسد اعتقاد المبتدئين
فيهم وتعظيما لحقهم وربما حملوا هفواتبهم على الغلط من الناسخين
لامن الراسخين وان لم يمكن ذلك قالوا لانهم لفرط اهتمامهم
بالمباحثة والإفادة لم يفرغوا لتكرير النظر والاعادة واجابوا عن
مز بعضهم بان الفاظ كذا وكذا الفاظ فلان بعبارته بقولهم
انا لا نعرف كتابا ليس فيه ذلك فان تصانيف المتأخرين بل
المتقدمين لا تخلو عن مثل ذلك لالعدم الاقتدار على التغيير بل
حذرا عن تضييع الزمان فيه وعن مثالبهم بانهم عزوا الى انفسهم
ماليس لهم بانه ان اتفق فهو من توارد الخواطر كما فى تعاقب
الحوافر على الحوافر .
الترشيح الثالث فى اقسام المصنفين واحوالهم. اعلم
ان المؤلفين المعتبرة تصانيفهم فريقان:
الاول من له فى العلم ملكة تامة ودربة كافية وتجارب
وثيقة وحدس صائب وفهم ثاقب فتصانيفهم عن قوة تبصرة
ونفاذ فكر وسداد رأى كالنصير والعضد والسيد والسعد
والجلال وامثالهم فان كلا منهم يجمع الى تحرير المعانى تهذيب
الالفاظ وهؤلاء احسنوا الى الناس كما احسن الله سبحانه وتعالى
اليهم وهذه لا يستغنى عنها احد .
والثانى من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة طالع الكتب
فاستخرج دررها واحسن نظمها وهذه ينتفع بها المبتدؤن
والمتوسطون ومنهم من جمع وصنف للاستفادة لاللافادة فلا
حجر عليه بل يرغب اليه اذا تأهل فإن العلماء قالوا ينبغى للطالب
ان يشتقل بالتخريج والتصنيف فيما فهمه منه اذا احتاج الناس
اليه بتوضيح عبارته غير مائل عن المصطلح مبينا مشكاه مظهرا
ملتبسه كى يكتسبه جميل الذكر وتخليد الى آخر الدهر فينبغى
ان يفرغ قلبه لاجله اذا شرع ويصرف اليه كل شغله قبل
ان يمنعه مانع عن نيل ذلك الشرف ثم اذا تم لا يخرج ماصنفه
إلى الناس ولا يدعه عن يده الا بعد تهذيبه وتنقيحه وتحريره
واعادة مطالعته فانه قدقيل الانسان فى فسحة من عقله وفى
سلامة من افواه جنسه مالم يضع كتابا اولم يقل شعرا وقدقيل
من صنف كتابا فقد استشرف للمدح والذم فان احسن فقد
استهدف من الحسد والغيبة وان اساء فقد تعرض للشم والقذف.
قالت الحكماء من اراد ان يصنف كتابا او يقول شعرا فلا
يدعوه العجب به وبنفسه الى ان ينتحله ولكن يعرضه على
٣٩
المقدمة.
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٤٠
اهله فى عرض رسائل او اشعار فان رأى الاسماع تصفى اليه
ورأى من يطلبه اتحله وادعاء والا فليأخذ فى غير تلك الصناعة
تذنيب: ومن الناس من ينكر التصنيف فى هذا الزمان مطلقا
ولا وجه لاتكاره من اهله وانما يحمله عليه التنافس والحسد
الجارى بين اهل الاعصار ولله در القائل فى نظمه (شعر)
قل لمن لايرى المعاصر حياً. ويرى للاوائل التقديما
ان ذاك القديم كان حديثا . وسيبقى هذا الحديث قديما
واعلم ان نتائج الافكار لاتقف عند حد وتصرفات
الانظار لانتهى إلى غاية بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه
فى وقته المقدرله وليس لاحد ان زاحمه فيه لان العالم المعنوى
واسع كالبحر الزاخر والفيض الالهى ليس له انقطاع ولا آخر
والعلوم منح الهية ومواهب صمدانية فغير مستبعد ان يدخر
لبعض المتأخرين مالم يدخر لكثير من المتقدمين فلا تغتر بقول
القائل ما ترك الاول للآخر بل القول الصحيح الظاهر كم ترك الاول
للآخر فانما يستجيد [يستجاد] الشنى" ويسترذله [ويسترذل] لجودته
ورداءة فى ذاته لالقدمه وحدوثه . ويقال ليس كلة اضر بالعلم
من قولهم ماترك الاول شياً لانه يقطع الآ مال عن العلم ويحمل
على التقاعد عن التعلم فيقتصر الآخر على ماقدم الأول من الظواهر
وهو خطر عظيم وقول سقيم فالاوائل وان فازوا باستخراج
الاصول وتمهيدها فالاواخر فازوا بتفريع الاصول وتشيدها
كما قال عليه الصلاة والسلام امتى امة مباركة لايدرى اولها
خير او آخرها. وقال ابن عبد ربه فى العقد انى رأيت آخر كل
طبقة وواضى كل حكمة ومؤلفى كل ادب اهذب لفظا واسهل
نفقة واحكم مذاهب وأوضح طريقة من الأول لانه نافض متعقب
والاول بادی[باد] متقدم انهی. وروی انالمولى خواجه زادهكان
يقول مانظرت فى كتاب احد بعد تصانيف السيد الشريف
الجرجانى بنية الاستفادة. وذكر صاحب الشقائق فى ترجمة المولى
شمس الدين القارى ان الطلبة الى زمانه كانوا يعطلون يوم
الجمعة ويوم الثلاثاء فاضاف المولى المذكور اليهما يوم الاثنين
للاشتغال بكتابة تصانيف العلامة التفتازانى وتحصيلها انتهى
الباب الرابع فى فوائد منثورة من ابواب العلم
وفيه مناظر وفتوحات
المنظر الأول: فى العلوم الاسلامية. واعلم ان العلوم المتداولة
فى الامصار على صنفين صنف طبيعى للانسان يهتدى اليه بفكره
وهى العلوم الحكمية وصنف نقلى يأخذه عمن وضعه وهى
العلوم النقلية الوضعية وهى كلها مستندة الى الخبر عن الوضع
الشرعى ولامجال فيها العقل الا فى الحاق الفروع من مسائلها
بالأصول لان الخبريات الحادثة المتعاقبة لاتندرج تحت النقل
الكلى بمجرد وضعه فتحتاج الى الالحاق بوجه قياسى الا ان
هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم فى الاصل وهو
نقلى فرجع هذا القياس الى النقل لتفرعه عنه ثم يستتبع ذلك
علوم اللسان العربى الذى هو لسان الملة وبه نزل القرآن .
واصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لان المكلف يجب عليه ان
يعلم أحكام الله سبحانه وتعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه
وفى مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص او بالاجماع او بالالحاق
فلابد من النظر فى الكتاب ببيان الفاظه اولا وهذا هو على
التفسير. ثم باسناد نقله وروايته الى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم
الذى جاء به من عندالله سبحانه وتعالى واختلاف روايات
القرآء فى قراءته وهو علم القرآآت. ثم باسناد السنة الى صاحبها
والكلام فى الرواة الناقلين لها ومعرفة احوالهم وعدالتهم ليقع
الوثوق بإخبارهم وهذه هى علوم الحديث. ثم لابد فى استنباط
هذه الاحكام من اصولها من وجه قانونى يفيدنا العلم بكيفية
هذا الاستباط وهذا هو اصول الفقه. وبعد هذا يحصل الثمرة
بمعرفة احكام الله سبحانه وتعالى فى افعال المكلفين وهو الفقه.
ثم ان التكاليف منها بدفى ومنها قلبى وهو المختص بالايمان
وما يجب ان يعتقد وهذه هى العقائد فى الذات والصفات والنبوات
والاخرويات والقدر والاحتجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو
على الكلام. ثم النظر فى القرآن والحديث لابد ان يتقدمه العلوم
العربية لانه متوقف عليها وهى علم اللغة والنحو والبيان ونحو
ذلك. وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الاسلامية وان كانت
كل ملة لابد فيها من مثل ذلك فهى مشاركة لها من حيث
انها علوم الشريعة واما على الخصوص فمباينة لجميع الملل لانها
ناسخة لها وكل ماقبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها
محظور وان كان فى الكتب المنزلة غير القرآن كماورد النهى عن
النظر فى التوراة والانجيل. ثم ان هذه العلوم الشرعية قد نفقت
اسواقها فى هذه الملة بمالامزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين
الى التى لافوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون وكان
لكل فن رجال يرجع اليهم فيه واوضاع يستفاد منها التعليم
واختص المشرق من ذلك والمغرب بماهو مشهور منها .
المنظر الثانى: فى ان حملة العلم فى الاسلام اكثرهم العجم.
وذلك من الغريب الواقع لان علماء الملة الاسلامية فى العلوم
الشرعية والعقلية اكثرهم العجم الا فى القليل النادر وان كان
٤١
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى احوال العلوم
٤٢
منهم العربی فی نسبته فهو اعجمی فی لغته. والسبب فى ذلك ان
الملة فى أولها لم يكن فيها على ولا صناعة لمقتضى احوال البداوة
وانما احكام الشريعة كان الرجال ينقلونها فى صدورهم وقد
عرفوا مآخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع
واصحابه والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا امر التعليم والتدوين
ولا دعتهم اليه حاجة إلى آخر عصر التابعين كما سبق وكانوا
يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله القراء. فهم قراء لكتاب الله
سبحانه وتعالى والسنة المأثورة التى هى فى غالب، موارده تفسيرله
وشرح فلما بعدالنقل من لدن دولة الرشيد احتيج إلى وضع
التفاسير القرآنية وتقبيد الحديث مخافة ضياعه ثم احتيج الى
معرفة الاسانيد وتعديل الرواة ثم كثر استخراج احكام الواقعات
من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع
القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات فى
الاستباط والتنظير والقياس واحتاجت الى علوم اخرى هى
وسائل لها كقوانين العربية وقوانين الاستباط والقياس
والذب عن العقائد بالأدلة فصارت هذه الأمور كلها علوما محتاجة
الى التعليم فاندرجت فى جملة الصنائع والعرب ابعد الناس عنها
فصارت العلوم لذلك حضرية والحضرهم العجم اومن فى معناهم
لان اهل الحواضر تبع العجم فى الحضارة واحوالها من
الصنائع والحرف لانهم اقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم
منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسى
والزجاج كلهم حجم فى انسابهم اكتسبوا اللسان العربى بمخالطة
العرب وصيّروه قوانين لمن بعدهم وكذلك حملة الحديث
وحفاظه أكثرهم حجم او مستعجمون باللغة وكان علماء اصول
الفقه كلهم عجما وكذا جملة اهل الكلام واكثر المفسرين
ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه الا الاماجم واما العرب الذين ادركوا
هذه الحضارة وخرجوا اليها عن البداوة فشغلهم الرياسة فى
الدولة العباسية ومادفعوا اليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم
مع مايلحقهم من الانفة عن اتحال العلم لكونه من جملة الصنائع
والرؤساء يستتكفون عن الصنائع. وأما العلوم العقلية فلم تظهر
فى الملة الابعد ان تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله
/ صناعة فاختصت بالعجم وتركها العرب فلم يحملها الا المعرّبون
من المجم .
المنظر الثالث: فى ان العلم من جملة الصنائع لكنه اشرفها
واعلم ان الحذاقة والتفنن فى العلم والاستيلاء عليه أنما هو
بحصول الملكة فى الاحاطة بمباديه وقواعده والوقوف على
مسائله واستنباط فروعه من اصوله وهذه الملكة هى غير الفهم
والملكات كلها جسمانية والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر الى
التعليم فيكون صناعيا ولذلك كان السند فيه معتبرا والبيع
مايسمونه علما اوصناعة فهو عبارة عن ملكة نفسانية بقتدر
بها صاحبها على النظر فى الأحوال العارضة لموضوع ما من
جهة ما بحيث يؤدى الى الغرض فالعلم اذاً ما اختص بالجنان
واللسان والصناعة اذاً ما احتاجت إلى عمل بالبنان كالخياطة. وقد
قيل ان المعلومات الحاصلة لصاحب هذه الملكة لاتخلو اما ان
تحصل على الاستقراء والتقبع كالنحو وصنائع الفصاحة والبديع
اوتحصل عن النظر والاستدلال كعلم الكلام فالاول يسمى
الصناعة والثانى العلم لكن الزمخشرى قد عكس فى اول تفسيره
فسمى المعانى والبيان علما وسمى الكلام صناعة فقال الطيى
والحق أن كل علم مارسه الرجل حتى صارله حرفة سمى ذلك
عندهم صنعة واستشهد عليه بما قاله الزمخشرى فى قوله سبحانه
وتعالى لبئس ما كانوا يصنعون. والاولى ان يقال ان اريد العرف
الخاص فلاينضبط وان اريد العرف العام المتبادر الى الاذهان
عند الاطلاق فالحق ماقيل اولا اذلا يطلق على الاساكفة انهم
علماء ولا على صنائعهم أنها علوم وان كانت افعالهم لاتصدر
الا عن على العلماء وحكمة الحكماء فالصنائع الحكم التى تفتقر
الى تصور الجنان وتمرين البنان فان اطلقت الصناعة على مالا
وجود له فى الاعيان فبالمجاز على طريق التشبيه [١ اواطلقوا على العالم
صانعا للتنبيه على انهاحكم علمه وتفرس فيه. واعلم ان تعليم العلم من
جملة الصنائع اذهو صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه فلكل امام
اصطلاح فى التعليم يختصبه ثان الصنائع الاترى الى علم الكلام كثف
يخالف فى تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين فدل، على انها
صناعات فى التعليم والعلم واحد ولما كان التعليم من جملة الصنائع
كان العلوم تكثر حيث يكثر العمران ويكون نسبة الصنائع
فى الجودة والكثرة بحسب الامصار على نسبة عمرانها فى الكثرة
والقلة والحضارة لانه امر زايد على المعاش فمتى فضلت اعمال
اهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ماوراء المعاش من التصرف
فى خاصية الانسان وهى العلوم والصنائع ومن تشوق بفطرته
الى العلم ممن نشأ فى القرى فلايجد فيها التعليم لا بدله من الرحلة
فى طلبه الى الامصار .
المنظر الرابع : فى ان الرحلة فى الطلب مفيدة وسبب
ذلك ان البشر يأخذون معارفهم واخلاقهم وما ينتحلونه
من المذاهب تارة علما وتعليما والقاء وتارة محاكاة وتلقينا
[١] كما انهم يشبهون القاب البديع بالنقوش ويجعلون التأ ليف بنها
كا لتأليف بين بعض الاصباغ (منه).
٤٣
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى احوال العلوم
٤٤
بالمباشرة الا ان حصول الملكات عن المباشرة والتلقين احد
استحكاماً واقوى رسوخا فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون
حصول الملكة ورسوخها. والاصطلاحات ايضا فى تعليم العلوم
مناطة على التعلم حتى ظن كثير منهم انها جزء من العلم ولا
يدفع عنه ذلك الا بمباشرة لاختلاف الطرق فيها من المعلمين
فلقاء أهل العلوم وتعدد المشائخ يفيده تميز الاصطلاحات بما
يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ويعلم انها انحاء
تعليم وتنهض قواه الى الرسوخ والاستحكام فى الملكات فالرحلة
لابد منها فى طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء
المشايخ ومباشرة الرجال.
المنظر الخامس: فى موانع العلوم وعوائقها وفيه فتوحات .
فتح: واعلم انه على كل خير مانع وعلى العلم مواقع منها
الوثوق بالمستقبل والوثوق بالذكاء والانتقال من علم الى علم
قبل ان يحصل منه قدر يعتد به اومن كتاب الى كتاب قبل
ختمه ومنها طلب المال او الجاه او الركون الى اللذات البهيمية
ومنها ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال ومنها اقبال
الدنيا وتقليد الاعمال ومنها كثرة التآليف فى العلوم وكثرة
الاختصارات فانها مخلة عاقة .
فتح : ابما الوثوق بالمستقبل فلا ينبغى للعاقل لان كل يوم
آت بمشاغله فلا يؤخر شغل يومه الى غد.
فتح: واما الوثوق بالذكاء فهو من الحماقة وكثير من الاذكياء
فاته العلميهذا السبب.
فتح: واما الانتقال من علم الى علم قبل ان يستحكم
الاول فهو سبب الحرمان عن الكل فلا يجوز وكذا الانتقال
من كتاب الى كتاب كذلك .
فتح: واماطلب المال أو الجاءا والركون إلى اللدات البهيمية فالعلم
اعزان ينال مع غيره او على سبيل التبعية ولذلك ترى كثيراً
من الناس لا ينالون من العلم قدرا صالحا يعتد به لاشتغالهم عنه
بطلب المنصب والمدرسة وهم يطلبون دائما ليلا ونهارا سرا
وجهارا ولا يفترون وكان ذكرهم وفكرهم تحصيل المال
والجاه مع انهما كهم فى اللذات الفانية وعدم وكونهم الى
السعادة الباقية ومناصبهم فى الحقيقة مناصب اجنبية لانها شاغلة
عن الشعل والتحصيل على القانون المعتبر فى طريقه .
فتح : واما ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال فمن اعظم
المواقع واشدها لان صاحبه مهموم مشغول القلب ابدا.
تفتح: واما اقبال الدنيا وتقلد الاعمال فلا شك أنه يمنع
صاحبه عن التعليم والتعلم.
فتح : وأما كثرة المصنفات فى العلوم واختلاف الاصطلاحات
فى التعليم فهى عائقة عن التحصيل لانه لايفى عمر الطالب بما
كتب فى صناعة واحدة اذا تجرد لها لان ماصنفوه فى الفقه مثلا
من المتون والشروح لو التزمه طالب لا يتيسر له مع انه يحتاج
الى تميز طرق المتقدمين والمتأخرين وهى كلها متكررة والمعنى
واحد والمتعلم مطالب والعمر ينقضى فى واحد منها ولو اقتصروا
على المسائل المذهبية فقط لكان الامر دون ذلك ولكنه داء
لا يرتفع. ومثله على العربية ايضا فى مثل كتاب سيبويه وما كتب
عليه وطرق البصريين والكوفيين والاندلسيين وطرق المتأخرين
مثل ابن الحاجب وابن مالك وجميع ما كتب فى ذلك كيف
يطالب به المتعلم وينقضى عمره دونه ولا يطمع احد فى الغاية
منه فالظاهر ان المتعلم أو قطع عمره فى هذا كله فلا ينفى له
تحصيل علم العربية الذى هو آلة من الآلات ووسيلة فكيف
يكون فى المقصود الذى هو الثمرة ولكن الله يهدى من يشاء
فتح: واما كثرة الاختصارات فى العلوم فانها مخلة بالتعليم
وقد ذهب كثير من المتأخرين الى اختصار الطرق فى العلوم
ويدونون منها مختصرا فى كل علم يشتمل على حصر مسائله
وادلتها باختصار فى الالفاظ وحشو القليل منها بالمعانى الكثيرة
من ذلك الفن فصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسيرا على الفهم وربما
عمدوا إلى الكتب المطولة فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله
ابن الحاجب فى اصوله وابن ملك فى العربية وفيه اخلال
بالتحصيل لان فيه تخليطا على المبتدى بالقاء الغايات من العلم
عليه وليس لهُ استعداد لقبولها ثم فيه شغل كثير بتبع الفاظ
الاختصار العويصة للفهم لتزاحم المعانى عليها. ثم ان الملكة
الحاصلة من المختصرات اذا تم زتمت] على سداده فهى ملكة قاصرة
عن الملكات التى تحصل من الموضوعات البسيطة لكثرة مافيها
من التكرار والإطالة المفيدين لحصول الملكة التامة ولما قصدوا
الى تسهيل الحفظ اركبوهم صعبا بقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة
: المنظر السادس: فى ان الحفظ غير الملكة العلمية . اعلم
ان من كان عنايته بالحفظ أكثر من عنايته الى تحصيل الملكة
لا يحصل على طائل من ملكة التصرف فى العلم ولذلك ترى
منَّ حصل الحفظ لا يحسن شيئا من الفن وتجد ملكته قاصرة
فى علمه ان فاوض او ناظر ومن ظن أنه المقصود من الملكة
النظمية فقد اخطأ وانما المقصود هو ملكة الاستخراج
والاستنباط وسرعة الانتقال من الدوال الى المدلولات ومن اللازم
الى الملزوم وبالعكس فإن انضم اليها ملكة الاستحضار قم المطلوب
هذا لا يتم بمجرد الحفظ بل الحفظ من اسباب الاستحضار
٤٥
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٦
وهو راجع الى جودة القوة الحافظة وضعفها وذلك من احوال
الامزجة الخلقية وان كان مما يقبل العلاج .
المنظر السابع : فى شرائط تحصيل العلم واسبابه وفيه
فتوحات ايضا.
فتح : واعلم ان شرائط التحصيل كثيرة لكنها
مجتمعة فيما نقل عن سقراط وهو قوله : ينبغى للطالب ان
يكون شابا فارغ القلب غير ملتفت الى الدنيا صحيح المزاج
محبا للعلم بحيث لايختار على العلم شيئا من الاشياء صدوقا منصفا
بالطبع متدينا امينا عالما بالوظائف الشرعية والاعمال الدينية
غير مخل بواجب فيها ويحرم على نفسه ما يحرم فى ملة نيه ويوافق
الجمهور فى الرسوم والعادات ولا يكون فظاًسي الخلق ويرحم
من دونه فى المرتبة ولا يكون اكولا ولامتهتكا ولا خاشعا
من الموت ولا جامعا للمال الا بقدر الحاجة فان الاشتغال بطلب
اسباب المعيشة مانع عن التعلم انتهى .
فتح: ومن الشروط تركية الطالب عن الاخلاق الردية وهى
متقدمة على غيرها كتقدم الطهارة فكما ان الملائكة لاتدخل
بيتافيه كلب كذلك لا تدخل القلب اذا وجد فيه كلاب باطنية وكانت
الاوائل يختبرون المتعلم اولافان وجدوا فيه خلقا رديا منعوه الثلايصير
آلة الفسادوان وجدوه مهذبا علموه ولا يطلقونه قبل الاستكمال
خوفا على فساد دينه ودين غيره .
فتح : ومنها الاخلاص فى مقاساة هذا المسلك وقطع الطمع
عن قبول احد فيجب ان ينوى فى تعلمه ان يعمل بعلمه لله
تعالى وإن يعلم الجاهل ويوقظ الغافل ويرشد الغوى فانه
قال عليه السلام من تعلم العلم لاربع دخل النار ليباهى به العلماء
وليمارى به السفهاء ويقبل به وجوه الناس اليه وليأخذ به الاموال.
فتح : ومن الشروط تقليل العوائق حتى الاهل والاولاد
والوطن فانها صارفة وشاغلة ماجعل الله لرجل من قلبين فى جوفه
ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق وقدقيل العلم
لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك فاذا اعطيته كلك فانت على خطر
من الوصول الى بعضه .
فتح : ومنها ترك الكسل وايثار السهر فى الليالى ومن جملة
اسباب الكسل فيه ذكر الموت والخوف منه لكنه ينبغى ان
يكون من جملة اسباب التحصيل اذلا عمل يحصل به الاستعداد
للموت افضل من العلم والعمل به والخوف منه لا ينبغى أن يتسلط
على الطالب بحيث يشغله عن الاستعداد وقوله عليه الصلاة
والسلام ا کثروا ذكر هادماللذات بدل على انه ينبغى ان يكون
ذكره سبا للانقطاع عن اللذات الفانية دون الباقية.
فتح : ومن الشروط العزم والثبات على التعلم الى آخر
العمر كماقيل الطلب من المهد الى اللحد وقال سبحانه وتعالى
لحبيبه وقل رب زدنى علما وقال وفوق كل ذى علم عليم والحيلة
فى صرف الاوقات الى التحصيل انه اذا مل من علم اشتغل بآخر
كما قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما إذا مل من الكلام مع المتعلمين
هاتوا دواوين الشعراء.
فتح: ومنها اختيار معلم ناصح نقى الحسب كبير السن لا يلابس
الدنيا بحيث تشغله عن دينه ويسافز فى طلب الاستاذ الى اقصى
البلاد ويقال اول مايذكر من المرء استاذه فان كان جليلا جل
قدره [١] واذاو جد یلقی الیه زمام امرء و يذعن لنصحه اذعان
المريض للطبيب ولا يستبد بنفسه اتكالاً على ذهنه ولا يتكبر
عليه وعلى العلم ولا يستكف لانه قدورد فى الحديث من لم تحمل
ذل التعلم ساعة بقى فى ذل الجهل ابدا ومن الآداب احترام المعلم
واجلاله فمن تأذى منه استاذه يحرم بركة العلم ولا ينتفعبه الاقليلا
وينبغى ان يقدم حق معلمه على حق ابويه وسائر المسلمين ومن توقيره
توفير اولاده ومتعلقاته ومن تعظيم العلم تحظيم الكتب والشركاء.
فتح: ومن الشروط ان يأتى على ماقرأه مستوعبا لمسائله من
مباديه الى نهايته بتفهيم [بتفهم] واستنبات بالحجج وان يقصد فيه
الكتب الجيدة وان لا يعتقد فى علم أنه حصل منه على مقدار
لا يمكن الزيادة عليه وذلك طيش يوجب الحرمان .
فتح: ومنها ان لا يدع فنا من فنون العلم الا وينظر فيه
نظراً يطلع به على غايته ومقصده وطريقته وبعد المطالعة
فى الجميع او الاكثر اجمالا ان مال طبعه الى فن عليه ان بقصده
ولا يتكلف غيره فليس كل الناس يصلحون للتعلم ولا كل من
يصلح لتعلم علم يصلح لسائر العلوم بل كل ميسر لماخلق له وان
كان ميله الى الفنون على السواء مع موافقة الاسباب ومساعدة
الايام طلب التبحر فيها فان العلوم كلها متعاونة مرتبطة بعضها
ببعض لكن عليه ان لا يرغب فى الآخر قبل ان يستحكم
الاول لئلا يصير مذبذبا فيحرم من الكل . ولا يكن ممن يميل
الى البعض ويعادى الباقى لان ذلك جهل عظيم واياه ان يستهين
بشىء من العلوم تقليدا لماسمعه من الجهلة بل يجب ان يأخذ من
كل حظا ويشكر من هداه الى فهمه. ولا يكن ممن يذم العلم ويعدوه
لجهله مثل ذمهم المنطق الذى هو أصل كل علم وتقويم كل ذهن
ومثل ذمهم العلوم الحكمية على الاطلاق من غير معرفة القدر المذموم
والممدوح منها ومثل ذم علم النجوم مع ان بعضا منه فرض كفاية
والبعض مباح ومثل ذم مقالات الصوفية الاشتباهها عندهم والعلم ان كان
مذموما فى نفسه كمازعموافلايخلو تحصيله عن فائدة اقلها رد القائلين بها
[١] وانما خفض ذكر محمد بن مقاتل عنداهل العراق لانه لم يعرف
له استاذ جليل القدر (منه).
٤٧
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٤٨
تنبيه - اعلم ان النظر والمطالعة فى علوم الفلسفة يحل بشرطين
احدهما ان لا يكون خالى الذهن عن العقائد الاسلامية بل يكون
قويا فى دينه راسخا على الشريعة الشريفة والثانى ان لا تجاوز
مسائلهم المخالفة للشريعة وان تجاوز فانما يطالعها للرد لاغير هذا
لمن ساعده الذهن والسن والوقت وسامحه الدهر عما فضيه
الى الحرمان والا فعليه ان يقتصر على الاهم وهو قدر مايحتاج
اليه فيما يتقرب به الى الله تعالى ومالابد منه فى المبدأ والمعاد
والمعاملات والعبادات والاخلاق والعادات .
فتح: ومن الشروط المعتبرة فى التحصيل المذاكرة مع الاقران
ومناظر تهم لما قيل العلم غرس وماؤه درس لكن طلبا لثواب واظهارا
للصواب وقيل مطار حقساعة خير من تكرار شهر ولكن مع منصف سليم
الطبع وينبغى للطالب ان يكون متأملافى دقائق العلم ويعتاد ذلك فأنما
تدرك به خصوصا قبل الكلام فإنه كالسهم فلابد من تقويمه بالتأمل اولا.
فتح: ومنها الجد والهمة فان الانسان يطير بهما الى شواهقٌ
الكمالات وان لايؤخر شغل يوم الى غد فان لكل يوم مشاغل
ولابد ان يكون معه محبرة فى كل وقت حتى يكتب مايسمع
من الفوائد ويستبطه من الزوائد فإن العلم صيد والكتابة قيد .
وينبنى ان يحفظ ماكتبه اذا لهم ماثبت فى الخواطر لاما اودع
فى الدفاتر بل الغرض منه المراجعة اليها عند النسيان لا الاعتماد عليها
فتح : ومن الشروط مراعاة مراتب العلوم فى القرب والبعد
من المقصد فلكل منها رتبة ترتيبا ضروريا يجب الرعاية فى التحصيل
اذالبعض طريق الى البعض ولكل علم حد لايتعداه فعليه ان يعرفه
فلا تجاوز ذلك الحد مثلا لايقصد اقامة البراهين فى النحو ولا
يطلب وايضا لا يقصر عن حده كان يقنع بالجدل فى الهيئة وان
يعرف ايضا ان ملاك الامر فى المعانى هو الذوق واقامة البرهان عليه
خارج عن الطوق ومن طلب البرهان عليه العب نفسه. قال السكاكى:
قبل ان نمنح هذه الفنون حقها [فى الذكر] فلتبهك [نبهك] على
اصل ليكون على ذُكر منك وهو ان ليس من الواجب فى صناعة
وان كان المرجع فى اصولها وتفاريعها الى مجرد العقل ان يكون
الدخيل فيها كالناشى عليها فى استفادة الذوق عنها [منها] فكيف
اذا كانت الصناعة مستندة الى تحكمات وضعية واعتبارات الفية فلا
بأس على الدخيل [1] فى صناعة على المعانى ان يقلد صاحبها فى بعض
فتاواء ان فانه الذوق هناك الى ان يتكاملله على مهل موجبات
ذلك الذوق انهى .
فتح: ومنها ان العلوم الآلية لا توسع فيها الانظار وذلك لان العلوم
المتداولة على صنفين علوم مقصودة بالذات كالشرعيات والحكميات
وعلوم هى آلة ووسيلة لهذه العلوم كالعربية والمنطق واما المقاصد
فلا حرج فى توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الادلة
[1] Miftah da l kelimesi yoktur.
فان ذلك يزيد طالبها تمكنا فى ملكته واما العلوم الآلية فلاينينى
أن ينظر فيها الامن حيث هى آلة للغير ولا يوسع فيها الكلام
لان ذلك يخرج بها عن المقصود وصار الاشتغال بها لغوا
مع مافيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها
وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول
وسائلها فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر
وشغلا بما لايعنى وهدا كما فعله المتأخرون فى النحو والمنطق
وأصول الفقه لانهم او سعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا
واكثروا من التفاريع والمسائل بما اخرجها عن كونها آلة
وصيرها مقصودة بذاتها فيكون لاجل ذلك لغوا ومضرا بالمتعلمين
لاهتمامهم بالمقصود اكثر من هذه الآلات [لاهتمامهم بهذه الآلات
اكثر من المقصود] فإذا افتى العمر فمتى يظفر بالمقاصد فيجب
عليه ان لا يستبحر فيها ولا يستكثر من مسائلها.
المنظر الثامن: فى شروط الافادة ونشر العلم وفيه فتوحات ايضا.
فتح : اعلم ان الافادة من افضل العبادة فلا بدله منالنية
ليكون ابتغاء لمرضاة الله تعالى وارشاد عباده [وار شاداً لعباده] ولا
يريد بذلك زيادة جاء وحرمة ولا يطلب على اقضته اجرا اقتداء
بصاحب الشرع عليه السلام. ثم ينبغى له مراعاة أمور منها ان يكون
مشفقا ناصحا على اصحابه [على المتعلم] وان ينيهه على غاية العلوم ويزجره
عن الاخلاق الردیقويمنعه ان يتشوق الى رتبةفوق استحقاقه وان
يتصدى للاشتغال فوق طاقته وان لا يزجر اذا تعلم للرياسة والمباهاة اذ
وبما يتنبه بالآخرة لحقائق الامور بل ينبغى ان يرغب فى نوع
من العلم يستفاد به الرياسة بالاطماع فيها حتى يستدرجه الى الحق
اعلم ان الله سبحانه وتعالى جعل الرياسة وحسن
الذكر حفظا للشرع والعلم مثل الحب الملقى حول الشبكة
وكالشهوة الداعية الى التناسل ولهذا قيل لولا الرياسة لبطل العلم
وان يزجر عما يجب الزجر عنه بالتعريض لا بالتصريح .
فتح: ومنها ان يبدأ بما يهم للمتعلم فى الحال اما فى معاشه
اوفى معاده ويعين له ما يليق بطبعه من العلوم ويراعى الترتيب
الا حسن حسبما يقتضيه رتبتها على قدر الاستعداد فمن بلغ رشده
فى العلم ينبغى ان يبث اليه حقايق العلوم والافحفظ العلم وامساكه
عمن لا يكون اهلاله أولى به
فن منح الجهال علما اضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
فان بث المعارف الى غير اهلها مذموم وفى الحديث لاتطرحوا
الدور فى افواه الكلاب وكذا ينبغى ان يجتنب اسماع العوام كلمات
الصوفية التى يعجزون عن تطبيقها بالشرع فانه يؤدى الى انحلال
قيد الشرع عنهم فيفتح عليهم باب الالحاد والزندقة فينيفى
٤٩
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٠٥
ان يرشدالى علم العبادات الظاهرة وان عرض لهم شبهة يعالج
بكلام اقناعى ولا يفتح عليهم باب الحقائق فان ذلك فساد النظام
وان وجد ذكيا ثابتا على قواعد الشرع جازله أن يفتح
باب المعارف بعد امتحانات متوالية لئلا يتزلزل عن جادة الشرع.
تنبيه : اعلم أنه يجب على الطالب ان لا ينكر مالا يفهم
من مقالاتهم الخفية واحوالهم الغريبة اذ كل ميسر لماخلق له
قال الشيخ فى الاشارات: كل ماقرع سمعك من الغرائب فذره
فى بقعة الامكان مالم يذدك عنه قائم البرهان انتهى [١] وانما الغرض
من تدوين تلك المقالات التذكرة لمن يعرف الاسرار والتنبيه
على من لايعرفها بان لنا علما يجل عن الاذهان فهمه حتى
يرغب فى تحصيله كما فى الحديث ان من العلم كهيئة المكنون
لايعرفها الا العلماء بالله تعالى فاذا نطقوا لاينكره الا اهل
الغرة. وروى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه انه قال حفظت
من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعائين اما احدهما
فبثته واما الآخر فلو بنته لقطع هذا البلعوم وغرضهم عدم
امكان التعبير عنه وخوف مقايسة السامعين الاحوال الالهية
باحوال الممكنات فيضلوا اويسوء الظن فى قائلها فيقابلوه بالانكار.
فتح : ومنها أنه ينبغى ان لا يخالف قوله فعله اذلوا كذب
مقاله بحاله ينفر الناس عنه وعن الاسترشاد به واكثر المقلدين
ينظرون الى حال القائل والمحقق الذى لاينظر الى القائل فهو نادر
فليكن عنايته بتزكية اعماله اكثر منه تحسين علمه اذ لابد
للعالم من الورع ليكون علمه انفع وفوائده اكثر وان يكظم
غيظه عند التعليم و لا يخلطه بهزل فيقسو قلبه ولا يضحك
فيه ولا يلعب ولا يبالى اذا لم يقبل قوله ولا بأس بان يمتحن
فهم المتعلم وان لا يجادل فى العلم ولا يمارى فى الحق فانه يفتح
باب الظلال وان لايدخل علما فى علم لا فى تعليم ولا فى مناظرة
فان فلا مشوش وكثيرا ما غلط جالينوس بهذا السبب وان
يحث. مار على التعلم سيما الحفظ وان يذكر لهم مايحتمله
فهمون كان الطلاب مبتدئين لا يلقى عليهم المشكلات وان
كانوا بين لا يتكلم فى الواضحات ولا يجيب متعنتا [تعنا]
فى سؤاله ولا ما يلقى عليه [عليهم] من الاغلوطات وان ينظر فى
حال الطالب ان كان له زيادة فهم بحيث يقدر على حل المشكلات
وكشف المعضلات يهتم لتعليمه أشد الاهتمام والا فيعلمه قدر
ما يعرف الفرائض والسنن ثم يأمره بالاشتغال بالاكتساب ونوافل
الطاعات لكن يصبر فى امتحان ذهنه مقدار ثلاث سنين وان
سئل عما يشك فيه يقول لا ادرى فان لاادرى نصف العلم .
[١] راجع آخر الاشارات .
المنظر التاسع : فيما ينبغى ان يكون عليه أهل العلم : قال الفقيه
ابو الليث رحمه الله تعالى يراد من العلماء عشرة أشياء: الخشية
والنصيحة والشفقة والاحتمال والصبر والحلم والتواضع والعفة
عن اموال الناس والدوام على النظر فى الكتب وقلة الحجاب
وان لا ينازع أحدا ولا يخاسمه وعليه ان يشتغل بمصالح نفسه
لابقهر عدوه قيل من اراد ان يرغم الف عدوه فليحصل العلم
وان لايترفه فى المطعم والملبس ولا تجمل فى الأثاث والمسكن بل
يؤثر الاقتصاد فى جميع الأمور. ويتشبه بالسلف الصالح وكلما ازداد
الى جانب القلة ميله ازداد قربه من الله سبحانه وتعالى لان التزين
بالمباح وان لم يكن حراما لكن الخوض فيه يوجب الانس به
حتى يشق تركه فالحزم اجتناب ذلك لان من خاض فى الدنيا
لا يسلم منها البتة مع انها مزرعة الآخرة ففيها الخير النافع
والسم الناقع ففى تمييز الاول من الثانى احوال منها معرفة
رتبة المال فنعم الصالح منه للصالح اذا جعله خادما لامخدوما
وهو مطلوب لتقوية البدن بالمطاعم والملابس والتقوية لكب العلوم
والمعارف الذى هو المقصد الاقصى ومنها مراعاة جهة الدخل
فمن قدر على كسب الحلال الطيب فليترك المشتبه وان لم يقدر
يأخذ منه قدر الحاجة وان قدر عليه لكن بالتعب واستغراق
الوقت فعلى العامل العامى ان يختار التعب وان كان من الاهل
فان كان مافاته من العلم والحال أكثر من النواب الحاصل
فى طلب الحلال فله ان يختار الحلال الغير الطيب كمن
غص بلقمة يسيغها بالخمر لكن يخفيه من الجاهل مهما امكن
كيلا يحرك سلسلة الضلال ومنها المقدار المأخوذ منه وهو قدر
الحاجة فى المسكن والمطعم والملبس والمنكح ان جاوز من الادنى
لا يجوز التجاوز عن الوسط ومنها الخرج والانفاق فالمحمود منه
الصدقة المفروضة والانفاق على العيال وقد اختلف فى الاخذ
والانفاق على الوجه المشروع اولى ام تركه رأسا مع الاتفاق
على أن الاقبال على الدنيا بالكلية مذموم فالمقبلون على الآخرة
والصارفون للدنيا فى محل فهم الافضلون من التارك بالكلية ومنهم
عامة الأنبياء عليهم السلام ومنها ان تكون نيته صالحة فى الاخذ
والانفاق فينوى بالاخذ ان يستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به
على العبادة.
المنظر العاشر فى التعلم وفيه فتوحات ايضا .
فتح: اعلم ان تكميل النفوس البشرية فى قواها النظرية والعملية
انما يتم بالعلم بحقائق الأشياء وماهو اليه كالوسيله وبه يكون الفصد
الى الفضائل والاجتناب عن الرذائل اذ كان هو الوسيلة الى السعادة
الابدية ولاشى اشتع واقبح من الانسان مع مافضله اللّه سبحانه
٠٢
فى أحوال العلوم
Keşf - el - zunun
المقدمة
وتعالى به من النطق وقبول تعلم الا داب والعلوم ان يهمل نفسه
ويعريها من الفضائل وقدحث الشارع عليه الصلاة والسلام على
اكتسابه حيث قال طلب العلم فريضة وقال (اطلبوا العلم من المهد
إلى اللحد) الطلبوا العلم ولو بالصين.
فتح : واعلم ان الانسان مطبوع على التعلم لان فكره
هو سبب امتيازه عن سائر الحيوانات ولما كان فكره راغبا
بالطبع فى تحصيل ماليس عنده من الادراكات لزمه الرجوع
الى من سبقه بعلم فيلقن ما عنده ثم ان فكره يتوجه الى واحد
من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحد بعد واحد
وتمرن عليه حتى يصير الحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة
له فيكون علمه حينئذ بما يعرض لتلك الحقيقة علماً مخصوصا
ويتشوق نقوس اهل القرن الناشئ"الى تحصيله فيفزعون [١] الى اهله.
فتح: وكل تعليم وتعلم ذهنى انما يكون بعلم سابق فى معلوم ما
من عالم لمن ليس بعالم وقد يكون بالطبع مستفادا من وقائع
الزمان بتردد الاذهان ويسمى علما تجريبيا وقد يكون بالبحث
واعمال الفكر ويسى علما قياسيا والعلم محصور فى التصور
والتصديق والتصور يطلب بالاقوال الشارحة والتصديق يكون
عن مقدمات فى صور القياسات للنتائج فقد يحصل به اليقين وقد
لا يحصل الا اقناع وقدموا فى التعليم ماهو اقرب تناولا ليكون
سلما لغيره وجرت سنة القدماء فى التعليم مشافهة دون كتاب
الثلا يصل على إلى غير مستحقه ولكثرة المشتغلين بها فلما
ضعفت الهمم اخذوا فى تدوين العلوم وضنوا ببعضها فاستعملوا
الرمز واختصروا من الدلالات على الالتزام فمن عرف مقاصدهم
حصل على أغراضهم .
فتح : واعلم ان جميع المعلومات انما تعرف بالدلالة عليها
باحد الأمور الثلاثة الاشارة واللفظ والخط والاشارة
تتوقف على المشاهدة واللفظ يتوقف على حضور المخاطب
وسماعه واما الخط فلا يتوقف على شئ فهو اعمها قما
واشرفها وهو خاصة النوع الانسانى فعلى المتعلم ان يجوده ولو
بنوع منه ولا شك أنه بالخط والقراءة ظهرت خاصة النوع
الانسانى من القوة إلى الفعل وامتاز عن سائر الحيوان
وضبطت الاموال وحفظت العلوم والكمال وانتقلت الاخبار
من زمان إلى زمان فيلت غرائز القوابل على قبول الكتابة
والقراءة لكن السعى لتحصيل الملكة وهو موقوف على الاخذ
والتعلم والتمرن والتدرب.
فتح: واعلم ان العلم والنظر وجودهما بالقوة فى الانسان
فيفيد صاحبها عقلا لان النفس . الناطقة وخروجها من القوة
تصحيف 3 .122 .1 فيفرمون .F [1]
إلى الفعل انما هو تجدد العلوم والادراكات من المحسوسات
أولا ثم ما [بما] يكتسب بالقوة النظرية الى ان يصير ادرا كا بالفعل
وعقلا محضا فيكون ذاتا روحانية ويستكمل حينئذ وجودها
فثبت ان كل نوع من العلوم والنظر يفيدها عقلا مزيدا وكذا
الملكات الصناعية تفيد عقلا والكتابة من بين الصنائع اكثر
افادة لذلك لانها تشتمل على علوم وانظار اذ فيها انتقال من صور
الحروف الخطية الى الكلمات اللفظية ومنها الى المعانى فهو ينتقل
من دليل الى دليل ويتعود النفس ذلك دائما فتحصل لها
ملكة الانتقال من الادلة الى المدلول وهو معنى النظر العقلى
الذى يكسبه العلوم المجهولة فيحصل بذلك زيادة عقل ومزيد
فطنة وهذا هو ثمرة التعلم فى الدنيا.
فتح : ثم ان المقصود من العلم والتعليم والتعلم معرفة الله
سبحانه وتعالى وهى غاية الغايات ورأس انواع السعادات ويعبر
عنها بعلم اليقين الذى يخصه الصوفية اولوا الكرامات وهو الكمال
المطلوب من العلم الثابت بالادلة واياك ايها المتعلم ان يكون شغلك
من العلم ان تجعله صنعة غلبت على قلبك حتى قضيت بحيك
بتكرار. عند النزع كمايحكى ان ابا طاهر الزيادى كان يكرر مسئلة
ضمان الدرك حالة نزعه بل ينبغى لك ان تخذه سبيلا إلى النجاة.
ذكر احراق الكتب واعد امها : ومن اجل ذلك نقل عن
بعض المشايخ انهم احرقوا كتبهم . منهم العارف بالله سبحانه وتعالى
احمد ابن ابى الحوارى فانه كماذكره ابو نعيم في الحلية انه لما فرغ
من التعلى جلس للناس فخطر بقلبه يوما خاطر من قبل الحق
حمل كتبه إلى شط الفرات جلس يبكى ساعة ثم قال نعم
الدليل كنت لى على ربى ولكن !! ظفرت بالمدلول الاشتغال
بالدليل محال فغسل كتبه وذكر ابن الملقن فى ترجمته من طبقات
الاولياء مانصه وقدروى نحو هذا عن سفيان الثورى انه اوصى
بدفن كتبه وكان ندم على اشياء كتبها عن الضعفاء وقال ابن
عساكر فى الكنى من التاريخ ان اباعمرو بن العلا كان اعلم
الناس بالقرآن والعربية وكانت دفاتره ملء بيت الى السقف
ثم تنسك واحرقها.
فائده : ذكرها البقاعى فى حاشيته على شرح الالفية الزين
العراقى وهى أنه قال سألت شيخنا يعنى ابن حجر
العسقلانى عما فعل داود الطائى وامثاله من اعدام كتبهم
ماسبيه فقال لميكونوا يرون أنه يجوز لاحد روايتهالا بالا
جازة ولا بالوجادة بل يرون انه اذا رواها احد بالوجادة يضعف
فرأوا ان مفسدة اتلافها اخف من مفسدة تضعيف بسبيهم انتهى.
٦
٥٣
المقدمة
Keşf - el - zunun
فىاحوالاللوم
٥٤
اقول: وجوابه بالنظر الى فن الحديث وهو لا يقع جواباعن اعدام
ابن ابى الحوارى وامثاله لان الاول بسبب ضعف الاسناد والثانى
بسبب الزهد والتبتل الى الله سبحانه وتعالى ولعل الجواب عن
اعدامهم أنه أن اخرجه عن ملكه بالهبة والبيع ونحوه لا تحسم
مادة العلاقة القابية بالكلية ولا بأمن من ان يخطر بباله الرجوع
اليه ويختلج فى صدره النظر والمطالعة فى وقت ماو ذلك مشغلة
ماسوى الله سبحانه وتعالى.
تذنيب: فى طريق النظر والتصفية واعلى ان السعادة الأبدية
لاتم الابالمنے والعمل ولايمتد بو احد مهماً بدون الآخر وان
كلا منهما ثمرة الآخر مثلا إذا تمهر الرجل فى العلم لامندوحةله
عنالعمل بموجبه اذلو قصر فيه لميكن فى علمه كال واذا باشر
الرجل العمل وجاهد فيه وارتاض حسبمابينوه من الشرائط
تنصب على قلبه العلوم النظرية بكمالها فهاتان طريقتان :
الاولى منهما طريقة الاستدلال والثانية طريقة المشاهدة
وقديتهى كل من الطريقتين الى الاخرى فيكون صاحبه مجما
البحرين فسالك طريق الحق نوعان.
احدهما يبتدى من طريق العلم الى العرفان وهويشبهان يكون
طريقة الخليل عليه الصلاة والسلام حيث ابتدأ من الاستدلال.
والثانى يبتدى من الغيب ثم ينكشف له عالم الشهادة وهو
طريق الحبيب حيث ابتدأ بشرح الصدر و کشفله سبحات وجهه.
مناظرة أهل الطريقين:
اعلم ان السالكين اختلفوا فى تفضيل الطريقين قال ارباب النظر
الافضل طريق النظر لان طريق التصفية صعب والواصل قليل على أنه قد
فسد المزاج ويخلط العقل فى أثناء المجاهدة وقال اهل التصفية السلوم
الحاصلة بالنظر لانصفو عن شوبالوهم ومخالطة الخيال غالباو لهذا
كثيرا مايقيسون الغائب على الشاهدفيضلون وايضالا تخلصون فى
المناظرة عن اتباع الهوى بخلاف التصوف فإنه تصفية الروح وتطهير.
للقلب عن الوهم والجمال فلا يبقى الا الانتظار للفيض من العلوم
الالهية واما ضعوبة المسلك وبعده فلا يقدح فى محة العلم مع انه
يسير على من يسره الله سبحانه وتعالى واما اختلال المزاج
فان وقع فيقبل العلاج ومثلوا بطاغتين تنازعنا فى المباهاة
والافتخار بصنعة النقش والتصوير حتى ادى الافتخار الى الاختبار
فین لكل منهما جدار بينهما حجاب فتكلف احديهما فى صنعتهم
واشتغل الاخرى بالتصقيل فلما ارتفع الحجاب ظهر تلا لؤ الجدار
مع جميع نقوش المقابل وقالوا هذه امثال العلوم النظرية
والكشفية فالاول يحصل من طريق الحواس بالكد والعناء
والثانى يحصل من اللوح المحفوظ والملأ الأعلى .
واعترض عليهم بانالانسلم مطلق الحصول لان كل على مسائل كثيرة
وحصولها عبارة عن الملكة الراسخة فيه وهى لا تم الأبالتعلم والتدرب
كما سبق ولعل المكاشف لا يدعى حصول العلوم النظرية بطريق
الكشف لانه لا يصدق الا ان يقول بحصول الغاية والغرض منها.
المحاكمة بين الفريقين:
وقد قال انه قد سبق ان العلوم مع كثرتها منحصرة
فيما يتعلق بالاعيان وهو العلوم الحقيقية وتسمى حكمية ان
جرى الباحث على مقتضى عقله وشرعية أن بحث على
قانون الاسلام وفيما يتعلق بالاذهان والعبارة وهى العلوم
الآلية المضوية كالمنطق ونخوه وفيما يتعلق بالعبارة والكتابة
وهى العلوم الآلية اللفظية او الخطية وتسمى بالعربية ثم ان ماعدا
الأول من الاقسام الاربعة لاسبيل الى تحصيلها الا الكسب
بالنظر اما الاول فقد يحصل بالتصفية ايضا ثم ان الناس منهم
الشيوخ البالغون إلى عشر الستين فاللائق بشأنهم طريق التصفية
والانتظار لما منحه الله سبحانه وتعالى من المعارف اذالوقت
لايساعد فى حقهم تقديم طريق النظر ومنهم الشبان الاغياء
فحكمهم حكم الشيوخ ومنهم الشبان الاذكياء المستعدون لفها
الحقائق فلا يخلو اما ان لا يرشدهم ماهى فى العلوم النظرية
فعليهم ما على الشيوخ واما ان يساعدهم التقدير فى وجود عالم
ماهر مع انه اعز من الكبريت الأحمر فعليه تقديم طريقة النظر
ثم الاقبال بشراشره الى قرع باب الملكوت ليكون فائزا بنعمة
باقية لاغنى ابدا.
الباب الخامس فى لواحق المقدمة من الفوائد
وفيه مطالب
مطلب لزوم العلوم العربية :
واعلم أن مباحث العلوم انما هى فى المعانى الذهنية
والخيالية من بين العلوم الشرعية التى اكثرها مباحث
الالفاظ وموادها وبين العلوم العقلية وهى فى الذهن واللغات
انما هى ترجمان عما فى الضمائر من المعانى ولا بد فى اقتناسها
من الفاظها بمعرفة دلالتها اللفظية والخطية عليها واذا كانت الملكة
فى الدلالة راسخة بحيث تتبادر المعانى الى الذهن من الالفاظ زال
الحجاب بين المعانى والفهم ولم يبق الا معاناة مافى المعانى
من المباحث هذا شان المعانى مع الالفاظ والخط بالنسبة الى كل لغة.
ثم ان الملة الاسلامية لما اتسع ملكها ودرست علوم الاولين
بنبوتها وكتابها صيروا علومهم الشرعية صناعة بعد ان كانت
٠٠
المقدمة
· Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٠٦
نقلا فحدثت فيها الملكات وتشوقوا الى علوم الام فنقلوها
بالترجمة الى علومهم وبقيت تلك الدفاتر التى بلغتهم الاعجمية
فسيا منسيا واصبحت العلوم كلها بلغة العرب واحتاج القائمون
بالعلوم الى معرفة الدلالات اللفظية والخطية فى لسانهم دون
ماسواء من الالسن لدروسها وذهاب العناية بها وقد ثبت ان اللغة
ملكة فى اللسان والخط صناعة ملكتها فى اليد فإذا تقدمت
فى اللسان ملكة العجمة صار مقصرا فى اللغة العربية لان الملكة
اذا تقدمت فىصناعة قل ان يجيد صاحبها ملكة فىصناعة اخرى
الا ان يكون ملكة العجمة السابقة لم تستحكم كما فى اصافى
ابناء العجم وكذا شان من سبق له تعلم الخط الاعجمى قبل العربى
وذلك ترى بعض علماء الاحجام فى دروسهم يعدلون عن نقل
المعنى من الكتب الى قرائتها ظاهرا يخففون بذلك عن انفسهم
مؤنة بعض الحجب وصاحب الملكة فى العبارة والخط مستغن
عن ذلك .
مطلب علوم اللسان العربى :
اعلم ان اركانها اربعة وهى اللغة والنحو واليان
والأدب ومعرفتها ضرورية على اهل الشريعة لما سبق
من ان مأخذ الاحكام الشرعية عنبى فلا بد من معرفة العلوم
المتعلقة به ويتفاوت فى التأكد بتفاوت مراتيها فى التوفية
بمقصود الكلام والظاهر أن الاهم هو النحو اذبه يتبين اصول
المقاصد بالدلالة ولؤلاء لجهل اصل الافادة وكان من حق على اللغة
التقديم لولا ان [لان] اكثر الاوضاع باقية في موضوعاتها لم يتغير
بخلاف الأعراب فإنه يتغير بالجملة ولم يبق له اثر فلذلك كان على
النحواهم اذ فى جهله الاخلال بالتفاهم جملة وليس اللغة كذلك.
مطلب الادبيات :
واعلم أن المقصود من على الادب عند اهل اللان ثمرته
وهى الاجادة فى فنى المنظوم والمنثور على اساليب العرب
فيجمعون لذلك من حفظ كلام العرب ماعساء يحصل به
الملكة من الشعر والسجع ومسائل من اللغة والنحو مع ذكر
بعض من أيام العرب والمهم من الانساب والاخبار العامة والمقصود
بدلك ان لايخفى على الناظر فيه شىء من تكلام العرب وأساليبهم
ومناحى بلاغتهم اذا تصفحه ثم انهم اذا حدوا هذا الفن قالوا
هو حفظ اشعار العرب وأخبارها والاخذ من كل علم بطرف
يريدون من علوم اللسان والعلوم الشرعية اذ لامدخل لغير
ذلك من العلوم فى كلامهم الا ما ذهب اليه المتأخرون عند كلفهم
بصناعة البديع بالاصطلاحات العلمية فاحتاج حينئذ الى معرفتها
مطلب انه لا تتفق الاجادة فى منى النظم والنثر الا للاقل:
والسبب فيه انه ملكة فى اللسان فإذا سبقت الى محله ملكة
اخرى قصرت عن تمام تلك الملكة اللاحقة لان قبول الملكات
ولحصولها على الفطرة الأولى اسهل واذا تقدمتها ملكات اخرى
كانت منازعة لها فوقعت المنافاة وتعذر التمام فى الملكة وهذا
موجود فى الملكات الصناعية كلها على الاطلاق .
مطلب تعيين العلم الذى هو فرض عين على كل مكلف :
اعنى الذى يتضمنه قوله عليه الصلاة والسلام طلب العلم فريضة على
كل مسلم ومسلمة واعلم ان العلماء اختلا فاعظيما فى تعيين ذلك العلم قال
المفسرون والمحدثون هو على الكتاب والسنة وقال الفقهاء هو العلم
بالحلال والحرام وقال المتكلمون هوالعلم الذى يدرك به التوحيد
الذى هواساس الشريعة وقال الصوفية هو علم القلب ومعرفة
الخواطر لان النية التى هى شرط للاعمال لاتصح الابها وقال
اهل الحق هو على المكاشفة والأقرب الى التحقيق انه العلم الذى
يشتمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام بى الاسلام على خمس
الحديث لانه الفرض على عامة المسلمين وهو اختيار الشيخ
ابى طالب المكى وزاد عليه بعضهم ان وجوب المبانى الخمسة
إنما هو بقدر الحاجة مثلا من بلغ نحوة النهار يجب عليه ان
يعرف الله سبحانه وتعالى بصفاته استدلالا وان يتعلم كلمى الشهادة
ربع فهم معناها وان عاش الى وقت الظهر يجب ان يتعلم احكام
الطهارة والصلاة وان عاش الى رمضان يجب ان يتعلم احكام
الصوم وان ملك مالاً يجب ان يتعلم كيفية الزكاة وان تحصل
له استطاعة الحج يجب ان يتعلم أحكام الحج ومناسكه هذه هى
المذاهب المشهورة فى هذا الباب ذكرها فى التآثار خانية
مطلب أسماء العلوم : اعلم ان المشهور عندالجمهور ان حقيقة
أسماء العلوم المدونة المسائل المخصوصة او التصديق بها او الملكة
: الحاصلة من ادرا كها مرة بعد اخرى التى تقتدربها على استحضارها
متى شاء او استحصالها مجهولة وقال السيد الشريف فى حاشية
شرح [فى شرح] المواقف ان اسم كل علم موضوع بازاء مفهوم
اجمالى شامل له انتهى ثم انه قد يطلق اسماء العلوم على المسائل
والمبادى جميعا لكنه قد يشعر كلام بعضهم الى ان ذلك الاطلاق
حقيقة والراجح انه على سبيل التجوز والتغليب والالربما يلزم
الاختلاط بين العلمين اذبعض المبادى لعلم يجوز ان يكون
مسئلة من على آخر فلايتما يزان. ومما يجب التنبيه عليه أنهم اختلفوا
فى ان اسماء العلوم من اى قبيل من الاسماء اختار السيد الشريف
رحمه الله تعالى انها اعلام الاجناس فان اسم كل علم كلى يتناول
افرادا متعددة اذالقائم منه يزيد غير القائم منه بعمرو شخصا
٥٧
المقدمة
Keşf - el - zunun
فى أحوال العلوم
٥٨
وقالٍ ركن الدين الخوافى انها اعلام شخصية نظرا الى ان
اختلاف الاعراض باختلاف المحال فى حكم العدم وقال العلامة
الحفيد المنقول عن المركب الاضافى لايتعارف كونه اسم جنس
وكثير من اسماء العلوم مركبات اضافية وقد خطر ببالى انه يجوز
ان يجعل وضع اسماء العلوم من قبيل وضع المضمرات باعتبار
خصوص الموضوع وعموم الوضع ولاغبار على هذا التوجيه الإانه
لم يتعارف استعمالها فى الخصوصيات .
مطلب عدم تعين الموضوع فى بعض العلوم :
ينبغى أن يعلم ان لزوم الموضوع والمبادى والمسائل على الوجه
المقررسابقا انما هو فى الصناعات النظرية البرهانية واما فى غيرها
فقد يظهر كما فى الفقه واصوله وقد لا يظهر الا بتكلف كما فى
بعض الادبيات اذ ربما تكون الصناعة عبارة عن عدة اوضاع
واصطلاحات وتنبيهات متعلقة بامر واحد بغير ان يكون هناك
أثبات اعراض ذاتية لموضوع واحد بادلة مبنية على مقدمات .
هذه فائدة جليلة ذكرها العلامة التفتازانى فى شرح المقاصد
ينتفع بها فى مواضع منها جوازان يحال تصوير المبادى التصورية
فى علمه {فى علم] على علم آخر ومنها جعل اللغة والتفسير والحديث
وامثالها علوما الى غير ذلك.
الخاتمه : واعلم ان الغرض من وضع هذا الكتابان الانسان
لما كان محتاجا إلى تكميل نفسه البشرية والتكميل لا يتم الابالعلم بحقائق
الاشياء وبالعلم بكتاب الله وسنة رسوله وجب تعلم تلك العلوم
وماهو كالوسيلة اليها ولزمه اولا العلم بانواع العلوم ليتبين منها هذا
الغرض ثم العلم باصناف الكتب فى نفسها ومر تبتها ليكون على
بصيرة من أمره ويقايس بين العلوم والكتب فيعلم افضلها واوفقها
ويعلم حال العالم به وحال من يدعى علما من العلوم ويكشف
دعواه بانه هل يخبر خبرا تفصيليا عن موضوع ذلك العلم
وغايته ومرتبته فيحسن الظن به فيما ادعاه ويعلم حال
المصنفات ايضا ومراتبها وجلالة قدرها والتفاوت فيما بينها
وكثرتها وفيه ارشاد الى تحصيلها وتعريف له بما يعتمده منها
وتحذيره مما يخاف من الاغترار به ويعلم حال المؤلفين ووفياتهم
واعصارهم ولو اجمالا فلا يقصر بالعالى فى الجلالة عن درجته
ولا يرفع غيره عن مرتبته ويستفاد منه تشويق النفوس الزكية
الى الكمالات الانسانية وتحريكها الى حسن الاقتداء والاقتفاء
بإمرار النظر الى آثار الأولين والآخرين والفكر فى اخبارهم
ولا يخفى ان الطباع جبلت على مشاهدة الآثار وتلقى الاخبار
سيما الجديدة منها فلايمل حينئذ عين من نظر واذن من خبر. نسأل الله
العفو والعافية تاليالنعمة الاسلام والعافية وهو حسبي ونعم الوكيل
والهادى إلى سواء السبيل انه مجيب قريب عليه توكلت واليه اليب: