النص المفهرس

صفحات 441-460

فوائد شيتّ
١ - قال ابن تيمية في ((منهاج السنة))(١): وقد جمَع الشافعي رحمه
الله كتاباً فيه خلافُ علي وابن مسعود، لمَّا كان أَهل العراق يناظرونه
في المسألة فيقولون : قال علي وابن مسعود ، ويحتجون بقولهما ،
فجَمَع الشافعي كتاباً ذكرَ فيه ما تركوه من قول علي وابن مسعود ،
وهذا كلامٌ مع علماء يحتجون بالأدلة الشرعية من أهل الكوفة ،
كأصحاب أبي حنيفة: محمد بن الحسن وأمثاله (٢).
مناظرة الشافعي إنما كانت لمحمد بن الحسن وأصحابه ، ولم يدرك أبا يوسف
فإِن أَكثرَ مناظرةِ الشافعي كانت مع محمد بن الحسن وأصحابِه ،
لم يُدرك أَبا يوسف، ولا ناظره، ولا سَمِعَ منه ، بل تُوفي أَبو
يوسف قبل أن يدخل الشافعي العراق ، توفي سنة ثلاث وثمانين
- أَي ومئة - وقدم الشافعي العراق سنة خمس وثمانين ( أي بعد
(١) ٣ : ٢٦٥ .
(٢) فيه اعتراف بكون أصحاب أبي حنيفة يحتجون بالأدلة الشرعية ، لا
بمجرّد القياس ، وبأن أهل العراق - أي الحنفية - كانوا يناظرون
خصومهم بأقوال علي وابن مسعود ، لا بمجرّد الرأي ، كما زعمه
طائفة من منكري التقليد . ( ش ) .

٤٣٨
وفاة مالك ) ، ولهذا إِنما يَذكر في كتبه أَقوالَ أَبي يوسف عن محمد
ابن الحسن عنه . اهـ .
الرحلة المنسوبة للشافعي مكذوبة
قلت : فالرحلةُ المنسوبة إلى الشافعي مختلَقَة قطعاً(١)، فقد ذُكِرَ
فيها لقاءُ الشافعي أَبا يوسف ، ودخولُه العراق ومالكٌ حي .
وعُلِمَ بهذا الكلام أَن بناءَ مذهب أبي حنيفة على أَقوال ابنِ
مسعود وعلي رضي الله عنهما عن النبي عَُّ وهي الأكثر ، أو عن
اجتهادهما . وإِنما خالف أَبو حنيفة وأصحابُه ابنَ مسعود وعلياً في
بعض المسائل ، حيث لاحَ لهم القوة في أقوال غيرهما من الصحابة ،
كما هو مبسوط في كتب أَصحابنا ، والله أعلم .
(١) قال الحافظ في ((اللسان)) في ترجمة (عبد الله بن محمد البكوي) ٣:
٣٣٨: قال الدارقطني: يضع الحديث، وهو صاحبُ ((رحلة
الشافعي ))، طوّلها ونمّقها ، وغالبُ ما أورده فيها مُختلَق . (ش ) .
وانظر لإبطال هذه الرحلة المختلَقّة وشقيقة لها مثلُها كذباً
كتاب (( فقه أهل العراق وحديثهم)) لشيخنا الكوثري ص ٩١ - ٩٢ .
وقد توسع رحمه الله تعالى في تفنيدهما في ((إحقاق الحق بإبطال الباطل
في ((مغيث الخلق)) ص ١٠ - ١١، و((بلوغ الأماني)» ص ٢٨،
و ((حسن التقاضي)) ص ٥٤ - ٥٩ من طبعة حمص، و((تأنيب
الخطيب )) في مواضع متعددة .

٤٣٩
كلمات كاشفة في تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي ورواياتهم
٢ - وقال أيضاً فيه(١): إِن مجرَّدَ عزو الحديث إلى تفسير
الثعلبي ، أَو نقْلَ الإِجماع على ذلك من غير العالِمين بالمنقولات
الصادقين في نقلها : ليس بحجة باتفاق أهل العلم وإن لم نعرف
ثبوت إِسناده . فالجمهورُ أَهلُ السنة لا يُثبتون بمثل هذا شيئاً يريدون
إثباته ، لا حكماً ولا فضيلةً ولا غيرَ ذلك ، وكذلك الشيعة ، وإِذا
كان هذا بمجرده ليس بحجة باتفاق كليهما بَطَل الاحتجاج به .
وهكذا القول في كل ما نقله(٢) وعزاه إِلى أَبي نُعَيم أَو الثعلبي
أَو النقَّاش أَو ابن المغازي ونحوِهم ، فقد أَجمع أهل العلم بالحديث
أَن الثعلبي رَوى طائفة من الأحاديث الموضوعات ، كالحديث الذي
يرويه في أول كل سورة عن أبي أمامة في فضل تلك السورة ، ولهذا
يقولون : هو كحاطب ليل ، وهكذا الواحدي تلميذه وأَمثالُهما من
(١) أي في ((منهاج السنة)) ٤: ٣. ونَقَلَ العلامة عبد الحي
اللكنوي في ((الأجوبة الفاضلة)) ص ١٠١ - ١١١ كلامَ الشيخ
ابن تيمية الآتي هذا ، في الثعلبي والواحدي والبغوي والنقّاش
وأبي نُعَيم وكُتُبهم ، وعلّقتُ عليه هناك ما يعززه ويزيده شرحاً
وفائدة ، فانظره ففيه جُمَل من العلم حسنة ، ولولا أنها طويلة
لعلّقتها هنا.
(٢) أي الشيعيّ صاحب كتاب ((منهاج الكرامة)) المردود عليه بكتاب
((منهاج السنة )).

٤٤٠
المفسرين ينقلون الصحيح والضعيف (١).
ولهذا لما كان البغوي عالماً بالحديث، أَعلَمَ به من الثعلبي
والواحدي ، وكان تفسيره مختصرَ تفسير الثعلبي ، لم يَذكر في
تفسيره شيئاً من هذه الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي ، ولا
ذكرَ تفاسير أهل البدع التي ذكرها الثعلبي ، مع أن الثعلبي فيه
خَيْرُ ودِين ، ولكنه لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث ، ولا
يميز به السنة والبدعة في كثير من الأقوال . اهـ .
يُرجَعَ في كل علم إلى أهله ورجاله
٣ - وقال أيضاً(٢): المقصودُ هنا أَنَّا نذكر قاعدة فنقول:
المنقولاتُ فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب ، والمرجعُ في
التمييز بين هذا وهذا إلى علماء الحديث ، كما نَرجِعُ إِلى النحاة في
الفرق بين نحوِ العرب وغير نحو العرب، ونَرجعُ إلى علماءِ اللغة فيما
هو من اللغة وما ليس من اللغة، وكذلك علماءُ الشعر والطبّ وغير
(١) قال الحافظ في ((اللسان »٣: ٧٥ في ترجمة الحافظ الثّبْت (أبي
القاسم الطبراني ) صاحب ((المعاجم الثلاثة)) ما نصه: قد عاب عليه
إسماعيل بن محمد بن الفضل جَمْعَه الأحاديث بالأفراد ، مع ما فيها
من النكارة الشديدة والموضوعات ، وفي بعضها القَدْحُ في كثير من
الصحابة ، وغيرهم ، وهذا أمر لا يختص به الطبراني ، فلا معنى.
الإفراده باللوم ، بل أكثرُ المحدثين في الأعصار الماضية ، من سَنّة
مئتين وهلمّ جرّاً، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برئوا
من عهدته ، والله أعلم . اهـ . (ش ) .
(٢) أي الشيخ ابن تيمية في ((منهاج السنة)) ٤ : ١٠ و١١ .

٤٤١
ذلك، فلكل علم رجالٌ يُعرَفون به (١).
(١) لا شك في صحة هذا الكلام : أن لكل علم رجالاً يُعرَفون به، وأن
المرجع في معرفة الحديث إلى المحدثين ، ولكن منهم من هو متعنّت ،
أو متشدّد ، أو متعصّب ، ومنهم من هو منصف معتدل في الجرح
والتعديل ، فهذا ابن تيمية نفسه متشدّد في الجرح ، فقد قال الحافظ
في ((لسان الميزان)) ٦ : ٣١٩ :
((وجدتُه كثيرَ التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها
ابنُ المطهّر ( الحلّ الرافضي ، مصنّف كتاب في فضائل علي رضي
الله عنه ) ، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنه
رَدّ في رَدّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر مظانّها حالة
التصنيف ، لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره ،
والإنسان عائدٌ للنسيان، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّتْه
أحياناً إلى تنقيص علي رضي اللّه تعالى عنه)). اهـ .
قلت . ومما رَدّه ابن تيمية من الأحاديث الجياد في كتابه ((منهاج
السنة)) حديثُ ردّ الشمس لعلي رضي الله تعالى عنه، ولمّا رأى
الطحاويَّ قد حسّنْه وأثبته ، جَعَلَ يَجرح الطحاوي بلسان ذَلْق
وكلام طَلْق. وأيمُ اللّه إنّ درجَةَ الطحاوي في علم الحديث فوق
آلاف من مثل ابن تيمية ، وأين لابن تيمية أن يكون كتُرابٍ نعليه !
فمثلُ هؤلاء المتشدّدين لا يُحتجّ بقولهم إلا بعد التثبت والتأمل ، والله
تعالى أعلم . ( ش ) .
قال عبد الفتاح: قولَهُ شيخنا المؤلف في حق الإمام ابن تيمية بالنسية
للإمام الطحاوي رحمهما الله تعالى: (( وأين لابن تيمية أن يكون كتراب
نعليه ؟)). هي من كلمات علماء الهند ولهجتهم كما سمعتها منهم
مراراً ، يقولونها في بيان التفاوت بين شخصين فاضلٍ وأفضل ،

٤٤٢
علوّ منزلة علماء الحديث وفضلُهم على غيرهم
والعلماءُ بالحديث أَجلُّ قدراً من هؤلاء، وأَعظمُهم صدقاً ،
وأعلاهم منزلةً، وأَكثرُهم دِيناً ، وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة
وعلماً وخبرةً فيما يذكرونه من الجرح والتعديل . ( ثم ذكَرَ أَسماءً
بعض المحدِّثين )، وقال: وأَمثالُ هؤلاءِ خَلْقٌ كثير لا يُحصَى عددُهم
ولا يقصدون بها الإزراءَ بالمفضّل عليه والانتقاصَ له، كما يتبادر
لفهمنا نحن معشر العرب في الشام ومصر وغيرهما .
وسيأتي في المقطع -١٢-ص ٤٦١ من هذا الفصل قولُ شيخنا المؤلف
حفظه الله تعالى ، عن نفسه في جانب بيان فضل ابن القيم تلميذ الشيخ
ابن تيمية: ((فوالله لأن نَصيرَ تُرابَ نعليه أرفعُ لمرتيتنا)). انتهى.
وانظر عبارة شيخنا هناك ، فإنها أتمّ وضوحاً في الوجه الذي قلتُه.
ومع معرفتي بعادة علماء الهند وقصدهم من هذا التعبير ، كتبتُ
إلى شيخنا المؤلف سلّمه اللّه تعالى، من (المعتقَل ) بوساطة بعض
أصحابي الذين زاروني فيه ، بشأن كلمته هذه في الشيخ ابن
تيمية رحمه الله تعالى ، فكتب إليّ رعاه الله بخط يده ما يلي :
(( وقد كنتُ أمرتُ بعض أصحابي أن يضربوا على هذه العبارة
في حتى الإمام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى، ولكنه نسي وأنساني الشيطان!
أن أذكره ، فاضربوا أنتم على هذه العبارة ، واكتبوا في الهامش :
إن المؤلف قد رجع عن تلك العبارة ، وكانت من هفوات القلم ، وهو:
يستغفر الله ويتوب إليه من سوء الأدب في حق أئمة الإسلام ، ومنهم :
الإمام ابن تيمية الجرّاني شيخ الإسلام ، رحمه الله تعالى وأدخله وإيانا
دار السلام )»
:

٤٤٣
من أهل العلم بالرجال والجرح والتعديل ، وإِن كان بعضُهم أَعلمَ
بذلك من بعض ، وبعضُهم أَعدلُ من بعض في وزن كلامه ، كما أن
الناس في سائر العلوم كذلك ، وهذا علمٌ عظيم من أعظم علوم الإِسلام .
التفاوت في علوم الإسناد بين الرافضة والمعتزلة والخوارج
والرافضه أقلهم معرفةً بذلك
ولا ريب أَن الرافضة أَقُلُّ معرفة بهذا الباب ، وليس في أهل
البدع والأهواءِ أَجهلُ منهم به ، فإن سائر أهل الأهواء كالمعتزلة
والخوارج يُقصِّرون في معرفة هذا ، لكن المعتزلة أعلم بكثير من
الخوارج ، والخوارج أَعلم بكثير من الرافضة ، والخوارجُ أَصدقُ
من الرافضة ، بل الخوارج لا نعرف عنهم أنهم يتعمَّدون الكذب ،
بل هم من أصدق الناس ، والمعتزلةُ مثلُ سائر الطوائف فيهم من
يكذب وفيهم من يصدق ، ولكن ليس لهم من العناية بالحديث
والمعرفة ما لأَهل الحديث والسنة ، فإِن هؤلاء لا يتدينون (١) فيحتاجون
إلى أن يعرفوا ما هو الصدق .
وأهل البدع سلكوا طريقاً أُخرى ابتدعوها واعتمدوها ، ولا
يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد .
والرافضة أقل معرفة وعناية بهذا ، إِذْ كانوا لا ينظرون في الإِسناد،
ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية ، هل توافق ذلك أو تخالفه ،
(١) كذا جاء في الأصل وفي المصدر المنقول منه، ولعلّه محرف عن (لا
يتدينون بالنقليات ) ؟ أو نحو هذا .

٤٤٤
ولهذا لا يوجدُ لهم أسانيد متصلة صحيحة قط ، بل كل إِسناد متصل:
لهم فلا بد أن يكون فيه من هو معروف بالكذب (١)، أَو كثرةٍ الغلط،
وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى ، فإِنه ليس لهم إِسناد .
الإسناد من خصائص الإسلام
والإِسنادُ من خصائص هذه الأُمة، وهو من خصائص الإِسلام
،
ثم هو في الإِسلام من خصائص أهل السنة . والرافضة أَقل عناية به ،.
إذا كانوا لا يُصدِّقون إلا بما يوافق أَهواءَهم، وعلامةُ كذبه أَنه :.
يخالف هواهم ، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي : أَهلُ العلم
يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأَهلُ الأَهواء لا يكتبون إلا ما لهم . اهـ
قلتُ : قولُ ابن مهدي هذا حَرِيٌّ بأَن يُكتَب بماءِ الذهب .
كثرة أنواع الكذب في المنقولات
٤ - وقال أيضاً: (٢): فكلُّ من له أدنى علم وإِنصافٍ يعلم أن
المنقولات فيها صدق وكذب ، وأَن الناس قد كذبوا في المثالب
والمناقب ، كما كذَبوا في غير ذلك ، وكذَبوا فيما يوافقه ويخالفه ،
ونحن نعلم أنهم كذبوا في كثير مما يروونه في فضائل أبي بكر وعمر
وعثمان ، كما كذَبوا في كثير مما يروونه في فضائل علي ، وليس في
أَهلِ الأَهواءِ أَكثرُ كذباً من الرافضة(٣)، فإِن الخوارج لا يكادون
(١) جاء في الأصل وفي المصدر المنقول منه : (ما هو معروف بالكذب )
فأثبته (من هو ) .
(٢) أي الشيخ ابن تيمية في ((منهاج السنة)) ٤ : ١٢ .
(٣) انظر في ذلك ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص ١٢٦، و(( نصب.
الراية)) الزيلعي ١: ٣٥٧ ,

٤٤٥
يكذبون بل هم من أصدق الناس مع بدعتهم وضلالهم .
موقف أهل السنة من المنقولات هو الموقف الحق
وأَما أَهلُ العلم فلا يُصدِّقون بالنقل ويُكذِّبون بمجرد موافقةِ ما
يعتقدون ، بل قد يَنقلُ الرجلُ أَحاديثَ كثيرة فيها فضائل النبي
◌َُّ وأُمتِه وأصحابِهِ، فيردُّونَها لعلمهم بأنها كذب ، ويقبلون
أحاديث كثيرة لصحتها وإِن كان ظاهرها بخلاف ما يعتقدونه ،
إما لاعتقادهم أنها منسوخة ، أَو لها تفسير لا يخالفونه ، ونحو ذلك .
فالأَصلُ في النقل أَن يُرجعَ فيه إلى أَئمة النقل وعلمائه ، وأَن
يُستدَل على الصحة والضعف بدليل منفصل عن الرواية ، فلا بد من
هذا وهذا ، وإلا فمجرَّد قول القائل : رواه فلان، لا يَحتَجُّ به لا أَهلُ
السنَّة ولا الشيعةُ ، وليس في المسلمين من يَحتجُّ بكل حديث رواه كل
مصنِّف ، فكلُّ حديث يَحتجُّ به نطالبه مِن أَوَّلِ مَقَامٍ بصحته . اهـ .
عادة المحدثين القدامى أن يرووا جميع ما في الباب صحيحاً أو ضعيفاً
٥ - وقال أيضاً(١): إِنَّ أَبا نُعَيم (صاحب ((الحِلية))) رَوى
كثيراً من الأحاديث التي هي ضعيفة بل موضوعة باتفاق علماء أَهل
الحديث ، وهو وإِن كان حافظاً ثقة كثير الحديث واسع الرواية ،
لكن رَوى كما هو عادَةُ المحدِّثين أَمثالِهِ يروون جميعَ ما في الباب
لأَجل المعرفة بذلك ، وإِن كان لا يُحتَج من ذلك إِلا ببعضه .
(١) ٤ : ١٥ .
أ

٤٤٦
ذكر طائفة من العلماء لا يرون إلا عن ثقة عندهم.
والناسُ في مصنفاتهم منهم من لا يروي عمن يعلم أنه يكذب ،
مثل مالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن
حنبل ، فإِن هؤلاء لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم ، ولا
يروون حديثاً يعلمون أنه عن كذاب ، ولكن قد يتفق فيما يروونه ما
يكون صاحبه قد أَخطأً فيه . اهـ (١) .
اتبّاعُ بعض العلماء لبعض الصحابة فيما سَنُّوه
٠ ٦ - وقال أيضاً في ((منهاج السنة))(٢): فأَحمدُ بن حنبل
وكثيرٌ من العلماءِ يَتبعون علياً فيما سَنَّه ، كما يَتبعون عمر وعثمان:
فيما سَنَّه ، وآخرون من العلماءِ كمالك وغيره لا يتبعون علياً فيما
سَنَّه، وكلُّهم متفقون على اتِّباع عمر وعثمان فيما سَنَّه. اهـ .
بطلان نسبة كتاب ((الحِيل الإمام محمد))
٧ - قال ابن أبي الوفاء القرشي في ((الجواهر المضيّة)) في ترجمة
( وَرَّاق)(٣): قال أَبو سُلَيمان الجوزجاني: كذَبوا على محمد (بن
الحسن)، ليس له كتاب ((الحِيل))، إِنما كتاب ((الحِيل)) للورَّاق.
اهـ . قلت : والورَّاقُ لا يُدرَى من هو ؟
بطلان نسبة العمل بالحيل المحظورة إلى أحد من الأئمة
ولله دَرُّ الجُوزجاني حيث نبّهنا على الحقيقة، وأخرجنا عن
(١) وتقدم مستوعباً ذكرُ من كان لا يروي إلا عن ثقة في المقطع - ١٢ -
من الفصل السابع ص ٢١٦ - ٢٢٧، فانظره .
(٢) ٣ : ٢٠٥
(٣) ٢ : ٢٠٨ .

٤٤٧
عمياء الطريقة، فإِن كتاب ((الحِيل)) هذا - كما قال ابن
القيم رحمه الله تعالى (١) - : حِيَل دائرةٌ بين الكفر والفسوق،
ولا يجوز أَن تُنسَب إلى أَحد من الأئمة ، ومن نسبها إلى أَحد منهم
فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإِسلام ، وإِن كان بعضُ
هذه الحِيَل قد تَنفُذُ على أُصول إِمام، ولكن هذا أَمرُ غيرُ الإِذن فيها
وإِباحتِها وتعليمِها، فإِن إِباحَتَها شيءٍ، ونُفوذَها إِذا فُعِلت شيءٌ.
ولو غُرِضَ أَنه حُكِيَ عن واحد من الأَّئمة بعضُ هذه الحِيَل المجمَع
على تحريمها : فإما أن تكون الحكاية باطلة ، أو يكون الحاكي لم.
يَضبط لفظَه، فاشتَبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بُعدِ
ما بينهما .
ولا خلاف بين الأئمة أنه لا يجوز الإِذن في التكلُّم بكلمة الكفر
الغرض من الأغراض إِلا المُكرَه إِذا اطمأَنَّ قلبُه بالإِيمان .
الحنفية أشدّ من غيرهم في تحريم الحيل المحظورة
ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أَشد ، فإنهم لا
يأذنون في كلماتٍ وأَفعالِ دُونَ ذلك بكثير ، ويقولون : إِنها كفر ،
حتى قالوا : لو قال الكافرُ لرجل : إني أُريد أن أُسْلِمَ فقال له : اصبر
ساعة فقد كَفَر ، فكيف بالأَمر بإنشاء الكفر ؟ وقالوا : لو قال :
مُسَيْجِد، أَو صَغَّر لفظَ المُصْحَف كَفَر .
فعلمتَ أَن هؤلاءِ المحتالين الذين يُفتُون بالحِيَل التي هي كفر أَو
(١) في ((إعلام الموقعين)) ٣ : ١٩٠ .

٤٤٨
حرام ، ليسوا بمقتدين بمذهب أُحد من الأَئمة، وأَنَّ الأَّئمة أَعلمُ
بالله ورسولِه ودينِهِ وأَتقى له من أن يفتوا بهذه الحِيل . اهـ .
قلت : ومن نسَب هذه الحيل إلى الحنفية ، فقد اغتَرّ بنِسبتها
إلى الإمام محمد ، وقد علمتَ أَن هذه نسبة مكذوبة بالزُّور والبُهتان .
تميُّز عبد الله بن مسعود من بين الصحابة بأصحابه وتحرير
فتاواه ومذاهبه ، ثم بأصحابهم وأصحاب أصحابهم
من فقهاء الكوفة والعراق
٨ - وقال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)»(١): وكما أن الصحابة
سادَّةُ الأُمة وأَئمتها ، فهم ساداتُ المفتين والعلماء . وقال محمد بن
ابن جرير : لم يكن أَحدٌ له أَصحاب معروفون ، حرَّروا فتياه ومذاهِبَه
في الفقه غيرَ ابن مسعود ، وكان يَترك مذهبَه وقولَه لقول عمر ، وكان
لا يكاد يُخالِفه في شيء من مذاهبه ، ويرجع من قوله إلى قوله . قال
الشعبي : كان عبد الله لا يقنت - أَي في الفجر - قال: ولو قَنَت
عمر لقنَت عبد الله .
ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء - الصحابةِ المذكورين -
فكان من المفتين بالكوفة: علقمةُ، والأسود ، وعَمْرو بن شُرَحْبِيل
ومسروق ، وعَبِيدَة السَّلْماني، وشُرَيح القاضي، وسُوَيد بن غَفَلة، .
وغيرُهم ، وهؤلاءٍ أَصحاب علي وابنِ مسعود .
ثم بعدهم إبراهيم النّخَعي ، وعامر الشعبي ، وسعيد بن جُبير ،
ء
(١) ١ : ١٤ و٢٠ و ٢٢ و٢٥ و٢٦ .

٤٤٩
وغيرُهم . ثم بعدهم حمَّد بن أبي سليمان ، وسليمان بن المعتمر ،
والأَعمش، ومِسْعَر بن كِدَام . ثم بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن
أبي ليلى ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ... وغيرُهم .
ثم بعدهم حفص بن غياث ، ووكيع بن الجرَّاح ، وأصحابُ
أبي حنيفة كأبي يوسف القاضي ، وزُفَر ، وحمَّاد بن أبي حنيفة،
ومحمد بن الحسن قاضي الرَّقَّة ، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي ،
وعافيةً القاضي، وأَسد بن عَمْرو ، ونُوح بن دَرَّاج القاضي . اهـ .
قلت : فيه دليل على كون أبي حنيفة وأصحابه أَعلَمَ الناس
بالشريعة في زمانهم ، لكون مدار الإفتاء عليهم فيه ، وكان لا يُفنى
في الزمن الماضي إِلا من أحاط علماً بالقرآن والسنة وأقوالِ الصحابة مع
إصابةِ الرأي .
تقديم العمل بفتوى الصحابي على العمل بالحديث المرسل عند أحمد والحنفية
وقال أيضاً في بيان أُصول أَحمد في فتاواه(١): وكان تحرّيه
الفتاوى الصحابة كتحري أَصحابه لفتاواه ، حتى إنه ليُقدِّم فتاواهم
على الحديث المرسل . أهـ .
قلت : وكذلك الحنفية يحتجون بأقوال الصحابة كثيراً ، كما
لا يخفى على من مارس كتبهم (١) .
(١) ١: ٢٩. وانظره ففيه جواب الإمام أحمد بذلك صراحة .
(٢) وتقدمت الإشارة تعليقاً في ص ٩٦ إلى أن فتاوى الصحابه تقدم على
القياس عند الحنفية إذا عارضها .

٤٥٠
ذكرُ القرون المشهود لها بالخيرية
٩ - قال الحافظ في ((الفتح)) (١) في شرح حديث ((خيرُ أُمّتي
قَرْني)) وشَكِّ الراوي أَنه هل ذكَرَ بعد قَرْنِهِ قرنينٍ أَو ثلاثةً ما نصّه:
ووقَعَ في حديث جَعْدَةً بن هُبَيْرة عند ابن أبي شيبة والطبراني إِثباتُ
القرن الرابع، ولفظُهُ: ((خَيرُ الناس قَرْني ، ثم الذين يلونهم ، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخِرون أَردَاً)). رجاله ثقات
إِلا أَنَّ جَعْدَة مختلَف في صُحبته. اهـ(٢).
قلت : ولكن الراجح صُحبتُه ، فإِنه ابنُ أُم هانىء بنت أبي
طالب، رأَى النبيَّ ◌َِّ وهو صغير، فكونه له رؤيةٌ حقٌّ. ومرسَلُ
الصحابي حجة بلا شك ، وعندنا مرسَلُ التابعي أيضاً ، وعلى هذا :
فيجوز لنا أن نحتج بمراسيل القرن الرابع أيضاً ، لاشتراكهم مع
الثالث في العلّة التي بها قَبِلنا مراسيلهم(٣)، ومن أراد البسط في ترجمة
(١ ) ٧ : ٦ ٠
(٢) وقع لفظ الحديث في الأصل : ( خير القرون قرني ) . وهو سبق
قلم من شيخنا المؤلف سلمه الله تعالى، فهو كما أثبتُّه ( خيرُ الناسِ
قرني) في ((فتح الباري)) المنقول عنه، وفي ((مجمع الزوائد)) للهيثمي
١٠: ٢٠، و ((الجامع الصغير)) بشرح ((فيض القدير)) للمناوي
٣ : ٤٧٩. و(الاستيعاب)) و((الإصابة)) في ترجمة (جعدة بن
هبيرة ) .
(٣) قلت : هذا توسّع غير ناهض، فقد جاء ذكر ( الخيرية ) للقرن.
الخامس أيضاً، كما في ((مجمع الزوائد)) ١٠ : ١٩ من حديث ( عبد الله.
ابن حَوَالة )، رواه أحمد وأبو يعلى بسندٍ رجالُه رجالُ الصحيح.

٤٥١
جَعْدة فليراجع ((الإصابة)) و((تهذيب التهذيب)).
تميّزُ مسلم على البخاري بالمحافظة على اللفظ في الرواية
١٠ - قال الحافظ في ((الفتح)) أيضاً(١) في حديث ((لا يُصَلَيَنَّ
أَحَدٌ العصرَ إِلا في بني قُرَيظة)) (٢)، ما نصه: إِن البخاري كتَبَه من
حِفظِهِ ، ولم يُراعِ اللفظ كما عُرف من مذهبه في تجويز ذلك ،
(١) ٧ : ٣١٤ .
(٢) رواه البخاري في كتاب المغازي، في (باب مرجع النبي عَ لَّه من
الأحزاب ) ٧ : ٣١٣، ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير ،
في (باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين ) ١٢ : ٩٧
ولفظ البخاري : ((لا يُصلينّ أحدٌ العصرَ ... )) .. ولفظ مسلم :
(( لا يصلين" أحد الظهر ... )). روياه عن شيخ واحد، وبإسناد
واحد ، واللفظُ بينهما مختلف كما ترى . وقد استوفى الحافظ ابن حجر
في ((فتح الباري)) ٧ : ٣١٤ - ٣١٥ الكلامَ في ذلك . وبهذا البيان
يتضحُ لك كلامُ الحافظ ابن حجر الذي نقله المؤلف .
قال شيخنا بالإجازة الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى في
((التراتيب الإدارية)) ١: ٤٠ ((والقاعدة عندهم أنه لا يُقَدَّم أحَدٌ
على ((البخاري)) في العزو، ويعزون الحديث ( ((الصحيحين)) إذا
إذا كان فيهما ، ولكن يسوقون لفظه لمسلم ، لشدّة محافظته على
الألفاظ النبوية)). انتهى .
وقد وقع لفظ الحديث في الأصل هنا: ((لا يُصليَنّ أحد
الظهر ... )). وهو رواية مسلم كما علمت، والكلامُ الآتي مبنيٌ على
رواية البخاري ، فما وقع هنا سبقُ قلم ، ولذا عدّلتُه وأثبتّ رواية
البخاري .

٠٤٥٢
بخلاف مسلم فإِنه يُحافظ على اللفظ كثيراً، وإِنما لم أُجوِّز عكسَه
لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري . اهـ .
قلت : وهذه مزية عظيمة لمسلم امتاز بها ، كما امتاز بحُسن
سِياقِهِ للحديث وجمعِه طُرقَه كلَّها في مكان واحد ، ومن هاهنا رجّح
بعضُهم ((كتاب مسلم)) على ((كتاب البخاري)).
البخاري يجوّز رواية الحديث بالمعنى ، ومبنى
رأي مالك في تقديم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد إذا تعارضا
وفيه : دليلٌ أَيضاً على كون البخاري يُجوِّزُ رواية الحديث بالمعنى
من غير رعاية اللفظ ، ولعل ذلك هو مَبْنَى رأْي مالك في تركه أخبار
الآحاد إِذا خالفت عملَ أُهلِ المدينة ، لأَن عمل أَهل المدينة في خَيْر
القرون أَقوى في الاستناد إلى النبي عَّه من خبر الواحِدِ الذي لا
ندري أَضَبَط أَم لم يَضِط ؟ وهل رَوَى الحديثَ بلفظه أَو بمعناه ؟
وهل فَهِم أَو لم يَفهم ؟
مبنى قول الحنفية : إن خبر الآحاد إذا عارض السنة المشهورة
فهو شاذ وكذا إذا ورد في بلوى عامة
وهو مَبْنَى قولِ الحنفية: إِنَّ أخبار الآحاد إنما تُقبَل إِذا لم
تُعارِض السُّنَّةَ المشهورةَ، وإِذا خالفَتْها فهي شاذَّة، وكذا إِذا ورَدَتْ
برواية الآحاد في بَلْوَى عامَّة، فإِنَّ معرفةَ الواحد بحكم مثلِ هذه
هذه الحادثة من بين الناس بعيدةٌ . وقد قدَّمنا الإِشارة إلى جميع ذلك

٤٥٣
عند ذكر الأُصول(١)
الحديث الذي لم يُعرَف في زمن الخلفاء الأربعة ولا في بلدان معادن
السنة لا حجة فيه ، ولا يمكن أن يكون من ضروريات الدين
إِذا عرفتَ ذلك، فكلُّ حديث لم يُعرَف في زمن الخلفاءِ الأَربعة ،
بل ولم يُعرَف في زمن الشيخين، بل بَحَثَ عنه المتأَخِّرون ، وفتشوا
عنه بالارتحال إلى بلادٍ بعيدة وأرضٍ شاسعة ، ولم يكن له أثرٌ في أَهل
الحجاز ، ولا أَهلِ المدينة ، ولا أَهلِ العراقَيْن، فلا حُجَّة فيه .
وليس مِثلُ هذا الحديث من ضروريات الدين ، فإِن الإِسلام قد
انتهى عُروجُه في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم منه إلى زمن
الخلفاء الراشدين ، فكلٌّ ما كان من ضروريات الدين لا بد وأن يظهر.
في زمنهم في بلادهم ، وإِذا خفي عنهم وعن أَهل بلادهم ، وظهَرَ
في بلد بعيدٍ وأرضٍ شاسعة ، فالظاهرُ كونه من الشواذ ، وعلى تقدير
صحته ، فليس من ضروريات الدين ، وإنما هو من الزوائد ، ولذا
قال معاوية رضي الله عنه : عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر ،
فإِنه كان قد أَخاف الناسَ في الحديث عن رسول الله عَ لٍ (٢)،
ذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ ))(٣) له عن ابن عُلَيَّة، عن رجاء
(١) انظر المقطع - ٥ - و - ٦ - ص ١٢٥ وما قبلهما وما بعدهما من
الفصل الرابع .
(٢) أي فلم يُحدّث الناسُ في زمانه إلا بما حفظوه، ودعَتْ الضرورةُ
إلى إظهاره ، ولم يحدثوا بالزوائد ، وبما لم يحفظوه . (ش ) .
(٣) ١ : ٧ .

٤٥٤
ابنِ أَبِي سَلَمة أنه بلغه أن معاوية، فذكَرَه . اهـ .
استيثاق عمر في رواية الحديث ، وإفادته أن تكثير الطرق لتقوية.
الحديث أمر حسن
وقد عُرِفَ من عادة عمر أنه كان إِذا حدَّثه أَحدٌ عن رسول الله
التم بما لا يعرفه، قال له : هل معك من يشهد لك ؟ أَو لأَفعلَنَّ
بك، قال الذهبي(١): ففي هذا دليل على أَن الخَبَر إذا رواه ثقتان
كان أقوى وأَرجحَ مما انفرد به واحد(٢)، وفي ذلك حضٌّ على تكثير
طرق الحديث ، لكي يرتقي عن درجة الظنِّ إِلى درجة العلم ، إِذ
الواحِدُ يجوز عليه النسيان والوَهَم ، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين
لم يخالفهما أَحد . اهـ .
نقض زعم بعضهم أن أبا حنيفة لو عاش حتى دُوّن الحديث
لترك كل قياس قاسه
قلت : فلا حاجة إِذن إلى القول: بأَن أبا حنيفة إِنما كَثُرَ.
القياسُ في مذهبه لكونه في زمنٍ قبلَ تدوين الحديث ، ولو عاش
حتى دُوِّنت أحاديث الشريعة، وبعْدَ رحيل الحفاظ في جمعها من
البلاد والثغور، وظَفِرُّ بها لأَخَذَ بها، وترَكَ كلَّ قياس كان قاسه :
لأَنا نقول لو ظَفِرَ الإِمامِ بها لم يأخذ منها إلا ما ظهر في عصر الخلفاءِ.
(١) أي في ((تذكرة الحفاظ)) ١ : ٦.
(٢) قلت: بل فيه إشارة إلى أن كل حديث لم يعرفه عن النبي عز له إلا
واحد ، فليس هو من ضروريات الدين ، فإن الضروريّات كان
يُبُلّغُها بطريق العموم دون الخصوص، والقرينةُ على ذلك قولُ
عمر : أو لأفعلنّ بك . ( ش ) .

--
٤٥٥
الأَربعة ، وكلُّ ما ظهر من الحديث في زمنهم لم يفته منه شيءٌ ، لكونه
محيطاً على علم الحجاز والمدينة والعراقَين ، يدل على ذلك كثرةُ
شيوخه، وكونُه أَعلمَ الناس في زمانه بشهادة الأَئمة، كما مرَّ ذكره(١)،
وما عداه فشاٌّ ، أَو ليس مما يجب العمل به .
وإِن سلَّمْنا أَن الإِمام خفي عليه بعضُ الأحاديث التي يجب العمل
بها شرعاً ، فنقول : إِن محمداً، وأَبا يوسف ، وزُفَر بن الهُذَيل،
وابنَ المبارك ، والحسنَ بن زياد ، وغيرهم من أصحابه قد تأخروا
إلى زمان تدوين الحديث . ثم الطحاويُّ ، والكرخيُّ ، والحاكم مؤلف
((الكافي))، وعبدُ الباقي بن قانع، والمستغفري، وابن الشَّرْقي،
والزيلعي، وغيرُهم من حفاظ الحنفية ونقَّاد الحديث منهم تأخروا
إِلى كمال التنقير عن الحديث النبوي ، واطّلعوا على صحيحه وسقيمه
ومشهوره وآحاده .
فكل قياس من قياسات أبي حنيفة رأوه خلاف الحديث ، تركَهُ
أصحابُه كمحمد وأبي يوسف وزفر والحسن ، وخالفوا شيخَهم في
شطر مذهبه . ومذهبُ الحنفية هو مجموع أَقوال الإِمامِ وأصحابِه
هؤلاءِ .
ثم المحدَّثون من الحنفية مِن بعدِهم رجّحوا في بعض المسائل قولَ
الشافعي ، وفي بعضها قولَ مالك ، وبعضِها قولَ أَحمد ، وأَفتوا بما
ترجّح عندهم بالدليل . وهذا كله هو مذهب أبي حنيفة ، لكونه
(١) في ص ٣٠٨ - ٣٣١ .

٤٥٦
جارياً على منواله وأُصوله التي بَنَى عليها مذهَبَه، منها تقديمُه النصّ
ولو ضعيفاً على القياس ، فلم يبق - والحمد لله - في مذهبنا قولٌ.
خلاف حديث إِلا وعندنا حديث آخر يؤيدنا . والذي خالفناه ظاهراً
فله عندنا تأويل لا نخالفه ، وكذلك الأئمةُ كلُّهم وأصحابُهم يفعلون .
فلا يستطيع أَحدٌ أَن يَدَّعي العملَ بكل الأحاديث بجملتها ،
وإِنما كلِّ يَعمل ببعضِها ، ويَترك بعضَها ، إِما لكونه ضعيفاً عنده ،
أَو مخالفاً للنص، أَوِ الخبرِ المشهور أَو المتواتر، أَو لكونه شاذّاً أَو
معلَّلاً أَو منسوخاً أو مؤولاً بمعنى لا يدركه العامة ، ونحو ذلك .
كلمة حسنة جامعة في مناقشة ذامي التقليد ومانعيه
هذا ، وأَما المنكرون للتقليد فلا يمكن منهم العملُ بالحديث على
أصلهم أصلاً، لأَن العمل به لا يمكن إلا بتقليد بعض العلماء في أن
هذا الحديث صحيح ، وهذا ضعيف ، وهذا يجبُ العملُ به ، وهذا
لا يجب به العمل ، بل يجوز أو يُستحب أَو يَحرُم الأَخذُ به ، وهذا.
- كما ترى - كلُّه تقليد في الأَحكام، فإِنَّ كون الحديث واجبٌ
الأَخذُ به وبالعكس، أَو يَحرُمِ الأَخذُ به أو بالعكس : من الأحكام
حَتْماً .
ولذا ذكَرَ الفقهاءُ بحثَ السُّنَّةِ قبولِها وردِّها والأَخذِ بها وتركِها
وأحكامِ الرواة: في الفقه وأُصوله، لكونه مادّة الأَحكام ، وهؤلاء
ينكرون التقليدَ والقياسَ والاجتهادَ ( في الأحكام رأْساً)، فكيف
يُقلِّدون المحدِّثين في هذه ؟ وكيف يجعلون ظنَّهم واجتهادَهم في