النص المفهرس

صفحات 41-60

٣٧
وخفة كصحة الصحيح، فمنه ( أَوْهَى) كما أنَّ في الصحيح ( أَصح)(١).
ويجوز عند العلماء التساهلُ في أَسانيد الضعيف من غير بيان ضعفه ،
في المواعظ والقِصَص وفضائل الأعمال ، لا في صفات الله تعالى وأحكام
(٢)
الحلال والحرام
ولا يجوز رواية الموضوع إلا ببيان حاله .
قيل : كان من مذهب النَّسائي أَن يُخرِج عن كل من لم يُجمَع على
تركه (٣). وأَبو داود كان يأخذ مأخذَه ويُخرِج الضعيف إذا لم يجد
(١) من (( تدريب الراوي )) ص ١٠٦ .
(٢) أطال العلامة المحقق عبد الحي اللكنوي واستوفى ( بحث العمل بالحديث
الضعيف) قبولا ورداً وأمثلةً ... في ((الأجوبة الفاضلة)) ص ٣٦ - ٥٩
فانظره .
(٣) قال السيوطي في ((زهر الربى على المجتبى)) أي ((سنن النسائي)) ١ : ٣
((قال النسائي: لا يُتَرَّك الرجلُ عندي حتى يجتمع الجميعُ على تركه )».
انتھی .
وليس هذا مذهب النسائي وحده ، بل تقدمه به من قبله كالإمام
أحمد بن حنبل والإمام أحمد بن صالح المصري، ففي ((تهذيب التهذيب))
للحافظ ابن حجر ، في ترجمة ( عبد الله بن لهيعة المصري) ٥: ٣٣٧
(( قال يعقوب: قال لي أحمد بن حنبل : مذهبي في الرجال أني لا أترك
حديث محدّث حتى يجتمع أهلُ مصرٍ على ترك حديثه)). وفي (( شرح
الألفية)) للسخاوي ص ١٦٠ - ١٦١ ((قال أحمد بن صالح: لا يُترك
حديثُ الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه)) .

٣٨
في الباب غيرَه، ويُرجِّحُه على رأي الرجال(١) .
١٠ - والمسنَد: هو ما اتَّصل سندُه مرفوعاً إلى النبي عَلَّه.
١١ - والمتصل: ما اتَّصل سندُه سواء كان مرفوعاً إِليه معَ له أو
موقوفاً ونحوه
.
١٢ - والمرفوع: ما أُضيفَ إِلى النبي عَ لَّلِ خاصةً من قول أو فعل
أو تقرير ، سواء كان متصلاً أَو منقطعاً .
١٣ - والمُعَنْعَن: هو ما يقال في سنده: فلان عن فلان . والصحيحُ
أَنه متصل إذا أمكن اللقاءُ مع البراءة من التدليس، وقد أُودِعَ في
((الصحيحين)) (٢).
وقد نقل شيخنا المؤلف كلمة الإمام أحمد بن حنبل هذه في الفصل
التاسع الآتي ، في آخر الكتاب في ( تتمة في مسائل شتى) في أول المقطع
- ٨-، ثم قال: ((وهذا أيضاً مذهب الحنفية)).
(١) من ((الديباج المذهب)) الجرجاني ص٢٥-٢٦ . وهذه العبارة تفيد أن أبا
داود تابع النسائي على هذا المسلك ، والصواب العكس ، فإن النسائي هو
الذي تابع أبا داود ، إذ هو شيخ النسائي وسابقه في الولادة والوفاة .
(٢) عبارة ابن الصلاح - كما نقلها السيوطي في ((تدريب الراوي ))ص ١٣٢ -
(( ولذلك أودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم)). وعبارة الجرجاني
في ((الديباج المذهب)) ص ٢٨ كما جاءت هنا ، وهي تنطبق على طريقة
مسلم دون البخاري كما هو معلوم .
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة ((فتح الباري)» المسماة ((هدي

٣٩
١٤ - والمعلَّق: ما حُذِفَ من مبدإِ إِسناده واحد فأكثر. وقد أكثر
البخاريٌّ من هذا النوع في ((صحيحه))، وليس بخارج من الصحيح إذا
جَزَم به كما سيأتي (١) .
١٥ - والمنقطع: ما حُذِفَ من وسط إِسناده واحد .
١٦ - والمرسَل: ما حُذِفَ من آخِرٍ إِسناده (٢)، وهو قول التابعي:
قال رسول الله عَ لَّهِ كذا، أو فعل كذا . وقد يُطلَق الإِرسال على الحذف
مطلقاً في أي موضع كان .
١٧ - والمُدْرَج: هو ما أُدْرِجَ في الحديث من كلام بعض الرواة،
فيُظَنُّ أَنه من الحديث، أو أُدْرِجَ متنانٍ بإسنادين فيرويهما بسند واحد،
أو أن يَسمعَ حديثاً واحدًا من جماعة اختلفوا في سنده أو متنه، فيُدرِجَ
الساري)) ١: ٨ (( مذهبُ مسلم أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال ،
إذا تعاصر المُعَنْعِنِ ومن عنْعَن عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهما ، إلا
إذا كان المعنعِنُ مدلّساً . والبخاريّ لا يحمل ذلك على الاتصال حتى
يثبت اجتماعهما ولو مرة .
وقد أظهر البخاري هذا المذهب في ((تاريخه))، وجرى عليه في
((صحيحه)) وأكثر منه ، حتى إنه ربما خرّج الحديث الذي لا تعلّق له
بالباب جُملةً ليبيّن سماعَ راوٍ من شيخه ، لكونه قد أخرج له قبل
ذلك شيئاً معنعناً ، وسترى ذلك واضحاً في أماكنه ، وهذا مما ترجّح
به کتابه )) .
(١) في ختام الفصل الخامس ص ١٦٤ .
(٢) أي حُذِفَ من إسناده الصحابيُّ.
٦٠

٤٠
روايتهم على الاتفاق ولا يَذكر الاختلاف . وتعمّدُ كل واحد من الثلاثة
حرام .
١٨ - والمسلسل: هو ما تتابع فيه رجالُ الإسناد إلى رسول الله عَ ليه
عند روايته على حالة واحدة، إِما في الراوي قولاً كالمسلسل بالسماعٍ يقول
فيه كل راوٍ : سمعت فلاناً يقول، سمعت فلاناً يقول، إِنى المنتهى،
والمسلسلٍ بالتحديث أَو الإخبار يقول راويه: أَخبرنا فلان واللهِ، ونحوَه ،
أو فعلاً كالمسلسل بالتشبيك باليد ، أو قولاً وفعلاً كما في رواية أَبي
داود وأحمد والنسائي: قال الراوي (١): ((أَخذَ رسول الله ع ◌َلِ بيدي
فقال : إني لأُحبُّك فقُل: اللهم أعِنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسنِ عبادتك)).
وهكذا فعل كلُّ راو بمن يروي عنه وأمره بأن يقول . وإما على صفة
كالمسلسل بالفقهاءِ وبالخلفاء ونحوهما (٢).
١٩ - والمصحَّف: ما غُيِّرَ فيه النَّقطُ إِما في الإِسناد أو المتن، مثالُه
في الإِسناد كالعَوَّام بن مُرَاجِم ( بالراءِ والجيم) صحَّفْه ابنُ مَعين فقال:
مُزَاحِم ( بالزاي والحاءِ) . وفي المتن كحديث ((من صام ستاً من شوال))
صحَّفه الصُّوليُّ فقال: شيئاً ( بالمعجمة ) .
(١) هو سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه. والحديث أخرجه أبو داود ٢:
٨٦، والنسائي ٣: ٥٣، وأحمد في ((المسند)) ٥ : ٢٤٥.
(٢) من ((الديباج المذهب)) للجرجاني ص ٣٣ - ٣٤ .

٤١
٢٠ - والمحرَّف: ما غُيِّر فيه الشكلُ مع بقاءِ الحروف(١).
٢١ - والموقوف: ما رُوي عن الصحابي من قول أو فعل متصلاً كان
أَو منقطعاً، وقد يُستعمل في غير الصحابي مقيَّداً نحو: وقَفَه مَعْمَرٌ على
هَمَّم ، ووقَفَه مالك على نافع .
٢٢ - والمقطوع: ما جاء عن التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفاً
عليهم .
٢٣ - والمُعضَل - بفتح الضاد - : ما سقط من سنده اثنان فصاعداً
مع التوالي، كقولِ مالك: قال رسول الله عَالِ (٢) ، وقولِ الشافعي: قال
ابن عمر كذا (٣). انتهى(٤).
٢٤ - والمدلَّس: ما كان وجود السقط في إِسناده خفياً ، بأن يَروي
الراوي عمن لقيه وعاصره حديثاً لم يسمعه منه، على سبيلٍ يُوهِم أَنه
سمعه منه كقوله : عن فلان أو قال فلان، وهذا هو: تدليس الإسناد .
وقد يكون التدليس في الشيوخ بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو
يصفه بما لا يُعرَف به. وشرُّ أَقسامه تدليسُ التسوية، وهو: أَن لا يُسقِطَ
شيخه ويُسقِطَ غيرَه، أيْ شيخَ شيخه أو أعلى منه، لكونه ضعيفاً أو
صغيراً، وشيخُه ثقة ويأتيَ فيه بلفظِ محتَمَل للسماع عن الثقة الثاني
(١) من ((تدريب الراوي)) ص ٣٨٤ - ٣٨٦.
(٢) فقد تَرَّكَ فيه : نافِعاً ثم ابنّ عمر .
(٣) فقد تَرَك فيه: مالكاً ثم نافعاً.
(٤) من ((الديباج المذهب)) للجرجاني ص ٣٥ - ٣٧.
.

٤٢
تحسيناً للحديث(١).
٢٥ - والمرسَل الخفي: ما يرويه مُعاصِر لم يَلق من حدَّث عنه - أي
لم يُعرَفِ أَنه لَقِيَّه أم لا، بل بينه وبينه واسطةٍ - بلفظٍ يحتمل السماع .
فالفرق بين المدلَّس والمرسَل الخفي أن المدلَّس يختص بمن رَوى عمن
عُرِفَ لقاوُّه إياه - ما لم يَسمعه منه - فأُما إِن عاصره ولم يُعرَف أَنه لقيه
فهو : المرسَل الخفي (٢) .
٢٦ - والشاذ: ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفاً لمن هو أرجح منه
لمزيدٍ ضبط، أَو كثرةٍ عدد، أَو مرجِّحِ سواهما ( مخالفةً تَستلزم رَدَّ ما
رواه الأرجح ) . مُقابلهُ يقال له : المحفوظ .
٢٧ - فالمحفوظ: ما رواه الأرجحُ مخالِفاً لمن هو أدنى منه رُجحاناً
( مخالفةً كذلك ) .
٢٨ - والمنكرُ: ما رواه الضعيف مخالفاً للمقبول ( مخالفةً كذلك )
ومُقابِلُه يقال له : المعروف .
٢٩ - فالمعروف: ما رواه المقبول مخالفاً للضعيف (مخالفةً
كذلك) اهـ . (٣)
٣٠ - والموضوع: المختلَق أي المكذوب على رسول الله عَ ل عمداً،
وهو شرُّ الضعيف وأَقبحُه، سواءٌ عُرِفَ وضعُه بإِقراره، أو بقرينة تؤخذ
(١) من ((تدريب الراوي)) ص ١٣٩ - ١٤٣.
(٢) من ((شرح النخبة)) ص ٥٣ .
(٣) من ((قفو الأثر)) ص ١٢، و((شرح النخبة)) ص ٤٠ .

٤٣
من حال الراوي: كاتِّباعِه في الكذب هَوَى بعض الرؤساءِ ؛ أو بوقوعه في
أثناء إِسنادِهِ وهو كذَّاب لا يُعرَفُ دلك الخبر إلا من جهته، ولا يُتَابِعُه
عليه أحد، وليس له شاهد، أو مِن حال المرويّ كركاكة ألفاظه أو معانيه ،
أو مخالفتِه لبعضِ القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو
صريح العقل، وسواءٌ اخترَعَ ما وضعه أو أخذَه عن كلام غيره ، أو كان
حديثاً ضعيفَ الإِسناد فركَّب له إِسناداً صحيحاً ليروج، وسواءٌ وضعه
إضلالاً أو احتساباً أو تعصباً أو إِغراباً أو اتباعاً لهوى بعض الرؤساءِ،
أو يكون الوضعُ وَهَماً وغلطاً .
٣١ - والمتروك: ما كان راويه متَّهماً بالكذب على رسول الله مح له،
بأن يكونَ حديثُه مخالفاً للقواعد المعلومة ، غيرَ مروي إلا من جهته ، أو
بأن يكون كذِبُه في كلام الناس خاصةً ويُعرَف به، وهذا دون الأول (١).
٣٢ - والمعلَّل: ما اطَّلِعَ فيه على علةٍ، وهي عبارة عن سبب غامضٍ
خفيّ قادحٍ في الحديث ، مع أن الظاهر السلامة منه. وتُدرَك العلمة بتفرُّد
الراوي ، وبمخالفة غيره له ،مع قرائن تنبه العارف بهذا الشأن على إرسالٍ
في الموصول، أو وقفٍ في المرفوع ، أو دخولٍ حديث في حديث ، أو وَهَمِ
واهمٍ وغيرِ ذلك، بحيث يَغلبُ على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث
أَو يتردّد فيتوقَّفُ فيه .
وهذا النوع من أجلّ أنواع علوم الحديث وأدقها . وإِنما يَتمكَّنُ منه
(١) من ((قفو الأثر)) ص ١٧ .

٤٤
أَهلُ الحفظ والخبرة والفهم الثاقب . وقد تقع العلة في الإسناد وهو
الأكثر، وقد تقع في المتن . وما وقع في الإِسناد قد يَقْدَحُ فيه وفي المتن
جميعاً، وقد يَقدَحُ في الإِسناد خاصةً ويكون المتنُ مرفوعاً صحيحاً (١).
٣٣ - والمضطرب: حديث يُروَى على أوجه مختلفة متساوية، سواءٌ
كان من راوٍ واحدٍ مرتين أو أكثر ، أو من راوٍ ثانٍ، أو من رواةٍ ولا
مرجِّح، فإِن رُجِّحت إحدى الروايتين أو الروايات بحفظ راويها أو غيرٍ
ذلك من وجوه الترجيحات فالحكمُ للراجحة ، ولا يكون الحديث مضطرباً،
والمرجوحة شاذة أو منكرة كما تقدَّم . ويقع الاضطرابُ في السند تارةً،
وفي المتن أخرى، وقد يقع فيهما معاً. أهـ(٢).
٣٤ - والمقلوب: ما وقع فيه تقديم أو تأخير وهَماً ، أو تغيير
وتبديل كذلك، إِما في الإِسناد بجعل اسم الراوي لأبيه، أو اسم أبيه
له كمُرَّةٍ بن كعب، وكعبِ بن مُرَّةٍ وهو الأكثر، أو بإبدال راوٍ اشتهر
الحديث بروايته براوٍ آخر في طبقته نحو حديث مشهور عن سالمٍ جُعِلَ
عن نافع . فإِن لم يكن عن وَهَمٍ بل بقصد الإِغراب فهو كالموضوع .
أو في المتن كحديث أبي هريرة عند ((مسلم))(٣) وفيه (ورجلٌ تصدَّق
بصدقة أخفاها حتى لا تَعلم يميْنُه ما تُنفِقِ شِمالُه)). فهذا مما انقلب على
(١) من ((تدريب الراوي)) ص ١٦١ - ١٦٣.
(٢) من (( تدريب الراوي)) ص ١٦٩ - ١٧٠ .
(٣) ٧ : ١٢٠ - ١٢٢ وأول الحديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله ... ).

٤٥
أَحد الرواة، وإِنما هو ((حتى لا تَعلم شِمالُه ما تُنفق يمينُه".
وقد يكون بأن يؤخذ إِسنادُ متن فيُجعَل على متن آخر وبالعكس،
وهذا إِن قُصِد به الإِغراب فهو كالموضوع . وقد يفعل اختباراً لحفظ
المحدِّث أَو لقبوله التلقين. وقد فعَلَ ذلك أَهلُ الحديث. وقَلَبَ أَهلُ بغداد
على البخاري مئةَ حديث امتحاناً ،فردَّها على وجوهها فأذعنوا بفضله اهم(١) .
٣٥ - والمزيد في متصل الأسانيد: ما زِيدَ في أَثناءِ إِسناده راوٍ ، ومن
لم يَزِدِه أَتْقَنُ ممن زاده، وشرْطُه أَن يقع التصريحُ بالسماع في موضع
الزيادة في روايةٍ من لم يزدها ، وإِلا ترجّحَت الزيادة وكان الخَبَرُ المزيدُ
فيه مدَّساً أَو منقطِعاً أَو مرسلاً خفياً. اه(٢).
٣٦ - والمُهمَل: ما يرويه الراوي عن أَحد اثنين متفقَين في الاسم
فقط من كنية أو غيرها، أَو متفقَين في الاسم وفي اسم الأَب، أَو فيهما
وفي اسم الجد، أو فيهن وفي النسبة أيضاً، معبِّراً عنه بما فيه الاتفاق
من غير أَن يتميز عن الآخر ، والرجوعُ في زوالِ إِهماله إلى القرائنِ
والظنِّ الغالب، كأَن يَظهرَ اختصاصُ الراوي بأَحدهما لعدم روايته إِلا
عنه ، فإِن لم يَظهر ذلك ، فإن كانا ثقتين لم يضر، أَو غيرَ ثقتين ضَرَّكما
هو الصحيح، أَو مجهولَين كان الإهمال شديداً (٣).
٣٧ - والشاهد: حديث يُساوي آخَرَ أَو يُشبهه في المعنى فقط ،
(١) من ((تدريب الراوي)) ص ١٩١ - ١٩٢.
(٢) من (( شرح النخبة)) ص ٦٤ بمعناه .
(٣) من ((قفو الأثر)) ص ٢٧.

٤٦
والصحابيُّ غيرُ واحد ، وإيرادُه يُسمَّى استشهادًا .
٣٨ - والمتابعة: أَن يُتابِعَ - أَي يُوافِقَ - راوياً - ظُنَّ تفرَّدُه (١) -
غيرُهُ في لفظٍ ما رواه بشرط وحدة الصحابي ( في متابعة غيره لغيره )
ويُسمَّى هذا الغيرُ المتابِعَ - بالكسر - والتابِعَ أَيضاً. وهي تَامَّةٌ إِن
حَصلَتْ للراوي ( المظنونِ تفرّدهِ) نفسِهِ، وقاصرةٌ إِن حَصَلتْ لشيخه أو
من فوقه مطلقاً . وخَصَّ قوم المتابعة بما حَصَلَ باللفظ سواء كان من
روايةِ ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصَل بالمعنى كذلك .
٣٩ - والاعتبار: تَتبِّعُ طرق الحديث الذي يُظَنُّ أنه فَرْدٌ، لِيُعلَمَ
أن له مُتَابِعاً أو شاهِداً، أوْ لا هذا ولا ذاك(٢).
٤٠ - والمحكَم : حديث مقبول سَلِمَ من معارضةِ مقبولٍ آخر ولو ظاهراً.
٤١ - ومختلفُ الحديث: هما الحديثان المقبولانِ المتعارضانِ في المعنى
ظاهراً ، ويُمكن الجمعُ بين مدلوليهما بغير تعسف .
(١) سواء كان هذا المظنون تفرّدُه صحابياً تابعه صحابي آخر. (ش).
(٢) وقد مثّل الإمام العيني لهذه الأنواع الثلاثة : الشاهد ، والمتابعة ،
والاعتبار ، تمثيلاً حسناً في أوائل ((عمدة القاري)) ١ : ٨ فانظره.
ومثّلَ لها أيضاً باستيفاء ودقة العلامةُ الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على
((اختصار علوم الحديث )) لابن كثير ص ٦٣ - ٦٦، ثم قال :
(( وظاهرُ صنيع ابن الصلاح والنووي يُوهم أن الاعتبار قَسيم للمتابعات
والشواهد ، وأنها أنواع ثلاثة . وقد تبيّن لك مما سبق أن الاعتبار ليس
نوعاً بعينه ، وإنما هو هيئةُ التوصل للنوعين : المتابعات والشواهد ،
وسبرُ طرق الحديث لمعرفتهما فقط)).

٤٧
٤٢ - والناسخ والمنسوخ: حديثانِ مقبولانِ متعارضانِ في المعنى،
بحيث لا يمكن الجمعُ بين مدلولیھما، ولكن ثبت المتأخر منهما إِما
بالتاريخ المعلوم من خارج، أو المعلومِ لا من خارج (١).
رواية الحديث بالمعنى
الأصح أن الحديث إِن كان مشترَكاً أو مجملاً أو متشابِهاً أو من
جوامع الكلم لم يجز نقله بالمعنى ، أو محكماً جاز للعالم باللغة ، أَو ظاهِرًا
يحتمل الغَير كعامٌ يحتمل الخصوص، أو حقيقةً تحتمل المجاز جاز
للمجتهد فقط. ثم متى خفي معناه احتيج في معرفة المعاني الإفرادية إلى
الكتب المصنفة في شرح الغريب، وفي معرفة المعاني التركيبية المشكلة
إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الأخبار . وغريبُ الحديث : هو ما وقع
في متن الحديث من لفظةٍ غامضةٍ بعيدةٍ عن الفهم لقلة استعمالها. اهـ ١١).
ألفاظ تستعمل في رجال الحديث
الطبقةُ في اللغة : القومُ المتشابهون، وفي الاصطلاح: قوم تقاربوا
في السن والإسناد، أو في الإِسناد فقط، بأن يكون شيوخُ هذا هم شيوخٌ
الآخر أو يقاربوا شيوخه .
(١) من ((قفو الأثر)) ص ١٢ و ١٣.
(٢) من (( قفو الأثر)، ص ١٩ .

٤٨
والصحابةُ كلهم طبقة (١) ، والتابعون طبقة ثانية، وأتباعهم طبقة ثالثة
وهَلُمَّ جَرَّاً . وقد يكونانِ أي الراويانِ من طبقةٍ باعتبار ومن طبقتينِ
باعتبار، كما قسموا الصحابة على اثنتي عشرة طبقة أو أكثر، والتابعين
على خمس عشرة طبقة ، وهكذا (٢) .
والصحابيّ: من لقي النبيَّ عَ لَّمِ مؤمناً به ومات على الإِسلام ولو
تَخَلَّلتْ رِدَّة، فخرج من رآه مؤمناً به بين الموت والدفن ومات على
الإِسلام فإنه لا يعد لُقِيّاً، ومن لقيه كافراً به ثم أسلم ولم يلقه مؤمناً ،"
ومن لقيه مؤمناً به ثم ارتدَّ ومات على الردة ، والعياذُ بالله .
والتابعيّ: من لقي الصحابيّ ولو غير مؤمن بالنبي عَ ◌ِّل ومات على
الإِسلام ولو تخلَّلتْ ردة . وفي متخلل الردة خلاف أبي حنيفة في الموضعين
ء
لأنها عنده مُحبِطةٌ للعمل مطلقاً .
مر تج مؤمناً
والمخضرَم: من أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يرَ النبي ◌َّ
به، فهو من كبار التابعين، سواءٌ عُرِفَ أنه كان مسلماً في زمن النبي
◌َ له كالنجاشيّ أَم لا (٣).
(١) أي باعتبار اشتراكهم في الصحبة .
(٢) من ((تدريب الراوي)) ص ٥٢٩ - ٥٣٠ .
(٣) من ((قفو الأثر)) ص ٢٢.

٤٩
الفصيل الأول
في أن تضعيف الرجال وتوثيقهم ، وتصحيحَ الأحاديث وتحسينها
أمرٌ اجتهادي ، ولكل وجهة .
فيجوز أن يكون راوٍ ضعيفاً عند واحدٍ ثقةً عند غيره، وكذا
الحديث ضعيفاً عند بعضهم صحيحاً أَو حسناً عند غيره ،
يدل عليه قولُ العلامة ابن تيمية في كتابه ((رفع الملام عن الأئمة
الأعلام)) (١) ونصُّه: وليُعلَم أنه ليس أَحدٌ من الأَّئمة المقبولين عند
الأُمَّة قَبولاً عاماً يَتعمَّدُ مخالفةَ رسول الله عٍَّ في شيءٍ من سُنَّته دقيقٍ
ولا جليل، ولكن إذا وُجِدَ لواحد منهم قولٌ قد جاء حديث صحيح
بخلافه ، فلا بُدَّ له من عذر في تركه. ثم أطال في بيان الأعذار وأسبابها
إلى أن قال :
السَبَبُ الثالثُ: اعتقادُ ضعفِ الحديث باجتهاد قد خالَفَهُ فيه
غيرُه. ولذلك أسباب : منها أَن يكون المُحَدِّثُ بالحديث يعتقده
أَحدُهما ضعيفاً ،ويعتقده الآخر ثقة ، ومعرفةُ الرجال علم واسع ، وللعلماء بالرجال
وأحوالهم في ذلك من الإِجماع والاختلاف مِثلُ ما لغيرهم من سائر أَهل
العلم في علومهم .
السببُ الرابعُ : اشتراطُه في خبر الواحدِ العدلِ الحافظِ شُروطاً يخالفه
(١) ص ١٥ و ١٧ .

٥٠
فيها غيرُه، مثلُ اشتراطِ بعضهم عرْضَ الحديث على الكتاب والسنة ،
واشتراطِ بعضهم أن يكون المحدِّثُ فقيهاً إذا خالف الحديثُ قياسَ
الأُصول، واشتراطِ بعضهم - هم الحنفية - انتشارَ الحديث وظهورَه
إِذا كان فيما تَعُمَّ به البلوى ، إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه . اهـ
﴾(١)
ملخصاً (١).
وقال السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٢): والعِلَّةُ عبارة عن سبب
غامض خَفِيُّ قادحٍ في الحديث، مع أَن الظاهر السلامة منه . قال ابن
الصلاح : فالحديثُ المِعلَّلُ مَا الطُّلِع فيه على علة تَقدَحُ في صحته مع
ظهور السلامة ، ويَتطرَّقُ إلى الإِسنادِ الجامعِ شُروطَ الصحّةِ ظاهراً. وتُدرَكُ العَلَّةُ
بتفرَّدِ الراوي ، وبمخالفة غيره له مع قرائنَ تنضم إلى ذلك، تُنَبِّهُ العارفَ
على وَهَمٍ فيه بحيث يَغْلِبُ على ظنه، فَيَحكُمُ بعدم صحة الحديث ، أو
يتردد فيَتوقف فيه، وربما تَقْصُرُ عبارةُ المعلِّل عن إقامة الحجة على
دعواه، كالصَّيرفي في نقد الدينار والدرهم .
قال ابن مهدِيّ : معرفةُ علم الحديث إلهام، لو قلتَ للعالم بعِلَل
الحديث : من أين قلتَ هذا؟ لم يكن له حُجَّة، وكم من شخص لا
يهتدي لذلك . اهـ ملخصاً . قلت: ولا يخفى أَنَّ ظنَّ المجتهد لا يكون
حُجَّة على مجتهد آخر .
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣) بعد ذكره تخطئةَ ابنِ معين لابن
(١) من ((جامع الآثار) لشيخنا ص ٩ و ١٠. (ش).
(٢) ص ١٦١ - ١٦٢ :
(٣) ١ : ٤٨٢ .

٥١
عُيَينة في سند حديث المارِّ بين يدي المصلي ما نصّه: وتَعقَّبَ ذلك ابنُ
القطان فقال: ليس خطأُ ابن عيينة فيه بمتعيِّن، قلت: تعليلُ الأئمة
للأحاديث مبنيًّ على غلبة الظن، فإذا قالوا: أَخطأً فلان في كذا، لم يَتعيَّن
خطأه في نفس الأمر، بل هو راجحُ الاحتمال فيُعْتَمَد . اهـ .
قلت : ولا يلزمُ من رجحان الاحتمال في جانب عند واحد، رُجحانُهُ
فيه عند غيره أيضاً .
وقال السيوطي في ((كنز العمال)) (١): قال الترمذي(٢) وابنُ جرير
معاً : حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدي، أنبأنا محمد بن عُمَر الرومي،
عن شَرِيك، عن سَلَمَة بن كُهَيل، عن سُويد بن غَفَلَة ، عن الصنَابحي ،
عن علي قال: قال رسول الله عَ لِّ: ((أَنا دارُ الحكمة وعليّ بابُها)).
قال الترمذي: هذا حديث غريب ، وفي نسخة : منكر ، ورَوَى بعضُهم
هذا الحديث عن شَريك، ولم يذكروا فيه عن الصنَابحي ، ولم يُعرَف هذا
الحديثُ عن أحد من الثقات غير شَريك؛ وفي الباب عن ابن عباس .
انتهى .
وقال ابن جرير: هذا خبرٌ عندنا صحيحٌ سنَدُه ،وقد يجب أن يكون على
مذهبٍ آخَرِين سقيماً غير صحيح لعلتين، إحداهما: أنه خبر لا يُعرَف
له مَخْرَج عن علي عن النبي ◌َِّ إلا من هذا الوجه. والأُخرى: أَنَّ سَلَمة
ابن كُهَيل عندهم ممن لا يَثْبُت بنقله حُجَّة ، وقد وافق علياً في رواية هذا
(١ ) ٦ : ٠١ ٤ .
(٢) في ((سنته)) ١٣ : ١٧١ .

٥٢
الخبر عن النبي عَ لِ غيرُه . انتهى.
قلتُ: دَلَّ كلامُ ابن جرير على اختلافهم في شروط صحة الحديث
وتوثيق الرجال .
وقال الترمذي في ((جامعه)) (١): حديثُ أَبي هريرة وهو: ((ما بين
المشرِق والمغرِب قِبلة )). قد رُوِيَ عنه من غير وجهٍ ،وقد تكلَّم بعضُ أهل
العلم في أَبي معشر من قِبَلِ حفظه، واسمُه نَجِيح مولى بني هاشم . قال
محمَّد (٢): لا أَروي عنه شيئاً، وقد رَوَى عنه الناس . انتهى.
قلتُ: دَلَّ على أن تضعيفَ الرجال وتوثيقَهم أمرٌ اجتهادي .
وقال في ((عِلَلِهِ))(٣): وقد اختَلَف الأئمةُ من أَهل العلم في تضعيف
الرجال ، كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم، ذُكِرَ عن شعبة أنه
ضعَّفَ أَبا الزُّبَير المكي، وعبدَ الملك بن أبي سليمان ، وحَكيمَ بن جُبير،
وتَرَك الروايةَ عنهم، ثم حدَّثَ شعبةُ عمن هو دون هؤلاءِ في الحفظ
والعدالة، حدَّثَ عن جابر الجُعْفي، وإِبراهيم بن مُسْلم الهَجَري، ومحمد
ابن عُبَيد الله العَرْزَمي ، وغيرٍ واحد ممن يُضعّفون في الحديث ،وقيل
لشعبة : تدَعُ عبد الملك بن أبي سليمان وتُحدِّث عن محمد بن عُبَيد الله
العرزمي ؟ قال : نعم. وقد ثَبَّت غيرُ واحد من الأَئمة وحَدَّثوا عن أَبي
الزُبير، وعبد الملك بن أبي سليمان، وحَكيمٍ بن جُبَير (٤)
:
(١) ٢ : ١٤٠ .
!
(٢) يعني به الإمامَ البخاري محمد بن إسماعيل ، شيخ الترمذي .
(٣) ١٣ : ٣٣١.
(٤) أي جعلوهم أثباتاً ثقاتٍ ورووا عنهم . وقد وقع في مطبوعة الترمذي

٥٣
ثم ذَكَرَ (١) عن عطاء وأيوب السَّخْتياني توثيقَهما لأَّبي الزُبير (٢)
وعن سفيان الثوري توثيقَه لعبد الملك بن أبي سليمان، وعن علي - هو
المَدِيني -: قال يحيى : وقد حَدَّث عن حكيم بن جُبير سفيانُ الثوري
وزائدة، قال علي : ولم يَرَ يحيى بحديثه بأساً . اهـ ملخصاً .
وقال الذهبي في ((ديباجة تذكرة الحفاظ))(٣) له: هذه تَذكِرة بأسماء
بشرح ابن العربي ١٣ : ٣٣٢ هكذا (وثبت عن غير واحد من الأئمة
وحدثوا ... ) وهو تحريف، صوابُه ما أثبته .
(١) أي الترمذي .
(٢) قال الترمذي: (( حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي ، حدثنا سفيان
قال : سمعت أيوب السختياني يقول : حدثني أبو الزبير ، وأبو الزبير
أبو الزبير ، قال سفيان بيده يقبضها . قال أبو عيسى : إنما يعني به
الإتقان والحفظ)) .
وهذا الذي فهمه الإمام الترمذي من كلام أيوب أنه يوثق أبا الزبير
ويقوّيه هو الظاهر ، كما يدل عليه جملة ( قال سفيان بيده يقبضها ) .
وقد فهم الإمام أحمد من كلام أيوب هذا أنه تضعيفٌ لأبي الزبير ،
جاء في ((الميزان)) ٤: ٣٧، و((تهذيب التهذيب)) ٩: ٤٤١ ((قال عبدالله
ابن أحمد : قال أبي : كان أيوب يقول : حدثنا أبو الزبير ، وأبو
الزبير أبو الزبير. قلت لأبي: يُضعِّفُه؟ قال: نعم)). انتهى.
وما فهمه الترمذي أظهر ، والله أعلم .
وسيأتي في الفصل الخامس في الفائدة - ٣ - وفي آخر الفصل التاسع
أواخر الكتاب كلامٌ حول أبي الزبير .
(٣) ١ : ١.

٥٤
معدَّلِي حَمَلة العلم النبوي ومن يُرجَعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف
والتصحيح والتزييف . انتهى .
وفيه تصريح بأنَّ توثيق الرجال وتضعيفَها وتصحيحَ الأحاديث.
وتزييفَها أمرٌ اجتهادي يحتمل الاختلاف، فلا يلزم من جَرحٍ واحد في:
رجل كونُه مجروحاً عند الكل .
وقال النووي في مقدمته على ((شرح مسلم ))(١): عاب عائبون مسلماً:
بروايته في ((صحيحه، عن جماعة من الضعفاء، ولا عيب عليه في ذلك،
وجوابُهُ من أوجهٍ ذكرها ابن الصلاح ، أحدُها : أن يكون ذلك في ضعيف
عند غيره ثقةٍ عنده، ولا يقالٍ : الجرح مقدَّم على التعديل، لأن ذلك.
فيما إِذا كان الجرحُ ثابتاً مفسَّراً بسبب، وإلا فلا يُقبَلُ الجرح إذا لم
یکن كذا . انتهى .
وقال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) في الفصل التاسع الذي عقده لسياق
أسماءٍ من طُعِنَ فيه من رجال ((الصحيح)) (٢) ما نصّه: وقَبْلَ الخوض فيه
ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب ((الصحيح)» لآيِّ راوٍ كان
مقتَضٍ لعدالَتِهِ عنده ، وصحةِ ضبطه وعدمٍ غفلته،هذا إِذا خَرَّجَله في الأُصول.
فأما إِن خَرَّجَ له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا يتفاوت
درجاتُ من أَخَرَجَ له في الضبط وغيرهِ، مع حصولِ اسم الصدق لهم،
وحينئذٍ إِذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعناً، فذلك الطعنُ مقابِلٌ لتعديل
(١) ١ : ٢٤ - ٢٥ .
(٢) ص ٣٨١ و ٢ : ١١١ .

٥٥
هذا الإِمام، فلا يُقبَلُ إِلا مبيَّنَ السبب، مفسَّراً بقادح يقدَحُ في عدالة
هذا الراوي، وفي ضبطه مطلقاً، أو في ضبطه لخبرٍ بعينه، لأن الأسباب
الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة ، منها ما يقدح، ومنها ما لا يَقدح .
انتهى ملخصاً .
قلتُ: وتصريحاتُ أئمة الحديث على كون الجرح والتعديل
اجتهادياً أَكثَرُ من أن تحصى (١)، ولعل فيما ذكرناه كفاية (٢)، فلا يلزم
من صحة الحديث عند واحد صحته عند الآخر، ولا من ضعفِه عنده
ضعفُه عند غيره، فافهم ولا تكن من الغافلين .
(١) قلت: ولعلك تفطّنتَ بهذا أن من يدّعي العمل بصحيح الحديث ،
وتَرْكَ تقليدِ الأئمة في الأحكام ، ويبالغُ في ذم التقليد والاجتهاد
وأهلهما ، لا مَرَدّ له من مثل هذا التقليد ، وليس له عنه محيد ، فإن
دعواه الصحة أو الحُسْن في حديث لا تتأتى ولا تتمشّى بدون تقليده
رأيّ المحدثين في ذلك ، فأيّ فرق بين تقليدهم وتقليدِ المجتهدين ؟
حتى كان هذا شركاً ومذموماً دون ذلك ! فالله بهديهم ويصلح
بالهم . (ش) .
(٢) وسيتكرر التنبيه من المؤلف على هذا في مواضع كثيرة من الكتاب، منها في
أواخر الكتاب في ( تتمة في مسائل شتى ) المقطع - ٢٥ - .

٥٦
الفصل الثاني
في بيان ما يتعلّق بالتصحيح والتحسين من قواعد مهمة وأصول
١ - قال في ((تدريب الراوي))(١) وإِذا قيل: هذا حديث صحيح،
فهذا معناه أي ما اتصل سنده مع الأوصاف المذكورة ، فقَبِلناه عملاً بظاهر
الإِسناد، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر، لجواز الخطإِ والنسيان على
على الثقة ، خلافاً لمن قال : إِنَّ خبرَ الواحدِ يوجب القطع .
وإذا قيل: هذا حديث غير صحيح ( لو قال : ضعيفٌ لكان أخصر )
فمعناه لم يصحَّ إِسنادُه على الشرط المذكور، لا أَنْه كذِبٌ في نفس الأمر،
لجواز صدقِ الكاذب وإِصابةٍ من هو كثيرُ الخطأ . انتهى .
قلتُ : فيجوز أن يُحتجَّ بالضعيف إِذا قامت قرينةٌ على صحته ، كما يجوز.
أَنْ يُتْرَكَ العملُ بالصحيح لقرينةٍ على خلافه، كما سيأتي في المقطع التالي :
٢ - قال المحقّق في ((فتح القدير))(٢): وقد أخرج مسلم عن كثير
في كتابه ممن لم يسلم من غوائل الجرح، وكذا في ((البخاري)) جماعة
تُكلِّم فيهم، فدارَ الأمرُ في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم، وكذا في
الشروط، حتى إِنَّ من اعتَبَر شرطاً وأَلغاه آخر، يكون ما رواه الآخَرُ مما :
ليس فيه ذلك الشرط عنده: مكافئاً لمعارَضَةِ المشتمِلِ على ذلك الشرط ،
وكذا فيمن ضعَّفَ راوياً ووثَّقه الآخر. نعم تَسكُنُ نفسُ غيرِ المجتهد
ومن لم يَخبُر أَمر الراوي بنفسِهِ إِلى ما اجتمع عليه الأكثر، أَما المجتهِدُ
(٢)١: ٣١٧ وقال نحو هذا المعنى باختصار في ١١٥:١.
(١) ص ٣٠ .