النص المفهرس

صفحات 21-40

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي شرَحَ صدورَ أَهل الإِسلام للسُّنَّة ، فانقادت لاتِّباعها ،
وارتاحت لسماعها . وأَمات نفوسَ أهل الطغيان بالبدعة ، بعد أن تمادَتْ في
نِزاعها، وتغالت في ابتداعها . وأَشْهَدُ أَن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك
له ، العالمُ بانقياد القلوب وامتناعها، المطَّعُ على ضمائر الصدور في حالتي
افتراقها واجتماعها .
وأَشْهَدُ أَن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي انخفضت به كلمةٌ
الباطل بعد ارتفاعها، وتلأَّلاَت بوجهه أَنوارُ الهدى، وقَوِيت حُجَّتُها
بعد انقطاعها، ◌َِّ ما دامت السماوات والأرض هذه في سُموّها وهذه
في اتساعها، وعلى آله وأصحابه الذين كسروا جيوشَ المَرَدة الطاغية ،
وفتحوا حصون قلاعها،وحفظوا على أتباعهم أقواله وأفعاله وأَحوالَه ،
حتى أَمِنَتْ السُّنَنُ الشريفة من ضياعها (١) ، وعلى التابعين لهم بإِحسان .
(١) هذه الخطبة مأخوذة من مقدمة (( فتح الباري)) للحافظ ابن حجر رحمه
الله تعالى. (ش) .

١٨
لا سيما إمامِنا الأعظم أبي حنيفة النعمان ، رضي الله تعالى عنه
وأَرضاه وخصَّه بمزيد الفضل منه والرضوان، الذي كُلُّ الناس عِيالٌ
عليه في الفقه، كما قاله أَجلَّة الأَعيان، ولو كان الدين عند الثُّريًّا لتناوله،
كما أشار إليه سيِّدُ ولد عدنان مَ ◌ّهِ، ما طلع القمران وتعاقب المَلَوان.
أَما بعد فإِنَّ أَوْلَى ما صُرِفَتْ فيه نفائس الأَيام، وأَعلى ما خُصَّ بمزيد
الاهتمام : الاشتغالُ بالعلوم الشرعية، المتلقَّةِ عن خير البرية. ولا يرتابُ
عاقل في أَن مدارها على كتاب الله المقتفَى، وسُنَّة نبيه المصطفى، وأَنَّ
باقي العلوم إِما آلات لفهمهما، وهما الضالَّة المطلوبة، أَو أَجنبية عنهما
وهي الضارَّة المغلوبة .
وكان من فِتَن هذا الزمان سَعْيُ بعض المتشددين في إماتة السنن
التي هي أُصول لفروع الإمام أبي حنيفة النعمان، وأَطالوا ألسنتهم فيه
بالطعن والافتراء والبهتان، وفي مذهبه بأَن لا دليل له ولا برهان من
السنة الصحيحة والقرآن، وأيمُ الله إِنَّ هذه فِرية بلا مِرية، ودعوى لا
أَساس لها ولا بُنْية ..
فمسَّت الحاجةُ إِلى إِقامة الدلائل الحديثيَّة، على مُهماتِ الفروع من
مذهب السادة الحنفيَّة، لتُدحَضَ بها حُجَّةُ الطائفة الباغية، وتُحصَرَ
بها صُدورُ الجماعة الطاغية، وتَنشرحَ قلوبُ أهل السنة بالأنوار اللامعة ،
من دلائلَ قويةٍ شموسُها طالعة ، في أَسانيدَ عالية ، ومتونٍ غالية ، لا تَسمع
فيها لاغية، بل كأَّنها جَنَّة قُطُوفُها دانية، مع تصحيح الأحاديث أو
تحسينها على الأُصول المتلقاة بالقبول عند علماء الرواية ، ومع تقرير
استنباط ما يُحتاجُ إليه بالقواعد المقررة عند فقهاء الدراية .

1
١٩
فشَرَع في هذا الخطب الجَلَل ، سلطانُ العلم في زمانِهِ والعَمَل ، سَبَّاقُ
غايات، وصاحبُ آيات، حكيمُ الأُمة المحمدية، مجدِّد الملة الإِسلامية ،
أَشرفُ الأَولياءِ الكاملين، مِقدامُ العلماء الراسخين ، التَّقي النَّقِي المحدِّثُ
المفسِّرُ الفقيهُ الولي، سيدي الشيخ الحافظ(١) الثقة الثَّبْت العلامة مولانا
أَشرف علي، حجة الله في زمانه على الإطلاق، الذي أُذعن لحكمته البالغة ،
وفطنته النابغة علماءُ الآفاق .
وكان قد سوَّد من قبلُ بسنين بعضَ ذلك في جميع الأبواب الفقهية ،
وسمَّاه ((إِحياءَ السُّنَن)) ولكنه ضاع منه، وطارت به أيادي الزمن. ثم
بعدَ برهة من الزمان عاد في كتابته على منهج غير المنهج السابق ، وسماه
((جامع الآثار)). وقد شاع بحمد الله تعالى في الأقطار ، لكنه لم يتجاوز
أبواب الصلاة .
ثم لم يفرغ - أطال الله بقاءه لكثرة الواردين إِليه والصادرين ،
والطالبين الوصول إلى الله من السالكين والذاكرين - لإتمام هذا الكتاب
وتكميله، فأَمَر بعضَ خُدَّامه المشتغلين بخدمة العلم عنده بتتميمه وتعجيله ،
وأَن يَعرض عليه كلَّ ما يَكتُب لِيُزَيِّنَه باصلاحه وتحسينه وتجميله ،
فامتثل أَمرَه بعضُ الناسِ مِن خُدَّامه، وأَلَّفَ في ذلك أَجزاءً عديدة لم تقع
(١) يدل على حفظه للأحاديث النبوية كثرةُ ما يوجد في مواعظه من
الأحاديث ، وهي تُنيفُ على ألف ، وكلها حدّث بها حفظاً مع
الاحتياط والتوقي التام في الرواية ، بأن يقول بعد نقله الحديث :
إنه كذا، أو نحوه، أو كما قال، ومع عزوه أكثرها إلى من خرّجه. (ش).

٢٠
من الشيخ حسب مرامه ، لإِدخاله فيه أشياءَ مِن نقضِه وإبرامه .
ثم بعد ذلك أَمرَني بتحمُّل هذا الحمل الثقيل، وتجشم هذا الخطب
الجليل ، فامتثلتُ أَمرَه مستمدًا من بحار علومه، ومقتبساً من أَنوار بدوره
ونجومه ، وأَلَّفتُ في ذلك أَجزاءَ هَبَّتْ عليها منه نسيمُ القبول، ووقعتْ
عنده حسبَ المرامِ والمأمول، فسمَّاها ((إِعلاء السنن)) وأمر بطبع جزء منها ،
وقد شاع بحمد الله فيما مضى من الزمن .
ثم أَمَربي أَن أَستدرك على بعض الناس هذا ما وقَع منه في تأليفه
من الخطأ والزلل ، وأَن أكتب لهذا الكتاب مقدِّمةً على عجل، تُفيد
بصيرةً لمن يطالعه ، وتكون أساساً لكلامِنا في تصحيح الأحاديث وتحسينها ،
وكلِّ ما يتعلق بالباب، مشتملةً على أُصول تلقَّاها المحدثون بالقبول
والاستحباب ، مبيّنةً لقواعد خالف فيها علماءنا الحنفية جماعةُ المحدثین ،
فإِنَّ لكلٍّ وجهةً هو مولِّيها في باب التصحيح والتضعيف والتحسين .
وإِذا علمتَ ذلك تنكشفُ لك حقيقةُ طعنِ الطاعنين على معشرنا
الحنفية، بأنهم يحتجون بالضعاف في زعمهم، وأَنَّ منشأَه الغفلةُ عن
أُصولهم والجهلُ بعواعدهم، فرُبَّ ضعيف عند المحدثين صحيحٌ عند
غيرهم وكذا بالعكس .
ولا شك أَن أُصول التصحيح والتضعيف ظنية، مدارُها على ذوق
المحدِّث والمجتهد غالباً، فلا لوم على محدِّث ومجتهد يخالف فيها غيرَه
من المحدثين والمجتهدين، ألا ترى مسلماً قد خالف البخاري في بعض

٢١
الأُصول، فاشترَطَ أحدُهما (١) في قبول العنعنة اللقاءَ مرَّةً والوصولَ،
ولم يشترطه الآخَرُ (١) ، واكتفى فيه بالمعاصرة وإِمكان اللقاء، ووافقه عليه
جمهور العلماءِ الفحول .
وكذا خالفَ ابنُ حبان جمهورَ المحدثين في قبول روايةِ المجهول
والاحتجاج بها إِذا كان الراوي عنه وشيخُه كلاهما ثقتين، ولم يكن
الحديث منكرًا، فماذا على الحنفية لو خالفوا كذلك في بعض الأُصول ؟
فكلُّ امرىء رادٌّ ومردودٌ عليه غيرَ الرسول، مَ لِّمَا هَبَّتْ الدَّبُور والقَبُول (٣).
فَأَلَّفْتُ هذه ((المقدمة )) بعد ما فرغتُ من (الاستدراك) على بعض
الناس في تأليفه، وسمَّاه الشيخ ((الاستدراك الحسن على إِحياء السُّنَن)).
وسمَّى هذه المقدمة ((إِنهاء السَّكَن إِلى من يطالع إِعلاءَ السُّنَن)) (٤)
.وهي
تشتمل على مقدِّمة وفصول. والله أَسأَل التوفيق والقبول ، فهو خير
موفِّق وأكرم مسئول، ورضاه هو المطلوب وأَرجى مأمول .
(١) وهو البخاري .
(٢) وهو مسلم .
(٣) الدبور : ريح تهب من جهة المغرب. والقَبُول : ريح الصَّبا، وهي
التي تهب من جهة المشرق .
(٤) وهي التي عدَّلتُ اسمتها بموافقة المؤلف حفظه الله تعالى إلى ( قواعد.
في علوم الحديث ) .

---
المقدمة في المبادئ والحدود
اعلم أنَّ لكل علم موضوعاً ومبادىءَ ومسائل .
فالموضوع: ما يُبحَث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية .
والمبادىءُ: هي الأشياء التي يَبتني عليها العلم، وهي إما تصوّرات أَو
تصديقات . فالتصورات حدود أشياء تُستعمل في ذلك العلم ، والتصديقات
هي المقدِّمات التي منها تُؤْلَّف قياسات العلم .
والمسائل : هي التي يشتمل العلم عليها .
ووَجْهُ الحصر أَنَّ مَا لا بُدَّ للعلم إِن كان مقصودًا منه فهو المسائل،
وغيرُ المقصود إِن كان متعلَّقَ المسائل فهو الموضوع، وإلا فهو المبادىء ،
وهي : حَدُّه، وفائدتُه، واستمدادُه .
أَمَا حَدُّ علم الحديث الخاصِّ بالرواية فهو: علم يُعرف به أَقوالُ
رسول الّه عَ لِ وأَفعالهُ وأَحوالُه، وروايتُها وضبطُها وتحريرُ ألفاظها .

٢٣
وعلمُ الحديث الخاصّ بالدراية : علم يُعرَف منه حقيقةُ الرواية ،
وشروطُها وأَنواعُها وأَحكامها، وحالُ الرواة وشروطُهم، وأَصنافُ المرويَّات
وما يَتعلَّق بها .
وأَما فائدته فهي : الفوزُ بسعادة الدارين، ومعرفةُ الصحيح من غيره،
( ومعرفةُ دلائل الأحكام الفقهية، فإِن غالبها مستَمدّ من علم الحديث).
وأَما استمدادُه: فمن أقوال الرسول عَ لَه وأفعاله.
أَما أَقوالُه : فهو الكلام العربي . فمن لم يَعرف الكلام العربي بجهاته
فهو بمعزل عن هذا العلم، وهي : كونه حقيقةً ومجازًا، وكنايةً وصريحاً،
وعاماً وخاصّاً، ومطلَقاً ومقيّدًا، ومحذوفاً ومضمرًا، ومنطوقاً ومفهوماً،
واقتضاءً وإِشارةً، وعبارةً ودلالةً، وتنبيهاً وإيماءً، ونحوَ ذلك، مع كونه
على قانون العربية الذي بيَّنه النحاة بتفاصيله ، وعلى قواعد استعمال
العرب ، وهو المعبَّرُ عنه بعلم اللغة .
وأَما أَفعاله: فهي الأُمور الصادرة عنه، التي أُمِرنا باتِّباعه فيها ما لم
يكن طبعاً أَو خاصّة به .
وأما موضوع علم الحديث: فهو السَّنَد والمَتْن. وقيل : ذاتُ رسول
الله عَِّ من حيث إِنه رسول الله عَلِ. والأُوَّل رجَّحه السيوطيُّ وشيخُه(١).
(١) يعني به: العلامة محيي الدين الكافيجي كما في ((تدريب الراوي))
للسيوطي ص ٥. قال: ((وكان يقول عن القول الثاني : هذا موضوع
الطب لا موضوع الحديث)).

٢٤
ومسائله: هي الأشياء المقصودة منه نحو: قال رسول الله مع طر كذا،
وأَمَرَ بكذا، ونَهَى عن كذا، وفَعَل كذا .
ومبادئه : هي ما تَتوقَّفُ عليه المباحثُ، وهو: أَحوال الحديث
وصفاته، ( وحدودُ أَشياءً تستعمل في علم الحديث) كذا في ((عمدة
القاري)) (١) و((تدريب الراوي)) (٢) .
حُدُود ألفاظ تستعمل في هذا العلم
الحديث في عرف الشرع: ما يُضاف إلى النبي صَ لِّ. وكأَنْه أُريدَ به
مقابلةُ ((القرآن)) لأَنه قديم. وقال الطيبي: الحديث أَعم من أن يكون
قولَ النّبِي عَِّ، أَو الصحابي، أَو التابعي، وفعلَهم وتقريرَهم (٣)
وقال الحافظ في ((شرح النخبة)): الخبرُ عند علماءِ الفن مُرادِفٍ للحديث،
فيُطلقان على المرفوع، وعلى الموقوف، والمقطوع . وقيل: الحديث ما جاء
عن النبي عَ لَّم، والخبر ما جاء عن غيره(٤". وقيل: بينهما عموم
(١) ١ : ١٤ بزيادة ما بين الهلالين المفردين، كما تقدمت الإشارة إلى مثله
في التقدمة
(٢) ص ٤ - ٥ .
(٣) وعلى هذا فهو مرادف للسنّة .
(٤) ومن هنا يقال للمشتغل بالتواريخ : أخباري ، وللمشتغل بالسنة :
محدّث .

٠٢٠
٢٥
وخصوص مطلق ، فكل حديث خبر ولا عكس .
والمحدثون يسمون المرفوع والموقوف بالأَثر (١)، وفقهاءُ خراسان
(١) قال العلامة عبد الحي اللكنوي في ((ظفر الأماني)) ص ٤ - ٥ (( وأما
الأثر فهو لغةً: البقية من الشيء ، يقال : أثَرُ الدار لما بقي منها .
واصطلاحاً: هو المرويّ عن رسول اللّه عَ الترٍ ، أو عن صحابي ، أو
تابعي مطلقاً ، وبالجملة مرفوعاً كان أو موقوفاً ، وعليه جمهور
المحدثين من السلف والخلف ، وهو المختار عند الجمهور ، كما ذكره
النووي في (( شرح صحيح مسلم)) ١ : ٦٣ .
وبهذا المعنى سمَّى الحافظ الطحاوي كتابه: ((شرح معاني الآثار المختلفة
المأثورة))، مع أنه شرّح فيه الأحاديث المرفوعة أيضاً . وللطبري كتاب
سمّاه ((تهذيب الآثار))، مع أنه مخصوص بالمرفوع، وما ذُكِرّ فيه
من الموقوف فبطريق التطفّل والتَّبَعَ .
ومنه قولهم: الأدعية المأثورة، لما جاء عن رسول اللّه عَ لفته. وإليه
يشير كلامٌ مسلم في خطبة ((صحيحه)) ١ : ٦٢ حيث قال: دَلّت
السنة على نفي رواية المنكرّ من الأخبار ، كنحو دلالة القرآن على نفي
خبر الفاسق، وهو الأثَرُ المشهور عن رسول اللّه ◌ِ لهِ: ((من حَدّثَ
عني بحديث يُرَى أنه كَذِبٌ فهو أحَدُ الكاذبينَ)» .. حيث سمّى
الأحاديثَ المرفوعة أثراً .
واصطلح الفقهاء الخراسانيون ومن تبعهم على أن الحديثَ اسمٌ
للمرفوع، والأثرَ اسمٌ للموقوف على الصحابة والتابعين . ومنه تسمية
الإمام محمدبن الحسن الشيباني كتابه الذي ذكر فيه الآثار الموقوفة بكتاب
((الآثار)). وعلى هذا الاصطلاح مشى حُجّة الإسلام الغزالي في
((إحياء العلوم))، ولا مناقشة في الاصطلاح)). انتهى بزيادة يسيرة
سے

٢٦
يسمون الموقوف بالأثر، والمرفوعَ بالخبرِ والحديث. ويُسمَّى المحدِّث
أَثَرِيّاً نسبةً للَّثَرَ، وأَثْرَتُ الحديثَ بمعنى رَوَيتُه .
والمَتْن: هو ألفاظ الحديث التي تتقوَّم بها المعاني .
والسَّنَد : الطريقُ الموصِلة إلى المتْنِ، أَي أَسماءُ رواته مرتَّبة .
والإِسنادُ : حكايةُ طريق المتن. وبهذا ظهر أَنَّ المتن هو غايةُ ما ينتهي
إليه الإِسناد من الكلام . وقال ابن جماعة : المحدثون يستعملون السَّندَ
والإِسنادَ لشيء واحد (٦) .
وأَما المُسنَد : فله اعتبارات:
أَحدُها : الحديثُ الذي اتصل سنده من راويه إلى منتهاه ، فشَمِلَ
المرفوع والموقوف والمقطوع . ولكن أَكثَرُ ما يُستعمل فيما جاء عن النبي
سَ لِ دون غيره. وقال الحاكم وغيرُه: لا يُسْتَعْمَل إِلا في المرفوع المتصل
وهو الأَصح، وبه جزم الحافظ في ((شرح النخبة)) (٢).
والثاني: الكتابُ الذي جُمعَ فيه ما أَسنده الصحابة أَي رَوَوْه. فهو
اسم مفعول .
والثالث: أَن يُطلَقَ ويُرادَ به الإِسنادُ ، فيكون مصدراً.
في اسم ((شرح معاني الآثار ... )) تبعاً لما جاء في النسخة القديمة الموثوقة
· منه ، المحفوظة في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة .
(١) من ((تدريب الراوي)) ص ٥ .
(٢) من (( تدريب الراوي)) ص ١٠٧.

٢٧
والمُسْنِدُ: هو من يروي الحديث بإِسناده سواءً كان عنده علم به ،
أَو ليس له إلا مجرّدُ رواية .
وأما المحدِّث: فهو أَرفع منه، وهو من عَلِمَ طرق إثبات الحديث،
وعَلِمَ عدالةَ رجاله وجرْحَهم، دون المقتصر على السماع . وقال ابنُ سيِّدِ
الناس: والمحدِّثُ في عصرنا من اشتغل بالحديث روايةً ودرايةً، وجَمْعَ
رُواةٍ، واطّلع على كثير من الرواة والروايات في عصره ، وتميَّزَ في ذلك
حتى عُرِفَ فيه خَطُّه، واشتَهر فيه ضبطُه (١) .
(١) وقد بيّن الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى ما يجب أن
يكون عليه المحدّث، فقال في أول ترجمة في (( تذكرة الحفاظ )) ترجمة
سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه ١ : ٤ :
((فحقٌ على المحدّث أن يتورّع فيما يؤديه ، وأن يسأل أهل المعرفة
والورع ليعينوه على إيضاح مروياته . ولا سبيل إلى أن يصير العارف
الذي يُزكّ نقَلَة الأخبار ويَجرَحُهم جِهْبِذاً إلا بإدمان الطلب ،
والفحص عن هذا الشأن ، وكثرة المذاكرة ، والسهر والتيقظ والفهم ،
مع التقوى والدين المتين ، والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء ،
والتحري والإتقان ، وإلا تفعل :
ولو سوَّدتَ وجهك بالمِداد
فدع عنك الكتابة لستَ منها
قال الله تعالى: ﴿فَاسْألُوا أَهْلَ الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾
فإن آنستَ يا هذا من نفسك فهماً وصدقاً، وديناً وورعاً ، وإلا
فلا تَتَعَنّ . وإن غلَب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب ،
فبالله لا تتعب .
وإن عرفتَ أن مخلِّط مخبّط مهميل لحدود الله ، فأرحنا منك ،

٢٨
فإِن توسّع في ذلك حتى عَرَف شيوخَه وشيوخَ شيوخه، طبقةً بعد
طبقةٍ ، بحيث يكون ما يَعرفه في كل طبقة أكثرَ مما يجهله منها ، فهذا:
(١)
هو الحافظ . اهـ
فبعد قليل ينكشف البَهْرَج، ويَنْكَبُّ الزّغَل، ﴿ولا يَحيقُ المكرُ
السيء إلا بأهله ﴾، فقد نصحتُك .
فِعلمُ الحديث صَلِفِ ، فأين علمُ الحديث ؟ وأين أهله ؟! كدت
أن لا أراهم إلا في كتاب، أو تحت تُراب!)).
(١) من (( تدريب الراوي)) ص ٧ و ١١ وقال فيه : قال الشيخ تقي الدين
السبكي : إنه سأل الحافظَ جمال الدين المعزّي عن حَدّ الحفظ ، الذي
إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يُطلّق عليه الحافظ ؟ قالَ: يَرجعُ إلى
أهل العرف اهـ. من ((التدريب)) ص ١٠ .
قلتُ : وهذا هو الصواب أن مدار ذلك في كل زمان على عرف
أهله ، فالمحدّثُ في زماننا من كان كثير الاشتغال بمطالعة كتب
الحديث ، ودرسه ، وتدريسه بإجازة الشيوخ له ، مع معرفة معاني
الحديث روايةً ودرايةً . والحافظ من إذا سمع الحديث عَرَف أنه في
((الصحاح)) أم في غيرها ، وكان يحفظ ألفَ حديث فصاعداً بالمعنى .
والحُجّة من كان قولُه: إنّ في الحديث كذا، حُجّةٌ بين أقرانه
لا ينكرونه عليه، فافهم لعلك لا تجده خلاف المتعارف في هذا الزمان. (ش).
قال عبد الفتاح : ويشهد لهذا الذي قاله شيخنا التهانوي حفظه الله
أني كنت سألت شيخنا العلامة الكوثري رحمه اللّه تعالى عن هذه
التحديدات التي ذكروها في ( الحافظ) و (الحاكم) و ( الحجة ) ، من
أين جاءت ؟ وما مستندها ؟ فأجابي بأنها اصطلاح متأخر لم يعرف في
السلف، وقد سمّى الحافظ الذهبي كتابه (( تذكرة الحفاظ))، وترجم

٢٩
وفي ((كشاف اصطلاحات الفنون)) للعلامة القاضي محمد أعلى
النَّهانوي رحمه الله: فائدة: لأَهل الحديث مراتب: أولها: الطالب وهو:
المبتدىءُ الراغب فيه. ثم المحدِّث وهو: الأُستاذ الكامل، وكذا الشيخ
ء
والإِمام بمعناه، ثم الحافظ وهو : الذي أَحاط علمُه بمئة ألف حديث
متناً وإِسنادًا، وأَحوالَ رواةٍ جرحاً وتعديلاً وتاريخاً. ثم الحُجَّة وهو:
الذي أَحاط علمُه بثلاث مئة ألف حديث، كذلك قاله ابنُ المطري(١).
فيه لجماعات من الصحابة وغيرهم ، لم يَروِ كثيرٌ منهم عشر العدد
الذي ذكروه في ( الحافظ ) و (الحجة) و (الحاكم ) . انتهى .
هذا، ونفى شيخنا عبدالله الغُمَاري فرّج الله عنه في مقدمة ((إعجاز
القرآن)) للخطابي وجود مرتبة ( الحاكم ) بين مراتب الحفاظ . وقال
في مقدمة كتابه (( الكنز الثمين)) ص (ع): ((وليس لفظ (الحاكم)
من ألقاب الحفظ ، خلافاً لما نقله الباجوري في أول حاشية (الشمائل))
عن المطرزي)). قلت : لأن مادَّته لا تشعر بشيء من الحفظ .
(١) كذا جاء ( ابن المطري) في الأصل وفي المصدر المنقول منه: ((كشاف
اصطلاحات الفنون )). ولم أهتد إليه، وإنما وجدتُ من يُنسَب
( المطري ) - لا ( ابن المطري ) - اثنين من المحدثين:
١ - الجمال المطري : محمد بن أحمد بن محمد المدني ، صاحب
((التعريف بما أنسَت الهجرة، من معالم دار الهجرة))، المتوفى سنة ٧٤١
بالمدينة الشريفة. وترجمته في ((الدرر الكامنة)) لابن حجر ٣ : ٣١٥،
و ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد المكي ص ١١٠ من (( ذيول تذكرة الحفاظ)).
٢ - ابنُه العفيف المطري: عبدالله بن محمد بن أحمد المدني ،
صاحب (( الإعلام فيمن دخل المدينة من الأعلام))، وقد سمع منه
جماعة من المحدثين ، منهم الحافظ الذهبي ، وتوفي سنة ٧٦٥ ، وترجمته

٣٠
وقال الجَزَّريّ رحمه الله : الراوي : ناقلُ الحديث بالإِسناد .
والمُحدِّثُ: من تَحمَّل روايتَه واعتَنى بدرايته . والحافظ : من رَوى ٠)
يصل إليه، وَوَعِى ما يُحتاجُ لديه. اهـ (١).
قلتُ: واختلافُ الاصطلاح في ذلك باختلاف عُرُفٍ كل زمان ..
والحاكمُ: فَوقَ الحُجَّةَ، وهو من أَحاط علمُهُ بجميع الأحاديث متناً.
وإسنادًا وأحوالَ رواةٍ جرحاً وتعديلاً وتاريخاً . كذا هو في حفظي، ولم
أَجد الآن موضعَ التصريح به، ثم وجدتُه كذلك في حاشية ((شرح
النخبة)) نقلًا عن ((شَرْح الشرح))(٢).
في ((الدرر الكامنة)) ٢: ٢٨٤، و((لحظ الألحاظ)، ص ١٤٣ .
وقد وُصفَ بالاشتغال بالحديث ، والاعتناء بالتواريخ، وبالإفادات
الحسنة المهمة .
فلعله هو المعني هنا بابن المطري ؟ والله تعالى أعلم .
ونقل الباجوري في ((شرح الشمائل النبوية)) ص ٤ هذا التحديد في
الطالب والمحدث والحافظ ... ثم قال: ((ذكره المطرزي)). انتهى.
والظاهر أنه تحريف عن (المطري) أو (ابن المطري ) . وقد نظرت
كتاب ((المُغرِب)) للمطرِّزِي فلم أجد فيه شيئاً يتصل بهذه الألفاظ.
والله سبحانه أعلم
(١) ١: ٢٧، من ((إكشاف اصطلاحات الفنون)). وقد توَّسع شيخنا
العلامة عبد الحي الكتاني في بيان مدلول ( المحدّث) و ( المسند )
و(الحافظ) أيمًّا توسّع في كتابه ((فهرس الفهارس والأثبات)) ٤١:١ -
٤٧ ، فانظره .
(٢) ص ٣ من (( شرح شرح النخبة)) لعلي القاري .

٣١
أنواع الحديث
اعلم أَنَّ متنَ الحديث نفسَه لا يدخل في البحث عند أرباب الحديث
إلا نادرًا، بل يَكتسب صفةً من القوَّة والضعف ، وبينَ بينَ، بحسب
أوصاف الرواة من العدالة والضبط والحفظ وخلافها، وبين ذلك وبين
قلَّةِ الرواة وكثرتها، أَو بحسب الإِسناد من الاتصال والانقطاع والإِرسال
والاضطراب ونحوها، فالحديث على هذا ينقسم إلى صحيح وحسن
وضعيف ، ومتواتر ومشهور وآحاد(١) .
١ - فالمتواتر: ما رواه عن استنادٍ إلى الحِسِّ دون العقل الصِّرفِ
عَدَدُ أَحَالَت العادةُ تواطؤَهم على الكذب فقط، أَو روود عن مثلِهم من
الابتداء إلى الانتهاء، ومستنَدُ روايةٍ منتهاهم الحِسُّ أَيضاً، فالنوعُ الأَول
ما لا طباقَ له (٢)، والثاني ما له طَبَقتان فأكثر. ثم هو بقسميه مفيدٌ
للعلم الضروري لا النظري، وغيرُ محصور في عدد معيَّن، وموجودٌ وجودَ
(١) من ((الديباج المذهب)) السيد الشريف الجرجاني ص ١٣ . ش بزيادة
قوله ( ومتواتر ومشهور وآحاد ) وتصرف يسير . وقد أوجز شيخنا
المؤلف حفظه الله ما استطاع في تعريف هذه الأنواع ، إذ غايته التذكير
بها . وفي تعاريف جملة منها كلام للعلماء يعرف من كتب المصطلح
المبسوطة .
(٢) الطّبَاقُ هنا جمعُ طبَقة، وسيأتي تفسيرها في كلام المؤلف قُبيل
الفصل الأول ص ٤٧ ، فانظره .

٣٢
كثرة، لا معدومُ ولا موجودٌ وجودَ قلَّة ، خلافاً لمن زعم ذلك . ومتى
اسْتُوفِيَتْ شُروطُه، وتخَلَّفتْ إِفادتُه العلمَ عنه فلمانعٍ آخر لا بمجرده،
ومِن شأنِه أَن لا يُشترَط عدالةُ رجاله بخلاف غيره (١) .
٢ - والمشهور: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ، ولم يبلغ حد
التواتر، أَي لم يُفد بمجرَّده العلم . وهو المستفيض على رأي جماعة من
أَئِمَّة الفقهاء . وقيل: المستفيضُ يكون عَددُ طَرفيه ووسطِه سواءً، والمشهور
أَعُمُّ من ذلك . وقد يُطلق المشهورُ على ما اشتهر على الألسنة مطلقاً، أَي
وإِن لم يكن له إِسنادٌ واحد (٢).
٣ - والعزيز: ما لا يرويه أَقلُّ من اثنين عن أَقِلَّ منهما في كل
طبقة ، وليس شرطُه شرطاً للصحيح خلافاً لمن زعمه .
٤ - والغريب: ما يتَفَرَّدُ بروايته شخص واحدٌ (من الثقات أو
غيرهم )، في أي موضع وقع التفرد به من السند . فإِن كان التفرُّد في
طرف السند، أي في التابعي الذي يروي عن الصحابي فهو الفرد المطلق ،
وإِن كان في أثنائه كأن يرويه عن الصحابي أكثرُ من واحد ثم يتفرّدَ
بروايته عن واحد منهم شخصٌ واحد، فهو الفَرْدِ النِّسْبي ، وأَكثَرُ ما يطلقون
الفردَ على الفرد المطلق، والغريبَ على الفرد النسبي .
(١) من ((قفو الأثر)) لابن الحنبلي الحنفي ص ٥ . وكتابه هذا قد جمع
فيه أصول الحديث على مذهب الحنفية كما سيقوله شيخنا المؤلف
تعليقاً في الفصل الرابع ص ١٢٣ .
(٢) من ((قفو الأثر)» ص ٥ .
(٣) من ((شرح النخبة)) ص ٢٢ و ٢٣.

٣٣
والغريبُ إِما صحيحٌ كالأفراد المخرَّجة في الصحيح إِن كان المتفرّد
به ثقة، أَو غيرُ صحيح وهو الأَغلب .
والغريبُ أَيضاً إِما غريبٌ إِسناداً ومتناً، وهو ما تفرِّد بمتنه واحد ،
أَو إِسناداً لا متناً كحديث يُعرَفُ متنه عن جماعة من الصحابة إِذا تفرَّد
بروايته واحد عن صحابي آخر . ومنه قول الترمذي : غريب من هذا
الوجه . ولا يوجد ما هو غريب متناً لا إِسناداً إلا إذا اشتهر الحديثُ
الفرد، فرواه عمن تفرَّد به جماعةٌ كثيرة ، فإنه يصير غريباً مشهوراً .
وحديثُ ((إنما الأعمال بالنيات)) متصف بالغرابة في طَرَفه الأَول،
ومتصف بالشهرة في طرفه الآخِر (١) .
وكلها سوى المتواتر آحاد(٢). وفيها: المقبول وهو: ما رجَحَ صِدقُ
المخبر به . والمردود وهو: ما رَجَحَ كذِبُ المخبِر به . وما يُتوقَّفُ في
قبوله وردِّه، لتوقُّف الاستدلال به على البحث عن أحوال رواته ، بخلاف
المتواتر فكلُّه مقبول .
والمقبولُ من الآحاد على أنواعٍ منها :
٥ - الصحيحُ لذاته، وهو : خبرُ الواحدِ المتصلُ السند بنقلِ عدل (٣
(١) من ((الديباج المذهب)) للشريف الجرجاني ص ٣٢.
(٢) ويقال لكل منها : خبرُ واحد . وخبرُ الواحد في اللغة : ما يرويه شخص
واحد ، وفي الاصطلاح: ما لم يجمع شروط المتواتر. انتهى من ((شرح
النخبة)) للحافظ ابن حجر .
(٣) والمراد بالعدل : من له مَلَكة تحملُهُ على ملازمة التقوى والمروءة .

٣٤
تامّ الضبط ، غيرُ معلَّل بقادحٍ ولا شاذ .
٦ -فإِن خَفَّ الضبطُ والصفاتُ الأُخرى فيه فهو: الحَسَنُ لذاته .
٧ - فإِن تعدَّدت طُرقُ الحَسَن لذاته بمجيئه من طريق آخر أقوى أَو
مُساويهٍ ، أَو طُرقٍ أُخرى ولو منحطة فهو : الصحيحُ لغيره .
٨ - وخبرُ الواحد الذي يرويه من يكون سيء الحفظ ولو مختلطاً.
لم يتميز ما حَدَّث به قبل الاختلاط، أو يكون مستورًا، أَو مُرسِلًا
لحديثه ، أَو مُدلِّساً في روايته من غير معرفة المحذوف فيهما، فيتابِعُ أَياً
كان منهم من هو مثلُه أَو فوقه في الدرجة من السند فهو : الحسَنُ لغيره
وإِن قامت قرينة ترجِّحُ جانبَ قبول ما يُتوقَّفُ فيه فهو : الحسن أَيضاً
(١)
لكن لا لذاته
والتقوى : اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فق أو بدعة .
والضبطُ ضبطان: ضبطُ صَدر وهو: أن يُثبِتَ ما سمعه بحيث
يتمكن من استحضاره متى شاء ، وضبط كتاب وهو : صيانتُه لديه
منذ سمع فيه وصحّحه إلى أن يؤدّي منه .
والمتصل : ما سَكِمَ إسنادُه من سقوطٍ فيه بحيث يكون كلٌ من
رجاله ستمِعَ ذلك المرويّ من شيخه .
والمعلَّل : - اصطلاحاً - ما فيه عِلّة قادحة خفية.
:
والشاذّ : ما يخالف فيه الراوي الثقةُ من هو أرجحُ منه . وسيأتي
تفصيله في ص ٤٢ عند الرقم ٢٦ من هذه الأنواع المذكورة . ( ش ) .
(١) من ((قفو الأثر)) ص ٦ و ٧، و((شرح النخبة)) ص ٢٤.

٣٥
وحاصلُهُ أَن الضعيف (١) إِذا تعدَّدت طُرقه، أَو تأَيَّد بما يُرجِّحُ
قبولَه فهو : الحسن لغيره (٢) .
وللصحيح لذاته، والحَسَن لذاته : مراتبُ بعضُها فوق بعض، فما
كانت فيه صفاتُ الصحيح كلُّها بلا خلاف، مقدَّم على ما هي فيه مع
الخلاف، سواءٌ كان الخلاف في وجود بعضها وعدمِه، أَو في كونه شرطاً
للصحة وعدمه .
والذي أَطْلَقَ بعضُ الأَئمة على إِسناده أَنه أَصحُّ الأَسانيد، وإِن كان
المعتمدُ عدمَ إِطلاق ذلك لترجمةٍ معينة منها، فهو مقدّم على خلافه ، وكذا
ما اتفق الشيخان على تخريجه مقدَّم على ما انفرد به أحدهما (٣)، وما
انفرد به البخاري مقدم على ما انفرد به مسلم ( أي عند المحدثين (٤)،
(١) أي الذي كان سبّبُ ضعفه كونَ الراوي سيء الحفظ ... إلى آخر
ما تقدم . في ص ٣٤ في المقطع - ٨ - .
(٢) وإذا تكاثرت طرقه ارتفع بها من الحسن لغيره إلى الصحيح لغيره ، كما
في ((شفاء السقام)) السبكي ص ١١، وكما يشير إليه كلام ابن الصلاح
عند ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) ص ٤٣، وكما سيأتي
نقلُه في كلام المؤلف في الفصل الثاني آخر المقطع - ١٠ - ص ٨٢ .
(٣) وهذا الترجيح للمتفق عليه ، على ما انفرد به أحدهما يأتي متأخراً
جداً في وجوه الترجيح بين حديثين مختلفين . وقد عده الحافظ العراقي
في حاشيته على ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ٢٥٠ : الوجه الثاني بعد المئة
من الوجوه المرجِّحة لحديث على آخر . فالاستناد إلى هذا الوجه فقط
للترجيح بين أدلة المذاهب من متهوسي الاجتهاد مغالطة وهوس .
(٤) قال في ((قفو الأثر)): ورَدّه الزين قاسم بأنّ قوة الحديث إنما هي بالنظر

٣٦
وأَما عند الفقهاءِ فالمدارُ على استجماع شروط الصحة دون المخرَّجين كما
ستَعرف ) .
وأَما الحسن، فالذي صَحِّح إِسنادَه عِدَّةٌ من الحفاظ، ونعتوه بأنه
من أدنى مراتب الصحيح، مقدَّم على ما لم يُصحِّح إِسنادَه أَحد ، وما لم
يصحح إِسنادَه أَحد ولم يُضعِّفه أحد مقدَّم على الحسن الذي ضعَّفه
بعضهم اهـ (١).
قال الترمذي : الحسن ما لا يكون في إِسناده متهم، ولا يكون شاذاً،
ويُروَى من غير وجه نحوُه . وهذا فيما يقول فيه: ( حسن) فقط من
غير صفة أُخرى، وأما ما يقول فيه : (حسن صحيح) أو (حسن غريب)
أو (حسن صحيح غريب) فلم يُعرِّج على تعريفه . والجمعُ بين الحَسَن
والصحيح إِما للتردد في حال الناقل، هل اجتمعتِ فيه شروطُ الصحة أو
قصّر عنها ؟ وإِما باعتبار الإِسنادين اهـ (٢).
٩ - والضعيف: ما لم يَجمَع صفة الحسَن، ويَتفاوتُ ضعفُهُ شدَّةً
إلى رجاله، لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا اهـ. ص ١٠ . وسيأتي
مثلُ ذلك عن ابن الهمام . (ش) . في الفصل الثاني في ص ٦٤، بل
أصل هذا البحث إنما هو لشيخه الإمام الكمال بن الهُمام، بحثه في كتابه
((فتح القدير)) ١: ٣١٧، وكرّره باختصار في ٣ : ١٨٦ .
(١) من ((قفو الأثر )) ص ٧ و ٨ بمعناه.
(٢) من (( شرح النخبة)) ص ٣٤ و ٣٥ .