النص المفهرس

صفحات 301-320

رسول الله عَي على نصرة المسلم فقدروى البخاري من حديث أنس
رضي الله عنه أن رسول الله عَ له قال: ((انصر أخاك ظالما أو
مظلوما)) قالوا : يارسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟
قال : ((تأخذ فوق يديه)) كما روى مسلم من حديث جابر رضي الله
عنه أن رسول الله عَ ◌ّةٍ قال: ((ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما
إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر ، وإن كان مظلوما فلينصره)) وقدمر
فى الحديث السادس عشر من أحاديث باب الترهيب من مساوئ
الأخلاق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم
لايظلمه ولا يخذله)).
مايستفاد من ذلك
١ - الحض على الدفاع عن المسلم وحماية عرضه بظهر الغيب .
٢ - أن من دافع عن عرض مسلم وهو غائب دفع الله النار عن
وجهه يوم القيامة .
٣ - تحريم خذلان المسلم .
٤ - وجوب نصرة المظلوم .
******
١١ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((مانَقَصَتْ صَدَقَةٌ من مال ، ومازاد الله عبدا بعفو
إلا عِزَّاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله)) أخرجه مسلم .
(٣٠١)

المفردات
مانقصت صدقة من مال : أي ماأذهب إخراج الزكاة من المال
شيئا من ثمرة هذا المال وفائدته فلايخسر المزكي شيئا
من المال بل إن المال الباقي بعد إخراج الزكاة يجعل
الله فيه بركة تزيد على مقدار ماأخذ منه للزكاة .
ومازاد الله عبدا بعفو إلا عزا : أي ولايظن مَنْ عفا عمن أساء
إليه أنه يلحقه بذلك ذل وأن الانتصاف ممن ظلمه
يجعله عزيزا مهابا بل إن عفوه عمن أساء إليه يزيده
عزا فوق العز الذي كان يظنه لوانتصف من ظالمه .
وماتواضع أحد لله إلا رفعه الله: أي وما أُلَانَ أَحد جانبه
للمسلمين ولاسيما الضعفاء منهم وخفض جناحه لهم
ابتغاء وجه الله إلا أعلى الله درجته ورفع منزلته في
الدنيا والآخرة .
البحث
أشار الله عزوجل إلى أن الشيطان يغرى الإِنسان بالشح ، ويخوفه
من الفقر ونقصان المال إن تصدق منه على الفقراء والمساكين ، حيث
يقول عزوجل: ((ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم وما
أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه
إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد O الشيطان يعدكم
الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم﴾
(٣٠٢)

وحض الله تبارك وتعالى على التصدق والإِنفاق في غير موضع من
كتابه الكريم ووعد بأنه يخلف على المنفقين ماأنفقوا حيث يقول :
﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ كما وعد الله
عزوجل العافين عن الناس بجزيل المثوبة في جنات النعيم حيث يقول :
﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت
للمتقين O الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين
عن الناس والله يحب المحسنين) وكما قال عزوجل: ﴿فمن عفا
وأصلح فأجره على الله﴾ وقددلت التجارب على أن الإِنسان لايزداد
بالعفو إلا عزا ، كما دلت التجارب على أن المتواضعين يرفعهم الله
عزوجل ، والحَب المزروع لايثمر الثمرة الحسنة إلا إذا دفن في الأرض
فالمتكبرون في أنفسهم صغار في أعين الناس وقلوبهم .
مايفيده الحديث
١ - الحث على الصدقة .
٢ - الحث على العفو عن المسيء .
٣ - وعد الله عزوجل للعافين عن الناس بالعز .
٤ - أن التواضع سبب للرفعة في الدنيا والآخرة .
لحظة بلحنا بال)
١٢ - وعن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول
صَ له: ((ياأيها الناس أَفْشُوا السلام، وَصِلُوا الأرحام، وأطعموا
الله علي
(٣٠٣)

الطعام ، وصّلُّوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام)) أخرجه
الترمذي وصححه .
المفردات
أفشوا السلام : أي أشيعوا تحية الإِسلام بينكم وأذيعوها وأظهروها
وانشروها بالسلام على من عرفتم ومن لم تعرفوا .
وصلوا الأرحام : أي وأحسنوا إلى أقاربكم وأوصلوا لهم الخير والبر
من جهتكم .
وأطعموا الطعام : أي وابذلوا من طعامكم للفقراء والمساكين
وغيرهم .
وصَلَّوا بالليل والناس نيام : أي وقوموا للصلاة بالليل أثناء غفلة
الناس ونومهم ليرتفع عملكم الصالح على حد قول الشاعر:
إذا نام غِرّ في دُجى الليل فَاسْهَر
وقم للمعالى والعوالي وشَمِّر
تدخلوا الجنة بسلام : أي يسعدكم الله عزوجل ويدخلكم جنات النعيم
آمنين مصحوبين بالسلام وتحيات الملائكة الكرام .
البحث
قال البخاري رحمه الله في كتاب الإِيمان (باب إطعام الطعام من
الإِسلام) ثم ساق من طريق أبى الخير عن عبدالله بن عَمْرو رضي الله
عنهما أن رجلا سأل النبي عَّ لهم: أي الإسلام خير ؟ قال : ((تطعم
(٣٠٤)

الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ثم قال : (باب
إفشاء السلام من الإِسلام) وساق نفس هذا الحديث . وقال في
كتاب الاستئذان (باب السلام للمعرفة وغير المعرفة) وساقه . وقد تقدم
الكلام على صلة الأرحام في الحديث الأول من أحاديث باب البر
والصلة ، كما تقدم الكلام على إطعام الطعام فى الحديث الحادي عشر
من أحاديث باب البر والصلة . وأما الصلاة بالليل والناس نيام فقد
تقدم الكلام عليها فى باب صلاة التطوع .
مایفیده الحدیث
١ - فضل إفشاء السلام وأنه من محاسن الصفات .
٢ - فضل إطعام الطعام وأنه من محاسن الصفات .
٣ - فضل صلة الأرحام وأنه من محاسن الصفات .
٤ - فضل الصلاة بالليل والناس نيام .
١٣ - وعن تميم الداري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((الدين النصيحة)) ثلاثا قلنا: لمن يارسول الله ؟ قال :
((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) أخرجه مسلم .
المفردات
تميم الداري : هو أبورقية تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن
جذيمة بن دارع بن عدي بن الدار بن هانيء بن
(٣٠٥)

حبيب بن نُمارة بن لخم بن كعب الداري ، وفد
على رسول الله عَ لَّه ومعه أخوه نعيم بن أوس
فأسلما وأقطعهما رسول الله عَ ◌ّه ◌ِبْرَى وبيت
عَيْنُون بالشام، وصحب تميم رسول الله عَ ◌ّه وغزا
معه ، وروى عنه وجمع القرآن فى عهد رسول الله
عٍَّ وأمَّ بالمسلمين فى صلاة القيام فى عهد عمر
رضى الله عنه وقد حدث عنه رسول الله عَ ليه
على المنبر بقصة الجساسة والدجال ، وقد تحول
تميم إلى الشام بعد مقتل عثمان رضى الله عنه ،
فعداده فى أهل الشام .
الدين النصيحة : أي إن عماد الدين وقوامه هى النصيحة قال
الخطابى : النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ
للمنصوح له اهـ والناصح الخالص الذي لاغش معه
يقال : رجل ناصح الجيب أي لاغش فيه، والناصح
العسل الخالص .
ثلاثا : أي قالها ثلاث مرات .
لمن يارسول الله : أي من يستحقها يارسول الله ومن الذى
ننصح له ؟ .
لله : أي النصيحة لله بالإِيمان به ، وإخلاص العبادة له ،
وإعزاز دينه .
(٣٠٦)

ولكتابه : أي والنصيحة للقرآن العظيم ، بتحليل ماأحل وتحريم
ماحرم، وتلاوته آناء الليل والنهار والإِيمان بأنه كلام
الله منه بدأ وإليه يعود .
ولرسوله: أي والنصيحة لرسول الله عَ لّه بتصديقه فيما أخبر
وطاعته فيما أمر ، والانتهاء عما نهى عنه وزجر
ونشر سنته ، والوقوف عند شريعته ، فلاعقيدة
ولاعبادة ولامعاملة إلا بماجاء من شرعه عَ ◌ّه،
والإِيمان بأن الناس لوجاءوا من كل طريق واستفتحوا
من كل باب لم يفتح لهم إلا إذا جاءوا من طريق
شرع محمد عَ له . كما أثر فى الحديث القدسي أن
الله قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وعزتي
وجلالي لوجاءوا من كل طريق واستفتحوا من كل باب
مافتحت لهم إلا أن يجيئوا من طريقك﴾ وقدأكمل
الله له الدين ، وأتم به النعمة فشريعته شافية كافية
تامة شاملة باقية إلى يوم القيامة، صالحة لكل عصر
ومصر، وجیل وقبيل لاتنسخ حتى ينسخ الليل والنهار
والشمس والقمر ويرث الله الأرض ومن عليها .
ولأئمة المسلمين : أي والنصيحة لولاة أمر المسلمين بإعانتهم على
الحق وطاعتهم فيه ، وحضهم عليه ، وتذكيرهم
لحوائج العباد ، ونصحهم في الرفق والعدل وعدم
(٣٠٧)

الخروج عليهم ، والصلاة خلفهم ، والجهاد معهم .
وعامتهم : أي والنصيحة لسائر المسلمين بأمرهم بالمعروف ونهيهم
عن المنكر وإرشادهم إلى مصالحهم فى دينهم
ودنياهم ، وكف الأذى عنهم وتعليم جاهلهم والحرص
على جلب الخير لهم ودفع الضر عنهم .
البحث
هذا الحديث من الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام ، وصدق
الإِيمان ، وقدقال البخاري في كتاب الإِيمان من صحيحه : ((باب قول
النبي عَّ ◌ُله: الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وقوله تعالى : ((إذا نصحوا لله ورسوله)) حدثنا مسدد قال : حدثنا
يحيى عن إسماعيل قال : حدثني قيس بن أبي حازم عن جرير بن
عبدالله قال: ((بايعت رسول الله عَ ةٍ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة
والنصح لكل مسلم)) وقدتقدم فى الحديث السادس والثلاثين من
أحاديث كتاب البيوع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من
غش فليس منى)).
مايفيده الحديث
١ - أن النصيحة من أبرز علامات صدق الإِيمان والإِسلام.
٢ - وأن النصيحة تسمى دينا وإسلاما .
٣ - وأنها تلزم كل مسلم على قدر طاقته .
٤ - وأنها من أكرم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المسلم .
(٣٠٨)

١٤ - وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ((أكثر ما يُدْخِلُ الجنة تقوى الله وحسن
الخُلُق)) أخرجه الترمذي وصححه الحاكم .
المفردات
أكثر ما يدخل الجنة : أي أكثر الأعمال سببا في دخول الجنة .
تقوى الله : أي الخوف من الله واتباع أوامره واجتناب معاصيه
وحسن المعاملة مع الخالق .
وحسن الخلق : أي وجمال المعاشرة ولطف المعاملة مع الخلق .
البحث
قال الترمذي : حدثنا أبوكريب محمد بن العلاء نا عبدالله بن
إدريس ثني أبى عن جدى عن أبى هريرة قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم
عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ قال : ((تقوى الله وحسن الخلق))
وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ قال: ((الفم والفرج)) هذا
حديث صحيح غريب وعبدالله بن إدريس هو ابن یزید بن عبدالرحمن
الأودي اهـ وقدتقدم فى الحديث الثالث من أحاديث باب الأدب أن
البر حسن الخلق وقد بشر الله عزوجل الأبرار بجنات النعيم حيث
يقول: ((إن الأبرار لفى نعيم)).
مايستفاد من ذلك
١ - وجوب تقوى الله عزوجل .
٢ - أن حسن المعاملة ولطف المعاشرة من أعظم أسباب دخول الجنة.
(٣٠٩)

١٥ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((إنكم
لا تَسَعُونَ الناس بأموالكم، ولكن لِيَسَعْهُمْ منكم بسط الوجه وحُسن
الخلق)) أخرجه أبويعلى وصححه الحاكم .
المفردات
وعنه : أي وعن أبى هريرة رضى الله عنه .
لا تَسَعُونَ الناس بأموالكم : أي إن أموالكم لاتكفي لِتَشْمَلَ الناس
كلهم فالناس لايُخْصون وأموالكم محصاة .
ولكن ليسعهم منكم : أي ولكن ليشملهم منكم ولِيَعُمَّهُمْ
بسط الوجه : أي طلاقة الوجه .
وحسن الخلق : أي وجمال المعاشرة.
البحث
تقدم فى الحديث العاشر من أحاديث باب البر والصلة قول
رسول الله عَ له ((لاتحقرن من المعروف شيئا ولوأن تلقى أخاك بوجه
طلق)) وقدأخرجه مسلم وتقدم بحث مايتعلق به هناك .
١٦ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَريبة:
((المؤمن مرآةً المؤمن)) أخرجه أبوداود بإسناد حسن .
(٣١٠)

المفردات
وعنه : أي وعن أبي هريرة رضي الله عنه .
المؤمن مرآة المؤمن : أي إن المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة التى ينظر فيها
وجهه فيرى مافيه من الحسن أوالعيب ، على معنى
أن المؤمن يرشد أخاه المؤمن إلى مافيه من خلق
سيء فيحذره منه ويرشده إلى اجتنابه ، ويرشده إلى
مافيه من خلق حسن ليحضه على مداومة
الاستمساك به .
البحث
تقدم فى الحديث الثالث عشر من أحاديث هذا الباب أن الدين
النصيحة ، ووجوب النصح لكل مسلم قال أبوداود : (باب فى النصيحة)
حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا ابن وهب عن سليمان يعنى ابن بلال
عن کثیر بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
عَ الِ: ((المؤمن مرآة المؤمن ، والمؤمن أخوالمؤمن يكف عليه ضيعته ،
ويحوطه من ورائه)) وسليمان بن بلال مولى القاسم بن محمد بن أبى بكر
الصديق ثقة وكثير بن زيد هو أبومحمد الأسلمي المدني ابن مافَنَّه بفتح
الفاء وتشديد النون قال في التقريب : صدوق يخطيء - والوليد بن رباح
الدوسى المدنى قال في التقريب : صدوق .
مايستفاد من ذلك
١ - وجوب النصح للمسلم .
٢ - تحريم غشه وخيانته .
(٣١١)

١٧ - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم
خير من المؤمن الذي لايخالط الناس ولايصبر على أذاهم)) أخرجه ابن
ماجه بإسناد حسن وهو عند الترمذي إلا أنه لم يُسَمِّ الصحابي .
المفردات
يخالط الناس : أي يجتمع بهم ويداخلهم .
ويصبر على أذاهم : أي ويحبس عن نفسه الجزع بماقد يصيبه
ويلحقه من بعض الضرر بسبب نصحهم وإرشادهم
خير من المؤمن : أي أفضل من المؤمن .
الذي لايخالط الناس : أي لايداخلهم ولايجتمع بهم بل ينزوي
عنهم وينفر من مجالستهم .
ولا يصبر على أذاهم : أي ولا يتحمل مايصيبه منهم من أذى .
وهو عند الترمذي الح : أي وحديث ابن عمر هذا قدأخرجه
الترمذي لكن لم يذكر اسم الصحابي الذي رواه عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
البحث
الإِنسان مدني بالطبع غير أن بعض الناس يكون ((انزوائيًا)) وبعضهم
يكون ((اجتماعيا)) وقدأشار هذا الحديث إلى أن المسلم ((الاجتماعي))
أفضل من المسلم (الانزوائي)) وليس معنى كون الإِنسان اجتماعيا
(٣١٢)

أن يختلط بكل ماهب ودب بل عليه أن يختار الجليس الصالح ، وأن
يبتعد عن جليس السوء ولا يمنعه ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر في بعض الأماكن التي قديتساهل أهلها في إقامة شعائر الدين
*****
١٨ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلْقِي)) رواه
أحمد وصححه ابن حبان .
المفردات
حَسَّنْتَ خَلْقى : أى جَمَّلْتَ صُورِتِى وَكَمَّلْتها .
فَحَسِّنْ خُلُقِى : أى فاجعل أخلاقى حسنة جميلة .
البحث
لقد جمع الله تبارك وتعالى لنبيه محمد عَ لّه أحسن وأجمل وأحلى
صورة بشرية مع أحسن خُلُق إنسانى ، ولقد نوه القرآن العظيم بخلق
رسول الله عَبد حيث يقول الله عزوجل لحبيبه ورسوله وسيد خلقه
محمد صلى الله عليه وسلم: ((وإنك لعلى خلق عظيم)) وأما حسن
خَلقه عَلٍ فقدروى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه
قال: كان رسول الله عَ ◌ّه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض
الأمهق . وليس بالآدم ، وليس بالجعد القَططِ ولا بالسَّبط)) وفى لفظ :
((كان ربعة من القوم)) كما روى البخاري ومسلم من حديث البراء رضى
الله عنه قال: كان رسول الله عَ ل أحسن الناس وجها، وأحْسَنَهُ
خَلْقًا ليس بالطويل البائن ولابالقصير وفى لفظ للبخاري من طريق
(٣١٣)

أبى إسحاق قال: سئل البراء أكان وجه النبي عَّ له مثل السَّيْف؟
قال لا ، بل مِثْلَ القمر ، وفى لفظ للبخارى من حديث لأبى
جحيفة قال : فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من
الثلج ، وأطيب رائحة من المسك وفى لفظ للبخاري من حديث
كعب بن مالك رضي الله عنه: وكان رسول الله عَ ◌ّةٍ: إذا سُرَّ
استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. وقدوصفته أم معبد عاتكة بنت
خالد الخزاعية لما مر بخيمتها فى طريق هجرته فقد أثر عنها أنها قالت
أكحل أزج أقرن فى صوته صَحَل وفى عنقه سطع لاتشنؤه العين من
طول ولا تقتحمه من قصرغصن بين غصنين فهو أحسن الثلاثة منظرا،
له رفقاء يحفون به ويجلونه إذا قال استمعوا لقوله ، وإذا أمر تبادروا
لأمره ، محفود ، محشود ، لاعابس ولامفند)) وقولها في صوته صحل ،
أي إذا تحدث كأن قطعا من الحلوى تتناثر مع حديثه وقولها : وفى
عنقه سطع أي إذا رفع رأسه كأن قطعا من الفضة تتلالاً في عنقه
وفى لفظ للبخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال :
مَا مَسِسْتُ حريرا ولاديباجا ألين من كف النبي عَّهِ، ولا شَمِمْتُ ريحا
قط أو عَرْفًا قط أطيب من ريح أو عَرفٍ رسول الله صلوات الله
وسلامه وتحياته وبركاته عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين .
(٣١٤)
٠

باب الذكر والدعاء
١ - عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى : أنا مع عبدي ماذكرني
وتَحَرَّكَتْ بِي شفتاه)) أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره
البخاري تعليقا .
المفردات
الذكر : المراد بالذكر هنا هو الإِتيان بالألفاظ التي ورد
الترغيب في قولها والإكثار منها في تمجيد الله
وتقديسه وتسبيحه وتحميده .
والدعاء : يطلق الدعاء على معان منها الطلب والنداء والسؤال
والاستغاثة والعبادة ، قال الحافظ في الفتح : وقال
الشيخ أبوالقاسم القشيري في شرح الأسماء الحسنى
ماملخصه : جاء الدعاء في القرآن على وجوه منها :
العبادة ((ولاتدع من دون الله مالاينفعك ولايضرك))
ومنها الاستغاثة ﴿وادعوا شهداءكم﴾ ومنها السؤال
﴿ادعوني أستجب لكم﴾ ومنها القول ﴿دعواهم فيها
سبحانك اللهم﴾ والنداء ﴿يوم يدعوكم﴾ والثناء
﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾.
(٣١٥)

يقول الله تعالى : يعني في الحديث القدسي .
أنا مع عبدي : المراد بالمعية هنا معية التأييد
والتوفيق إذأن معية الله لخلقه تأتى على معنيين :
معية خاصة ومعية عامة فالمعية الخاصة هي معية
النصر والتوفيق والتأييد، وأما المعية العامة فهي بمعنى
العلم فهومع جميع خلقه بعلمه، وأما معيته لعباده
الصالحين ، فهى بمعنى نصرهم وتأييدهم وتوفيقهم
فالأولى كهذا الحديث وكقوله تعالى : ﴿إنني معكما
أسمع وأرى﴾ وكقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا
والذين هم محسنون﴾ وكقوله تعالى: ﴿وهو معكم
أينما كنتم﴾ وكقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يعلم
مافى السموات ومافي الأرض مايكون من نجوى ثلاثة
إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من
ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم
بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾
ولم تذكر المعية العامة إلا مقرونة بالعلم ليكون ذلك
تفسيرا لها حتى يندفع ماقديجره الشيطان من القول
بالحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود تعالى الله عن
ذلك علوا كبيرا .
ماذكرني وتحركت بي شفتاه : أي أرشده وأسدده وأوفقه وأؤيده
(٣١٦)
أ

مادام يذكرني وتهتز شفتاه بتمجيدي وتقديسي .
البحث
قال البخاري في كتاب التوحيد (باب قول الله تعالى: ﴿لا تحرك
به لسانك﴾ وفعل النبي عَ له حيث يُنْزَلُ عليه الوحي، وقال أبو هريرة
عن النبي
عَبٍّ: ((قال الله تعالى: أنا مع عبدي حيثما ذكرني
وتحركت بي شفتاه﴾ ويقرب من معنى هذا الحديث مارواه البخاري
ومسلم واللفظ للبخاري حيث قال : حدثنا عمر بن حفص حدثنا
أبى حدثنا الأعمش سمعت أباصالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال النبي عَاله: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا
معه إذا ذكرنى فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى وإذا ذكرنى فى
ملأ ذكرته فى ملأ خيرمنهم، وإن تقرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا،
وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة))
وقدظن الصنعاني رحمه الله في سبل السلام أن المراد بماذكره البخاري
تعليقا عن أبي هريرة هو حديث ((أنا عند ظن عبدى بى)) وهو وهم
فإن هذا الحديث قدأخرجه البخاري بسند متصل كما رأيت ،
وقدسقت لك في صدر هذا البحث لفظ حديث البخاري المعلق ،
والله أعلم .
مايستفاد من ذلك
١ - الحض على ذكر الله عزوجل .
٢ - أن ذكر الله عز وجل يجلب للعبد تأييد الله وتوفيقه
وإعانته ورضاه .
(٣١٧)

٢ - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله
عَ ◌ِّ: ((ما عمل ابن آدم عملا أَنْجَى له من عذاب الله من ذكر
الله)) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن .
المفردات
ماعمل ابن آدم عملا : أي ما قدم الإِنسان شيئا للنجاة من
عذاب الله .
أنجى له من عذاب الله من ذكر الله : أي أعظم تنجية له
وتخليصا من عذاب الله من تمجيد الله وتقديسه .
البحث
قد قرن الله تبارك وتعالى فلاح العبد ونصره على عدوه بذكر الله
عزوجل حيث يقول : ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا
الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ .
مايستفاد من ذلك
١ - أن ذكر الله يجلب الفلاح والفوز للذاكر في الدنيا والآخرة .
٢ - أن ذكر الله أعظم الوسائل للنجاة من النار .
٣ - وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ((ماجلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة ،
وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم الله فيمن عنده)) أخرجه مسلم .
(٣١٨)

المفردات
ماجلس قوم مجلسا : أي ماقعد جماعة فى مكان .
يذكرون الله فيه : أي يمجدون الله ويقدسونه ويعظمونه ويحمدونه
ويشكرونه ويتلون كتابه ويتدارسونه بينهم في مجلسهم
هذا ، وهو يشمل تدريس الحديث والفقه وكل علم
يذكر بالله عزوجل .
إلا حفتهم الملائكة : أي إلا أحاطت بهم الملائكة تكريما لهم
وإعلاء لقدرهم .
وغشيتهم الرحمة : أي وشملتهم رحمة الله وإحسانه وجوده وفضله
ونعمته وغَطَّتْهُم .
وذكرهم الله فيمن عنده : أي وأعلى الله قدرهم وشرَّفهم بذكرهم
في الملأ الأعلى .
البحث
أخرج مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
عَّله ((: من نَّفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه
كربة من كرب يوم القيامة ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في
الدنيا والآخرة . ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في
عون العبد ماكان العبد فى عون أخيه ، ومن سلك طريقا يلتمس فيه
علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة . ومااجتمع قوم فى بيت من
بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة
(٣١٩)

وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطا
به عمله لم يسرع به نسبه)) ثم أخرج مسلم من طريق الأغر أبي
مسلم أنه قال : أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا
على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لايقعد قوم يذكرون الله
عزوجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة
وذكرهم الله فيمن عنده)) .
مايفيده الحديث
١ - شَرَف ذكر الله وفضله .
٢ - تكريم الملائكة للذين يذكرون الله عزوجل ويمجدونه ويقدسونه
ويتلون كتابه .
٣ - بشارة أهل الذكر بنزول رحمة الله عليهم .
*****
٤ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((ما قعد
قوم مَقْعَدًا لم يذكروا الله فيه، ولم يُصَلُّوا على النبي عَّ ◌ُلِّ إلا كان
عليهم حسرة يوم القيامة)) أخرجه الترمذي وقال : حسن .
المفردات
ماقعد قوم مقعدا : أي ماجلس جماعة مجلسا .
لم يذكروا الله فيه : أي لم يمجدوا الله ويقدسونه فى هذا المقعد.
ولم يصلوا على النبي عَ له: أي ولم يعطروه بالصلاة على
(٣٢٠)