النص المفهرس

صفحات 201-220

إلى من يعين عليه .
فله مثل أجر فاعله : أي فإن الله عزوجل يثيبه كما يثيب الذي
يفعل هذا الخير .
البحث
في نسخة بلوغ المرام التي شرح عليها الصنعاني رحمه الله : وعن
ابن مسعود ، وهو خطأ صوابه وعن أبي مسعود وهو الأنصاري
البدري رضي الله عنه وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق أبى
معاوية عن الأعمش عن أبى عمرو الشيباني عن أبى مسعود الأنصاري
قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أُبْدِعَ
بى فاحملنى فقال: ((ماعندى)) فقال رجل: يارسول الله أنا أدُلَّهُ على
من يحمله. فقال رسول الله عَ ليه: ((من دل على خير فله مثل
أجر فاعله)) وقوله : (أبدع بى) أي هلكت دابتى وهي مركوبى يقال :
أبدع بفلان بالبناء للمجهول إذا عطبت ركابه وبقى منقطعا به)) وكما
جعل الله عزوجل لمن دل على الخير مثل أجر فاعله ، فكذلك من
دعا إلى هدى أو سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها
لاينقص من أجورهم، كما أن من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من
عمل بها إلى يوم القيامة ففى لفظ لمسلم من حديث جرير بن
عبدالله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله علية عليهم
الصُّوفُ فرأى سوء حالهم قدأصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة
فأبطوا عنه حتى رُؤىَ ذلك فى وجهه قال : ثم إن رجلا من
(٢٠١)

الأنصار جاء بصُّرَّةٍ من وَرقِ ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السُّرور فى
وجهه فقال رسول الله عَ ◌ّه: ((من سَنَّ في الإِسلام سُنَّةً حَسَنَةً
فَعُمِلَ بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولاينقص من أجورهم
شيء ، ومن سَنَّ فى الإِسلام سنة سيئة فَعُمِلَ بها بعده كُتِبَ عليه
مِثْلُ وِزْرٍ من عمل بها ولا يَنْقُصُ من أوزارهم شيء» .
مايفيده الحديث
١ - أن من دل على خير فله مثل أجر فاعله .
٢ - تيسير سبل اكتساب الأجر الحسن من الله عزوجل .
القٍّ قال :
١٤ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عاونه
((من استعاذَكم بالله فأعيذوه ، ومن سألكم بالله فأعطوه ومن أتى
إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا فادعوا له)) أخرجه البيهقي .
المفردات
من استعاذكم بالله : أي من استجار بالله منكم
فأعيذوه : أي فأجيروه ولاتعتدوا على جوار الله عزوجل.
ومن سألكم بالله فأعطوه : أي ومن طلب منكم قضاء حاجة له
وقال وهو يطلب حاجته منكم : أسألكم بالله
فلاتحرموه من قضاء حاجته وأعطوه مايطلب .
ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه : أي ومن صنع لكم معروفا
وأسدى إليكم يدًا فامنحوه مكافأة منكم على صنيعه
(٢٠٢)

الحسن لكم .
فإن لم تجدوا فادعوا له : أي فإن لم يكن لديكم من المال أو
نحوه ماتكافئونه به فادعوا الله له أن يجزيه من عنده
جزاء حسنا ليكون ذلك مكافأة له منكم .
البحث
قال أبوداود في سننه : (باب في الرجل يستعيذ من الرجل) حدثنا
نصر بن علي وعبيدالله بن عمر قالا : ثنا خالد بن الحارث ثنا سعيد
- قال نصر: ابن أبي عروبة - عن قتادة عن أبى نهيك عن ابن عباس
أن رسول الله عَّ قال: ((من استعاذ بالله فأعيذوه ، ومن سألكم
بوجه الله فأعطوه)) قال عبيدالله: ((من سألكم بالله)) حدثنا مسدد
وسهل بن بكار قالا : ثنا أبوعوانة ح وثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا
جرير المعنى عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول
الله عَوِّ: ((من استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه))
وقال سهل وعثمان: ((ومن دعاكم فأجيبوه)) ثم اتفقوا: ((ومن أتى إليكم
معروفا فكافئوه)) قال مسدد وعثمان: ((فإن لم تجدوا فادعوا له حتى
تعلموا أن قدكافأتموه)) وقال البيهقي : أخبرنا أبوبكر محمد بن الحسن
ابن فورك أنبأ عبدالله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبوداود
الطيالسي ثنا أبوعوانة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر أن النبي
عُوسلم قال: ((من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه))
وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى نحو مادل عليه هذا الحديث من جواز
السؤال بالله حيث قال: ((واتقوا الله الذي تساءلون به)) وقال في
قصة مريم: ﴿قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ وقدروى
(٢٠٣)

البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول
الله عَ ◌ّه يقول: إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأفرع وأعمى بَدَا
لله أن يبتليهم فبعث إليهم مَلَكًا - الحديث ، وفيه: ثم إنه أتى
الأبرص فى صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطعت بي الحبال فى
سفرى ، فلابلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون
الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه فى سفرى فقال له : إن
الحقوق كثيرة فقال له : كأني أعرفك ألم تكن أبرص يَقْذَرُكَ الناسُ
فقيرا فأعطاك الله ؟ فقال : لقدورثت لكابر عن كابر فقال : إن
كنت كاذبا فصَيََّك الله إلى ماكنت - وأتى الأقرع فى صورته وهيئته
فقال له مثل ماقال لهذا ، فرد عليه مثل ماردًّ عليه هذا فقال : ((إن
كنت كاذبا فصيرك الله إلى ماكنت)) وأتى الأعمى فى صورته فقال :
رجل مسكين وابن سبيل ، وتقطعت بى الحبال فى سفري فلابلاغ
اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذى رَدَّ عليك بصرك شاة أتبلغ بها
فى سفري ، فقال : قدكنت أعمى فرد الله بصري ، وفقيرا فأغناني
فخذ ماشئت فوالله لاأجهدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال : أمسك
مالك فإنما ابتليتم فقد رضى الله عنك وسَخِطَ على صاحبيك)).
مايستفاد من ذلك
١ - أن من استعاذ بالله من شخص ينبغي له أن يعيذه .
٢ - جواز السؤال بالله تعالى .
٣ - ينبغى لمن سئل بالله أن يعطي السائل ماسأل إن كان قادرا على ذلك.
٤ - ينبغى مكافأة من أسدى إليك معروفا .
(٢٠٤)

باب الزُّهْدِ والوَرَعِ
١ - عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله
عَّ اله يقول: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه - : ((إن الحلال بَيِّنٌ
وإن الحرام بَيِّنٌ ، وبينهما مُشْتَبِهَاتٌ لايعلمهن كثير من الناس ، فمن
اتَّقَى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضِه ، ومن وقع فى الشبهات وقع فى
الحرام ، كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن
لكل ملك حِمَّى ، أَلا وإن حِمَى الله محارمه ، ألا وإن فى الجسد
مضغة إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كُلُّهُ ، وإذا فسدت فسد الجسد
كله ، ألا وهى القلب)) متفق عليه .
المفردات
الزهد : هو عدم الحرص على التوسع فى الشهوات والتَّقَلَّلُ من
الملذات ، وأن يكون العبد بما عند الله أوثق مما
هو فى يديه .
والورع : هو تجنب الشبهات خوف الوقوع فى المحرمات .
وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه : أي مَدَّ النعمان رضي الله عنه
إصبعيه إلى أذنيه ليمسهما إشارة إلى توثقه وتيقنه من
سماع هذا الحديث من. رسول الله عَ ليه.
إن الحلال بين : أي إن المباح من حيث الحكم واضح لايضر تناوله
(٢٠٥)

والناس يعرفون حكمه بماجاءهم فيه عن الله ورسوله
عَ له أو عرف طيبه وانتفى خبثه وضرره .
وإن الحرام بين : أي وإن الممنوع شرعا واضح يضر تناوله ،
والناس يعرفون حكمه ، بما جاء هم فيه عن الله
ورسوله عَ لٍ أو عرف خبثه وضرره .
وبينهما مشتبهات : أي وبين الحلال والحرام أمور مختلطات لم يأت
فيها نص بالتحليل ولابالتحريم فالنفس تتردد فيها أهي
من الحلال أم من الحرام ؟ لأنها لم يرد فيها نص ولم
يعرف طيبها ولاخبئها .
لايعلمهن كثير من الناس : أي لايعلم حكم هذه المشتبهات كثير
من الناس وهم الذين لايتمكنون من استنباط
الأحكام من الكتاب والسنة ، وإنما يعرفها قليل من
الناس وهم العلماء الذين يستطيعون استنباط الأحكام
غير المنصوصة من الكتاب والسنة على حد قوله
تعالى: ﴿ولوردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم
لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) وقديشتبه على العالم
إلحاق الشيء بالحرام أو بالحلال فيكون الورع تركه
كالتمرة التي وجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم
في الطريق فقال: ((لولا أني أخاف أنها من الصدقة
وهذا بخلاف
تورعا
لأكلتها)) فتركها رسول الله عَيّـ
(٢٠٦)

من لم تحرم عليه الصدقة فإنه لووجد تمرة ساقطة في
الطريق فأكلها فإنه لابأس عليه ، ولذلك أثر أن
عمر رضي الله عنه سمع رجلا ينادي : يامن
سقطت له هذه التمرة في الطريق ؟ فقال له عمر
رضي الله عنه : كُلّهَا ياصاحب الورع الكاذب .
فمن اتقى الشبهات : أي فمن اجتنب الأشياء التي لم يظهر أنها
حلال وابتعد عنها .
استبرأ لدينه وعرضه : أي طلب البراءة من الذم شرعا وعرفا
فَسَلِمَ له دِينُهُ وسلم له عِرْضُه أي شرفه وجانبه
الذي يصونه من أن يُنْتَقَصَ ويُتْلَبَ ، فمن اجتنب
الشبهات صان دينه وحمى عرضه من وقوع الناس فيه.
ومن وقع في الشبهات : أي ومن هجم على الشبهات واستباحها .
وقع فى الحرام : أي أداه استباحة الشبهات إلى الهجوم على
المحرمات وارتكابها دون أن يكون عنده شبهة فى
تحريمها بل يعرف أنها حرام لاشبهة فى تحريمها .
كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه : أي ومثال ذلك
أن الراعي الذي يرعى إبله أو غنمه لاينبغي له أن
يقترب مما حماه الملك ومنع الرعى فيه لأنه إذا رَعَى
حول الحمعى واقترب منه اندفعت مواشيه إلى الحمى
نفسه فانتهكته ورعت فيه فاستجلب غضب الملك
:
(٢٠٧)

فالحيطة والحذر أن لايقترب من الحمى حتى لايرتع
فيه ولاتدخله مواشيه ولايستجلب غضب الملك الذي
انتهك حماه .
ألا وإن لكل ملك حمى : أي ألا وإنه قدجرت العادة أن يكون
لكل ملك حمى يحميه ، ويمنع الرعاة أن يرتعوا فيه .
ألا وإن حمى الله محارمه: أي ألا وإن الله ملك السموات
والأرض قدجعل حمىّ وإن الذي حماه الله هو محارمه
التي منع عباده من انتهاكها لمصلحة معاشهم
ومعادهم .
ألا وإن في الجسد مضغة الح : أي ألا وإن في جسم الإِنسان
قطعة لحم عليها مدار صلاحه وفساده فإن فسدت
هذه المضغة واختلت قوانين استقامتها فسد الجسد
كله ، لأنه يصدر عنها ، وإن صلحت هذه المضغة
لسلامة قوانينها واستقامة أحوالها صلح الجسد كله
ألا وإن هذه المضغة هي قلب الإِنسان ، وسمي
القلب قلبا لأنه محل الخواطر المختلفة وهو عمدة
الإِنسان في تقلبه ، على حد قول الشاعر :
وما سمي الإِنسان إلا لنسيه
ولا القلب إلا أنه يَتَقَلَّبُ
وليس المراد بالقلب هنا خصوص قطعة اللحم
(٢٠٨)

الصنوبرية الشكل الموجودة في تجويف الصدر فإن
هذه القطعة موجودة في جميع الحيوانات الأليفة
والمفترسة ، بل المراد ماأودعه الله تبارك وتعالى في
هذه المضغة من لطائفه حتى تكون مستعدة
لاستقبال العلوم والمعارف ، وإدراك الخير والشر فإن
صلحت كانت مبصرة ، وإن فسدت عميت ، على
حد قوله تبارك وتعالى: ﴿فإنها لاتعمى الأبصار
ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ .
البحث
إن سياق هذا الحديث النبوي يشعر بأن سعادة الإِنسان مبنية على
طيب مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه ، كما أن خسرانه مبنى على
خبث مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه ، إذ أن طيب المطعم والمشرب والملبس
والمسكن يؤثر في القلب نورا وبصيرة ، وسلامة ، كما أن خبث
المطعم والمشرب والملبس والمسكن يؤثر في القلب ظلمة وعمى وفسادا
ولذلك أرشد الإِسلام إلى أنه لايكون العمل صالحا متقبلا إلا إذا كان
الإِنسان يأكل من الطيبات وفي ذلك يقول الله عزوجل : ﴿يا أيها
الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ وقدأشار رسول الله عربية
إلى أن آكل الحرام لايتقبل الله دعاءه وأن من رغب أن يكون
مستجاب الدعوة فليحرص على أكل الحلال حيث يقول فيما رواه
مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أيها الناس إن الله طيب
(٢٠٩)

لايقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال :
﴿ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم﴾
وقال: ﴿ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم﴾ ثم ذكر الرجل
يطيل السفر أشعث أغبر يَمُدُّ يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه
حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام فأنى يستجاب لذلك))
وكما أثر أنه لما قال له سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه : ادع الله
أن يجعلنى مستجاب الدعوة فقال له عَ له: ((أطب مطعمك
تستجب دعوتك)) هذا وأما ماقديحدث للإنسان من وسواس ونحوه
فإنه لايكون من الأمور المشتبهات التي حذر منها هذا الحديث ،
ولذلك قال البخاري رحمه الله : (باب من لم ير الوساوس ونحوها من
المشتبهات) وساق حديث عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا :
يارسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لاندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَمُّوا الله عليه وكلوه)).
مايفيده الحديث
١ - الحض على تناول الحلال الطيب .
٢ - التحذير من تناول الحرام الخبيث .
٣ - من رغب فى سلامة نفسه فليتق الشبهات .
٤ - تأثير الأطعمة على القلب والسلوك .
(٢١٠)

٢ - وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((تَعِسَ عَبْدُ الدينار والدرهم والقطيفة، إن أُعْطِىَ
رَضِيَ، وإن لم يُعْطَ لم يَرْضَ)) أخرجه البخاري .
المفردات
تَعِسَ : التَّعْسُ هو الهلاك والعِثَارُ والسقوط والشر والبُعْدُ والانحطاط
والمقصود هو الدعاء على عبد الدينار والدرهم
والقطيفة بذلك .
عبدالدينار والدرهم والقطيفة : أي من استعبدته الدنيا فَعَبَدَ الدينار
والدرهم والخميلة وبذل أقصى حبه وغاية قصده
للدينار والدرهم والثوب .
إن أُعْطِيَ رضي : أي إن جاءه الدينار والدرهم والقطيفة سُرَّ وفَرِحَ
وإن لم يُعْطَ لم يرض : أي وإن حُرِمَ ذلك سخط .
البحث
لفظ هذا الحديث فى البخاري فى كتاب الرقاق فى (باب ما يُتَّقَى
من فتنة المال) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله
عَبِيلٍ: («تعس عبدالدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعْطِىَ
رضى، وإن لم يُعْطَ لم يرض)» وأورده فى كتاب الجهاد فى (باب
الحراسة فى الغزو فى سبيل الله) من حديث أبى هريرة رضى الله عنه
عن النبي عَ لِ قال: تعس عبدالدينار والدرهم والقطيفة والخميصة
(٢١١)

إن أُعْطِيَ رضي وإن لم يُعْطَ لم يرض)» وفي لفظ : تعس عبدالدينار
وعبدالدرهم وعبدالخميصة إن أُعْطِيَ رضي وإن لم يعط سخط ، تعس
وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى
سبيل الله)) الحديث. وقال البخاري فى كتاب التفسير: باب (( ومن
الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن
أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة - إلى قوله -
ذلك هو الضلال البعيد)) ثم ساق من طريق سعيد بن جبير عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: ((ومن الناس من يعبد الله على حرف))
قال : كان الرجل يَقْدَمُ المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونُتِجَتْ خَيْلُهُ
قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته، ولم تُنْتَجْ خَيْلُهُ قال :
هذا دِينُ سُوءٍ .
مایفیده الحدیث
١ - أنه لايليق بالمسلم أن يجعل الدنيا أكبر همه وغاية قصده .
٢ - أن المسلم الحق هو من إذا أُعْطِيَ شكر وإذا حُرِمَ صَبْرَ ،
وأنه راض بقضاء الله على كل حال .
٣ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله عَل
بِمَنْكِبَيَّ فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وكان
ابن عمر يقول : إذا أُمْسَيْتَ فلاتَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، وإذا أَصْبَحْتَ
فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لِسَقَمِكَ ، ومن حياتك لموتك .
أخرجه البخاري .
(٢١٢)

المفردات
أخذ رسول الله عَ ◌ّهِ بِمَنْكِبِيَّ: أي أمسك رسولُ الله عَلَّه
بِمَنْكِيَّ، والمنكب هو مُجْتَمَعُ رأس الكتف
والعضد وهو مُذَكّر ، وقدروى بالإِفراد والتثنية .
كن فى الدنيا : أي صِرْ فى الدنيا .
كأنك غريب : أي كأنك نازل فى غير بلدك منقطع عن أهلك
بعيد عنهم .
أو عابر سبيل : أي مسافر .
إذا أمسيت : أي إذا دخلت فى المساء .
فلا تنتظر الصباح : أي فَقَدِّرْ أنك قدتموت فى ليلتك هذه قبل
مجيء الصباح .
وإذا أصبحت : أي وإذا دخلت فى الصباح .
فلا تنتظر المساء : أي فَقَدِّرْ أنك قدتموت في يومك هذا قبل
حلول المساء .
وخذ من صحتك لسقمك : أي وَتَزَوَّدْ بالزاد النافع والعمل
الصالح فى وقت صحتك قبل مجيء سقمك
ومرضك وعجزك عن العمل والاكتساب .
ومن حياتك لموتك : أي وتزود فى وقت حياتك قبل مجيء موتك
وضياع فرصة العمل .
(٢١٣)

البحث
فى هذا الحديث حض على المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى
اكتساب الحسنات ، واجتناب الحقد والحسد والمنازعات مع الناس لأن
الإِنسان إذا أحسَّ أنه غريب حرص على عدم منازعة من حوله ،
وعمل على أن يتزود بالزاد الصالح الذي يوصله إلى أهله ، على حد
قول ابن القيم رحمه الله :
فحيَّ على جنات عدن فإنها :: منازلنا الأولى وفيها المُخَيَّمُ
ولكننا سَبْيُ العدو فهل ترى :: نعود إلى أوطاننا ونُسَلّم
وقدزعموا أن الغريب إذا نأى :: وشطت به أوطانه فهو مغرم
وأي اغتراب فوق غربتنا التى :: لها أضحت الأعداء فينا تَحَكّم
قال البخاري رحمه الله : وقال علي : ارتحلت الدنيا مدبرة ،
وارتحلت الآخرة مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء
الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولاحساب ، وغدًا
حسابٌ ولاعمل .
مايفيده الحديث
١ - ينبغي للمسلم أن لايركن إلى الدنيا وأن يتهيأ للرحيل إلى
الدار الآخرة .
٢ - أنه لايليق بالمسلم أن يتزود في رحلته بغير مايُرْضِى الله عزوجل.
(٢١٤)

٤ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ((من تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم)) أخرجه أبوداود وصححه ابن
حبان .
المفردات
تَشَبَّهَ بقوم: أي مَاثَلَهُمْ وَحَاكَاهُمْ فيما هو من خواصهم
متأسيا بهم .
فهو منهم : أي فقد لحق بهم وعُدَّ منهم .
البحث
قال أبوداود : حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا أبوالنضر حدثنا
عبدالرحمن بن ثابت حدثنا حسان بن عطية عن أبى منيب الجُرَشي
عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَلِ: ((من تشبه بقوم فهو
منهم)) قال السخاوي : فيه ضعف ولكن له شواهد اهـ وقد أخرج
الترمذي من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
أن رسول الله عَ له قال: ((ليس منا من تشبه بغيرنا)) الحديث .
قال أبوعيسى : هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك هذا
الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه اهـ هذا ولوصح هذا الحديث لاعتبر
من أحاديث الوعيد التي تقدم الكلام عنها أكثر من مرة ، وقدقال
حسان بن ثابت رضي الله عنه لوفد بني تميم عند رسول الله عزبة:
فإن كنتموا جئتم لحفظ دمائكم :: وأموالكم أن تقسموا فى المغانم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا :: ولا تلبسوا زياكزي الأعاجم
(٢١٥)

٥ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خَلْفَ النبي
صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: ((ياغلام احفظ الله يَحْفَظُكَ
احفظ الله تجده تُجَاهَكَ ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت
فاستعن بالله)) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح .
المفردات
خلف النبي عَ ◌ّهِ: أي رديف رسول الله عَ ◌ّه على دابته.
ياغلام: قال في القاموس: والغلام الطّار الشارب والكهل
ضد أو من حين يولد إلى أن يشب اهـ
احفظ الله يحفظك : أي حافظ على حدود الله وأوامره ونواهيه
يصنك الله عزوجل ويحفظك فى نفسك ودينك
ودنياك وأخراك .
تُجاهَك : أي تلقاء وجهك قريب الإِجابة لدعوتك وقضاء
حاجتك على حد قوله تعالى : ﴿وإذا سألك عبادي
عني فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان
فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون﴾ .
وإذا سألت فاسأل الله : أي وإذا أردت سؤال أحد ليقضي لك
حاجتك فاجعل سؤالك لله وحده ولا تسأل غيره
فإن بيد الله خزائن السموات والأرض .
وإذا استعنت فاستعن بالله : أي وإذا أردت طلب العون من أحد
(٢١٦)

ليعينك على ماتريد من عمل لدنياك وأخراك فاطلب
العون من الله وحده ولا تستعن بغيره ولا تعتمد على
أحد سواه على حد قوله تعالى : ﴿إياك نعبد وإياك
نستعین﴾ .
البحث
أخرج الترمذي هذا الحديث من طريق قيس بن الحجاج عن
حنش الصنعاني عن ابن عباس قال : كنت خلف النبي عَّةٍ يوما ،
فقال : ياغلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله
تجده تُجاهَكَ، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله،
واعلم أن الأمة لواجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء
قدكتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا
بشيء قدكتبه الله عليك، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف . ثم
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح اهـ
مايفيده الحديث
١ - أن المحافظة على حدود الله وأوامره ونواهيه تجلب للعبد خير
الدنيا والآخرة .
٢ - وأن من رغب في أن تستجاب دعوته فليحرص على طاعة
الله تعالى .
٣ - وأن الخير للإِنسان أن يقتصر فى سؤاله على الله وحده .
٤ - وأن الخير للإنسان أن يجعل استعانته بالله وحده .
٥ - وأن من يستعن بالله يُعِنْهُ .
(٢١٧)

٦ - وعن سهل بن سعد رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى
النبيِ عَ ◌ّهِ: فقال: يارسول الله دُلَّنِى على عمل إذا عملته أحبنى
الله وأحبنى الناس؟ فقال: ((ازهد فى الدنيا يُحبّك الله، وازهد فيما
عند الناس يُحبّك الناس)) رواه ابن ماجه وغيره وسنده حسن.
المفردات
دلني على عمل : أي أرشدنى إلى خُلُق وسلوك .
إذا عملته أحبنى الله وأحبنى الناس : أي إذا أنا أديت هذا
العمل وتخلقت به رضي عنى ربى ورضي عنى الناس
ازهد فى الدنيا : أي قَلِّلْ رغبتك فى عَرَض الدنيا الفانى .
يحبك الله : أي يرض الله عزوجل عنك.
وازهد فيما عند الناس : أي لاتعلق قلبك بما فى أيدى الناس من
حطام الدنيا .
يحبك الناس : أي يرض عنك الناس .
وغيره : أي وغير ابن ماجه أيضا .
البحث
قال ابن ماجه : حدثنا أبوعبيدة بن أبى السَّفر ثنا شهاب بن
عَبَّاد ثنا خالد بن عمرو القرشي عن سفيان الثوري عن أبى حازم عن
سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبي عَّه رجلٌ فقال: يارسول
الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبنى الله وأحبنى الناس فقال
رسول الله عَةٍ: ((ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما فى أيدى
(٢١٨)

الناس يحبك الناس)) اهـ وفى إسناد هذا الحديث خالد بن عمرو وهو
ضعيف متفق على ضعفه ، واتهم بالوضع ، وأورد له العقيلي هذا
الحديث وقال : ليس له أصل من حديث الثوري . وقد أخرجه أبونعيم
فى الحلية من طريق مجاهد عن أنس وهو منقطع لأنه لم يثبت سماع
مجاهد من أنس رضى الله عنه كما روى مرسلا .
*****
٧ - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله عَ ◌ٍّ يقول: ((إن الله يحب العبد التقي الغَنِيَّ الخَفِيَّ))
أخرجه مسلم .
المفردات
يحب العبد : أي يرضى عن الإِنسان .
التقي : أي المتبع لأوامر الله ، المجتنب لنواهيه ، الخائف من الله
عزوجل ، المستمسك بشريعة الله .
: أي الذي لايحتاج إلى الناس ، المكتفي بمافي يده .
الغني
الخفي : بالخاء المعجمة أي الذي لايأبه له الناس ، وضبطه بعض
رواه مسلم بالحاء المهملة أي اللطيف بالناس الحريص
على مصالحهم وماينفعهم .
البحث
هذا الحديث ظاهر الدلالة على أن الله تبارك وتعالى يحب من
(٢١٩)

عبده أن يكون غنيا عن عباده ، وهو يرشد إلى أن الإِسلام يكره من
المسلم أن يكون عالة على غيره ولذلك كانت اليد العليا خيرا من
اليد السفلى وقدجاء في لفظ لمسلم من طريق أبي الأحوص عن عبدالله
عن النبي عَ ◌ّ أنه كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى
والعفاف والغنى)) كما جاء في لفظ الصحيح من حديث سعد بن أبى
وقاص رضي الله عنه أن رسول الله عَّه قال له: ((إنك أن تذر
ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس)) هذا وحقيقة
الغنى ليست كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس .
مايفيده الحديث
١ - حب الله للمتقين .
٢ - محبة الله لمن يستغنى عن الناس .
٣ - كراهية الإسلام لمن يحرص على الشهرة .
#
٨ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ((من حسن إسلام المرء تركه مالايعنيه)) رواه
الترمذي وقال : حسن .
المفردات
من حسن إسلام المرء : أي من صلاح إسلام الإِنسان وسلامة
دينه .
تركه مالايعنيه : أي عدم اشتغاله بما لايهمه
(٢٢٠)
*