النص المفهرس

صفحات 181-200

٢ - وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((لايدخل الجنة قاطع)) يعني قاطع رحم.
متفق عليه .
المفردات
لايدخل الجنة قاطع : أي لاتفتح أبواب الجنة لمن يسيء إلى أقاربه
البحث
هذا الحديث من أحاديث الوعيد وقدسبق الكلام على أن أحاديث
الوعيد قد تفسر فيحمل مثل هذا الحديث على المستحل لقطيعة
الرحم بلاسبب ولاشبهة مع علمه بتحريمها وقد يترك تفسيرها ليشتد
الحذر والخوف من الوقوع فيها وقدأشار الله تبارك تعالى إلى خطورة
قطيعة الرحم وأن المعرضين عن الأخذ بتعاليم الإسلام إنما يعرضون عن
ذلك لحرصهم على الفساد في الأرض وقطيعة الرحم حيث يقول :
﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، أولئك
مئے
الذين لعنهم الله فَاصَمَّهُمْ وأعمى أبصارهم﴾ حتى يكاد يجعل أهم
مقاصد الرسالة بعد التوحيد هو صلة الأرحام وفي ذلك يقول : ﴿قل
لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ﴾ أي لا أطلب
منكم على تبليغ الرسالة شيئا سوى أن تحبوا أقاربكم وأن تصلوا
أرحامكم على ماذهب إليه بعض أهل العلم من أهل التفسير
والتأويل .
(١٨١)

هذا وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق مالك عن الزهري عن
محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن رسول الله عَ ليه بلفظ
(لايدخل الجنة قاطع رحم)) .
مایفیده الحدیث
١ - التحذير الشديد من قطيعة الرحم .
٢ - أن الإساءة إلى الأقارب من الكبائر.
٣ - وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأدَ
البنات ومنعًا وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة
المال)) متفق عليه .
المفردات
عقوق الأمهات : العقوق مأخوذ من العقِّ وهو القطع وعقوق
الأمهات هو قصد إيذائهن وعصيانهن وترك الإِحسان
إليهن، وتخصيص الأمهات بالذكر هنا مع أن عقوق
الأب من كبائر الذنوب أيضا لأن أكثر العقوق إنما
يقع على الأمهات لضعفهن، على أن حرمتهن آكد
من حرمة الآباء . والأمهات جمع أمهة وهي لمن
يعقل . أما لفظ الأم فيستعمل فيمن يعقل وغيره .
ووَأَدَ البنات : أي دفنهن وهن على قيد الحياة حتى يمتن تحت
(١٨٢)

التراب وتخصيص البنات بالذكر هنا مع أن وأد الأولاد
من أكبر الكبائر أيضا لأن الوأد غالبا كان يقع على
البنات من أهل الجاهلية خوف العار، مع أن بعض
أهل الجاهلية كانوا يؤدون البنين والبنات خشية الفقر
والإِملاق .
ومنعا وهات : أي ومنع ذي الحق من حقه وطلب الشيء غير
المستحق، فالمنحرف عن تعاليم الإسلام يمنع مالزمه من
الحقوق ، ويطلب مالايستحقه فهو مناع للخير
شغوف بما في أيدي الناس ، وأصل هات : آت
فقلبت الألف هاء أي آت وأعط .
وكره لكم : أي وأبغض من أفعالكم .
قيل وقال : أي أن يكون أكبرهمكم وشغلكم هوفي الخوض في
أخبار الناس وحكايات أحوالهم ونقل مايسيء إليهم
وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ماسمع ...
وكثرة السؤال : أي والإِلحاف على الناس في طلب مابأيديهم من
أموالهم فإن المسئلة تجيء بصاحبها يوم القيامة وليس
في وجهه مزعة لحم كما أن كثرة السؤال لتتبع أخبار
الناس وأحوالهم وكشف عوراتهم مما يكرهه الإِسلام .
وإضاعة المال : أي وكره لكم إضاعة أموالكم بإنفاقها في غيروجه
شرعي وإتلافهاببذل الكثيرمنها في غرض تافه حقير
(١٨٣)

وقد جعلها الله تبارك وتعالى قياما للناس حيث يقول : ﴿ولا تؤتوا السفهاء
أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ كما أن من إضاعة المال تعطيله وترك
القيام عليه ، والله أعلم .
البحث
أورد البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق وراد كاتب المغيرة عن
المغيرة باللفظ الذي ساقه المصنف ، وأورده البخاري في كتاب الرقاق من
طريق ورّد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة : أن اكتب
إليّ بحديث سمعته من رسول الله عَ ليه قال: فكتب إليه المغيرة : إنى
سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: ((لاإله إلا الله وحده لاشريك له،
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)» ثلاث مرات قال : وکان ینهی
عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، ومنع وهات وعقوق الأمهات
ووأد البنات اهـ وفي لفظ لمسلم أنه قال: وحرَّم عليكم رسول الله عَ ليه
ولم يقل : إن الله حرم عليكم . وفي لفظ لمسلم من طريق كاتب المغيرة بن
شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة : اکتب إلي بشيء سمعته من رسول
الله عَ بُله فكتب إليه إني سمعت رسولَ الله عَ لّه يقول: ((إن الله كره
لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال)) وفي لفظ عن وراد
قال : كتب المغيرة إلى معاوية : سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول
الله عَ ل يقول: ((إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث: حرم عقوق الوالد
ووأد البنات ولا وهات ونهى عن ثلاث : قيل وقال ، وكثرة السؤال وإضاعة
المال)) اهـ وقوله في الحديث: ((ولا)) يعني الامتناع عن أداء مالزمه من
الحقوق فهو بمعنى قوله فى الرواية الأخرى : ((ومنعا)).
(١٨٤)

٠٠
مايفيده الحديث
١ - تحريم عقوق الأمهات .
٢ - الحض على البر بالأمهات .
٣ - تحريم وأد البنات والقضاء على عادة أهل الجاهلية في ذلك .
٤ - التحذير من منع صاحب الحق من حقه وتحريم المماطلة .
٥ - التحذير من محاولة الاستيلاء على حق الغير .
٦ - التحذير من الخوض في أخبار الناس ونقل مايسيء إليهم وأن
يتحدث الإِنسان بكل ماسمع .
٧ - النهي عن كثرة السؤال .
٨ - التحذير من إضاعة المال .
٩ - الحض على الأخلاق الحميدة والخلال الطيبة الجميلة التي
تسبب للإنسان صلاح معاشه ومعاده .
٤ - وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن
صَ اللّه قال: ((رِضا الله في رِضَا الوالدين، وسخط الله في
سُخط الوالدين)) أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم .
النبي
المفردات
رضا الله في رضا الوالدين : أي محبة الله للعبد يجلبها بره بوالديه
ورضاهما عنه .
(١٨٥)

سخط الله : أي غضب الله .
في سخط الوالدين : أي في غضب الوالدين على ولدهما بسبب
عقوقه لهما .
البحث
قال الترمذي : حدثنا أبوحفص عمرو بن علي ثنا خالد بن
الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو
عن النبي عَ ◌ّةٍ قال: ((رضا الرَّبِّ في رضا الوالد وسخط الرب في
سخط الوالد)) حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن
يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو نحوه ولم يرفعه وهذا
أصح وهكذا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن
أبيه عن عبدالله بن عمرو موقوفا ، ولانعلم أحدا رفعه غير خالد بن
الحارث عن شعبة ، وخالد بن الحارث ثقة مأمون ، سمعت محمد بن
المثنى يقول : مارأيت بالبصرة مثل خالد بن الحارث ولابالكوفة مثل
عبدالله بن إدريس اهـ
٥ - وعن أنس رضي الله عنه عن النبي عَ له قال: ((والذي
نفسي بيده لايؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره أو لأخيه مايحب لنفسه))
متفق عليه .
المفردات
والذى نفسى بيده : أي والله الذي روحي بقبضته .
لايؤمن عبد : أي لايبلغ إنسان درجة المؤمنين الكملة ،
ولايكمل يقينه .
(١٨٦)

حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه : أي حتى يفرح لما
يناله المجاور له في الدار أو أخوه المسلم من الخير
والعافية مثل مايفرح لنفسه .
البحث
هذا الحديث بهذا اللفظ الذي ساقه المصنف هو رواية مسلم ولم
يروه البخاري بهذا اللفظ، فقوله: ((والذي نفسي بيده)) ليست في
رواية البخاري لهذا الحديث ، فقد أخرجه البخاري بدون هذه الزيادة
فقال : (باب من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) حدثنا مسدد
قال حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه ، وعن
حسين المعلم قال : حدثنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) قال
الحافظ في الفتح : ((وعن حسين المعلم)) هو معطوف على شعبة
فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة ، وإنما لم يجمعها لأن
شيخه أفردهما، ثم قال الحافظ : تنبيه : المتن المساق هنا لفظ
شعبة ، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التي ذكرناها فهو : ((لايؤمن
عبد حتى يحب لأخيه ولجاره)) وزاد مسلم في أوله عن أبي خيثمة عن
يحيى القطان: ((والذي نفسي بيده)) اهـ
مايفيده الحديث
١ - وجوب رعاية الجار وحب الخير له حتى ولوكان كافرا .
٢ - وجوب رعاية الأخ المسلم وحب الخير له ..
(١٨٧)

٣ - لايبلغ عبد كمال الإِيمان حتى يترك الحسد والغل والحقد
والغش .
٤ - الإضرار بالجار من الكبائر .
******
٦ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله
صَلى الله
: أَيُّ الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نِدًّا وهو خَلَقَكَ))
عروسة
قلتُ : ثم أيُّ ؟ قال : ((أَن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خشية أن يأكل معك))
قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((أن تُزَانِيَ حليلة جارك)) متفق عليه.
المفردات
أي الذنب أعظم : أي أيُّ الإِثم أكبر وأشد وأفظع .
أن تجعل لله ندا وهو خلقك : أي أن تتخذ لله شريكا ونظيرا،
والله هو ربك الذي أنشأك وأوجدك وحده لاشريك
له ، ولاند له ولانظير ولاشبيه ولامثيل .
ثم أيُّ ؟ : أي ثم أيُّ الذنب أعظم بعد الشرك بالله ؟ .
أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك : أي إن أعظم الذنوب بعد
الشرك بالله هو أن يقتل الإِنسان ولده من خوف
الفقر والإِملاق .
ثم أَيُّ : أي ثم أَيُّ الذنب أعظم بعد قتل الولد خوف الفاقة .
أن تُزَانِيَ حليلة جارك : أي إن أعظم الذنوب وأفحشها بعد
ذنب قتل الولد هو مسافحة زوجة الجار .
(١٨٨)

البحث
أورد البخاري في كتاب الأدب هذا الحديث باللفظ الذي ساقه
المصنف وفي آخره: وأنزل الله تصديق قول النبي عَبَةٍ ﴿والذين
لايدعون مع الله إلها آخر﴾ وأورده البخاري في كتاب التوحيد بلفظ
قال: سألت النبي عَ ◌ّ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن
تجعل لله ندا وهو خلقك)) قلت : إن ذلك لعظيم ، قلت : ثم
أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)) قلت : ثم أي
؟ قال: ((ثم أن تزاني بحليلة جارك)).
مايفيده الحديث
١ - أن أعظم المعاصى هو الشرك بالله عزوجل .
٢ - ثم القتل بغير حق وبخاصة من يقتل ولده خشية الفقر .
٣ - ثم الزنا وبخاصة الزنا بحليلة الجار .
٤ - وجوب صيانة الجار من جميع البوائق .
٥ - وجوب القضاء على عادات أهل الجاهلية .
٧ - وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن
رسول الله عَ ◌ّم قال: ((من الكبائر شَتْمُ الرجل والديه)) قيل: وهل
يسب الرجل والديه ؟ قال: ((نعم، يَسُبُّ أبا الرجل فَيَسُبُّ أباه،
ويَسُبُّ أَمَّه فَيَسُبُّ أَمَّهُ)) متفق عليه .
(١٨٩)

المفردات
من الكبائر : أي من الذنوب العظيمة .
شتم الرجل والديه : أي سب الرجل والديه .
هل يسب الرجل والديه : أي هل يحدث أن يسب الرجل والديه ؟
فهذا في غاية الغرابة والاستبعاد ، لايكاد يتصور وقوعه
من إنسان سَوِيٌّ .
قال : نعم : أي يقع هذا ولكن بطريق غير مباشر .
يسب أبا الرجل فيسب أباه : أي يشتم الإِنسان والد إنسان آخر
فيشتم هذا الآخر أبا الذي سب أباه ، فيكون
قد تسبب في سب والده هو ، ويقع في إثم من سب
والده .
البحث
هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هو لفظ مسلم أما لفظ البخاري فهو
((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجلُ والديه)) قيل: يارسول الله وكيف
يلعن الرجل والديه ؟ قال : ((يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب
أمه)) قال الحافظ في الفتح : قال ابن بطال : هذا الحديث أصل في سد
الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل ، وإن
لم يقصد إلى ما يحرم ، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا
الذين يدعون من دون الله﴾ الآية اهـ
مايفيده الحديث
١ - عظم حق الأبوين .
(١٩٠)

٠
٢ - أنه إذا كان التسبب في لعن الوالدين من أكبر الكبائر فإن
التصريح بلعنهما أشد وأفحش .
٣ - وجوب سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات .
٤ - تحريم التسبب إلى أذية الوالدين .
٥ - أن الحكم قديبني على غالب الظن .
٨ - وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، يلتقيان
فَيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) متفق عليه .
المفردات
لايحل لمسلم : أي لايجوز لمن انقاد إلى أمر الله وشرعه .
أن يهجر أخاه : أي أن يترك مكالمة أخيه إذا تلاقيا ، والمراد بالأخ
هنا هو المسلم .
فوق ثلاث ليال : أي أكثر من ثلاث ليال بأيامها أو ثلاثة أيام
بلياليها .
يلتقيان : أي يتقابلان في طريق أو غيره .
فيعرض هذا ويعرض هذا : أي فيتدابران ولايقبل أحدهما
على الآخر ، ويصد كل واحد منهما عن صاحبه .
وخيرهما الذي يبدأ بالسلام : أي وأحب الرجلين المتهاجرين إلى
(١٩١)

سے
الله تعالى من يسارع إلى مصالحة أخيه المسلم وبدئه
بالسلام .
البحث
من أهم مقاصد الإِسلام تكوين المجتمع المتماسك المترابط المتحاب
المتعاطف المتراحم، ومن أهم مقاصد الشيطان تشتيت شمل المسلمين
وتفريق كلمتهم فقدروى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال :
قال رسول الله عَ ليه: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث
سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول :
فعلت كذا وكذا فيقول : ماصنعت شيئا . قال : ثم يجيء أحدهم
فيقول مازلت حتى فرقت بينه وبين امرأته قال : فيدنيه منه ويقول :
نعم أنت . ولذلك حذر الإِسلام أشد التحذير من أسباب تصدع
المجتمع وتشتت الشمل ، والتدابر بين المسلمين . فحرم التهاجر ،
والتنازع وبين أنه سبب الفشل وذهاب الريح حيث يقول : ﴿ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) وقدروى
البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث،
ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولاتباغضوا ولاتدابروا وكونوا
عباد الله إخوانا)) كما روى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله
عنه أن رسول الله عَوسلم قال: ((لاتباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا
عباد الله إخوانا ولايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) ولفظ
(١٩٢)

البخاري ((فوق ثلاثة أيام)) وقد أخبر رسول الله عَوٍّ أن الله لايغفر ذنوب
المتهاجرين حتى يصطلحا فقدروى مسلم في صحيحه من حديث أبى
هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَ ليه قال: ((تفتح أبواب الجنة يوم
الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت
بينه وبين أخيه شحناء فيقال : أنظروا هذين حتى يصطلحا ، أنظروا
هذين حتى يصطلحا ، أنظروا هذين حتى يصطلحا)) وفي رواية لمسلم من
حديث أبى هريرة رضي الله عنه رفعه قال : تُعرض الأعمال في كل يوم
خميس واثنين فيغفر الله عزوجل في ذلك اليوم لكل امريء لايشرك بالله
شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال : ارْكُوا هذين حتى
يصطلحا ، اركوا هذين حتى يصطلحا)) وفي لفظ لمسلم من حديث أبى
هريرة رضي الله عنه عن رسول الله عَ ليه قال: ((تُعرَضُ أعمال الناس في
كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا
بينه وبين أخيه شحناء فيقال : اتركوا أو اركُوا هذين حتى يفيئا)) وقد أشار
حديث الباب إلى أنه يجوز الهجران في حدود ثلاثة أيام فقط ، وإنما عفى
عن ذلك لأن الإِنسان مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع
ويزول ذلك العارض .
مايفيده الحديث
١ - لايحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم أكثر من ثلاثة أيام .
٢ - يجوز الهجر في ثلاثة أيام فقط.
٣ - أن الذى يبدأ بالسلام والمصالحة هو خير الرجلين وأحبهما
عند الله عزوجل
٠
(١٩٣)

٤ - حرص الإسلام على تماسك المسلمين .
٥ - دقة نظام الإِسلام وشموله .
٩ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ((كُلَّ معروف صدقة)) أخرجه البخاري .
المفردات
كل معروف : أي كل خير وبر ونفع من قول أو فعل يقدمه
المسلم لغيره ولوبدفع الأذى عنه مريدا بذلك وجه الله
صدقة : أي فيه أجر عند الله عزوجل .
البحث
أخرج البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من حديث أبى موسى
الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي عَ ليهِ: ((على كل مسلم صدقة))
قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : ((فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)) قالوا :
فإن لم يستطع أو لم يفعل ؟ قال: ((فيعين ذا الحاجة الملهوف)) قالوا : فإن
لم يفعل؟ قال: فليأمر بالخير أو قال: ((بالمعروف)) قال: فإن لم يفعل ؟
قال : ((فليمسك عن الشر فإنه له صدقة)) وهذا الحديث يفسر حديث
الباب وأن كل شيء يفعله الإِنسان أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة
وليس قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبى موسى: ((على كل مسلم
صدقة)) أن ذلك فرض على المسلم قال في الفتح: ((وقوله: على كل
مسلم صدقة)) أي في مكارم الأخلاق وليس ذلك بفرض إجماعا اهـ هذا وفي
(١٩٤)

لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول
الله عَ لَه: ((كل سُلامَى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه
الشمس)) قال: ((تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته
فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة)) قال: ((والكلمة الطيبة
صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة ، وتميط الأذى عن
الطريق صدقة)) وفيه أيضا تفسير لحديث جابر رضي الله عنه.
مايفيده الحديث
١ - الترغيب في بذل المعروف .
٢ - أن كل خير يفعله الإِنسان بنية صالحة يثيبه الله عزوجل عليه.
٣ - أن الصدقة ليست قاصرة على بذل المال .
١٠ - وعن أبى ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((لاتحقرن من المعروف شيئا، ولوأن تَلْقَى أخاك
بوجه طلق)) .
المفردات
لا تَحْقِرَنَّ : أي لا تَزْدَرِيَنَّ .
من المعروف : أى من الخير .
شيئا : أي مهما كان قليلا .
ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق : أي ولولم تجد من المعروف
(١٩٥)

ما تقدمه لأخيك المسلم إلا أن تتبسم له وتظهر
الفرح بلقائه ، والوجه الطلق هو السهل المنبسط
المستبشر .
البحث
هذا الحديث من أيسر قواعد السلوك فى حسن معاملة الناس
والعمل على توحيد كلمتهم وجمع شملهم ، وطلاقة الوجه وبشاشته مما
لاينبغي للمسلم أن يقصر فيه فهو شيء هين الفعل عظيم الأجر حتى
قيل في المثل : الكرم شيء هين ، وجه بشوش وكلام لين .
مايفيده الحديث
١ - استحباب طلاقة الوجه .
٢ - أن طلاقة الوجه من المعروف الذي يقرب العبد من الله
عزوجل .
٣ - لا يجوز للمسلم أن يحتقر شيئا من المعروف مهما كان .
١١ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَويجٍ: إذا
طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكثر ماءها وتَعَاهَدْ جيرانك)) أخرجهما مسلم .
المفردات
وعنه : أي وعن أبي ذر رضي الله عنه
(١٩٦)

إذا طبخت مرقة : أي إذا أردت طبخ لحم وإنضاجه في ماء .
فأكثر ماءها : أي فأكثر الماء الذي تضعه على اللحم لإِنضاجه
في القِدْرِ .
وتعاهد جيرانك : أي وتفقد أحوال جيرانك واغرف لهم من مرق
قدرك .
أخرجهما مسلم : أي أخرج هذا الحديث والذي قبله مسلم
رحمه الله .
البحث
هذا الحديث أورده مسلم رحمه الله من طريق عبدالعزيز بن
عبدالصمد العَمِّيِّ حدثنا أبو عمران الجَوْنَيُّ عن عبدالله بن الصامت
عن أبى ذر قال: قال رسول الله عَ له: ((يا أباذر إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً
فَأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)) ثم أورده من طريق شعبة عن أبى عمران
الجوني عن عبدالله بن الصامت عن أبى ذر قال : إن خليلي صلى
الله عليه وسلم أوصانى: ((إذا طَبَخْتَ مَرَقًّا فأكثر ماءها ثم انظر
أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف)) .
مايفيده الحديث
١ - الإِرشاد إلى مكارم الأخلاق .
٢ - الحث على بذل المعروف وإن كان يسيرا .
٣ - حسن معاملة الجيران .
(١٩٧)

١٢ - وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((من نَّفَّسَ عن مسلم كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَّسَ
الله عنه كُرْبَةً من كُرَبٍ يوم القيامة، ومن يَسَّرِ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله
عليه فى الدنيا والآخرة ومن سَتَّرَ مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة ،
والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه)) أخرجه مسلم .
المفردات
من نفَّس عن مسلم كُرْبَةً : أي من فَرَّجَ وأزال عن أخيه المسلم
ضيقا وشدة وعُسْرًا .
من كُرَب الدنيا : أي من شدائد الدنيا وبلاياها .
نَفّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة: أي فَرَجَ الله عنه
شدة من شدائد يوم القيامة وخفف عليه من أهوالها.
ومن يسَّر على معسر : أي ومن وسع على محتاج إما بإنظاره إن
کان مدینا له أو بوضع الدين عنه أو بمساعدته بما
يزيل عسرهِ ويُذْهِبُ همه .
يسَّر الله عليه فى الدنيا والآخرة : أي سهل الله له سُبُلَ سعادته
في معاشه ومعاده ووسَّع عليه .
ومن ستر مسلما : أي ومن حال دون فضيحة المسلم ولم يكشف
سوءته ، ولم يظهر عورته .
ستره الله فى الدنيا والآخرة : أي لايفضحه الله فى الدنيا والآخرة
(١٩٨)

بل يغفر ذنبه ويستر عورته ويحفظه عن كل مايخزيه
فى دنياه وأخراه .
والله فى عون العبد : أي والله فى مساعدة العبد وتأييده .
ما كان العبد في عون أخيه : أي مادام هذا العبد يسعى فى
مساعدة أخيه المسلم وتأييده .
البحث
أورد مسلم هذا الحديث في صحيحه في سياق أحاديث فضل
الذكر والدعاء والاجتماع على تلاوة القرآن من طريق أبى معاوية عن
الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله
عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يَسَّر الله
عليه فى الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة
والله فى عون العبد ماكان العبد فى عون أخيه ، ومن سلك طريقا
يلتمس فيه علما سَهَّلَ الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم فى
بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت
عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله
فيمن عنده ، ومن بَطَأ به عمله لم يُسْرِعْ به نسبُه)) ويظهر أن
الصنعاني رحمه الله لم يطلع على هذا الحديث فى صحيح مسلم
فقال: هذا ليس فى مسلم كما قال الشارح وقد أخرجه غيره اهـ وقول
الصنعاني رحمه الله: لفظ مسلم: ((من فرج)) يشعر أن الصنعاني
(١٩٩)

رحمه الله هو والشارح لما يطلعا على هذا الحديث وإنما اطلعا على
لفظ مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: ((المسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يُسْلِمُهُ، من
كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة
فَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره
الله يوم القيامة)) وهو غير حديث الباب ، ولكنه حسبه هو . وهذا
الحديث - كما قال النووي - حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم
والقواعد والآداب .
مايفيده الحديث
١ - فضل قضاء حوائج المسلمين .
٢ - الحض على نفع المسلمين بماتيسر من علم أو مال أو معاونة
أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك .
٣ - فضل الستر على المسلمين .
٤ - فضل إنظار المعسر .
٥ - الحض على التعاون بين المسلمين على الخير .
*
١٣ - وعن أبى مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله
عَّ له: ((من دلَّ على خير فَلَهُ مثلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ) أخرجه مسلم.
المفردات
دل على خير : أي هدى إلى عمل من أعمال البر والخير وأرشد
(٢٠٠)