النص المفهرس

صفحات 81-100

الذي يأتي بالشهادة : أي خير الشهداء هو الذي يؤدي الشهادة
قبل أن يُسْأَلَهَا : أي قبل أن تُطْلَبَ منه الشهادة .
البحث
لفظ هذا الحديث عند مسلم: ((ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الذي
يأتي بشهادته قبل أن يُسْأَلَهَا)) ولامعارضة بين هذا الحديث ، بين
الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب وهو حديث عمران بن حصين
رضي الله عنهما المتفق عليه المشعر بذم من يأتي بالشهادة قبل أن
يُسْأَلَهَا لقول رسول الله عَ ◌ّ فيه ((يَشْهَدُوْنَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ ويخونون
ولا يُؤْتَمِنُونَ)) أقول لامعارضة بين حديث زيد بن خالد الجهني وحديث
عمران بن حصين لأن حديث زيد بن خالد محمول على من كانت
عنده شهادة لإِنسان بحق ولايعلم ذلك الإِنسان أنه شاهد فيأتي إليه
فيخبره بأنه شاهد له لأنها أمانة له عنده ، فيساعده على الحق ويدفع
عنه الظلم ، وكذلك شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى ، أما
حديث عمران بن حصين فهو ماكان في غير ما تقدم حيث يكون
لصاحب الحق شهود غيره وقديستضر بشهادة هذا الشاهد إذا تقدم
للشهادة من غير طلب ، مع أنه في غِنَّى عن شهادته ، وسيأتي
مزيد بحث لهذا في الحديث الذي يلي هذا الحديث إن شاء الله تعالى
مايفيده الحديث
١ - استحباب المبادرة بأداء الشهادة في الحسبة لإِعزاز شرع الله
٢ - استحباب المبادرة بأداء الشهادة إذا كان الشاهد يعلم أن
عدم شهادته يُضَيِّعُ الحق حيث يكون المشهود له لايعلم بهذا
(٨١)

الشاهد وليس له غيره .
٣ - حرص الإسلام على حماية حقوق الناس .
٢ - وعن عمران بن حُصَينٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله عَ ◌ّه: (إنَّ خيركم قَرْنِي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
ثم يكون قوم يَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُون، ويخونون ولا يُؤْتَمَنُون، وَيَنْذِرُونَ
وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ)) متفق عليه.
المفردات
إن خيركم قرني : أي إن أفضل المسلمين هم أهل زمني المعاصرون لي
الذين يلونهم : أي ثم يليهم في الفضل والخيرية
ثم
التابعون لهم بإحسان فهم في المرتبة الثانية بعد مرتبة
أصحاب رسول الله عَّ اللّه
عَلَيَّةٍ ورضي الله عنهم .
ثم الذين يلونهم : أي ثم يليهم في الفضل والخيرية أتباع التابعين
بإحسان فهم أصحاب المرتبة الثالثة في الفضل
والخيرية
.
ثم يكون قوم : أي ثم يوجد نَاسٌ .
يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدُونَ : أي يتقدمون لأداء الشهادة وهي لم
تَطْلَبْ منهم .
ويخونون ولا يُؤْتَمَنُونَ : أي ويضيعون الأمانة، ولايثق الناس بهم
ولايعتقدونهم أمناء ، لظهور خيانتهم .
(٨٢)

وينْذِرُونَ ولا يوفون: أي ويُلْزِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بحقوق لله تعالى
ولايؤدونها بعد أن التزموا بها ، وينذرون بفتح الياء
وكسر الذال ، ويجوز ضمها .
وَيَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ : أي ويحبون التوسع في المآكل والمشارب ،
وتفتح لهم الدنيا ، فتكبر بطونهم وتكتنز أجسامهم ،
وهذا يؤدي في الغالب إلى الكسل عن العبادة .
وقد تحقق ماأخبر به رسولُ الله عَ ليه
البحث
أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الشهادات من طريق شعبة
حدثنا أبوجمرة قال : سمعت زَهْدَمَ بن مُضَرِّبٍ قال : سمعت عمران
ابن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي عَ ◌ّه: خيركم قرني ثم
الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، قال عمران : لاأدري أَذَكَرَ النبيُّ
صلى الله عليه وسلم بَعْدُ قرنين أو ثلاثة ، قال النبي صلى الله عليه
وسلم : ((إن بَعْدَكُمْ قوما يخونون ولا يؤْتَمَنُونَ، ويشهدون ولا يُسْتَشْهَدُونَ
ويَنْذِرُونَ ولا يَقُونَ، ويظهر فيهم السِّمَنُ . وساقه في فضائل أصحاب
النبي عَ لٍ من طريق شعبة بنفس السند عن عمران بن حصين رضي
الله عنهما يقول: قال رسول الله عَ ليه: ((خير أمتي قرني، ثم
الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم قال عمران : فلاأدري أذكر بعد قرنه
قرنين أو ثلاثة ، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولايُسْتَشْهَدُونَ ، ويخونون
ولا يُؤْتَمَنُون ، وينذرون ولايوفون ، ويظهر فيهم السمن . وأورده في باب
(٨٣)

إثم من لايفي بالنذر من كتاب الأيمان والنذور بنفس السند وفيه :
قال عمران : لاأدري أذكر ثنتين أو ثلاثا بعد قرنه ، ثم يجيء قوم
ينذرون ولايفون ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُسْتَشْهَدُونَ ويظهر
فيهم السمن اهـ وقدساقه مسلم من طريق شعبة بنفس سند
البخاري إلى عمران رضي الله بلفظ : إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران : فلا أدري أقال رسولُ
الله عَّه بعد قرنه مرتين أو ثلاثة ثم يكون بعدهم قوم الح الحديث
باللفظ الذي ساقه المصنف وفي لفظ لمسلم : ولايفون ، وقد أخرج
البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من حديث عبدالله بن مسعود رضي
الله عنه أن النبي عَّه قال : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم
الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينَه ويمينُه شهادته
وفي لفظ لمسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: سئل
رسول الله عَّةٍ أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم ثم
الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تَبْدُرُ شهادة أحدهم يمينه وتَبْدُرُ يمينه
شهادته ، وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله عَّ له ((خير أمتي القَرْن الذين بعثت فيهم ثم الذين
يلونهم - والله أعلم أَذَكَرَ الثالث أم لا ؟ - قال: ((ثم يَخْلُفُ قومٌ
يُحِبُّونَ السَّمانَةَ، يَشْهَدُونَ قبل أن يُسْتَشْهَدُوا.)).
مایفیده الحديث
١ - كراهية التسرع في أداء الشهادة من غير تثبت فيها أو
حاجة إليها .
(٨٤)

٢ - أن أفضل الأمة هم أصحاب رسول الله عَبٍ ثم التابعون
صَلىالله
لهم بإحسان ثم أتباع التابعين بإحسان .
٣ - معجزة رسول الله عَوبة في وقوع ماأخبر بأنه سيكون، فكان
صِّىالله
على ما أخبربه عَ ليه .
٤ - وجوب الوفاء بالنذر .
٥ - تحريم الخيانة والغدر .
٦ - لاينبغي للمسلم أو المسلمة أن يحرص على السَّمانة .
٧ - الإسلام جاء بخير الدنيا والآخرة .
****
٣ - وعن عبدالله بن عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله عَ له: ((لاتجوز شهادة خائن ولاخائنة، ولاذي غمر
على أخيه ، ولاتجوز شهادة القانع لأهل البيت)) رواه أحمد وأبوداود
المفردات
عبدالله بن عمرو : وقع في بعض نسخ سبل السلام : عبدالله
ابن عمر وهو تحریف .
لاتجوز شهادة خائن ولاخائنة : أي لاتقبل شهادة غير المعروفين
بالأمانة والعدالة من الرجال أو النساء .
ولاذي غمر على أخيه : أي ولاتقبل شهادة صاحب حقد على
من يحقد عليه ومن عرفت بينهم العداوة والشحناء .
والغَمَر بفتح الغين والميم هو الحقد والغل .
(٨٥)

القانع : قيل هو الخادم الذى يكون في خدمة أهل بيت
فلاتقبل شهادته لهم يعني لاتقبل شهادة الخادم
لمخدومه، والقانع يطلق على المسكين المتعفف الذي
لايسأل ويطلق على السائل ومنه قوله تعالى :
﴿وأطعموا القانع والمُعْتَرَّ﴾ وقدنقل ابن جرير في
تفسيره عن مجاهد : القانع : الطامع بما قِبَلَكَ
ولايسألك ثم قال ابن جرير : وقال آخرون : القانع
هو السائل اهـ . ومن هذا قول الشماخ :
لَمَالُ المرءِ يُصْلِحُه فَيُغْنِي
مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ من القُنُوعِ
لأهل البيت : أي لأهل الدار الذين يحتاج لهم هذا القانع ويطمع
فيما عندهم من عطاء .
البحث
هذا الحديث أخرجه أبوداود من طريق محمد بن راشد ثنا سليمان
ابن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله
عَ لّهِ رَدَّ شهادة الخائن والخائنة وذي الغَمَر على أخيه ، ورد شهادة
القانع لأهل البيت ، وأجازها لغيرهم ، ثم ساق أبوداود من طريق
سعيد بن عبدالعزيز عن سليمان بن موسى بإسناده قال : قال رسول
الله عَوَةٍ: لاتجوز شهادة خائن ولاخائنة، ولازان ولازانية، ولاذي
غَمر على أخيه . اهـ وسليمان بن موسى قال في التقريب: فيه لين
(٨٦)

وسند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تقدم مراراً ، وقد رواه ابن
ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده وحجاج كثير التدليس وقد عنعنه وقال في تلخيص الحبير :
حديث : لاتقبل شهادة خائن ولاخائنة ولازان ولازانية ، أبوداود وابن
ماجه والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ،
وسياقهم أتم ، وليس فيه ذكر الزاني والزانية إلا عند أبي داود ،
وسنده قوي ، ورواه الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة
وفيه يزيد بن زياد الشامي وهو ضعيف ، وقال الترمذي : لايعرف هذا
من حديث الزهري إلا من هذا الوجه ، ولايصح عندنا إسناده ، وقال
أبوزرعة في العلل : منكر ، وضعفه عبدالحق وابن حزم وابن الجوزي
ورواه الدارقطني والبيهقي من حديث عبدالله بن عمرو وفيه عبدالأعلى
وهو ضعيف ، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي ضعيف ، قال البيهقي
لايصح من هذا شيء عن النبي عَوبيٍ اهـ على أن عدالة الشهود قد
نَبَّه عليها القرآن الكريم في قوله عزوجل: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ
منكم﴾ فينبغي رد الشهادة عند وجود ما يقدح فيها . والله تعالى
أعلم .
٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم قال : ((لاتجوز شهادة بَدَوِيٌّ على صاحب قَرْيَةٍ)) رواه
أبوداود وابن ماجه .
المفردات
لا تجوز شهادة : أي لاتقبل شهادة .
(٨٧)

بدوي : أي أعرابي من سكان البادية .
على صاحب قرية : أي على حَضَرَيِّ يعني من سُكَّان القرى
والمدن ، فالقرية قدتطلق على البلدة الصغيرة والمدينة
العظيمة ومنه قوله تعالى : ﴿وكأين من قرية هي
أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم
فلاناصر لهم﴾ وكقوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا
أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون﴾ ثم قال عزوجل:
﴿وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال ياقوم
اتبعوا المرسلين﴾ .
البحث
هذا الحديث رواه أبوداود من طريق أحمد بن سعيد الهمداني أخبرنا
ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد عن ابن الهاد عن
محمد بن عمرو بن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال
ابن ماجه : حدثنا حرملة بن يحيى ثنا عبدالله بن وهب أخبرني نافع
ابن يزيد عن ابن الهاد عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن
يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال البيهقي : هذا الحديث مما
تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار اهـ وقال
المنذري : رجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحهاهـ قال ابن
رسلان : حملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل
البدو اهـ وقال الخطابي : يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو
(٨٨)
.

لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على
حقها لقصور علمهم عما يغيرها عن وجهها اهـ ويبدو أن المراد
بالبدوي هنا هو الذي لايستقر بمكان فيصعب استحضاره لأداء
الشهادة كما يصعب استحضار من يزكيه مع مايغلب على مثله من
الجهل بأحكام الشريعة وحقوق الشهادة قال ابن قدامة في المغني :
إِنَّ مَنْ قُبِلَتْ شهادته على أهل البدو قُبِلَتْ شَهَادَتْهُ على أهل القرية
كأهل القرى ، ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل
البدو ، ونخصه بهذا لأن الغالب أنه لايكون له من يسأله الحاكم
فيعرف عدالته اهـ .
٥ - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال :
إن أُناسًا كانوا يُؤْخَذُونَ بالوحي في عهد رسول الله عَ ◌ّله، وإن
الوحي قدانقطع ، وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. رواه
البخاري .
المفردات
إن أناسا : أي إن طائفة من الناس .
كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله عَ ◌ّةٍ : أي كان يعرف
صادقهم من كاذبهم بواسطة إعلام الله تعالى رسولَه
صلى الله عليه وسلم عنهم بواسطة الوحي ، الذي
يأتي بأخبارهم في زمن رسول الله عَ ليه .
وإن الوحي قدانقطع: أي وإن رسول الله عَ لّه قد لحق بالرفيق الأعلى
(٨٩)

فانقطع مجيء الملَكِ من عند الله تعالى بأخبار الناس
وَرُفِعَ الوحي .
وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم : أي وإن من أظهر
منكم خيرا ظَنَنَّا به خيرا وأحْبَيْنَاهُ عليه وحكمنا
بعدالته، ومن أظهر لنا منكم شرا وسُوءًا ظننًا به شرا
وَأَبْغَضْنَاهُ عليه وحاسبناه به ، وسرائركم بينكم وبين
ربكم ، فَلَنَا الظاهر والله يتولى السرائر .
البحث
هذا الحديث أورده البخاري في كتاب الشهادات في باب الشهداء
العُدُول وقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ و ﴿ممن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ من طريق حميد بن عبدالرحمن بن عوف أن
عبدالله بن عتبة قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول
إن أُناسا كانوا يُؤْخَذُونَ بالوحي في عهد رسول الله عَ ◌ّه، وإن
الوحي قدانقطع، وإنما نَأْخُذُكُمْ الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ،
فمن أظهر لنا خيرا أَمِنَّه وَقَبْنَاه ، وليس إلينا من سَرِيِرَتِهِ شيءٍ ،
والله يحاسبه في سريرته ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لم نَأَمَنْهُ ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ،
وإن قال إن سريرته حسنة اهـ .
مايفيده الحديث
١ - قبول شهادة العدل الرضا .
٢ - رد شهادة الفاسق والمتهم.
(٩٠)

٣ - أن مبنى العدالة هو ظهور استقامته وانعدام تهمته.
٤ - معاملة الناس بمايظهر منهم وترك سرائرهم لله عزوجل .
٦ - وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي عَ لّه أنه عَدَّ
شهادة الزُّور من أكبر الكبائر)) متفق عليه في حديث طويل .
المفردات
عَدَّ شهادة الُّورِ من أكبر الكبائر : أي ذكر شهادة الزور
وصَنَّفَهَا في أكبر الكبائر وجعلها منها وهو يحصى أكبر
الكبائر وَيَعُدُّهَا ، والُّور : هو الكذب والباطل ،
ومادته تدور على التزويق والتحسين والميل والانحراف ،
وأكبر الكبائر هي أعظم المعاصي وأقبح الذنوب
وأفحش السيئات وأخبثها، وقال في لسان العرب : والزور
شهادة الباطل وقول الكذب ولم يشتق من تزوير
الكلام ولكنه اشتق من تزوير الصدر اهـ .
البحث
أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الشهادات في باب ماقيل في
شهادة الزور من طريق الجُرَيْرِي عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه
رضي الله عنه قال: قال النّبيّ عَ له: ((ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟)) ثلاثا ، قالوا : بلى يارسول الله قال: الإِشراك بالله،
وعقوق الوالدين)) وجلس، وكان متكئا، فقال: ((ألاوقول الزُّور))
(٩١)

قال : فمازال يكررها حتى قلنا : ليته سكت. وساقه في كتاب
استتابة المرتدين من طريق سعيد الجُرَيْرِيِّ أيضا بنفس السند وبلفظ :
قال النبي عَ ◌ّةٍ: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين
وشهادة الزور وشهادة الزور)) ثلاثا أو قول الزور)) فمازال يكررها
حتى قلنا : ليته سكت اهـ وساقه مسلم من طريق سعيد الجريري
أيضا بنفس سند البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : كنا
جلوسا عند رسول الله عَ له فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟))
ثلاثا، ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور))
وكان رسول الله عَ لّم متكئا فجلس فمازال يكررها حتى قلنا : ليته
سكت اهـ هذا وقدأخرج البخاري ومسلم نحو حديث أبي بكرة
رضي الله عنه من طريق شعبة عن عبيدالله بن أبي بكر بن أنس بن
مالك عن أنس بن مالك رضي الله عنه . هذا وقدقرن الله تبارك
وتعالى شهادة الزور بالشرك بالله حيث قال : ﴿فاجتنبوا الرجس من
الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ .
مايفيده الحديث
١ - انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر وأن الكبائر متفاوتة
فبعضها أكبر من بعض .
٢ - أن شهادة الزور من أكبر الكبائر .
٣ - صيانة حقوق الإِنسان في الإِسلام.
(٩٢)

٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لرجل: ((ترى الشمس؟)) قال: نعم، قال: ((على مثلها
فَاشْهَدْ أَو دَعْ)) أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف ، وصححه الحاكم
فأخطأ .
المفردات
قال الرجل : أي قال لسائل سأله عن الشهادة .
ترى الشمس : أي أتبصر الشمس بعينك وتشاهدها ؟ .
قال : نعم : أي قال الرجل : نعم أنا أرى الشمس وأشاهدها .
على مثلها فاشهد : أي فلا تشهد إلا إذا كنت مشاهدا لما تشهد
به كما تشاهد الشمس ، يعني لا تشهد إلا بما علمته
واستيقنته .
أو دَعْ : أي أو اترك الشهادة إذا كنت شاكا فيها غير مستيقن لها.
فأخطأ : أي فلم يصب الحاكم في تصحيح هذا الحديث .
البحث
قال في تلخيص الحبير : حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سئل
عن الشهادة فقال للسائل: ((ترى الشمس؟)) قال: نعم ، فقال :
((على مثلها فاشهد، أو دع)) العقيلي والحاكم وأبونعيم في الحلية وابن
عدي والبيهقي من حديث طاوس عن ابن عباس ، وصححه الحاكم ،
وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول وهوضعيف ، وقال البيهقي :
(٩٣)

لم يرو من وجه يعتمد عليه اهـ هذا وقدترجم له ابن عدي في
الكامل فقال : محمد بن سليمان بن مسمول المسمولي المخزومي
المكي، ثم قال : حدثنا يوسف بن عاصم الرازي نا سليمان
الشاذكوني نا محمد بن سليمان المخزومي عن عبيدالله بن سلمة بن
وهرام عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس عن النبي عَ لّم قال :
لاتشهد على شيء حتى تكون أضوأ من الشمس ، وقال ابن عدي :
عامة مايرويه لايتابع عليه متنا أو إسنادا اهـ وقال النسائي : مكي
ضعيف ، وقال أبوحاتم : ضعيف . وقال البخاري : سمعت
الحميدي يتكلم في محمد بن سليمان بن مسمول المسمولي المخزومي اهـ
ومسمول بالسين المهملة لابالشين المعجمة .
٨ - وعنه رضي الله عنه أن رسول الله عَوبيةٍ قضى بيمين وشاهد،
أخرجه مسلم وأبوداود والنسائي وقال : إسناده جيد .
المفردات
وعنه : أي وعن ابن عباس رضي الله عنهما .
قضى : أي حكم في قضية .
بيمين وشاهد: أي كان للمدعي شاهد واحد فأمره عَ ةٍ أن يحلف
على مايدعيه بدلا عن الشاهد الثاني وقضى بتحليف
المدعي وقبول شهادة الشاهد الواحد مع هذا اليمين
(٩٤)
٠

من المدعي فتكون بينة كاملة يستحق بها المدعي
ما ادعاه على المدعى عليه .
البحث
هذا الحديث رواه مسلم من طريق زيد (وهو ابن حُبَاب) حدثني
سيف بن سليمان أخبرني قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن
عباس أن رسول الله عَطّ قضى بيمين وشاهد . قال في تلخيص
الحبير: حديث ابن عباس أن النبي عَلٍ قضى بشاهد ويمين .
مسلم وأبوداود وابن ماجه والحاكم والشافعي وزاد فيه عن عمرو بن
دينار أنه قال : وذلك في الأموال . قال الشافعي : وهذا الحديث
ثابت لايرده أحد من أهل العلم لولم يكن فيه غيره مع أن معه غيره
مما يشده ، وقال النسائي: إسناده جيد ، وقال البزار : في الباب
أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس ، وقال ابن عبدالبر :
لامطعن لأحد في إسناده - كذا قال - وقدقال عباس الدوري في
تاريخ يحيى بن معين عنه : ليس بمحفوظ ، وقال البيهقي : أعله
الطحاوي بأنه لايعلم قيسا يحدث عن عمرو بن دينار بشيء ، قال :
وليس مالايعلمه الطحاوي لايعلمه غيره ، ثم روى بإسناده حديثا من
طريق وهب بن جرير عن أبيه عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار
بحديث الذي وقصته ناقته وهو محرم ، قال : وليس من شرط قبول
الأخبار كثرة رواية الراوي عمن روى عنه ، بل إذا روى الثقة عمن
لاينكر سماعه منه حديثا واحدا وجب قبوله ، وإن لم يروه عنه غيره ،
(٩٥)

على أن قيسا قدتوبع عليه ، رواه عبدالرزاق عن محمد بن مسلم
الطائفي عن عمرو بن دينار أخرجه أبوداود اهـ وقدروى نحوه عن
جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما قال في التلخيص : حديث أبي هريرة
أن النبي عَ ◌ّه قضى بالشاهد واليمين . الشافعي وأصحاب السنن وابن
حبان قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه : هو صحيح ، ورواه
البيهقي من حديث مغيرة بن عبدالرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة ، ونقل عن أحمد أن حديث الأعرج ليس في الباب
أصح منه اهـ وقال في فتح الباري : ورجاله مدنيون ثقات اهـ هذا
وقدنقل ابن قدامة في المغني أن العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه
لاتثبت بشاهد ويمين قولا واحدا اهـ هذا ولامعارضة بين حديث الباب
وبين قوله تعالى : ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ فإن السنة تخصص
عموم الكتاب وتقيد مطلقه وتبين مجمله ، وهذا من هذا الباب . والله
أعلم . هذا ويعتبر هذا الحكم استثناء من القاعدة التي دل عليها
الحديث الأول من أحاديث (باب الدعاوى والبينات) الذي يقرر أن
اليمين على المدعى عليه ، والله أعلم .
مايستفاد من ذلك
١ - يجوز للقاضي أن يحكم في الأموال بيمين المدعي وشاهده
الواحد إذا لم يكن له غيره .
٢ - أن الحدود والقصاص وسائر العقوبات البدنية والنكاح
وحقوقه لاتثبت بشاهد ويمين .
٣ - أن السنة قدتقيد مطلق القرآن وتخصص عمومه وتبين مجمله
(٩٦)

٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه مِثْلُه . أخرجه أبو داود
والترمذي وصححه ابن حبان .
المفردات
مِثْلُه : أي مثل حديث ابن عباس في القضاء باليمين والشاهد .
البحث
تقدم في بحث الحديث السابق ماذكره الحافظ ابن حجر في
تلخيص الحبير عن حديث أبي هريرة هذا ، وقد أخرجه أبوداود
والترمذي من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة بن أبي
عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد . زاد الترمذي
الواحد وقال الترمذي : حديث حسن غريب
مايفيده الحديث
١ - جواز القضاء بيمين المدعي وشاهده الواحد في بعض
القضايا كماتقدم في الحديث السابق
٢ - أن السنة قد تخصص عموم القرآن وتبين مجمله وتقيد مطلقه
كماتقدم في الحديث السابق .
(٩٧)

باب الدَّعَاوَى والبَيِّنَات
١ - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((لو يُعْطَى الناسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى ناس دماء رجال
وأموالَهُمْ، ولكن اليمين على المُدَّعَى عَلَيْه)) متفق عليه ، وللبيهقي
بإسناد صحيح ((البينة على المُدَّعِي واليمين على مَنْ أنكر)).
المفردات
الدَّعَاوَى : جمع دعوى قال الشريف الجرجاني في التعريفات :
الدعوى مشتقة من الدعاء وهو الطلب ، وفي
الشرع قول يطلب به الإِنسان إثبات حق على
الغير اهـ
والبينات : جمع بينة وهي ماأظهر الحق وأثبته للمدَّعِي من شهادة
أو قرائن ظاهرة
لو يعطي الناس بدعواهم : أي لو أن كل من ادعى حقا على غيره
أجيب إليه بلاحجة
لَادَّعَى ناس دماء رجال وأموالهم : أي لاجترأ بعض الناس ممن
لايخافون الله عزوجل فطلبوا إزهاق أرواح بريئة
ونزع أموال من أيدي أهلها بغير حق
ولكن اليمين علي المدَّعَى عليه : اي ولكن لابد للمدعي من البينة
فإذا لم يكن له بينة ، وجه اليمين على المدَّعَى عليه
(٩٨)

فإن حلف المدعى عليه سقطت دعوى المدعي
وللبيهقي : أي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
واليمين على من أنكر : أي والحلف على المدعى عليه
إن أنكر دعوى المدعى ونفي أن يكون للمدعى
عنده مايدعيه .
البحث
حديث ابن عباس أخرجه البخاري مختصرا في الرهن في باب ((إذا
اختلف الراهن والمرتهن ونحوه فالبينة على المدعي واليمين على المدعى
عليه)) من طريق نافع بن عمر وهو (الجمحي) عن ابن أبي مليكة قال
كتبت إلى ابن عباس فكتب إلىَّ: أن النبي عَ لّمِ قضى أن اليمين
على المدعى عليه ، وساقه في الشهادات من طريق نافع بن عمر
بنفس هذا السند ولفظه ، وساقه في تفسير سورة آل عمران من
طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت
وفي الحجرة فخرجت إحداها وقد أُنْفِذَ بإشْفَى في كَفِّها فَادَّعَت على
أخرى فرفع إلى ابن عباس فقال ابن عباس : قال رسول الله عَةٍ :
((لويُعْطَى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم)) ذكروها بالله
واقرءوا عليها ، ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ فذكّرُوها فاعترفت ،
فقال ابن عباس: قال النبي عَّةِ: ((اليمين على المدعى عليه)) اهـ
و قوله في الحديث (بِإِشْفَى) قال في القاموس: والإِشْفَى:
(٩٩)

المِثْقَب والسِّرَادُ يُخْرَزُ به اهـ وقال في القاموس أيضا: السَّرْدُ :
الخَرْزُ في الأُديم كالسِّرَادِ بالكسر والثَّقْبُ اهـ أما مسلم رحمه الله فقد
أخرجه من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس باللفظ
الذي ساقه المصنف رحمه الله ثم أخرجه من طريق نافع بن عمر عن
ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله عَ له قضى باليمين على
المدعى عليه اهـ قال في الفتح : وأخرجه البيهقي من طريق عبدالله
ابن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة قال :
كنت قاضيا لابن الزبير على الطائف فذكر قصة المرأتين فكتبت إلى
ابن عباس فكتب إليَّ أن رسول الله عَ المه قال: ((لويعطى الناس
بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعى
واليمين على من أنكر )) وهذه الزيادة ليست في الصحيحين ، وإسنادها
حسن ثم ذكر الحكمة في كون البينة على المدعى واليمين على من
أنكر فقال : وقال العلماء : الحكمة في ذلك لأن جانب المدعى
ضعيف لأنه يقول خلاف الطاهر فكلف الحجة القوية وهى البينة
لأنها لاتجلب لنفسها نفعا ولاتدفع عنها ضررا ، فيقوى بها ضعف
المدعى ، وجانب المدعى عليه قوى لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفى منه
باليمين وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع الضرر
فكان ذلك في غاية الحكمة اهـ هذا وقد كان أهل الجاهلية يثبتون
الحق بأحد ثلاثة أشياء وهى البينة أو اليمين أو النّفَار قال زهير بن أبي
سلمى المزنى : >
(١٠٠)