النص المفهرس

صفحات 61-80

ويستفرغ وسعه في معرفة حكم الله فيها .
٣ - وأن القاضي إذا اجتهد ثم حكم وأصاب فله أجران .
٤ - وأن القاضي إذا اجتهد فحكم وأخطأ في الحكم فله أجر واحد
٥ - لابد أن يكون القاضي من أهل العلم القادرين على استنباط
الأحكام من قواعد الشريعة العارفين بأصول الفقه .
٥ - وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله
صل الله
. يقول : لايَحْكُمْ أحدٌ بين اثنين وهو غضبان . متفق عليه .
عاوسة
المفردات
لايحكم : أي لايقْضٍ ولايفصل .
أحدٌ : أي قاض وحكَمٌ .
بين اثنين : أي بين خصمين .
وهو غضبان : أي حال كونه ثائر النَّفْس في غير رِضَّى واطمئنان
لأن ذلك يشغله عن استيفاء النظر لعدم استقامة الفكر لأن
غضب الإِنسان كجمرة تُلْقَى في جوفه فتؤدي إلى انتفاخ
ودجيه ، واحمرار وجهه ، فيعتل تفكيره ويصعب عليه
إقامة العدل بين المتخاصمين .
البحث
أخرج البخاري هذا الحديث من طريق عبدالرحمن بن أبي بكرة
قال : كتب أبوبكرة إلى ابنه وكان بسجستان بأن لاتقضي بين اثنين
وأنت غضبان فإني سمعت النبي عٍَّ يقول: ((لايَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بين
(٦١)

اثنين وهو غضبان)) وأخرجه مسلم من طريق عبدالرحمن بن أبي بكرة
قال : كَتَبَ أَبي (وَكَتَبْتُ له) إلى عبيدالله بن أبي بكرة وهو قاض
بسجستان أَن لَاتَحْكُمَ بين اثنين وأنت غضبان فإني سمعت رسول
الله عَ لَّه يقول: ((لايَحْكُمْ أحد بين اثنين وهو غضبان)) اهـ وقوله
في حديث مسلم (وكتبت له) أي وكنت أنا الكاتب لأبي لماكتب
لأخي عبيدالله . هذا ولامعارضة بين هذا الحديث وحكم رسول الله
عَّةٍ للزبير في شراج الحرة يعني مسايل الماء بالحرة حيث قال للزبير:
اسق ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري ! أن كان ابن عمتك ؟
فغضب رسول الله عَ ◌ّةٍ وقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ
الجدر)) وهذا في الصحيحين ، أقول: لامعارضة بينهما لأن النبي
سَّ اله لايقول في الغضب إلا ما يقول في الرضا، وهو المعصوم عَ ل.
مايفيده الحديث
١ - النهي عن الحكم حالة الغضب .
٢ - النهي عن الحكم حالة وجود شيء يشوش على القاضي
ويذهله عن استيفاء النظر في القضية .
٣ - حرص الإسلام على إقامة العدل وصيانة الحقوق .
٦ - وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا
تَقَضَى إليك رجلان فلاتَقْض للأول حتى تسمع كلام الآخَر ،
فسوف تدري كيف تقضي)) قال علي فَمَازِلْتُ قاضيا بعدُ . رواه أحمد
(٦٢)

وأبوداود ، والترمذي وحسَّنه ، وقواه ابن المديني ، وصححه ابن حبان ،
وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس .
المفردات
إذا تقاضى إليك رجلان : أي إذا احتكم إليك خَصْمَان وجلسا
بین یدیك.
فلاتقض للأول : اي فلاتحكم بمجرد سماع دعوى المدعي
ولا تفصل في القضية بمجرد سماع كلام المتكلم أولًا .
حتى تسمع كلام الآخر : أي لاتفصل في القضية حتى تسمع
كلام المدعي وجواب المدعى عليه .
فسوف تدري كيف تقضي : أي فسوف يتضح لك من كلام
المدعي والمدعى عليه طبيعة الدعوى ويتبين لك
كيف تحكم .
فمازلت قاضيا بعد : أي فمازلت أحسن القضاء بعد سماع توجيه
رسول الله عَ بِيلٍ والعمل بوصيته صلوات الله
وسلامه ورحمته وبركاته عليه وعلى آله وصحبه .
وله : أي ولحديث علي رضي الله عنه هذا .
البحث
لفظ هذا الحديث عند أبي داود من طريق سماك بن حرب عن
حنش عن علي رضي الله عنه قال: ((بعثني رسول الله عَ بٍ إلى اليمن
(٦٣)

قاضيا ، فقلت : يارسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولاعلم لي
بالقضاء ؟ فقال: ((إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك ، فإذا
جلس بين يديك الخصمان فلاتقضين حتى تسمع من الآخر كما
سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء)) قال فمازلت
قاضيا أو ماشككت في قضاء بعد . وقدأخرجه الترمذي أيضا من
طريق سماك بن حرب عن حنش عن علي باللفظ الذي ساقه المصنف
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن اهـ وحنش في هذا السند هو
ابن المعتمر الكوفي قال في التقريب : صدوق له أوهام ويرسل من
الثالثة وأخطأ من عده في الصحابة اهـ قال في تلخيص الحبير عن
طرق هذا الحديث : أحسنها رواية البزار عن عمرو بن مرة عن
عبدالله بن سلمة عن علي وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام واختلف
فيه على عمرو بن مرة فرواه شعبة عنه عن أبي البختري قال : حدثني
من سمع عليا . أخرجه أبويعلى وإسناده صحيح لولا هذا المبهم ،
ومنهم من أخرجه عن أبي البختري عن علي كما سيأتي ومنها رواية البزار
أيضا عن حارثة بن مصرف عن علي قال : وهذا أحسن أسانيده،
ومنها وهي أشهرها رواية أبي داود وغيره من طريق سماك عن حنش
ابن المعتمر عن علي ، وأخرجها النسائي في الخصائص والحاكم
والبزار وقد رواه ابن حبان من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس
عن علي ومنها رواية ابن ماجه من طريق أبي البختري عن علي
وهذا منقطع وأخرجها البزار و الحاكم اهـ قال أبوحاتم : لم يسمع
أبوالبختري واسمه سعيد بن فيروز من علي ولم يدركه اهـ ،
(٦٤)

٧ - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون اَلْحَنَ
بحجته من بعض ، فَأَقْضِيَ له على نحو ماأسمع منه ، فمن قطعت له
من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار)) متفق عليه .
المفردات
تختصمون إلَّ : أي تترافعون في قضاياكم ومنازعاتكم عندي.
ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض : أي وعسى أن
يكون أحد الخصمين أبلغ وأفطن وأقدر على إيراد
دعواه ضد خصمه بما يُظْهِرُ أن الحق معه حتى
ولوكان كاذبا في نفس الأمر .
فأقضي له على نحو ماأسمع منه : أي فأحسب أنه صادق فأقضى
له بحق أخيه .
فمن قطعت له من حق أخيه شيئا : أي فمن حكمت له بشيء
ليس من حقه وإنما هو من حق خصمه . والمراد
بالأخ هنا الخصم والتعبير بالأخوة للتنفير من ظلمه ،
والناس إخوة فكلهم من آدم .
فإنما أقطع له قطعة من النار : أي فإن حكم الحاكم لايحل حراما
فمن اقتطع من حق أخيه شيئا ظلما ولوبحكم حاكم
فكأنه اقتطع لنفسه بذلك قطعة من جهنم .
(٦٥)

البحث
أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في كتاب الحِيَل بلفظ: «إنما
أنا بشر ، وإنكم تختصمون ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته
من بعض ، وأقضي له على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق
أخيه شيئا فلا يَأْخُذْ، فإنما أقطع له قطعة من النار)) وأورده في كتاب
الأحكام في (باب موعظة الإِمام للخصوم) بلفظ : أن رسول الله
عَ لِّ قال: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلىّ، ولعل بعضكم أن
يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي نحو ماأسمع ، فمن قضيت له
بحق أخيه شيئا فلا يَأْخُذْه ، فإنما أقطع له قطعة من النار)) وأورده في
(باب من قُضِيَ له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لايُحِلُ حراما
ولا يُحَرِّمُ حلالا) بلفظ: عن رسول الله عَ لِ أنه سمع خصومة بباب
حجرته ، فخرج إليهم فقال : ((إنما أنا بشر ، وإنه يأتيني الخصم ،
فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فَأَحْسِبُ أنه صادق ،
فأقضي له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من
النار فَلْيَأْخُذْهَا أَو لِيَتْرُكْهَا)) اهـ أما مسلم رحمه الله فقد أورده بلفظ :
قال رسول الله عَ ◌ّلِ: إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن
يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو مماأسمع منه ، فمن
قطعت له من حق أخيه شيئا فلايأخذه ، فإنما أقطع له به قطعة من
النار)) ثم أورده بلفظ: أن رسول الله عَ لَّه سمع جَلَبَةَ خصم بباب
حجرته ، فخرج إليهم فقال : إنما أنا بشر ، وإنه يأتيني الخصم ،
فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صادق ،
(٦٦)

فأقضى له ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار
فليحملها ، أو يَذَرْهَا)) وفي لفظ: سمع لَجَبَةَ خصم بباب أم سلمة اهـ
وَجَلَبَة الخصْم وَلَجَبَةُ الخصم بمعنى واحد وهو اختلاط أصواتهم .
مایفیده الحدیث
١ - أن رسول الله عَوبي لايعلم الغيب وإنما يعلم منه مايطلعه
الله تعالى عليه .
٢ - أن بعض الخصوم قديصور للقاضي الشيء الباطل في صورة
الحق بسبب قوة بيانه وعجز خصمه .
٣ - أن القاضي لاإثم عليه إذا قضى على نحو مايسمع من
المتخاصمين مادام قدبذل الجهد .
٤ - أن حكم الحاكم لا يحرم حلالا ولا يحل حراما .
٥ - الوعيد الشديد لمن صَوَّرَ الباطل حقا عند القاضي .
٦ - ينبغي للقاضي أن يعظ الخصوم ويخوفهم من عذاب الله .
٧ - أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى
يصير في صورة الحق أنه لايحل له تناوله في الباطن
ولا يرتفع عنه الإِثم بالحكم .
٨ - وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَّ اله
يقول: ((كيف تُقَدِّسُ أَمَّة لايؤخذ من شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ)) رواه ابن
حبان وله شاهد من حديث بريدة عند البزار ، وآخر من حديث أبي
سعيد عند ابن ماجه .
(٦٧)

المفردات
تُقَدَّسُ : أي تُطَهَّرُ ويبتعد عنها الرجس .
لايؤخذ من شديدهم لضعيفهم : أي لايؤخذ حق ضعيفهم من
قَوِيِّهِمْ، وَيُنْتَصَفُ لفقيرهم من غَنِيِّهِمْ .
وله : أي ولحديث جابر رضي الله عنه .
وآخر : أي ولحديث جابر شاهد آخر .
البحث
الشاهد الأول الذي أشار إليه المصنف قدأخرجه البزار من طريق
محمد بن مسكين ثنا سعيد بن سليمان ثنا منصور بن أبي الأسود
عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن بريدة وهو
سليمان عن أبيه قال: سأل رسول الله عَ له جعفرا رضي الله عنه
حين قدم من الحبشة ، مَا أُعْجَبْ شيء رأيته ؟)) قال : رأيت امرأة
تحمل على رأسها مِكْتَلًا من طعام ، فمر فارس فَرَكَضَهُ فَأَبْذَرَه ،
فجلست تجمع طعامها ، ثم التفتت ، فقالت : ويل لك إذا وضع
الملِكُ تبارك وتعالى كرسيّه فأخذ للمظلوم من الظالم ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها: ((لَاقُدِّسَتْ أمة)) أو
(( كيف تقدس أمة لايأخذ ضعيفها حقه من شديدها وهو غير
متعتع)) قال البزار : لانعلم له عن بريدة طريقا غير هذا ، تفرد به
منصور اهـ وقال الهيثمي : رواه البزار و الطبراني في الأوسط و فيه
عطاء بن السائب وهو ثقة لكنه اختلط وبقية رجاله ثقات اهـ ،
أما قول المصنف رحمه الله: وآخر من حديث أبي سعيد عند
ابن ماجه فقدوهم فيه فإن هذا الشاهدعند ابن ماجة
(٦٨)

ليس من حديث أبي سعيد وإنما هو من حديث جابر رضي الله عنه
وقد أخرجه ابن ماجه من طريق سعيد بن سُوَيَد ثنا يحيى بن سُليم
عن عبدالله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال : لما
رَجَعَتْ إلى رسول الله عَّ مُهَاجِرَةُ البحر قال: ((ألا تُحَدِّثُونِى
بأعاجيب مارأيتم بأرض الحبشة ؟)) قال فتية منهم : بلى يارسول الله
بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رَهَابِينِهِمْ تحمل على
رأسها قُلَةً من ماء ، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين
كَتِفَيْهَا ثم دفعها ، فخرت على ركبتيها ، فانكسرت قُلْتُهَا ، فلما
ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم ياغُدَرُ إذا وضع الله
الكرسيَّ، وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الايْدى والأرجل بما
كانوا يكسبون ، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غَدًا اهـ ،
قال محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على هذا الحديث : في الزوائد
إسناده حسن وسعيد بن سويد مختلف فيه اهـ أقول : إن اسم
سعيد بن سويد في السند منقلب عن سويد بن سعيد ولم يتنبه له
محمد فؤاد عبد الباقي وليست عبارة الزوائد كما نقل ، فإن الحافظ
شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري ساق سند
ابن ماجه هذا في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه قال فيه
ابن ماجه : حدثنا سويد بن سعيد ثم ساقه بتمامه ثم قال : هذا
إِسناد حسن، سويد مختلف فيه اهـ ، وقال المزي في الأطراف في
ترجمة عبد الله بن عثمان بن خثيم المكي عن أبي الزبير عن
جابر: حديث لما رَجَعَتْ إلى النبي عَلِ مهاجرة الحبشة قال :
(٦٩)

((ألا تحدِّثوني بأعاجيب مارأيتم؟)) الحديث . ق في الفتن عن سويد
ابن سعيد عن يحيى بن سليم عنه به اهـ ولم يعلق الحافظ ابن حجر
في النكت الظراف على هذا الحديث بشيء وسويد بن سعيد من
رجال مسلم وابن ماجه قال في التقريب : صدوق في نفسه إلا أنه
عمي فصار يتلقن ماليس من حديثه وأفحش فيه ابن معين القول ،
من قدماء العاشرة مات سنة أربعين وله مائة سنة اهـ
٩ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله عدموضع
يقول: ((يُدْعَى بالقاضي العادل يوم القيامة فَيَلْقَى من شدة الحساب
مايتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره)) رواه ابن حبان ، وأخرجه
البيهقي ولفظه ((في تمرة)).
المفردات
يُدْعَى بالقاضي العادل يوم القيامة : أي يعرض على الله تعالى يوم
القيامة القاضي الذي كان يتحرى العدالة في قضائه
فيلقى من شدة الحساب : أي فيجد محاسبة من الله تعالى له
على القليل والكثير ويسأله الله عزوجل عن أعماله
في القضاء والله عليم خبير .
مايتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره : أى مايود أنه جلس
للقضاء لحظة واحدة من شدة مايلقاه من المحاسبة .
ولفظه في تمرة : أي ولفظ الحديث عند البيهقي : أنه لم يقض بين
(٧٠)

اثنين في تمرة)) يعني في شيء ولوكان حقيرا تافها
كالتمرة .
البحث
قال في تلخيص الحبير : حديث يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة
فيلقي من شدة الحساب مايتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط
أحمد والعقيلي وابن حبان والبيهقي من حديث عائشة ، قال العقيلي :
عمران بن حطان الراوي عن عائشة لايتابع عليه ، ولايتبين لي سماعه
منها ، قلت : وقع في رواية الإِمام أحمد من طريقه قال : دخلت على
عائشة فذكرتها حتى ذكرنا القاضي ، فذكره اهـ وقال في تهذيب
التهذيب : وكذا جزم ابن عبدالبر بأنه لم يسمع منها وليس كذلك
فإن الحديث الذي أخرجه له البخاري وقع عنده التصريح بسماعه
منها ، وقدوقع التصريح بسماعه منها في المعجم الصغير للطبراني
بإسناد صحيح اهـ هذا والمعروف عن عمران بن حطان أنه كان من
رءوس الخوارج وأنه يجيز الكذب فهو القائل :
يوم يمان إذا لقيت ذايَمَنِ
وإن لقيت معديا فعدنان
والقاعدة أن أهل الأهواء لاتجوز الرواية عمن يجيز الكذب منهم .
ورواية البخاري له محمولة على أنها حملت عنه قيل فساد عقيدته ، أو
بعد نوبته كما قيل : على أن البخاري لم يخرج له في صحيحه إلا في
المتابعات قال الحافظ ابن حجر في هدى السارى مقدمة فتح الباري :
(٧١)

قلت : لم يخرج له البخاري سوى حديث واحد من رواية يحيى بن
أبي كثير عنه قال سألت عائشة عن الحرير فقالت : ائت ابن عباس
فسأله فقال : ائت ابن عمر فسأله فقال : حدثني أبوحفص أن
رسول الله عَ ل قال: ((إنما يلبس الحرير في الدنيا من لاخلاق له
في الآخرة)) انتهى، وهذا الحديث إنما أخرجه البخاري في المتابعات
فللحديث عنده طرق غير هذه من رواية عمر وغيره ، وقدرواه مسلم
من طريق أخرى عن ابن عمر نحوه ، ورأيت بعض الأئمة يزعم أن
البخاري إنما أخرج له ماحمل عنه قبل أن يرى رأى الخوارج ، وليس
ذلك الاعتذار بقوى لأن يحيى بن أبي كثير إنما سمع منه باليمامة في
حال هروبه من الحجاج وكان الحجاج يطلبه ليقتله لرأيه رأى الخوارج
وقصته في ذلك مشهورة مبسوطة في الكامل للمبرد وفي غيره . على
أن أبازكريا الموصلي حكى في تاريخ الموصل عن غيره أن عمران هذا
رجع في آخر عمره عن رأى الخوارج ، فإن صح ذلك كان عذرا
جيدا ، وإلا فلايضر التخريج عمن هذا سبيله في المتابعات و الله
أعلم اهـ .
صَّ الّه قال: ((لن
١٠ - وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي
يُفْلِحَ قَوْمٌ ولَّوا أمرهم امرأة)) رواه البخاري.
المفردات
لن يُفْلِحَ قَوْمٌ : أي لن يفوزوا ولن ينجوا ولن يَبْقوا في الخير .
وَلَّوا أمرهم امرأة : أي جعلوا رئاستهم وقِوَامَتَهُمْ في يد امرأة
(٧٢)

وَمَلَّكُوها عليهم .
البحث
هذا الحديث أورده البخاري في (باب كتاب النبي عَةٍ إلى
كسرى وقيصر) من طريق الحسن عن أبي بكرة قال : لقد نفعني الله
بكلمة سمعتها من رسول الله عَّةٍ ، أيام الجمل ، بعد ماكدت أن
ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بَلَغَ رسولَ الله عَلَّه
أن أهل فارس قدمَلَّكُوا عليهم بنت كسرى قال: ((لن يفلح قوم ولّوا
أمرهم امرأة)) وأورده في الفتن من طريق الحسن عن أبي بكرة رضي الله
عنه بلفظ: لقدنفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بَلَغَ النبيَّ عَيَّةٍ.
أن فارسا ملَّكوا ابنة كسرى قال: ((لن يُفْلِحَ قومٌ ولوا أمرهم امرأة))
وقوله في الرواية الأولى : (لقدنفعنى الله بكلمة سمعتها من رسول الله
عَ له أيام الجمل)) فيه تقديم وتأخير وأصله : لقد نفني الله أيام
الجمل بكلمة سمعتها من رسول الله عَليه .
مايفيده الحديث
١ - أنه لايجوز تولية المرأة الإمارة أو القضاء.
٢ - وأنه لا يجوز أن تُعَرَّضَ المرأة للمخاطر والمكاره .
٣ - وأنه ينبغي الرفق بالنساء لأنهم كالقوارير .
*
١١ - وعن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : ((من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون
حاجتهم وفقيرهم احتجب الله دون حاجته)) أخرجه أبوداود والترمذي.
(٧٣)

المفردات
أبومريم الأزدي : قال في تهذيب التهذيب : أبومريم الأزدي ويقال :
الأسدي أيضا حضرمي ، له صحبة روى عن النبي
عَ ◌ّ أنه سمعه يقول: ((من ولاه الله من أمر
المسلمين فاحتجب)) الحديث وقدم على معاوية
فحدثه ، وعنه ابن عمه أبو الشماخ الأزدي
والقاسم بن مخيمرة وأبو المعطل مولى بني كلاب اهـ
وقال في التقريب: أبو مريم الأسدي
بالسكون صحابي له حديث وقيل : هو عمرو بن
مرة الجهني اهـ وقال في التقريب أيضا : عمرو بن
مرة الجهني أبوطلحة أو أبومريم صحابي مات بالشام
في خلافة معاوية اهـ
من وَلِّه الله شيئا من أمر المسلمين: أي من جعله الله واليًا على
شأن من شئون المسلمين كالإِمارة والقضاء .
فاحتجب دون حاجتهم وفقيرهم : أي فجعل بينهم وبينه حجابا
يحول دون وصول صاحب الحاجة أو الضعيف منهم
إليه لعرض حوائجهم عليه .
احتجب الله دون حاجته : أي لم يقض الله له حاجة، ولم
يُفرِّجْ له كربة .
البحث
هذا الحديث أخرجه أبوداود من طريق سليمان بن عبدالرحمن
الدمشقي ثنا يحيى بن حمزة حدثني ابن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة
(٧٤)

أخبره أن أبامريم الأزدي أخبره في قصة دخوله على معاوية ولفظه :
يقول : من ولاه الله عزوجل شيئا من أمر
سمعت رسول الله عبد
المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلَتهم وفقرهم احتجب الله دون
حاجته وخلته وفقره ، قال : فجعل رجلا على حوائج الناس، وأخرجه
الترمذي من طريق أحمد بن منيع ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال : ثني
علي بن الحكم ثني أبوالحسن قال : قال عمرو بن مرة لمعاوية : إني
سمعت رسول الله عَّ يقول: مامن إمام يغلق بابه دون ذوي
الحاجة والخَلَّة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خَلَّته
وحاجته ومسكنته ، فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس ، ثم قال
الترمذي : وفي الباب عن ابن عمر ، حديث عمرو بن مرة حديث
غريب ، وقدرُوِىَ هذا الحديث من غير هذا الوجه ، وعمرو بن مرة
الجهني يكنى أبامريم حدثنا علي بن حُجر ثنا يحيى بن حمزة عن يزيد
ابن أبي مريم عن القاسم بن مخيمرة عن أبي مريم صاحب النبي عَّة
نحو هذا الحديث بمعناه اهـ وسليمان بن عبدالرحمن الدمشقي من
رجال البخاري ويحيى بن حمزة من رجال الجماعة ويزيد بن أبي مريم
من رجال البخاري والقاسم بن مخيمرة من رجال مسلم ، وعلي بن
حجر من رجال البخاري ومسلم .
مايفيده الحديث
١ - الوعيد الشديد لمن ولي من أمر المسلمين شيئا وحال دون
وصول ذوي الحاجة إليه .
(٧٥)

٢ - يجب على الولاة والحكام أن يُسَهِّلُوا سبيل وصول ذوي
الحاجات إليهم .
٣ - حرص الإسلام على قضاء حاجات الناس ولاسيما الفقراء
والمساكين .
٤ - رعاية الإِسلام لحقوق الضعفاء .
١٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لعن رسول الله عَ}
الراشي والمرتشي في الحكم)) رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه
ابن حبان ، وله شاهد من حديث عبدالله بن عمرو عند الأربعة إلا
النسائي .
المفردات
على الراشي والمرتشي بالطرد
صَّى اللّه
لعن الح : أي دعا رسولُ الله .
والإبعاد عن الرحمة .
الراشي والمرتشي : قال في لسان العرب: قال ابن الأثير: الرَّشْوَةُ
والرُّشْوَةُ الْوُصْلَةُ إلى الحاجة بالمصانعة ، وأصله من
الرّشاء الذي يتوصل به إلى الماء فالراشي من يعطى
الذي يعينه على الباطل ، والمرتشي الآخذ ، والرائش
الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ، ويستنقص لهذا ،
ثم قال: والرِّشَاءُ الحبل والجمع أرشية ، قال ابن سيده :
(٧٦)

وإنما حملناه على الواو لأنه يُوصَلُ به إلى الماء كما
يُوصَلُ بِالرُّشْوَة إلى مايُطْلَبُ من الأشياء اهـ وقال في
القاموس : (الرشوة) مثلثة الجُعْلُ ج رُشًا وَرِشًا،
وَرَشَاهُ أعطاه إياها، وارتشى أخذها واسْتَرْشَى طلبها اهـ
في الحكم : أي أخذ الرشوة من أجل الفَصْل في القضية وإنجازها
لجهة الراشي .
وله شاهد : أي ولحديث أبي هريرة شاهد، وهذا الشاهد من
حديث عبدالله بن عمرو .
البحث
قول المصنف رحمه الله رواه أحمد والأربعة وهم فإن أباداود رحمه الله
لم يخرجه من حديث أبي هريرة وقد قال المصنف في التلخيص حديث
أبي هريرة لعن الله الراشي والمرتشي، أحمد والترمذي وابن حبان اهـ
وإنما أخرجه أبوداود من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما من
طريق أحمد بن يونس ثنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبدالرحمن عن
أبي سلمة عن عبدالله بن عمرو قال: لعن رسول الله عَيّ الراشي
والمرتشي ولم يسق أبوداود لفظة: في الحكم ، وقد ساقه الترمذي من
طريق قتيبة ثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي
هريرة قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في
الحكم ، ثم قال الترمذي : حديث أبي هريرة حديث حسن ،
وقدروي هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عبدالله بن
عمرو، وروي عن أبي سلمة عن أبيه عن النبي عَوَةٍ ولا يصح .
(٧٧)

وسمعت عبدالله بن عبدالرحمن يقول : حديث أبي سلمة عن عبدالله
ابن عمرو عن النبي عَ ◌ّ أحسن شيء في هذا الباب وأصح اهـ
ولاشك أن الإِسلام قد حارب الرشوة ونهى عنها وفي ذلك يقول الله
تبارك وتعالى: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتُدْلُوا بها إلى الحكام
لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإِثم وأنتم تعلمون)).
مايستفاد من ذلك
١ - أن الرشوة من الكبائر .
٢ - محاربة الإِسلام للآفات الاجتماعية.
٣ - صيانة الإِسلام لحقوق الإِنسان .
٤ - التحذير من أكل أموال الناس بالباطل .
١٣ - وعن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما قال : قضى
رسولُ الله عَ ◌ّه أن الخَصْمَيْنِ يقعدان بين يدى الحاكم . رواه أبوداود
وصححه الحاكم .
المفردات
قضى رسول الله عَ له: أي حكم وَوَصَّى.
يقعدان بين يدى الحاكم : أي يجلسان أمام القاضي .
البحث
قال أبوداود : حدثنا أحمد بن منيع ثنا عبدالله بن المبارك ثنا
مصعب بن ثابت عن عبدالله بن الزبير قال: قضى رسول الله عَ ليه
(٧٨)

أن الخصمين يقعدان بين يدى الحاكم اهـ قال في التقريب : مصعب
ابن ثابت بن عبدالله بن الزبير بن العوام الأسدى لين الحديث اهـ
وقال في تهذيب التهذيب : أرسل عن جده ثم نقل تضعيفه عن أحمد
ابن حنبل وابن معين والنسائي ثم قال: وقال ابن حبان في الضعفاء
انفرد بالمناكير عن المشاهير فَلما كثر ذلك فيه استحق مجانبة حديثه اهـ
ومع الضعف في سنده فهو مرسل لأن مصعب بن ثابت لم يدرك
عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما حيث ولد مصعب بعد موت جده
عبدالله بن الزبير بسنة ، والله أعلم .
(٧٩)

باب الشهادات
١ - عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء ؟ الذي يأتي بالشهادة
قبل أن يُسألَها)) رواه مسلم .
المفردات
الشهادات : قال الحافظ في الفتح : هي جمع شهادة وهي
مصدر شهد يشهد ، قال الجوهري : الشهادة خبر
قاطع ، والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود أي
الحضور لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره ،
وقيل : مأخوذة من الإِعلام اهـ وقال الشريف
الجرجاني في التعريفات : الشهادة هي في الشريعة
إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي
بحق للغير على آخر . فالإِخبارات ثلاثة إما بحق
للغير على آخر وهو الشهادة أو بحق للمخبر على
آخر وهو الدعوى ، أو بالعكس وهو الإِقرار اهـ
ألا أُخْبِرُكُمْ : أى ألا أُعْلِمُكُمْ .
بخير الشهداء : أي بأفضل الشهداء والشهداء جمع شهيد بمعنى
شاهد وهو من يحمل الشهادة ويؤديها .
(٨٠)