النص المفهرس
صفحات 161-180
((أللّهم أنْجِزْلِي ماوعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض)) فما زال يهتف بربه ، مادًّا يديه ، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجزلك ما وعدك ، فأنزل الله عزوجل: ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين )) فأمده الله بالملائكة قال : أبو زميل : فحدثني ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثَر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصَوْتَ الفارس يقول : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، فنظر إلى المشرك أمامه فَخَرَّ مستلقيا ، فنظر إليه فإذا هو قدخُطَمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ ، كَضَرْبَةِ السوط ، فَاخْضَرَّ ذلك أَجْمَعُ ، فجاء الأنصاريُّ فحَدَّثَ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صَدَقْتَ ، ذلك من مَدَدِ السماء الثالثة ، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . قال أبو زميل : قال ابن عباس : فلما أسْرُوا الْأُسارَى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ((ماتَرَوْنَ في هؤلاء الْأُسارَى ؟ )) فقال أبو بكر : يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرَى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإِسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ماترى ياابن الخطاب؟ )) قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبوبكر ولكني أرى أن تُمَكِّنَّا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من (١٦١) عقيل فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان ( نسيبا لعمر ) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها ، فَهَوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يَهْوَ ما قلت . فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قَاعِدَيْن يبكيان قلت : يارسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبكى للذي عَرَضَ عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة)) (شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم) وأنزل الله عزوجل: ((ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثْخِنَ في الأرض)) إلى قوله ((فكلوا مماغنمتم حلالا طيبا)) فأحل الله الغنيمة لهم اهـ . ما يفيده الحديث ١ - جواز المن على الأسير وإطلاقه بدون فداء . ٢ - جواز أخذ الفداء من الأسير . ٣ - استحباب مكافأة من أسدي إليك يدا وإن كان كافرا . ٢٩ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : أصبنا (١٦٢) سبايا يوم أوطاس لهن أزواج ، فَتَحَرَّجُوا ، فأنزل الله تعالى: ((والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)) الآية ، أخرجه مسلم . المفردات أصبنا : أي وجدنا و أدركنا . لهن أزواج : أي للسبايا أزواج مشركون في دار الحرب . فَتَحرَّجُوا : أي فَتَخَوَّفَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطء السبايا اللاتي لهن أزواج وخافوا أن يقعوا في الإثم والحرج . والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم : أي وحرمت عليكم المتزوجات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء بالسبى فلكم وطؤهن بعد الاستبراء وإن كان لهن أزواج في دار الحرب لوقوع الفرقة بتباين الدارين ولذلك يقول الفرزدق : وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق البحث أخرج مسلم في صحيحه من طريق يزيد بن زُرَيْع حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن أبي علقمة (١٦٣) الهاشمي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عَويّةٍ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس ، فلقوا عدوا ، فقاتلوهم ، فظهروا عليهم ، وأصابوا لهم سبايا ، فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن ، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عزوجل في ذلك ﴿والمحصنات من النساء إلا ماملكت أيمانكم﴾ أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن . ثم ساقه من طريق عبدالأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي الخليل أن أباعلقمة الهاشمي حدَّث أن أباسعيد الخدري حدثهم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين سرية ، بمعنى حديث يزيد بن زريع غير أنه قال: (إلا ماملكت أيمانكم)) منهن فحلال لكم ولم يذكر ((إذا انقضت عدتهن)) ثم ساقه من طريق شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد قال : أصابوا سَبْيا يوم أوطاس لهن أزواج ، فتخوفوا ، فَأُنْزِلَتْ هذه الآية ﴿والمحصنات من النساء إلا ماملكت أيمانكم﴾ . مايفيده الحديث ١ - أن من سبيت من نسا، المشركين وهي متزوجة بانت من زوجها بالسبي . ٢ - أنه لايحل نكاح متزوجة إلا من سبيت لوقوع الفرقة بينها وبين زوجها بالسبي . (١٦٤) وخوفهم من الوقوع في ٣ - احتياط أصحاب رسول الله عَ ليه الإِثم والحرج . ٣٠ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سرية وأنافيهم قِبَلَ نجد، فَغَنِمُوا إِبِلًا كثيرة ، فكانت سُهْمَانُهُم اثنى عشر بعيرا ، وَنُقُلُوا بَعِيراً . متفق عليه . المفردات وأنافيهم : أى وعبدالله بن عمر ضمن هذه السرية . قِبَلَ نجد : أى جهة نجد يعني كانت السرية مبعوثة من رسول الله عَ لٍ إلى جهة نجد والمراد بها هنا غطفان بأرض محارب وكانت قبل مؤتة أوفى شعبان أو رمضان من سنة ثمان من الهجرة ، وكان أميرها أباقتادة رضي الله عنه سُهْمَانهم : أى أنصباؤهم من الغنيمة فهي جمع سَهْم بمعنى النصيب . وَنُقِّلُوا بعيرا بعيرا : أى وزيد كل واحد منهم على نصيبه من الغنيمة بعيرا واحدا . وأصل النفل الزيادة والمراد هنا : زيادة يزادها الغازي على نصيبه من المغنم . (١٦٥) البحث هذا الحديث رواه البخاري في كتاب فرض الخمس من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه : أن رسول الله عَوِ ◌ٍّ بعث سرية فيها عبدالله بن عمر قِبَلَ نجد ، فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهامهم اثنى عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونُقُلُوا بعيرا بعيرا. وساقه في المغازي من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية قِبَلَ نجد ، فكنت فيها ، فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا ونُفِّلْنَا بعيرا بعيرا ، فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا اهـ وأخرجه مسلم من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأنافيهم قِبَلَ نجد فغنموا إبلا كثيرة فكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونُفُلُوا بعيرا بعيرا . ثم ساقه من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قِبَلَ نجد وفيهم ابن عمر وأنّ سهمانهم بلغت اثنى عشر بعيرا ، ونُفُلُوا سوى ذلك بعيرا ، فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم . وساقه من طريق عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : بعث رسول الله عَ ل سرية إلى نجد فخرجت فيها فأصبنا إبلا وغنما فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيرا اثنى عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا اهـ والذي نفل كل واحد منهم بعيرا هو أميرهم أبوقتادة رضي الله عنه وقوله هنا ((ونفلنا رسول الله بعيرا بعيرا)) (١٦٦) أي وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّفَل الذي نَقَّلْنَاهْ أمِيرنا، بدليل قوله في رواية الليث عند مسلم : وَنُقْلُوا سوى ذلك بعيرا فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم . قال الحافظ في الفتح : وفي الحديث أن الجيش إذا انفرد منه قطعة فغنموا شيئا كانت الغنيمة للجميع ، قال ابن عبد البر : لايختلف الفقهاء في ذلك أي إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة انتهى ، وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام فإنه لايشارك الجيش الخارج إلى بلاد العدو اهـ . ما يفيده الحديث ١ - يجوز أن يُنَفَّلَ الإِمام أوالأمير رجاله من الغنيمة فوق نصيبهم ٢ - أنه إذا انفردت قطعة من الجيش فغنموا شيئا كانت الغنيمة للجميع . ٣ - استحباب تشجيع بعض أفراد الجيش الذين يقومون ببعض المهام الخاصة . ٣١ - وعنه رضي الله عنه قال: قَسَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللرَّجل سهما ، متفق عليه ، واللفظ للبخاري . ولأبي داود : أسْهَمَ لَرَجُلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم : سهمين لفرسه وسَهْماً له . (١٦٧) المفردات وعنه : أي وعن ابن عمر رضي الله عنهما. يوم خيبر : أي يوم غزوة خيبر . للفرس سهمين : أي أعطى للفارس سهمين عن فرسه زيادة على سهمه فيكون للفارس وفرسه ثلاثة أسهم . وللراجل سهما : أي وأعطى لمن يقاتل من المشاة سهما واحدا فالمراد بالمراجل هنا المقاتل من المشاة وجمعه رِجَال كقوله عز وجل: (( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا )) أي مشاة على أرجلهم . ولأبي داود : أي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . سهمين لفرسه : أي سهمين من أجل فرسه الذي قاتل عليه . وسهما له : أي وسهما من أجله . البحث هذا الحديث أورده البخاري في باب سهام الفرس من كتاب الجهاد ، من طريق أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما ، وساقه في المغازي في باب غزوة خيبر من طريق زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قسم رسول الله صلى الله علي وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما ، قال : فسره نافع فقال : (١٦٨) إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم فإن لم يكن له فرس فله سهم اهـ قال الحافظ في الفتح : والقائل قال : فسره نافع : هو عبيد الله بن عمر العمري الراوي عنه وهو موصول بالإِسناد المذكور إليه اهـ ، أما مسلم رحمه الله فقد قال : حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل فُضَيْل بن حسين كلاهما عن سُلَيْم قال يحيى : أخبرنا سُلَيْم ابن أخضر عن عبيد الله بن عمر حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النَّفْلِ للفرس سهمين وللرّجُلِ سهما ، حدثناه ابن نمير حدثنا أبي حدثنا عبيدالله بهذا الإِسناد مثله ولم يذكر في النَّفَل اهـ، وقال أبو داود: (باب في سُهْمان الخيل ) حدثنا أحمد بن حنبل ثنا أبو معاوية ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سَهْماً لَهُ وسهمين لفرسه اهـ . ما يفيده الحديث ١ - أن الفارس المقاتل على فرسه يستحق ثلاثة أسهم منها سهمان من أجل فرسه وسهم من أجله . ٢ - أن للراجل سهما واحد . ٣ - الحض على اقتناء الخيل للجهاد في سبيل الله ، وهي معقود في نواصيها الخير . ٤ - الحض على العناية بالمعدات الحربية وآلات القتال . (١٦٩) ٣٢ - وعن معن بن يزيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا نَفَلَ إلا بعد الخُمُس)) رواه أحمد وأبوداود وصححه الطحاوي . المفردات معن بن يزيد : هو أبو يزيد معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب ابن حرة بن زغب بن مالك بن عفاف بن عتبة بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم السلمى المدني الكوفي ثم المصري ثم الشامي له ولأبيه ولجده صحبة رضي الله عنهم ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه أبو الجويرية الجرمي وسهيل بن ذراع وعتبة بن رافع ، وقد شهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس سنة أربع وستين قال في تهذيب التهذيب : وقال ابن سميع قتل هو أبوه في ذلك اليوم ، ويروي عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد هو وأبوه وجده شهدوا بدرا ، ولم يتابع على هذا اهـ . لانَفَل إلا بعد الخُمُس : أي لايزاد للغازي على سهمه من الغنيمة إلا بعد فرز خمس الغنيمة المذكور في قوله تعالى : ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن الله خمسه وللرسول (١٧٠) ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ . البحث قال أبو داود : ( باب في النَّفَل من الذهب والفضة ومن أول مغنم ) حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن عاصم بن كليب عن أبي الجويرية الجرمي قال : أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية وعلينا رجل من أصحاب النبي عَ ◌ٍّ من بني سليم يقال له : معن بن يزيد فأتيته بها فقسمها بين المسلمين ، وأعطاني منها مثل ماأعطي رجلا منهم ، ثم قال : لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لانَفَلَ إلا بعد الخُمْس )) لأعطيتك ، ثم أخذ يعرض علىَّ من نصيبه، فأبيتْ، حدثنا هناد عن ابن المبارك عن أبي عوانة عن عاصم بن كليب بإسناده ومعناه اهـ ، ومحبوب بن موسى صدوق وأبو إسحاق الفزاري قال ابن معين ثقة ثقة ، وعاصم بن كليب بن شهاب الجرمي من رجال مسلم وأبو الجويرية حِطَّان بن حُفَاف الجرمي من رجال البخاري وهناد بن السرى من رجال مسلم ، وابن المبارك من رجال الجماعة وأبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري من رجال الجماعة أيضا ، وبهذا يكون هذا الحديث حريا بالتصحيح . ما يفيده الحديث ١ - جواز التنفيل من الغنيمة . ٢ - لا يكون التنفيل إلا بعد فرز الخمس . (١٧١) ٣٣ - وعن حَبِيب بن مَسْلَمَةَ رضي الله عنه قال : شَهِدْتُ رسولَ الله عَ ◌ّهِ نَقَّلَ الرُّبِعَ فِي الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ. رواه أبوداود وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم . المفردات حبيب بن مسلمة : هو أبوعبدالرحمن أو أبو مسلمة أو أبو سلمة حبيب بن مسلمة بن مالك بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر القرشي الفهري . قال البخاري له صحبة ، وقال الزبير بن بكار: كان شريفا وقدسمع من النبي عَ له . وقدولاه عمر رضي الله عنه أعمال الجزيرة وضم إليه أرمينية وأذربيجان . وقال في تهذيب التهذيب : قال ابن منيع : مات في خلافة معاوية ، وقال ابن سعد : لم يزل مع معاوية في حروبه ، ووجهه إلى أرمينية والميافمات بها ولم يبلغ الخمسين وذلك سنة (٤٢) وقيل مات بدمشق ، أخرجا له حديثا واحدا في النَّقَلِ . قلت : وأخرجه ابن حبان في صحيحه وأبوذر الهروي في المستخرج على إلزامات الدارقطني ، وله ذكر في الصحيح في حديث سالم بن عبدالله ابن عمر وعكرمة بن خالد جميعا عن ابن عمر ، (١٧٢) وفيه : فقال حبيب بن مسلمة لابن عمر : فهلا أجبته يعنى معاوية ؟ فقال : خشيت أقول كلمة تفرق الجمع قال : فقال له حبيب : حفظت وعصمت . وقال سعيد بن عبدالعزيز : كان فاضلا مجاب الدعوة اهـ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ : أى زاد للغازي فوق سهمه من الغنيمة الرُبع عند الدخول إلى أرض المعركة أو عند الهجوم الأول . وَالثُّلُثَ في الرجعة : أى وزاد الغازي فوق سهمه من الغنيمة الثلث عند القفول من أرض المعركة والرجوع إلى وطنه ، أو معاودة الكرة على العدو مرة أخرى . قال الخطابي : والبدأة إنما هي ابتداء السفر للغزو إذا نهضت سرية من جملة العسكر ، فإذا أوقعت بطائفة من العدو فماغنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه ، فإن قفلوا من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لأن نهوضهم بعد القفول أشد لكون العدو على حذر وحزم اهـ البحث قال أبوداود : حدثنا عبدالله بن أحمد بن بشير بن ذكوان ومحمود بن خالد الدمشقيان المعنى قالا : ثنا مروان بن محمد قال : ثنا يحيى بن حمزة (١٧٣) ، قال : سمعت أباوهب يقول : سمعت مكحولا يقول : كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل فأعتقتني فماخرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت الحجاز فماخرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ثم أتيت العراق فماخرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى ثم أتيت الشام فغربلتها كل ذلك أسأل عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء حتى أتيت شيخا يقال له زياد ابن جارية التميمي فقلت له : هل سمعت في النَّفَل شيئا ؟ قال : نعم سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة اهـ وعبدالله بن أحمد بن بشير بن ذكوان البهراني الدمشقي صدوق ، ومحمود بن خالد السلمي أبوعلي الدمشقي ثقة ومروان بن محمد بن حسان الأسدي الدمشقي ثقة . ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي أبوعبدالرحمن الدمشقي ثقة من رجال الجماعة ، وأبووهب عبيدالله بن عبيد الكلاعي صدوق ومكحول من رجال مسلم ، وزياد بن جارية ويقال له زايد أو يزيد أو زيد بن جارية التميمي الدمشقى قال في التقريب : يقال له صحبة وقدوثقه النسائي اهـ وقدأخرج ابن ماجه هذا الحديث من طريق علي بن محمد ثنا وكيع عن سفيان عن عبدالرحمن بن الحارث الَُّقي عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سَلَّام الأعرج عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم نَقَّلَ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وفي الرجعة الثلث اهـ (١٧٤) وقوله في سند ابن ماجه (عبدالرحمن بن الحارث الزرقي) صوابه المخزومي وهو صدوق له أوهام وساق الترمذي هذا الحديث من طريق محمد بن بشار عن عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان بنفس سند ابن ماجه إلا أنه قال : وفي القفول الثلث ثم قال الترمذي : وفي الباب عن ابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع وحديث عبادة حديث حسن اهـ مايفيده الحديث ١ - جواز التنفيل من الغنيمة. ٢ - جواز أن ينفل الإِمام أو الأمير الربع عند البدأة . ٣ - جواز أن ينفل الإِمام أو الأمير الثلث عند الرجعة . ٣٤ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله عَّ ◌َّه يُنَفِّلُ بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامَّة الجيش . متفق عليه . المفردات يُنَفِّلُ : أى يزيد . يبعث من السرايا : أى يرسل من فرق الجيش للهجوم على العدو وحدهم دون بقية العسكر . لأنفسهم خاصة : أى لهم دون من لم يشهد معهم هذا الهجوم من العسكر . (١٧٥) سوى قسمة عامة الجيش : أى زيادة على نصيبهم الذي يحصلون عليه كبقية أفراد العسكر . البحث أخرج البخاري هذا الحديث من طريق عُقَيْل عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله عَ ليه كان يُنَفِّلُ بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسْمٍ عامة الجيش وأخرجه مسلم من طريق عُقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سالم عن عبدالله أن رسول الله عَ لَّه قدكان يُنَفِّلُ بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش ، والخمس في ذلك واجب كله . مايفيده الحديث ١ - جواز تخصيص بعض السرايا بالتنفيل دون بعض . ٢ - أن الترغيب والحض على الجهاد بالتنفيل لايضر في إخلاص المجاهدين . ٣٥ - وعنه رضي الله عنه قال: كنا نصيب في مغازينا العَسَلَ والعِنَبَ فَتَأْكُلُهُ ولا نرفعه، رواه البخاري، ولأبي داود : فلم يُؤْخَذْ منهم الخُمُسُ . وصححه ابن حبان . المفردات وعنه : أى وعن ابن عمر رضي الله عنهما . (١٧٦) نصيب في مغازينا العسل والعنب : أى نأخذ من أرض العدو أثناء غَزْوِنًا لهم من عسلهم وعنبهم . فنأكله ولانرفعه : أى فنطعمه ولانسلمه لمن يتولى أمر الغنيمة ، أو لاندخره . ولأبي داود : أى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما . فلم يؤخذ منهم الخمس : أى لم يحتسب العسل والعنب الذي أكلوه أثناء الغزوة من أنصبائهم ولم يخمسه عليهم ٠ البحث هذا الحديث أخرجه البخاري في باب مايصيب من الطعام في أرض الحرب من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر باللفظ الذي ساقه المصنف ، وقال أبوداود رحمه الله : (باب في إباحة الطعام في أرض العدو) حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري قال : ثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن جيشا غنموا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما وعسلا فلم يؤخذ منهم الخمس اهـ وإبراهيم بن حمزة الزبيري من رجال البخاري وأنس بن عياض من رجال الجماعة وقوله (في زمان رسول الله عَ ليه) يؤيد أنه في حكم المرفوع . وقدروى البخاري من طريق شعبة عن حميد بن هلال عن عبدالله بن مُغَفّلٍ رضي الله عنه قال: كنا مُحاصرين قصر خيبر فَرَمَى إنسان بِجِرَابٍ فيه شحم فنزوت لآخذه ، فَالْتَفَتُّ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه . كما روى مسلم من (١٧٧) طريق سليمان (يعنى ابن المغيرة) حدثنا حميد بن هلال عن عبدالله ابن مغفل قال : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر قال : فالتزمته ، فقلت : لاأعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، قال : فالتفتُّ فإذا رسولُ الله عَ لِ مُتَبَسِّماً. ثم ساق من طريق بهز بن أسد حدثنا شعبة حدثني حميد بن هلال قال : سمعت عبدالله بن مغفل يقول : رُمِيَ إلينا جِرَابٌ فيه طعام وشحم يوم خيبر، فَوَثِّبْتُ لآخذه ، قال : فالتفت فإذا رسول الله عَوبيٍ ، فاستحييت منه . مایفیده الحدیث ١ - أنه لاحرج على الغزاة إذا أكلوا من الطعام الذي يصيبونه في أرض العدو قبل قسمة الغنائم دون حاجة إلى استئذان الإمام أو الأمير . ٢ - أن ذلك ليس من الغلول . ٣٦ - وعن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال : أصبنا طعاما يوم خيبر ، فكان الرجل يجي فيأخذ منه مقدار مايكفيه ثم ينصرف . أخرجه أبوداود وصححه ابن الجارود والحاكم . المفردات أصبنا طعاما يوم خيبر: أى وجد أصحاب رسول الله عزَويّةٍ طعاما من طعام اليهود يوم غزوة خيبر واستولوا عليه . (١٧٨) فكان الرجل يجىء فيأخذ منه مقدار مايكفيه : أى فكان الواحد من الصحابة الغزاة يومئذ يحضر إلى هذا الطعام فيأخذ منه بقدر حاجته وكفايته دون أن يستأذن في الحصول على ذلك . ثم ينصرف : أى ثم ينطلق . البحث قال أبوداود : حدثنا محمد بن العلاء ثنا أبومعاوية ثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن أبي مجالد عن عبدالله بن أبي أوفى قال : قلت : هل كنتم تخمسون يعنى الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أصبنا طعاما يوم خيبر فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار مايكفيه ثم ينصرف اهـ ورجالى هذا الحديث كلهم ثقات . مایفیده الحدیث ١ - يجوز للغازي أن يأخذ من الطعام الذي يستولى عليه الغزاة بقدر حاجته قبل القسمة . ٢ - لا ينبغي أن يأخذ الغازي من هذا الطعام أكثر من حاجته . ٣ - وأن من أخذ منهم بقدر حاجته لايكون عمله هذا من الغلول . ******* ٣٧ - وعن رُوَّيْفِع بن ثابت رضي الله عنه قال : قال رسول الله مَو ◌ْلٍ: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلايَرْكَبْ دابة من فَىّ المسلمين حتى إذا أعجفها ردَّها فيه ، ولايلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه)) أخرجه أبوداود والدارمي ورجاله لابأس بهم . (١٧٩) المفردات من فى المسلمين : أى من الدواب التي يغنمها المسلمون فالمراد بالفئ هنا الغنيمة . أعجفها : أى أتعبها وصيرها هزيلة . وردها فيه : أى أرجعها ووضعها في الفئ. أخلقه : أى أبلاه وأتلفه . رده فيه : أى أرجعه ووضعه في الفئ . البحث هذا الحديث أخرجه أبوداود من طريق محمد بن إسحاق معنعنا عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت رضي الله عنه . ومحمد بن إسحاق لايقبل حديثه إذا عنعن لاشتهاره بالتدليس . قال الحافظ في الفتح : واتفقوا على جواز ركوب دوابهم . وليس ثيابهم ، واستعمال سلاحهم ، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب اهـ والله أعلم . ٣٨ - وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يُجير على المسلمين بَعْضُهُمْ)) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد ، وفي إسناده ضعف ، وللطيالسي من حديث عمرو بن العاص قال : يجير على المسلمين أدناهم . وفي الصحيحين عن علي قال: ((ذمة المسلمين واحدة (١٨٠)