النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢ - وعن معقل أن النعمان بن مُقَرٍِّ رضي الله عنه قال :
شهدت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر
القتال حتى تَزُولَ الشمسُ، وَتَهُبَّ الرياحُ، ويَنْزِلَ النَّصْرُ . رواه أحمد
والثلاثة وصححه الحاكم وأصله في البخاري .
المفردات
معقل : هو ابن يسار المزني رضي الله عنه .
النعمان بن مُقَرِّ: هو أبو عمرو أو أبوحكيم النعمان بن مُقَرٍِّ
ابن عائذ المزني روى عن النبي صلى الله عليه وسلم
وعنه ابنه معاوية ومعقل بن يسار المزني رضي الله
عنه ومسلم بن الهيضم وجبير بن حية . وقدهاجر
إلى رسول الله عَ بِيلٍ في سبعة إخوة له . وقدوصف
ابن مسعود رضي الله عنه بيت آل مقرن بأنه من
بيوت الإِيمان . وقدسكن النعمان البصرة وتحول
عنها إلى الكوفة وقدم المدينة ، وفتح القادسية وأمَّره
عمر على الجيش فغزا أصبهان ففتحها ثم أتى نهاوند
فاستشهد بها يوم جمعة سنة إحدى وعشرين رضي
الله عنه .
شهدت : أى حضرت .
إذا لم يقاتل أول النهار : أى إذا لم يبدأ الحرب في الصباح .
(١٢١)

أخر القتال حتى تزول الشمس : أى أجَّلَ مقاتلة العدو حتى
يدخل وقت الظهر يعني ويصلون الظهر .
وتهُبَّ الرياح: أى وتثور الرياح ويتحرك ((الهواء)) وتحرك الريح يكون
بعد زوال الشمس غالبا .
وينزل النصر : أى ويجيء الغيث ويتلطف الجو .
البحث
وقع تصحيف في بعض نسخ بلوغ المرام فجاء فيها ((عن معقل بن
النعمان بن مقرن)) ولم يقف الصنعاني إلا على هذه النسخ المصحفة ،
فقال في سبل السلام : ولم يذكر ابن الأثير معقل بن مقرن في
الصحابة إنما ذكر النعمان بن مقرن وعزا هذا الحديث إليه وكذلك
البخاري وأبوداود والترمذي ، أخرجوه عن النعمان بن مقرن فينظر
فماأظن لفظ معقل إلا سبق قلم ، والشارح وقع له أنه قال : هو
معقل بن النعمان بن مقرن المزني ، ولا يخفى أن النعمان هو ابن مقرن
فإذا كان له أخ فهو معقل بن مقرن لا ابن النعمان قال ابن الأثير :
إن النعمان هاجر ومعه سبعة إخوة له ، يريد أنهم هاجروا كلهم معه
فراجعت التقريب للمصنف فلم أجد فيه صحابيا يقال له معقل بن
النعمان ولا ابن مقرن بل فيه النعمان بن مقرن فتعين أن لفظ معقل
في نسخ بلوغ المرام سبق قلم . وهو ثابت فيما رأيناه من نسخه اهـ
وهذا وهم من الصنعاني كما وهم من قبل ذلك فيه المغربي في شرح
بلوغ المرام الذي أشار إليه الصنعاني ، والحديث إنما هو من رواية
(١٢٢)

معقل بن يسار المزني رضي الله عنه عن النعمان بن مقرن وقدوقع
التصريح باسم والد معقل وهو يسار عند المزى في الأطراف وأخرجه
الترمذي رحمه الله في باب ماجاء في الساعة التي يستحب فيها القتال
صَلىالله
عروسة
من طريق قتادة عن النعمان بن مقرن قال : غزوت مع النبي
ـيـ
فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قاتل
فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس ، فإذا زالت الشمس
قاتل حتى العصر ثم أمسك حتى يصلي العصر ثم يقاتل ، كان يقال
عند ذلك تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم .
وقدروى هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بإسناد أوصل من هذا
وقتادة لم يدرك النعمان بن مقرن ، مات النعمان في خلافة عمر بن
الخطاب ، ثم ساق الترمذي من طريق علقمة بن عبدالله المزني عن
معقل بن يسار أن عمر بن الخطاب بعث النعمان بن مقرن إلى
الهرمزان فذكر الحديث بطوله فقال النعمان بن مقرن : شهدت مع
رسول الله عَّةٍ فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول
الشمس وتهب الرياح وينزل النصر . هذا حديث حسن صحيح اهـ
أما أصل هذا الحديث في البخاري فهو مارواه البخاري في كتاب
الجزية من طريق بكر بن عبدالله المزني وزياد بن جبير عن جبير بن
حية قال : فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا
بأرض العدو وخرج عامل كسرى في أربعين ألفا فقام ترجمان فقال :
لِيُكَلِّمْنِي رجلٌ منكم ، فقال المغيرة : سل عما شئت . قال : ماأنتم ؟
(١٢٣)

قال : نحن أَنَاسٌ من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد ،
نَمُصُّ الجِلَّدَ والنَّوَى من الجوع ، ونلبس الوَبَرَ والشَّعَرَ ، ونعبد
الشجر والحجر ، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب
الأرضين تعالى ذكره ، وجلت عظمته ، إلينا نَبِيًّا من أنفسنا نعرف
أباه وأمه، فأمرنا نَبِيُّنا رسولُ ربنا عَ له أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله
وحده أوتؤدوا الجزية ، وأخبرناً نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة
ربنا أنه من قُتِلَ منا صار إلى الجنة في نعيم لم يَرَ مِثْلَهَا قط . ومن
بقى منا ملك رقابكم فقال النعمان : ربما أَشْهَدَكَ اللهُ مثلها مع النبي
صَلىالله
فلم يُنَدِّمْكَ ولم يُخْزِكَ ، ولكن شهدت القتال مع رسول الله
صَّ اللّه
كان إذا لم يُقَاتِلْ في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح ،
عروسة
ـليـ
وتحضر الصلوات اهـ والأرواح جمع ريح كما يقال في جمعها أيضا رياح
وأرباح وريَح كعنب .
مايفيده الحديث
١ - استحباب القتال في أول النهار .
٢ - إذا لم يقاتل الجيش أول النهار يستحب تأخير المعركة إلى
مابعد الزوال .
٣ - يستحب أن يكون بدء القتال بعد الصلاة .
٤ - ينبغي للمسلمين أن يسألوا الله عزوجل النصر لجيش
المسلمين في أوقات صلواتهم .
٥ - وجوب الاعتماد على الله وحده مع بذل الأسباب .
(١٢٤)

١٣ - وعن الصعب بن جَتَّامة رضي الله عنه قال : سئل رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يُبَيَّتُونَ فيصيبون
من نسائهم وذَرَارِيِّهم ؟ فقال: ((هم منهم)) متفق عليه .
المفردات
الذراري من المشركين : أى الأطفال ذكورا أو إناثا من أبناء
المشركين .
يُبَيَُّونَ : أى يصابون ليلا ، وتبييت العدو هو الهجوم عليه ليلا
بغتة على غرة .
فيصيبون من نسائهم وذراريهم : أى فيقتل المسلمون أو يجرحون
بعض النساء والأطفال من المشركين من غير قصد
إلى ذلك ، وإنما يقع ذلك للصبيان والنساء بسبب
اختلاطهم بأهلهم من المشركين .
هم منهم : أى لاإثم على المسلمين في ذلك لأن هؤلاء من أهلهم
في الحكم فهم سواء عند عدم التمكن من تبييت
المشركين إلا بذلك مادام المسلمون لم يقصدوا إصابة
هؤلاء الأطفال أو النساء ، وأطفال المشركين تجري
عليهم أحكام آبائهم في الميراث وفي النكاح وفي
القصاص والديات وغير ذلك .
البحث
وقع في بعض نسخ بلوغ المرام (سئل رسول الله عدفيّةٍ عن الدار
(١٢٥)

من المشركين يُبَيَّتُونَ) وهو قريب من لفظ الحديث عند البخاري ، أما
لفظه في أكثر نسخ مسلم فهو مطابق لسائر نسخ بلوغ المرام ، ومشى
الصنعاني على النسخة التي فيها ((سئل عن الدار)). قال البخاري: باب
أهل الدار يُبَّتُونَ فيصاب الولدان والذراري بياتا ليلا ثم ساق من
طريق ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم قال : مَرَّ بِي
النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بِوَدَّانِ فسئل عن أهل الدار
يُبَيَّتُونَ من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريِّهم قال: ((هم منهم))
وقدأخرجه مسلم كذلك من طريق ابن عباس عن الصعب بن جثامة
قال : سئل النبي عَ بٍ عن الذراري من المشركين يُبَيِّتُونَ فيصيبون من
نسائهم وذراريهم فقال: ((هم منهم)) وفي لفظ لمسلم من طريق ابن
عباس عن الصعب ابن جثامة قال : قلت : يارسول الله إنا نصيب
في البيات من ذرارى المشركين ، قال: ((هم منهم)) وفي لفظ لمسلم
من طريق ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن النبي عَ لّه قيل له :
لوأن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين ، قال : (هم
من آبائهم))
مایفیده الحدیث
١ - لا يجوز قصد قتل أطفال المشركين ونسائهم
٠
٢ - إذا بَيَّت المسلمون المشركين فأصابوا من ذراريهم ونسائهم
بلاقصد فلا إثم عليهم
*****
(١٢٦)

١٤ - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي عَ لٍ قال لرجل تبعه
يوم بدر: ((ارجع فلن أستعين بِمُشْرِكٍ)) رواه مسلم .
المفردات
ارجع : أى لاتتبعنا إلى الغزو والجهاد .
فلن أستعين بمشرك : أى فلن أستظهر على الوثنيين بوثني مثلهم .
البحث
صِىالله
لفظ هذا الحديث عند مسلم عن عائشة زوج النبي عدو طلي أنها
قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدر ، فلما كان
بحرة الوبرة أدركه رجل قدكان يُذْكَرُ منه جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، ففرح
أصحاب رسول الله عَ لّه حين رَأَوْهُ، فلما أدركه قال لرسول الله
◌ِ له: جئت لِأَنَّعَكَ، وأَصِيبَ معك ، قال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم ((تؤمن بالله ورسوله؟)) قال: لا. قال: ((فَارْجِعْ
فلن أستعين بمشرك)) قالت : ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه
الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي عَ لّه كما قال أول
مرة، قال: ((فارجع فلن أستعين بمشرك)) قال: ثم رجع فأدركه
بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: ((تؤمن بالله ورسوله ؟)) قال : نعم
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فَانْطَلِقْ))
مايفيده الحديث
١ - ينبغي الحيطة والحذر من وجود أعداء الإِسلام في صفوفهم .
٢ - لا ينبغي للمسلمين الاعتماد على غير المسلمين ولاسيما في
حالة الحرب.
(١٢٧)

مَّى اللّه رأى امرأة
١٥ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عدوية
مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان)) متفق عليه .
المفردات
رأى امرأة مقتولة : أى أبصر امرأة مشركة مقتولة في المعركة .
في بعض مغازيه : قيل هي غزوة الفتح ، وقيل الطائف والله أعلم
فأنكر قتل النساء والصبيان : أى فنهى عن قتل النساء والصبيان
في الحرب .
البحث
أورد البخاري هذا الحديث في باب قتل النساء والصبيان من طريق
الليث عن نافع أن عبدالله رضي الله عنه أخبره أن امرأة وجدت في
بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر رسول الله
عَبٍّ قتل النساء والصبيان)» ثم أورده في باب قتل النساء في الحرب
من طريق عبيدالله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : وجدت امرأة
مقتولة في بعض مغازي رسول الله عَّةٍ فنهى رسول الله عليه عن
قتل النساء والصبيان)) اهـ وقد أورد مسلم هذا الحديث من طريق الليث
باللفظ الذي أخرجه به البخاري من طريقه ثم أخرجه من طريق
عبيدالله بن عمر بقريب من اللفظ الذي أخرجه به البخاري من
طريقه أيضا حيث جاء في لفظ مسلم : وجدت امرأة مقتولة في
بعض تلك المغازي .
(١٢٨)

مایفیده الحديث
١ - يحرم على المسلم أن يتعمد قتل نساء المشركين في الحرب .
٢ - يحرم على المسلم أن يتعمد قتل صبيان المشركين في الحرب .
٣ - رحمة الإِسلام للضعفاء والمحافظة على الذين لايقاتلون .
١٦ - وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ليه
((اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شَرْخَهُمْ)) رواه أبوداود وصححه
الترمذي .
المفردات
شيوخ المشركين : يعني الأقوياء المقاتلين ذوي الجلد والقوة على
القتال ولاسيما المتمرسين في الحرب حتى ولو كانوا
كبار السن ، قال في القاموس : والشيخ والشيخون
من استبانت فيه السن أو من خمسين أو إحدى
وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين اهـ
واستبقوا شرخهم : أى ولا تقتلوا صبيانهم ، والشرخ الصغار الذين
لم يدركوا .
البحث
ذكر المصنف أن هذا الحديث رواه أبوداود وذكر في التلخيص أنه
رواه أحمد والترمذي ولم يذكر تخريج أبي داود له فقد قال في التلخيص :
(١٢٩)

قوله: روى أنه عَ لّه قال : اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم.
أحمد والترمذي من حديث الحسن عن سمرة بلفظ : واستبقوا . اهـ
١٧ - وعن علي رضي الله عنه أنهم تبارزوا يوم بدر . رواه
البخاري وأخرجه أبوداود مطولاً .
المفردات
أنهم : يعني أن عليا وحمزة بن عبدالمطلب وعبيدة بن الحارث
من المسلمين وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد
ابن عتبة من المشركين .
تبارزوا : أى برز كل قِرْنٍ إلى قِرْنه ليقاتله .
يوم بدر : أى في أول معركة بدر .
البحث
أخرج البخاري في المغازي من طريق أبي مِجْلَز عن قيس بن عُباد
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : أنا أول من يجثو بين
يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة . وقال قيس بن عباد : وفيهم
أنزلت : (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال : هم الذين تبارزوا
يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة أو أبوعبيدة بن الحارث ، وشيبة بن
ربيعة وعتبة والوليد بن عتبة . وأخرج البخاري في المغازي والتفسير
ومسلم في آخر صحيحه واللفظ للبخاري من طريق هشيم عن أبي هاشم
(١٣٠)

عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال : سمعت أباذر يقسم قسما ،
إن هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في الذين
برزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة
والوليد بن عتبة . أما حديث أبي داود فلفظه : حدثنا هارون بن
عبدالله ثنا عثمان بن عمر ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن
مضرب عن علي قال : تقدم - يعني عتبة بن ربيعة - وتبعه ابنه
وأخوه ، فنادى : من يبارز ؟ فانتدب له شباب من الأنصار ،
فقال : مَنْ أنتم ؟ فأخبروه ، فقال : لاحاجة لنا فيكم إنما أردنا بني
عمنا، فقال رسول الله عَبية: ((قم ياحمزة، قم ياعلي قم ياعبيدة
ابن الحارث ، فأقبل حمزة إلى عتبة ، وأقبلت إلى شيبة ، واختلف بين
عبيدة والوليد ضربتان ، فأثخن كل واحد منهما صاحبه ، ثم ملنا على
الوليد فقتلناه ، واحتملنا عبيدة اهـ
مايفيده الحديث
١ - للإمام أن يأذن لبعض جنده بمبارزة أقرانهم من المشركين .
٢ - لا يجوز لمن أمره الإِمام بالمبارزة أن يتأخر عن ذلك .
٣ - فضل علي بن أبي طالب وحمزة بن عبدالمطلب وعبيدة بن
الحارث رضي الله عنهم .
***
١٨ - وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: إنما نزلت هذه الآية
فينا معشر الأنصار ، يعني ﴿ولاتُلَقُوا بأيديكم إلى الثَّهْلُكَةِ﴾ قاله ردًّا
(١٣١)

على من أنكر على من حَمَلَ على صف الروم حتى دخل فيهم . رواه
الثلاثة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم .
المفردات
فينا : أى في الأنصار يعني بسبب الأنصار وقولهم: لقد نصر
الله نبيه ودخل الناس في دين الله أفواجا فلنرجع إلى
بساتيننا ونصلحها ، ونقعد فيها .
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة : أى ولا تلقوا أنفسكم في الهلاك ،
ولا تَسْعَوا في إتلاف أنفسكم .
قاله : أى أبوأيوب رضي الله عنه .
رَدًّا : أى إنكارا .
على من أنكر على من حمل على صف الروم : أى على شخص
استقبح من شخص آخر هجومه على صف الروم
وهو وحده وهم كثير وظن أن المهاجم وحده ألقى
بيده في التهلكة .
حتى دخل فيهم : أى حتى التحم بصفهم وصار وسطهم
يقاتلهم رضي الله عنه .
البحث
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : وقال الليث بن سعد عن
يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : حمل رجل من
(١٣٢)

المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبوأيوب
الأنصاري فقال ناس : ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبوأيوب : نحن أعلم
بهذه الآية ، إنما نزلت فينا : صَحِبْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
وشهدنا معه المشاهد ، ونصرناه ، فلما فشا الإِسلام وظهر اجتمعنا
معشر الأنصار تَحَبُّبًا فقلنا : قدأكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه
وسلم ونصره حتى فشا الإِسلام ، وكثر أهله ، وكنا قدآثرناه على
الأهلين والأموال والأولاد ، وقدوضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا
وأولادنا فنقيم فيهما ، فنزل فينا ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم
إلى التهلكة﴾ فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.
رواه أبوداود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره وابن أبي
حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبويعلى في مسنده وابن حبان في
صحيحه والحاكم في مستدركه كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب
به ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ، وقال الحاكم على شرط
الشيخين ولم يخرجاه اهـ ولامعارضة بين هذا وبين مارواه البخاري عن
حذيفة ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال :
نزلت في النفقة . فإن الآية تضمنت المعنيين ، كما تضمنت الأمر
بالإِحسان ولاشك أن القعود عن الجهاد من أقوى أساب طمع أعداء
الله في المسلمين والسعي في استئصال شأفتهم ولذلك تكاثرت الآيات
والأحاديث في الحض على الجهاد وقدأشار القرآن العظيم إلى أنه لاحياة
كريمة إلا بالمنهج القائم على شرع الله والسيف الذي يحمى هذا
(١٣٣)

المنهج وأهله وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا
كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا
قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ ثم يتبعها بقوله تعالى : ﴿يا أيها
الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة
واعلموا أن الله مع المتقين﴾ فالحياة بلامنهج حياة بهيمية، والمنهج
بلاسيف لإبقاء له ، والسيف بلامنهج يجعل الحياة سَبُعِيَّة غابية . والله أعلم .
مايفيده الحديث
١ - الحض على الجهاد ومداومة الاستعداد له .
٢ - كراهة الانقطاع إلى المزارع ونحوها وترك الجهاد .
٣ - أن من حمل على صف العدو ودخل فيه للقتال لايكون
قدألقى بنفسه إلى التهلكة .
٤ - أن الإلقاء في التهلكة إنما هو بترك الجهاد لابالشجاعة فيه .
*****
١٩ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حرَّق رسول الله
عٍَّ نخل بني النضير وقطع . متفق عليه .
المفردات
حرَّق رسول الله عَوّ نخل بني النضير : أى أمر رسول الله
عَ ◌ّ أصحابه في غزوة بني النضير أن يشعلوا النار
في نخيل بني النضير .
(١٣٤)

بنو النضير: هم قبيلة كبيرة من قبائل اليهود وكانوا بالبُوَيْرَة،
وتقع جنوبي مسجد قباء ، ومن العجيب قول الحافظ
في الفتح في شرح هذا الحديث : وهي هنا مكان
معروف بين المدينة وبين تيماء اهـ وتيماء تقع شمالى
المدينة بين خيبر وتبوك .
وقطع : أى وأمر أصحابه رضي الله عنهم باجتثاث بعض
أشجار بني النضير ولعلها الأشجار التي يسهل
قطعها ويصعب تحريقها لشدة خضرتها وكثرة الماء في
عروقها .
البحث
أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في كتاب المزارعة في باب
قطع الشجر والنخيل من طريق جويرية عن نافع عن عبدالله رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرَّق نخل بنى النضير وقطع
وهي البويرة ، ولها يقول حسان :
وَهَانَ عَلِى سَرَّةِ بنى لُؤَّيِّ :: حريق بالبويرة مُسْتَطِير
وساقه في الجهاد من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر
رضي الله عنهما قال : حرَّق النبيُّ صلى الله عليه وسلم نخل بني
النضير . وساقه في المغازي من طريق جويرية بن أسماء عن نافع عن
ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حرِّق نخل
بني النضير . قال : ولها يقول حسان بن ثابت :
وهان على سراة بنى لؤى :: حريق بالبويرة مستطير
(١٣٥)

وأورده في تفسير سورة الحشر من طريق ليث عن نافع عن ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله عَ له حرَّق نخل بنى النضير وقطع
وهي البويرة ، فأنزل الله تعالى: ﴿ماقطعتم من لينة أو تركتموها قائمة
على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾.
أما مسلم رحمه الله فقد أورده من طريق الليث باللفظ الذي أورده
البخاري به من طريقه ، وأورده من طريق موسى بن عقبة عن نافع
عن ابن عمر أن رسول الله عَةٌ قطع نخل بنى النضير وحَرَّقَ ، ولها
يقول حسان :
وهان على سَرَاة بنى لؤى :: حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت ﴿ماقطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها . الآية
ثم ساقه من طريق عبيدالله عن نافع عن عبدالله بن عمر قال :
حَرَّق رسولُ الله عَ ◌ّه نخل بنى النضير اهـ
أما قول حسان : (وهان على سراة بنى لؤى) فقد قال الحافظ في
الفتح : وإنما قال حسان ذلك تعييرا لقريش لأنهم كانوا أغروهم
بنقض العهد وأمروهم به ، ووعدوهم أن ينصروهم إن قصدهم النبي
صلى الله عليه وسلم اهـ
مايفيده الحديث
١ - جواز التحريق في بلاد العدو إذا كان ذلك يُشَرِّدُ مَنْ خَلْفَهُمْ.
٢ - بذل الجهد في إضعاف ((اقتصاديات)) العدو .
٣ - أن الأمر في ذلك راجع إلى إمام المسلمين بحسب مايرى فيه المصلحة.
(١٣٦)

٢٠ - وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول
الله عَةٍ: ((لَا تَغُلُّوا فإن الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ على أصحابه في الدنيا
والآخرة)) رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان .
المفردات
لاتَغُلُّوا : أى لاتخونوا في المغنم ، قال الحافظ في الفتح : (قوله
باب الغلول) . بضم المعجمة واللام أى الخيانة
في المغنم قال ابن قتيبة : سمى بذلك لأن آخذه
يغله في متاعه أى يخفيه فيه ، ونقل النووي
الإجماع على أنه من الكبائر اهـ .
فإن الغلول نار : أى فإن الخيانة في المغنم تسبب لصاحبها عذاب
النار إن لم يتجاوز الله عنه .
وعار : أى وخزى وفضيحة .
على أصحابه : أى على مرتكبيه ومقترفيه .
في الدنيا والآخرة: أى في العاجلة والآجلة ففي
الدنيا العار وفي الآخرة النار على طريق
اللف والنشر المشوش .
البحث
تقدم في الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب قول رسول الله
عَّةٍ في الوصية للغزاة: ((ولا تَغُلَّوا)) وقال البخاري (باب الغلول وقول
(١٣٧)

ء
الله عزوجل ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ ثم ساق من طريق
أبي زرعة قال : حدثني أبوهريرة رضي الله عنه قال : قام فينا النبي
عَو ◌ِّ فذكر الغلول فَعَظّمَهُ، وعَظَّمَ أمره، قال: ((لا أُلْفِيَنَّ أحدُكم يوم
القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغَاءٌ، على رقبته فرس له حَمْحَمَةٌ يقول :
يارسول الله أغثني فأقول: لاأملك لك شيئا ، قد أبلغتك، وعلى
رقبته بعير له رُغَاءٌ يقول : يارسول الله أغثني فأقول: لاأملك لك
شيئا قدأبلغتك ، وعلى رقبته صَامِتٌ فيقول : يارسول الله أغثني ،
فأقول : لاأملك لك شيئا قدأبلغتك ، وعلى رقبته رقَاعٌ تخفق فيقول :
يارسول الله أغثني فأقول: لاأملك لك شيئا، قد أبلغتك)) ثم ساق
البخاري من طريق سالم بن أبي الجعد عن عبدالله بن عمرو قال :
كان على ثَقَل النبي عَ ◌ّه رجل يقال له ((كركرة)) فمات، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو في النار)) فذهبوا ينظرون إليه
فوجدوا عباءة قدغَلْهَا اهـ وقوله في الحديث (فعظمه وعظم أمره) أي
بَيِّن عظيم ضرره وكبير شره على صاحبه ، والتُّغَاءُ صوت الشاة ،
والحمحمة صوت الفرس عند العلف وهو دون الصهيل ، والرغاء
صوت البعير والصامت الذهب والفضة وقيل : مالاروح له من
أصناف المال . والمراد بالرقاع الثياب وقوله تخفق أى تَتَقَعْقَعُ وتضطرب
إذا حركتها الرياح وقيل : تخفق أى تلمع .
وقدأخرج مسلم في صحيحه حديث أبي هزيرة من طريق أبي زرعة
أيضا بقريب من لفظ البخاري إلا أن فيه تقديما وتأخيرا وفيه :
(١٣٨)

((لاألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نَفْسٌ لها صياح)) قال الحافظ
في الفتح : وكأنه أراد بالنفس مايغله من الرقيق من امرأة أو صبي . اهـ
وحديث الشيخين هذا يفسر قوله عزوجل ﴿ومن يغلل يأت بما غل
يوم القيامة﴾ أى يأت به حاملا له على رقبته . هذا وقدقيل: إن
الغلول خاص بالخيانة في المغنم والإِغلال الخيانة مطلقا . والله أعلم .
مايستفاد من ذلك
١ - تحريم الغلول .
٢ - أن الغلول من الكبائر .
٣ - صيانة حقوق المجاهدين .
٢١ - وعن عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قَضَى بالسَّلَبِ للقاتل)) رواه أبوداود وأصله عند مسلم .
المفردات
قَضَى : أى حكم .
بالسَّلَبِ : بفتح السين واللام هو مايكون مع المقتول من لباس
وسلاح ودابة .
للقاتل : أى للغازي في سبيل الله الذي باشر قتل الكافر وأثخنه.
البحث
قال أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال : ثنا الوليد
(١٣٩)

ابن مسلم قال : حدثني صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير
ابن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال : خرجت مع
زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، فرافقني مدري من أهل اليمن ليس معه
غير سيفه ، فنحر رجل من المسلمين جزورا ، فسأله المدري طائفة
من جلده ، فأعطاه إياه ، فاتخذه كهيئة الدرق ، ومضينا ، فلقينا
جموع الروم ، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب ،
وسلاح مذهب ، فجعل الرومي يغرى بالمسلمين ، فقعد له المدري
خلف صخرة ، فمر به الرومي ، فَعَرْقَبَ فرسه ، فَخَرَّ ، وعلاه
فقتله ، وحاز فرسه وسلاحه ، فلما فتح الله عزوجل للمسلمين ،
بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب ، قال غوف : فأتيته
فقلت : ياخالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى
بالسلب للقاتل ؟ قال : بلى ولكنى استكثرته ، قلت : لتردنه عليه
أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرد عليه ،
قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقصصت عليه قصة المدري ، ومافعل خالد ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((ياخالد ماحملك على ماصنعت؟)) قال : يارسول
الله استكثرته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ياخالد رد
عليه ماأخذت منه)) قال عوف : فقلت : دونك ياخالد ألم أفٍ لك ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وماذلك؟)) فأخبرته ، قال :
فغضب رسول الله عٍَّ فقال: ((ياخالد لاترد عليه، هل أنتم تاركولى
(١٤٠)