النص المفهرس
صفحات 101-120
وقد أورده مسلم بعدة ألفاظ كذلك على نحو قريب من الألفاظ التي أخرجها به البخاري إلا أن في بعض الألفاظ من حديث أبي موسى قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يارسول الله الرجل يقاتل منا شجاعة. الحديث . ومعنى قوله : الرجل يقاتل للمغنم ، أى يخرج للقتال طلبا للغنيمة . ومعنى قوله : يقاتل للذكر أى يقاتل ليذكر بين الناس بالشجاعة ويشتهر بالجرأة حتى يقال شجاع وجريء . وقوله : يقاتل ليرى مكانه أى يقاتل رياء ومعنى قوله : يقاتل حمية أى لأجل أهله أو عشيرته أو صاحبه . ومعنى قوله : يقاتل غضبا أى لأجل حظ نفسه وانتقاما من خصمه . هذا وقدزعم بعض الناس أن القتال في الإِسلام إنما هو للدفاع فقط، ويرد عليهم هذا الحديث ، وأكثر مغازي رسول الله عَ ةٍ فإنها لم تكن دفاعا ، وإنما كانت هجوما لإِعلاء كلمة الله . مايفيده الحديث ١ - وجوب إخلاص النية عند الخروج للجهاد . ٢ - أن المجاهد الحق هو من خرج لإِعلاء كلمة الله. ٣ - الرد على من زعم أن القتال في الإِسلام للدفاع فقط. * ٨ - وعن عبدالله بن السعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((لا تنقطع الهجرة ماقُوتِلَ العَدُوُّ)) رواه النسائي وصححه ابن حبان . (١٠١) المفردات عبدالله بن السعدي : هو أبو محمد عبدالله بن السعدي، والسعدي قيل اسمه واقد وقيل عمرو وقيل قدامة وهو ابن وقدان بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي العامري ، قيل لأبيه السعدي لأنه كان مسترضعا في بني سعد . وقال فيه بعضهم ابن الساعدي ، وقدسكن عبدالله الأردن قيل إنه توفي سنة سبع وخمسين وقيل غير ذلك والله أعلم . لاتنقطع الهجرة : أى لاتبطل مشروعية الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإِسلام . ماقوتل العدو : أى مادامت الحرب مستمرة بين أهل الإِسلام وأهل والشرك ، ومادام الجهاد ماضيا . البحث قال النسائي : أخبرنا عيسى بن مُساوٍر قال : حدثنا الوليد عن عبدالله بن العلاء بن زَيْر عن بُسْر بن عبيدالله عن أبي إدريس الخولاني عن عبدالله بن واقد السعدي قال : وفدت إلى رسول الله عَّةٍ في وفد ، كلنا يطلب حاجة ، وكنت آخرهم دخولا على رسول الله عَلٍ، فقلت: يارسول الله إني تركت من خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قدانقطعت . قال : ((لاتنقطع الهجرة ماقوتل الكفار)) أخبرنا (١٠٢) محمود بن خالد قال : حدثنا مروان بن محمد قال حدثنا عبدالله بن العلاء بن زَيْر قال حدثني بُسْر بن عبيدالله عن أبي إدريس الخولاني عن حسَّان بن عبدالله الضمري عن عبدالله بن السَّعدي قال : وفدنا على رسول الله عَ لّ فدخل أصحابي فقضى حاجتهم ، وكنت آخرهم دخولا، فقال: ((حاجتك؟)) فقلت : يارسول الله متى تنقطع الهجرة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاتنقطع الهجرة ماقوتل الكفار)) اهـ أما أحمد رحمه الله فقد أخرجه من طريق الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن مالك بن يخامر عن ابن السعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاتنقطع الهجرة مادام العدو يقاتل)) اهـ قال الهيثمي : رجال أحمد ثقات ، هذا وقدتقدم في بحث الحديث السادس مزيد بحث لموضوع بقاء الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام والله أعلم . مايفيده الحديث ١ - أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لاتنقطع إلى يوم القيامة . ٢ - أن قول رسول الله عَ ليه ((لاهجرة بعد الفتح)) يعني من مكة إلى المدينة لأن مكة صارت دار إسلام . ٣ - أن الجهاد لإعلاء كلمة الله ماض إلى يوم القيامة . ****** (١٠٣) ٩ - وعن نافع رضي الله عنه قال: أغار رسول الله عَ يي على بني المصطلق وهم غَارُّونَ فقتل مقاتلتهم وسَبَى ذراريهم ، حدثني بذلك عبدالله بن عمر . متفق عليه . وفيه : وأصاب يومئذ جويرية. المفردات نافع : هو أبوعبدالله نافع مولى عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أصابه ابن عمر في بعض مغازيه. وقدروى عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي لبابة بن عبدالمنذر وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم كما روى عنه أولاده أبوعمر وعمر وعبدالله ، وعبدالله بن دينار وصالح بن كيسان ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس والليث بن سعد وخلق كثير قال في تهذيب التهذيب: قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، وقال البخاري : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ، وقال بشر بن عمرو عن مالك : كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لاأبالي أن لاأسمعه من غيره ، وقال عبدالله بن عمر : لقد من الله تعالى علينا بنافع وقال في تهذيب التهذيب أيضا ، وقال ابن شاهين في الثقات : قال أحمد بن (١٠٤) صالح المصري : كان نافع حافظا ثبتا له شأن وهو أكبر من عكرمة عند أهل المدينة ، وقال الخليلي : نافع من أئمة التابعين بالمدينة إمام في العلم ، متفق عليه ، صحيح الرواية ، منهم من يقدمه على سالم ، ومنهم من يقارنه به ، ولايعرف له خطأ في جميع مارواه اهـ وقد اختلف في سنة وفاته فقيل سنة ١١٧ هـ وقيل ١١٩ هـ وقيل ١٢٠ هـ رحمه الله . أغار : أى هجم . المصطلق : بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف ، والمصطلق لقب جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة . وهم بطن من خزاعة ، وكانوا على ماء يقال له المريسيع بينه وبين الفُرْع مسيرة يوم وهو قريب من ساحل البحر ، وهم رهط جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها وكان أبوها الحارث بن أبي ضرار هو ملكهم وقائدهم . وقدذكر ابن إسحاق أن هذه الغزوة كانت سنة ست من الهجرة في شعبان . وقيل كانت في شعبان سنة خمس وذكر البخاري عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع قال الحافظ في الفتح : كذا ذكره البخاري وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس (١٠٥) فكتب سنة أربع ، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبوسعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب ثم قاتل رسول الله عَّةٍ بني مصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس اهـ وهم غارُّون : أى وهم غافلون . مقاتلتهم : أى من يصلح للقتال ومن كان متهيئا له منهم. وسَبَى ذراريهم : أى وأخذ منهم من لايصلح للقتال عبيدا . وفيه : وأى وفي حديث نافع عن ابن عمر المتفق عليه . وأصاب يومئذ جويرية : أى وسبى يوم غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار وقد أعتقها رسول الله صّلى الله وتزوجها رضي الله عنها . البحث أورد البخاري هذا الحديث في كتاب العتق من طريق شيخه علي ابن الحسن أخبرنا عبدالله أخبرنا ابن عون قال : كتبت إلى نافع فكتب إليَّ: إن النبي عَ ◌ِّ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تُسقَى على الماء ، فقتل مقاتلتهم ، وسَبَى ذرارِيَّهم ، وأصاب يومئذ جويرية . حدثني به عبدالله بن عمر وكان في ذلك الجيش اهـ وقال مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا سُلَيْم بنُ أخضر عن ابن عون قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال (١٠٦) قال : فكتب إلىَّ : إنما كان ذلك في أول الإِسلام ، قدأغار رسول الله عَ لّم على بني المصطلق وهم غارُّون ، وأنعامهم تُسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سَبْيَهُمْ ، وأصاب يومئذ (قال يحيى أحسبه قال) جويرية ، (أوقال ألبتة) ابنة الحارث وحدثني هذا الحديث عبدالله بن عمر ، وكان في ذلك الجيش . وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون بهذا الإسناد مثله وقال : جويرية بنت الحارث ولم يشك اهـ وقوله في لفظ مسلم : (قال يحيى أحسبه قال) جويرية (أوقال ألبتة) ابنة الحارث . يعني قال يحيى: أظن شيخي سليم بن أخضر قال : أصاب يومئذ جويرية ولم يكتف بقوله : بنت الحارث أو قال : جويرية بنت الحارث ألبتة يعنى جزما بلاشك هذا وقد حاول بعض أعداء الإسلام من اليهود والنصارى أن يلبسوا على بعض الأغرار بأن الإِسلام إنما انتشر بالسيف ، فقال بعض الناس من المنتسبين للعلم إن القتال في الإِسلام للدفاع ، وتغافلوا عن الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة الثابتة في أن الجهاد إنما هو لإعلاء كلمة الله ونسى هؤلاء أو تناسوا أن الشرائع السماوية السابقة كلها متفقة على الجهاد لإعلاء كلمة الله وأنها ما كانت تبيح الأسر إلا بعد التقتيل الشديد في أعداء الله وإلى ذلك يشير الله تبارك وتعالى حيث يقول : ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ على أن اليهود والنصارى لم يقفوا في هذا الباب عند حدود ماشرع لهم على لسان أنبيائهم بل كانوا لايتركون حيا يمشي على الأرض في المدن والقرى التي يحاربونها ، وما محاكم التفتيش التي أقامها النصارى (١٠٧) ضد مسلمي الأندلس ولامذابح اليهود للمسلمين في فلسطين ولبنان بخافية على أحد ، مع الفارق العظيم بين معاملة أهل الإِسلام لمن يكون تحت أيديهم من الكفار من الرحمة والإِحسان لهم حتى أشار الله عزوجل إلى أن إطعام الأسير الكافر من أعظم مايقرب العبد من ربه حيث يقول في ورثة الجنة من الأبرار : ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولاشكورا﴾ وسيأتي في الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب النهي عن قتل الصبيان ، والتمثيل بالقتلى ، كما سيأتي في الحديث الخامس عشر من أحاديث هذا الباب إنكار قتل النساء والصبيان ، فلله الحمد والشكر على نعمة الإسلام دين الرحمة والإِحسان . مايفيده الحدیث ١ - مشروعية الهجوم على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإِسلام ورفضوا الدخول فيه إذا رأى إمام المسلمين ذلك . (٢) الرد على من زعم أن الجهاد لايكون إلا دفاعا فقط. (٣) مشروعية استرقاق المشركين في حالة الحرب . ١٠ - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال : كان رسول الله عَ له إذا أَمَّر أميرا على جيش أو سَرِيَّةٍ أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: ((اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كَفَرَ بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا ولا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لَقِيت عدوك من المشركين (١٠٨) فَادْعُهُمْ إلى ثلاث خصال فَأَيَّتُهُنَّ أجابوك إليها فاقبل منهم وَكُفَّ عنهم : ادْعُهُمْ إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل منهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، فإن أبَوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ولا يكون لهم في الغنيمة والفَىء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فَإِنْ هُمْ أَبَوا فاسألهم الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم ، فإن هم أَبُوْا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإذا حَاصَرْتَ أهل حِصْنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلاتفعل ولكن اجعل لهم ذمتك فإنكم إن تُخْفِرُوا ذمتكم أهْوَنُ من أن تُخْفِرُوا ذمة الله ، وإن أرادوك أن تُنْزِلَهُمْ على حكم الله فلاتَفْعَلْ بل على حُكْمِكَ، فإنك لاتدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا ؟)) أخرجه مسلم . المفردات إذا أمَّر أميرا : أى إذا عين قائدا للقتال . على جيش : أى على جُنْد متجه لقتال العدو . أو سرية: قال في القاموس: والسرية من خمسة أَنْفُسٍ إلى ثلثمائة أو أربعمائة أهـ . والمراد القطعة من الجيش تخرج منه لشن غارة على العدو ثم ترجع إلى الجيش . أوصاه : أى نصحه وعهد إليه . في خاصته : أى في نفسه . بتقوى الله : أى باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه والوقوف عند حدوده. وبمن معه من المسلمين خيرا : أى وأوصاه بالرفق بمن تحت إمرته : (١٠٩) من المسلمين والرحمة بهم والشفقة عليهم وتسهيل وتيسير أمورهم . اغزوا باسم الله في سبيل الله : أى اخرجوا لقتال أعداء الله مصحوبين باسم الله لإِعلاء كلمة الله . قاتلوا من كفر بالله : أى حاربوا من جحد ربوبية الله وألوهيته وأسماءه الحسنى وصفاته العلى ، وكذب كتاب الله ورسله ولم يؤمن بملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره . ولا تَغُلُّوا : أى ولا تخونوا في المغنم على حد قوله تعالى : ((ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)) ولا تغدروا : أى ولا تنقضوا العهد إذا عاهدتم . ولا تُمَثَلُوا : أى ولا تُشَوِّهُوا القتلى بقطع أطرافهم أو جدع آذانهم أو أنوفهم . وليدا : أى صبيا . وإذا لقيت عدوك من المشركين : أى وإذا واجهت جيش العدو الكافر . فادعهم إلى ثلاث خصال : أى فاطلب منهم إحدى ثلاث خصال. فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم : أى فأى واحدة من تلك الخصال قبلوا منك فاقبل منهم . وكُفّ عنهم : أى وامتنع عن قتالهم ولاتؤذهم في الأخريين . ادعهم إلى الإِسلام: أى اطلب منهم الدخول في الإسلام وهذه (١١٠) هي الخصلة الأولى .. فإن أجابوك فاقبل منهم : أى فإن دخلوا في دين الإِسلام فاقبل منهم فقد صاروا إخوة لك . ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين : أى ثم بعد دخولهم في الإِسلام اطلب منهم أن ينتقلوا من موطنهم في بلاد الكفار إلى المدينة المنورة لينضموا لجيش المسلمين وجماعتهم ويقيموا في دار الإِسلام تحت ولاية الإِمام . وهذا كان قبل فتح مكة . فَإِن أَبُوا: أى فإن امتنعوا عن الانتقال من دارهم إلى دار المهاجرين . كأعراب المسلمين : أى كسكان البادية من المسلمين من غير هجرة ولاغزو فإنهم وقتئذ كانت تجري عليهم أحكام الإِسلام ولاحق لهم في الغنيمة . في الغنيمة : وهي مايستولى عليه المسلمون من أعدائهم بالقتال . والفيء : وهو مايستولى عليه الإِمام من العدو بدون قتال . إلا أن يجاهدوا مع المسلمين : أى لكن إن قاتلوا مع المسلمين شاركوهم في أموال الغنيمة والفيء . فإن هم أبوا : أى فإن امتنعوا عن الدخول في الإِسلام . فاسألهم الجزية : أى فاطلب منهم أن يؤدوا الجزية وهي مايدفعه الذمي لإمام المسلمين من الخراج عن رأسه ، وهذه (١١١) هي الخصلة الثانية . فإن هم أجابوك فاقبل منهم : أى فإن هم قبلوا أن يؤدوا الجزية فامتنع عن قتالهم . فإن هم أبوا : أى فإن هم رفضوا دفع الجزية بعد أن رفضوا الدخول في الإسلام . فاستعن بالله وقاتلهم : أى فاعتمد على الله وتوكل عليه وحاربهم . وهذه هي الخصلة الثالثة . وإذا حاصرت أهل حصن : أى وإذا أحطت بعدوك وضيقت عليهم وهم في مكان حصين لايوصل إلى جوفه . فأرادوك : أى فطلبوا منك . ذمة الله وذمة نبيه: أى عهد الله وعهد نبيه محمد ع لل. . فلا تفعل : أى فلاتعاهدهم على ذمة الله وذمة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا تجعل لهم ذلك. ولكن اجعل لهم ذمتك : أى ولتكن المعاهدة على ذمتك وعهدك أنت لا على عهد الله وعهد رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه قدينقضها من لايعرف حقها وحرمتها من بعض الأعراب . إِن تُخُفِرُوا دمنكم : أى إن تغدروا بذمتكم . وتخفروا بضم التاء وكسر الفاء من الإِخفار وهو نقض العهد . (١١٢) أهون من أن تخفروا ذمة الله : أى أيسر من أن تغدروا بعهد الله أن تُنْزِلَّهُمْ على حكم الله : أى أن تتفق معهم على أن يكون الحَكَمُ بينكما هو حُكْم الله . بل على حكمك : أى بل أَنْزِلُهُمْ على حكمك أيها الأمير على أن تجتهد في أن يكون حكمك في حدود شرع الله . لاتدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا : أى لاتعلم هل يوافق قضاؤك فيهم مايحبه الله من القضاء فيهم أولا ؟ لاسيما إذا كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي قدتخفى على بعض الناس . البحث سبق قلم الصنعاني وهو يكتب حديث سليمان بن بريدة هذا في بلوغ المرام عند شرحه لهذا الحديث في سبل السلام فقال : وعن سليمان بن بريدة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا ثم قال: ((اغزوا على اسم الله تعالى. ثم أكمل الحديث باللفظ الذي سقته . فقوله عن عائشة خطأ ظاهر وقدتابعه على هذا الخطأ الظاهر صديق حسن خان في فتح العلام ، والحديث إنما هو من رواية سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ولي الح لاذكر لعائشة رضي الله تعالى عنها فيه . قال مسلم رحمه الله : حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع (١١٣) ابن الجراح عن سفيان ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان قال : أملاه علينا إملاء ح وحدثني عبدالله بن هاشم (واللفظ له) حدثني عبدالرحمن (يعني ابن مهدي) حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله عَّ له إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: ((اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ، ولا تَغُلُّوا ، ولا تَغْدِرُوا ، ولا تُمَثِّلُوا ، ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهن ماأجابوك فاقبل منهم وَكَفَ عنهم ، ثم ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فاقبل وَكُفّ عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ماللمهاجرين ، وعليهم ماعلى المهاجرين ، فإن أَبُوا أَن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولايكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم أبوا فَسَلْهُم الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلاتجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، ولكن جعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم أن تُخْفِرُوا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنْزِلَهُمْ (١١٤) على حكم الله فلاتنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لاتدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ؟)) قال عبدالرحمن هذا أو نحوه ، وزاد إسحاق في آخر حديثه عن يحيى بن آدم قال : فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان (قال يحيى يعني أن علقمة يقوله لابن حيان) فقال حدثني مسلم بن هيصم عن النعمان بن مقرن عن النبي عَةٍ نحوه . وحدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبدالصمد بن عبدالوارث حدثنا شعبة حدثني علقمة بن مرثد أن سليمان بن بريدة حدثه عن أبيه قال: كان رسول الله عَّ إذا بعث أميرا أو سرية دعاه فأوصاه ، وساق الحديث بمعنى حديث سفيان . حدثنا إبراهيم حدثنا محمد بن عبدالوهاب الفَرَّاء عن الحسين ابن الوليد عن شعبة بهذا . اهـ وقوله في لفظ مسلم (ثم ادعهم إلى الإِسلام) بإثبات ثم ، قال النووي : هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم ، والصواب - كما قال القاضي - رواية ((ادعهم)) بإسقاط ثم ، وقدجاء بإسقاطها على الصواب في سنن أبي داود اهـ . مايفيده الحديث ١ - ينبغي للإِمام أن يوصي أمراءه وقواد جيشه بتقوى الله عزوجل. ٢ - أن تقوى الله تعالى من أعظم أسباب النصر على الأعداء، والتمكين في الأرض . ٣ - تحريم الغلول من الغنيمة . ٤ - تحريم الغدر . ٥ - تحريم المثلة . (١١٥) ٦ - تحريم قتل من لم يبلغ الحلم من أبناء المشركين . ٧ - وجوب دعوة المشركين إلى الإِسلام قبل قتالهم إذا لم تكن قدبلغتهم الدعوة . ٨ - أن المشركين إذا قبلوا الإِسلام يجب الكف عن قتالهم فورا . ٩ - إذا امتنع المشركون عن الدخول في الإسلام طلب الأمير منهم دفع الجزية . ١٠ - إذا قبلوا دفع الجزية للمسلمين وجب الكف عن قتالهم فورا. ١١ - إذا امتنع المشركون عن دفع الجزية استعان قائد الجيش بالله تعالى وأصدر أمره إلى جيشه أو سريته بقتالهم . ١٢ - يجب أن يكون المقصد الأهم عند الجيش هو إعلاء كلمة الله تعالى . ١٣ - الرد على من زعم أن القتال في الإِسلام إنما هو للدفاع فقط. ١٤ - أن من أسلم من المشركين ولم يهاجر إلى دار الإِسلام لاحظ له في غنائم المسلمين وفيئهم . ١٥ - أنه يجب على المسلم الالتزام بشرائع الإسلام ولو كان مقیما بدار الكفر ***** صَلىالله علوسة ١١ - وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها . متفق عليه . المفردات كعب بن مالك : هو كعب بن مالك بن أبي كعب واسمه عمرو (١١٦) ابن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي أبوعبدالله ويقال أبو محمد ويقال أبوبشير ، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة وأحد الثلاثة الذين خُلِّفوا وتاب الله عليهم وطلب من المسلمين أن يقتدوا بهم في الصدق وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهو أحد الشعراء الثلاثة من الأنصار الذين كانوا ينافحون عن رسول الله عَّ له وعن الإِسلام بشعرهم وهم حسان وعبدالله بن رواحة وكعب رضي الله عنهم، وقدشهد المشاهد كلها مع رسول الله عَ ظيم سوى بدر وتبوك مات في خلافة علي رضي الله عنه وقيل بعد ذلك . والله أعلم . إذا أراد غزوة : أى إذا عزم على قتال جماعة من المشركين في جهة من الجهات . وري بغيرها : أى عمل عملا قديفهم منه غير خاصته أنه لايريد غزو هذه الجهة وإنما يريد غزو جهة أخرى كما إذا كان قصده الحقيقي الاتجاه إلى الشمال فيسأل كثيرا عن جهة الجنوب أو الشرق أو الغرب فيتبادر إلى الذهن أنه يريد غير جهة الشمال مثلا ، فيعمى الأمر على العدو حتى لا يستعد العدو استعدادا .(١١٧) لملاقاته وفي هذا ((التخطيط الحربي)) رحمة بالعدو وإحسان إليه ليسارع إلى الاستسلام فيسعد بالدخول في دين الله واتباع حبيبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وقداتخذ رسول الله عَ ل هذه الخطة عند هجرته فاتجه من مكة إلى غار ثور وهو يقع جنوبي مكة لعلمه أن العدو سيكون أكبر همه البحث عنه في جهة الشمال من مكة لما قام في نفوسهم أنه إن هاجر اتجه إلى المدينة المنورة ، والتورية تدور على معنى الستر والتغطية قال في القاموس : وورَّه تورية أخفاه كواراه والخَبَرَ جعله وراءه ، وعن كذا أراده وأظهر غيره ، وعنه بَصَرَهُ دفعه وتوارى استتر اهـ وقال الحافظ في الفتح : معنى ورَّى ستر وتستعمل في إظهار شيء مع إرادة غيره ، وأصله من الوَرْى يفتح ثم سكون وهو ما يجعل وراء الإِنسان لأن من ورى بشيء كأنه جعله وراءه وقيل : هو في الحرب أخذ العدو على غرة اهـ والتورية عند البلاغيين : أن يَذْكُرَ المتكلم لفظا يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد . البحث هذا الحديث أورده البخاري في كتاب الجهاد في باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها ومن أحب الخروج إلى السفر يوم الخميس وساقه من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك أن عبدالله بن كعب (١١٨) وكان قائد كعب من بنيه قال سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول الله عَ لّه ولم يكن رسول الله عَ ◌ّه يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها . ثم ساقه من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك قال : سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يقول : كان رسول الله ◌َوِّ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ، واستقبل غزو عدو كثير فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، وأخبرهم بوجهه الذي يريد ثم ذكر من طريق عبدالرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه كان يقول : لَقَلَّمَا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس . ثم ساقه البخاري في المغازي ضمن حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في قصة تخلفه عن غزوة تبوك من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك أن عبدالله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمى قال : سمعت كعب بن مالك يحدث - حين تخلف - عن قصة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يُعَاتِبْ أحدا تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله عَوسة يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله عَوبيٍ ليلة العقبة (١١٩) حين تواثقنا على الإِسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشْهَدَ بدر، وإن كانت بدر أَذْكَرَ في الناس منها . كان من خبري أني لم أكن قَطُّ أقوى ولاأيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله مااجْتَمَعَتْ عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها . وساق البخاري الحديث بتمامه . أمامسلم رحمه الله فقد أورده ضمن أحاديث التوبة من طريق محمد بن عبدالله بن مسلم بن أخي الزهري عن عمه محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك أن عبيدالله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب حين عمى قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله عَطّةٍ في غزوة تبوك وساق الحديث وزاد فيه على يونس: فكان رسول الله عَ لّه قلما يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة اهـ وكان مسلم قدأورد قبل هذا الحديث حديث تخلف كعب عن غزوة تبوك وتوبة الله عليه مطولا من طريق يونس عن ابن شهاب بهذا الإسناد ، ولم يذكر فيه حديث الباب . مايفيده الحديث 13 ١ - حرص رسول الله عَبدٍ على مباغتة المشركين حتى تَقِلّ خسائرهم في الأرواح رجاء هداية الله لهم . ٢ - جواز الهجوم على العدو قبل دعوتهم عند الحرب مادامت قدبلغتهم قبل ذلك دعوة الإِسلام . ٣ - الرد على من زعم أن القتال في الإِسلام هو للدفاع فقط . ٤ - حسن التخطيط للحرب قبل إعلانه . (١٢٠)