النص المفهرس
صفحات 61-80
الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر : أى وليس في المدينة المنورة شراب مسكر إلا المصنوع من التمر يعني من ثمر النخل ويقال له : الفضيخ إذا كان من بسر خالص فإن كان معه تمر فهو الخليط . البحث أخرج مسلم حديث أنس بعدة ألفاظ منها : كنت ساقي القوم يوم حُرِّمت الخمر في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ : البسر والتمر)) وفي لفظ من طريق سليمان التيمي عن أنس قال: إني لقائم على الحي على عمومتي أسقيهم من فضيخ لهم وأنا أصغرهم سنا فجاء رجل فقال : إنها قدحرمت الخمر ، فقالوا : اكفئها ياأنس فكفأتها . قال : قلت لأنس : ماهو ؟ قال : بُسر ورطب . وفي لفظ من طريق قتادة عن أنس بن مالك قال : كنت أسقى أباطلحة وأبادجانة ومعاذ بن جبل في رهط من الأنصار فدخل علينا داخل فقال : حدث خبر ، نزل تحريم الخمر فأكفأناها يومئذ وإنها لخليط البسر والتمر قال قتادة : وقال أنس : لقد حرمت الخمر وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر . ثم أخرجه باللفظ الذي ساقه المصنف . وسيأتي في الحديث الذي يلي هذا الحديث ما يفيد أن (٦١) الخمر كانت تصنع عندهم من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير . وأن الخمر ماخامر العقل . وحديث أنس رضي الله تعالى عنه يشعر بأن أكثر خمورهم كانت تصنع من التمر ، وليس مراده نفي وجود خمر مصنوع من نوع آخر ، لأن نفيه إنما هو على حد علمه ، فإذا ثبت وجود خمر مصنوع من نوع آخر فالمثبت مقدم على النافي . والله أعلم . مايفيده الحديث ١ - أن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب . ٢ - أن المتخذ من البسر والتمر يسمى خمرا أيضا . ٦ - وعن عمر رضي الله عنه قال : نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسةٍ من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل . متفق عليه . المفردات وهي من خمسة : أى وهي تصنع من خمسة أشياء . والخمر ماخامر العقل : أى والخمر تطلق على كل ماخالط العقل وغطاه من المشروبات ونحوها . البحث هذا الحديث قاعدة من القواعد الشرعية التي تقرر أن كل ماغطى (٦٢) العقل وخمره وأزال إدراكه من مشروب أو مأكول أو غيره يسمى خمرا ولا يحل تعاطيه ، ويحد من تناوله باختياره من المكلفين وهو يفيد أن الحصر في حديث أنس الذي قبله ليس على إطلاقه وأن المراد من حديث أنس هو الأعم الأغلب في الاستعمال آنذاك : قال الحافظ في الفتح : (قوله نزل تحريم الخمر وهي من خمسة) الجملة حالية أى نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خمسة ، ويجوز أن تكون استئنافية أو معطوفة على ماقبلها والمراد أن الخمر تصنع من هذه الأشياء لاأن ذلك يختص بوقت نزولها ، والأول أظهر لأنه وقع في رواية مسلم بلفظ : ألا وان الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء اهـ مايفيده الحديث ١ - أن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب . ٢ - أن الخمر قدتتخذ من التمر والعسل والحنطة والشعير كما تتخذ من العنب . ٣ - أن الخمر اسم لكل ماخامر العقل فيعم المشروبات والمأكولات التي تسکر علِنَّدٍ قال: ((كل ٧ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي مسكر خمر ، وكل مسكر حرام)) أخرجه مسلم . (٦٣) المفردات كل مسكر خمر : أى كل ماغطى العقل وأزال الإِدراك والتمييز من مشروب أو مأكول يسمى خمرا وينطبق عليه حكم الخمر . وكل مسكر حرام : أى وكل ماثبت إسكاره ثبت تحريمه . البحث حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا يفيد ماأفاده الحديث الذي قبله من أن الخمر اسم لكل ماخامر العقل وأسكر وقد أخرج البخاري من طريق سفيان عن أبي الجويرية قال : سألت ابن عباس عن الباذق فقال : سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق ، فما أسكر فهو حرام . قال : الشراب الحلال الطيب ، قال ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث . اهـ والباذق خمر تتخذ من العسل ، وقيل هو الطلاء وقال في القاموس : الباذق بكسر الذال وفتحها ماطبخ من عصير العنب أدنى طبخة فصار شديدا اهـ وقال الحافظ في الفتح : وقال ابن التين : هو فارسي معرب : وقال الجواليقي : أصله باذه وهو الطلاء وهو أن يطبخ العصير حتى يصير مثل طلاء الإِبل اهـ والطلاء بكسر المهملة هو الدبس شبه بطلاء الإِبل وهو القطران الذي يدهن به ، والله أعلم . مايفيده الحديث ١ - أن كل مسكر خمر . (٦٤) ٢ - وأن كل مسكر حرام . ٣ - وأن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب . ٨ - وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال : ((ماأسكر كثيره فقليله حرام)) أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان المفردات ماأسكر كثيره فقليله حرام : أى كل شيءيسكر الشخص إذا تناول منه الشيء الكثير ولايسكره إذا تناول منه الشيء القليل فإنّ تَنَاوُلَ القليل منه محرم وإن لم يسكر مادام الكثير منه يسكر . البحث قال في تلخيص الحبير : حديث جابر : ماأسكر كثيره فالفرق منه حرام . ابن ماجه من حديث سلمة بن دينار عن ابن عمر وفي إسناده ضعف وانقطاع ، ورواه أبوداود والترمذي وابن ماجه أيضا من حديث جابر لكن لفظه : ماأسكر كثيره فقليله حرام . حسنه الترمذي ورجاله ثقات. ورواه النسائي والبزار وابن حبان من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله عَ بد نهى عن قليل ماأسكر كثيره ، وفي الباب عن علي وعائشة وخوات بن جبير وسعد وعبدالله بن عمرو وابن عمر وزيد بن ثابت اهـ وقدقال الترمذي بعد أن أخرج حديث جابر : وفي الباب عن سعد (٦٥) وعائشة وعبدالله بن عمرو وابن عمر وخوات بن جبير . هذا حديث حسن غريب من حديث جابر اهـ مايستفاد من ذلك ١ - أن ماأسكر كثيره فقليله حرام وإن لم يسكر . ٢ - وجوب سد ذرائع المسكرات والابتعاد عن سائر وسائلها . ****** ٩ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنْبَذُ له الزَّبيب في السقاء فيشربه يَوْمَهُ والغَدَ وبعد الغد ، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه ، فإن فضل شيء أهراقه . أخرجه مسلم . المفردات ينبذ له: أى يُطْرَحُ من اَجْلِ رسول الله عَ لّه ويُنْقَعُ. الزبيب : هو الجاف الذاوي من العنب . في السقاء : قال في القاموس : والسِّقَاء كَكِساء جلد السخلة إذا أجذع يكون للماء واللبن ج أسقية وأسقيات وأساق اهـ يومه : أى في اليوم الذي انتبذ فيه . والغد : أى واليوم الثاني من انتباذه . وبعد الغد : أى وفي اليوم الثالث من انتباذه . (٦٦) فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه : أى فإذا كان آخر اليوم الثالث من انتباذه يشرب منه ويسقي منه غيره. فإن فضل منه شيء أهراقه : أى فإن بقى منه شيء لم يشرب مساء الثالثة صبه على الأرض وامتنع من شربه أو سقيه . يقال: هَرَاقَهُ وَأَهْرَقَهُ وَأَهْرَاقَهُ وأراقه أى صبه . البحث حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم بعدة روايات من عدة طرق فأخرجه باللفظ الذي ساقه المصنف من طريق إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن الأعمش عن يحيى بن أبي عمر عن ابن عباس وأخرجه من طريق عبيدالله بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة عن يحيى بن عبيد أبي عمر البَهراني قال : سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله عَّ اللّه ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقى شيء سقاه الخادم أو أمَرَ به فَصُبَّ . ثم قال مسلم حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يحيى البهراني قال : ذكروا النبيذ عند ابن عباس فقال : كان رسول الله عَو ◌ّلٍ ينتبذ له في سقاء قال شعبة من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر فإن فضل منه شيء سقاه الخادم أو صبه ، وحدثنا أبوبكر ابن أبي شيبة وأبوكريب وإسحاق بن إبراهيم (واللفظ لأبي بكر وأبي كريب) قال إسحاق : أخبرنا وقال الآخرين : حدثنا أبومعاوية عن الأعمش (٦٧) عن أبي عمر عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنقَعُ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق . وقوله في رواية عبدالله بن معاذ العنبري (سقاه الخادم أو أمر به فصب) وقوله في رواية محمد بن بشار (سقاه الخادم أو صبه) وقوله في رواية أبي بكر وأبي كريب (ثم يأمر به فيسقي أو يهراق) ((أو)) فيه للتنويع أى إذا وجد له من يشربه سقاه . فإن لم يجد من يشربه صبه لأنه يبدأ فساده بعد ذلك . وليس المراد استواء حالة النبيذ عند ما يعطيه الخادم أو يصبه . بل ليس المراد أيضا اختصاص الخادم بشربه آنذاك بدليل رواية أبي بكر وأبي كريب (ثم يأمر به فيسقي أو يهراق)) فهي أعم وقدتكاثرت الأحاديث الصحيحة الصريحة في أمر رسول الله عَ ليه بتكريم الخادم وإطعامه مما يطعم مخدومه . ولانزاع عند أهل العلم في أن نقع الزبيب في الماء أو نقع التمر في الماء مباح مادام لم يتغير ولم يتطرق إليه الفساد ويسمى وهو بهذه الحالة نبيذا . كما أنه إن تغير وفسد يسمى نبيذا كذلك وهو حرام حينئذ قال النووي : في هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ وجواز شرب النبيذ مادام حلوا ، لم يتغير ولم يغل وهذا جائز بإجماع الأمة اهـ مايفيده الحديث ١ - جواز طرح الزبيب أوالتمر مع الماء في السقاء وشربه مادام حلوا. ٢ - لا يجوز أن يشرب من مثل هذا النبيذ أكثر من ثلاثة أيام . * (٦٨) ١٠ - وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي عَبةٍ قال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّمَ عليكم)) أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان. المفردات شفاءكم : أى دواء مرضكم وعلاج سَقَامكم . فيما حرَّم عليكم : أى فيما نهاكم عن تناوله من الأشربة أو الأطعمة أو غيرها . البحث لعل إيراد المصنف لهذا الحديث هنا في باب حد شارب الخمر وبيان المسكر للتنبيه على أنه لا يحل لأحد أن يتعاطاها بدعوى التداوى وأن مثل هذه الدعوى لاتكون عذرا يدرأ الحد عنه وقد علق البخاري رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم . قال الحافظ في الفتح : قدرويت الأثر المذكور في فوائد علي بن حرب الطائي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال : اشتكى رجل منا يقال له خيثم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره . وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد في كتاب الأشربة والطبراني في الكبير من طريق أبي وائل نحوه ، وروينا في نسخة داود بن نصير الطائي بسند صحيح عن مسروق قال : قال عبدالله هو ابن مسعود : لاتسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة ، وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم (٦٩) وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك . ثم قال الحافظ : وأخرج إبراهيم الحربي في غريب الحديث من هذا الوجه قال : أتينا عبدالله في مجدرين أو محصبين نعت لهم السكر فذكر مثله وجواب ابن مسعود شاهد آخر أخرجه أبويعلى وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة قالت : اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز فدخل النبي عَّ وهو يغلى، فقال: ((ماهذا؟)) فأخبرته فقال : ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّمَ عليكم)) اهـ وسيأتي مزيد بحث لهذا في الحديث الذي يلي هذا الحديث إن شاء الله تعالى . ١١ - وعن وائل الحضرمي أن طارق بن سُوَيْد رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصنعها للدواء فقال : ((إنها ليست بدواء ولكنها داء)) أخرجه مسلم وأبوداود وغيرهما. المفردات وائل الحضرمي : هو وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه . طارق بن سويد : قال في تهذيب التهذيب : طارق بن سويد ويقال : سويد بن طارق الحضرمي ويقال الجعفي . له صحبة ، حديثه عند أهل الكوفة . روى عن النبي عَ له في الأشربة روى حديثه سماك بن حرب واختلف عليه فيه فقال شعبة عنه عن علقمة (٧٠) ابن وائل عن أبيه قال : ذكر طارق بن سويد أو سويد بن طارق . وقال حماد بن سلمة عن علقمة عن طارق ولم يشك ولم يذكر أباه . قلت : قال أبوحاتم الرازي : سويد بن طارق أشبه . وقال البخاري : في اسمه نظر ، وقال البغوي : الصحيح عندي طارق بن سويد وكذا قال أبوعلي ابن السكن وقال ابن مندة : سويد بن طارق وهم اهـ وقدرمز في التقريب وتهذيب التهذيب إلى أنه أخرج حديثه أبوداود وابن ماجه ولم يشر إلى تخريج مسلم له . عن الخمر يصنعها للدواء : أى عن حكم صناعة الخمر للعلاج فقط . فقال : أى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنها ليست بدواء : أى إن الخمر لاتكون علاجا وشفاء . ولكنها داء : أى ولكن الخمر مرض . وغيرهما : كأحمد وابن ماجه وابن حبان . البحث قال مسلم في صحيحه : حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (واللفظ لابن المثنى) قالا : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل الحضرمي أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال : إنما أصنعها . (٧١) للدواء فقال: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) . وقد أثبتت التحاليل ((الكيمائية)) للمسكرات خطورة ماتحتويه من مواد تهدم خلايا المخ وتصيبه بالشلل وتفتك بالجهاز (العصبي) للإنسان ، مع التأثير السام المباشر على عضلة القلب، وانخفاض قدرة الكبد على ((أكسدة)) الأحماض الدهنية ، ويصاب من يشرب الخمر غالبا بتصلب الشرايين و((الجلطات)) و ((الذبحات)) الصدرية، كما تسبب الخمر تهيجا للأغشية المخاطية للجهاز الهضمي ممايؤدي إلى الاحتقان والقرحات وقديؤدي إلى السرطان ولاسيما سرطان المرىء والبلعوم ، ولذلك جعل الله عزوجل من أخص صفات رسول الله عَ ◌ّةٍ في الكتب السماوية السابقة أنه يُحِلُّ الطيبات ويحرم الخبائث حيث قال تبارك وتعالى: ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبيَّ الأُمِّيَّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحلُّ لهم الطيبات ويُحَرِّمُ عليهم الخبائث) وقدروى الإمام أحمد في مسنده وأبوداود في سننه بإسناد صحيح عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : ((نهى رسول الله عَّةٍ عن كل مسكر ومفتر)) والمفتر هو المخدر ، ومن الملاحظ أن الشريعة الإسلامية وضعت للمسكر حدا ، ولما يُفَتِّرُ تعزيرا ، وهذا من أبرز الآيات البينات على دقة الشريعة الإسلامية وشمولها وكالها وصلاحها لكل زمان ومكان وجيل وقبيل ، إذ أن الحدود لايجوز لأحد أن يزيد عليها أو ينقص منها بخلاف التعزير فإنه قد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ، إذ أن موجب الحد وهو الإِسكار لايحتاج في (٧٢) معرفته إلى كبير دراسة أو كثير عناء بخلاف مايوجب التعزير من المخدرات فإنها تحتاج إلى بذل مجهود كبير نظرا لدقة آثارها واختلاف تأثيرها ، وقديكون تأثير المخدرات أخطر على الفرد والمجتمع من تأثير المسكرات ، فكان مشروعية التعزير فيها حتى تقدر العقوبة فيها بقدر أوضارها التي قدتستوجب قتل أصحابها أحيانا ، ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن علماء الإسلام هم أسبق الباحثين في العالم إلى كشف أضرار المخدرات حتى أوصلها بعضهم إلى مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ، كما جاء في كثير من دوائر المعارف العالمية والإِسلامية . فلله الحمد والمنة . مايفيده الحديث ١ - لا يجوز التداوي بالخمر . ٢ - لا يجوز التداوي بشيء من المحرمات . (٧٣) باب التعزير وحكم الصائل ١ - عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يُجْلَدُ فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)) متفق عليه . المفردات التعزير : تدور مادة التعزير على التقوية والتفخيم والتعظيم والمنع والردع والإِجبار على الأمر والضرب الشديد والمراد هنا هو العقوبة غير المقدرة على ذنب لاحد فيه . وسمي تعزيرا لما يترتب عليه من الردع والتأديب وتقوية أوامر الشرع . قال الحافظ في الفتح : التعزير : مصدر عزره وهو مأخوذ من العزر وهو الرد والمنع واستعمل في الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره ، ومنه ((وآمنتم برسلي وعزرتموهم)) وكدفعه عن إتيان القبيح ، ومنه : عزره القاضي أى أدبه لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول وبالفعل بحسب ما يليق به . ثم فرق الحافظ بين التأديب والتعزير بأن التعزير يكون بسبب المعصية والتأديب أعم منه ومنه تأديب الولد وتأديب المعلم اهـ (٧٤) والتعزير يغاير الحد بأنه يختلف باختلاف الناس وملابسات الذنب وآثاره كما تجوز الشفاعة فيه بخلاف الحد ، وهو مفوض إلى نظر الحاكم الشرعي ومايراه من المصلحة. الصائل : هو من يسطو على غيره بغير حق . أبوبردة : قال في التقريب : أبوبردة بن نيار بكسر النون بعدها تحتانية خفيفة ، البَلَوَى حليف الأنصار ، صحابي ، اسمه هانيَّ وقيل الحارث بن عمرو وقيل مالك بن هبيرة مات سنة إحدى وأربعين وقيل بعدها اهـ وأشار في تهذيب التهذيب إلى أن الأول أصح وذكر أنه خال البراء بن عازب وقيل عمه ، رضي الله تعالى عنهما. لايجلد : أى لايُضْرَبُ . فوق عشرة : أى أكثر من عشرة . أسواط : هي جمع سوط وقدتقدم أنه المتخذ من سيور تلوى وتلف إلا في حد : المراد بالحد هنا هو حق الله تعالى مما فيه عقوبة مقدرة كحد زنا البكر والقذف والخمر أو لم تكن فيه عقوبة مقدرة كالتعزير . البحث قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ((لايجلد فوق عشرة أسواط إلا (٧٥) في حد من حدود الله)) هو تحذير وإرشاد من الزيادة في الضرب فوق عشرة أسواط في غير حق من حقوق الله تعالى ، إذ قديحتاج الأب في تربية ولده أو المعلم في تعليم الصبي أو الزوج في تأديب زوجته إلى الضرب فأرشد رسول الله عَ لٍ إلى أنه ينبغي أن يكون ذلك في حدود عشرة أسواط وحذره من الزيادة على ذلك . قال ابن القيم رحمه الله : المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه وهي المراد بقوله : ﴿ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) وفي أخرى ﴿فقد ظلم نفسه ﴾ وقال: ﴿تلك حدود الله فلاتقربوها﴾ وقال: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا﴾ ثم قال ابن القيم رحمه الله : فلايزاد على العشر في التأديبات التي لاتتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير اهـ والله أعلم . مايفيده الحديث ١ - أنه لا يجوز للمؤدب في غير معصية أن يزيد على عشرة أسواط . ٢ - أنه كلما أمكن التأديب بغير الضرب فلا ينبغي الالتجاء إلى الضرب ٢ - وعن عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) رواه أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي . (٧٦) المفردات أَقِيلُوا ذوي الهيئات عثراتهم : أى سامحوا الذين يُعُرَفُونَ بالخير ولم يُؤْثَرْ عنهم شر ، إذا كبا أحدهم كبوة وزل زلة ولا تفضحوهم وتجاوزوا لهم عن مؤاخذتهم واعفوا عن هفواتهم. إلا الحدود : أى إلا إذا ارتكب أحد من ذوي الهيئات ذنبا يوجب حدا فأقيموه عليهم ولاتتجاوزوا عنهم البحث قال في تلخيص الحبير : حديث : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود)) أحمد وأبوداود والنسائي وابن عدي والعقيلي من حديث عمرة عن عائشة ، وقال العقيلي : له طرق ، وليس فيها شيء يثبت . وذكره ابن طاهر من رواية عبدالله بن هارون بن موسى الفروي عن القعنبي عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن أنس وقال : هو بهذا الإسناد باطل . والعمل فيه على الفروي ، ورواه الشافعي وابن حبان في صحيحه وابن عدي أيضا والبيهقي من حديث عائشة بلفظ : أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم . ولم يذكر مابعده ، قال الشافعي : وسمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول : يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته مالم يكن حدا . وقال عبدالحق : ذكره ابن عدي في باب واصل بن عبدالرحمن الرقاشي ولم يذكر له علة . قلت : وواصل هو أبوحرة ضعيف . وفي إسناد بن حبان: أبوبكر بن نافع (٧٧) وقدنص أبوزرعة على ضعفه في هذا الحديث اهـ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي علقمة الفروي الصغير : اسمه عبدالله بن هارون ابن موسى بن أبي علقمة الفروي الكبير ثم قال : قال الحاكم أبوأحمد : منكر الحديث وأبوه هارون بن موسى من الثقات وقال ابن عدي : له مناكير ، قلت : وأورد له حديثين باطلين بإسناد الصحيح (الأول) قال ابن عدي : كتب إلى مكحول يعني محمد بن عبدالسلام البيروتي الحافظ أنا عبدالله بن هارون أنا القعنبي ثنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أنس مرفوعا : أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم . والثاني من روايته عن أبيه عن بكير عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس مرفوعا : لاسبق إلا في خف أو نصل أو حافر قال ابن عدي : هذان باطلان بهذا الإِسناد انتهى ، هكذا نقلته من الميزان ووجدت في كامل ابن عدي له حديثا ثالثا بإسناد آخر قال ابن عدي عقيبه : بهذا الإسناد ليس له أصل اهـ وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد تحقيق لحديث (لاسبق إلا في خف أو نصل أو حافر)) عند بحث الحديث الثالث من أحاديث باب السبق والرمي ٣ - وعن علي رضي الله عنه قال: ماكنتُ لأقيم على أحد حَدًّا ےءَ فَيَمُوتَ فَاحِدَ في نفسي إلا شارب الخمر فإنه لومات وديته)) أخرجه البخاري . (٧٨) المفردات ماكنت لأقيم على أحد حدا : أى ماكنت لأنفذ في شخص حدا من حدود الله قداستوجبه . فيموت : أى بسبب إقامة الحد عليه من الجلد أو القطع . فأجد في نفسي : أى فَأُحسّ بأني ظلمته أو تسببت في موته ، قال الحافظ في الفتح : ومعنى أجد من الوجد وله معان اللائق منها هنا الحزن . إلا شارب الخمر فإنه لومات وديته : أى إلا شارب الخمر فإنه لومات بسبب إقامتي الحدَّ عليه لَسُقْتُ ديته لمن يستحق قبضها . البحث قول المصنف هنا : أخرجه البخاري يوهم أنه انفرد به مع أن مسلما أخرجه كذلك ولفظ هذا الحديث عند البخاري في باب الضرب بالجريد والنعال من طريق سفيان عن أبي حصين عن عُمَيْر بن سعيد النخعي قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ماكنت لأقيم حَدًّا على أَحَدٍ فَيموتَ فأجدَ في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لومات وديته ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّ اهـ أما مسلم فقدأخرجه أيضا من طريق سفيان الثوري عن أبي حصين عن عمير بن سعيد عن علي قال : ماكنت أقيم على أحد (٧٩) حَدًّا فيموت فيه فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر لأنه إن مات وديته لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه اهـ والظاهر أن قول علي رضي الله تعالى عنه: لأن رسول الله عَ لّه لم يسنه أى لم يضربه على وتيرة واحدة في جميع الحالات كما في القذف وزنا البكر وإنما كان يأمر من يحضر شارب الخمر عند الإِتيان به بضربه بالجريد والنعال أو بجريدتين نحو أربعين ومما يؤكد ذلك أن عليا رضي الله تعالى عنه وصف مافعله عمر من ضرب شارب الخمر ثمانين بأنه سنة ووصف ماثبت عن رسول الله عَ لّمه في ضرب شارب الخمر بأنه سنة حيث قال : وكل سنة ، كما تقدم في الحديث الأول من أحاديث باب حد شارب الخمر وبيان المسكر ، والله أعلم . ٤ - وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) رواه الأربعة وصححه الترمذي . البحث هذا الحديث ساقه المصنف من طريق عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في أول أحاديث باب قتال الجاني وقتل المرتد وقال : أخرجه أبوداود والنسائي والترمذي وصححه ، وأخرجه هنا من طريق سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه وقال: رواه الأربعة وصححه الترمذي. (٨٠)