النص المفهرس

صفحات 41-60

فذكر مثله : أى مثل ماذكر عند مجيئه للمرة الأولى فقطعت رجله
یعنی الیسری .
ثم جيء به الثالثة: أى سرق للمرة الثالثة وأُخْضِرَ إلى رسول الله عَ له.
فذكر مثله : أى مثل ماذكر عند مجيئه فيما سبق . فقطع يده
يعني اليسرى .
ثم جيء به الرابعة كذلك : أى ثم سرق للمرة الرابعة فقطع رجله
يعني اليمنى.
ثم جيء به الخامسة : أى ثم سرق للمرة الخامسة .
واستنكره النسائي : أى قال : هو حديث منكر .
الحارث بن حاطب : هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن
معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح
القرشي الجمحي ، ولد بأرض الحبشة وروى عن
النبي
، عَبٍ وعنه يوسف بن سعد الجمحي
وأبوالقاسم حسين بن الحارث الجدلي . استعمله ابن
الزبير على مكة سنة ست وستين وذكره ابن حبان
في ثقات التابعين . وقدبقى إلى أيام مروان بن
الحكم وكان يلي المساعي له على المدينة رضي الله عنه
نحوه : أى نحو حديث جابر رضي الله تعالى عنه .
البحث
هذا الحديث رواه أبوداود والنسائي من طريق محمد بن عبدالله بن
عُبيد بن عَقِيلٍ عن جده عن مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير
(٤١)

عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال : جيء بسارق إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقتلوه فقالوا : يارسول الله إنما
سرق فقال : اقطعوه ، قال : فقطع ، ثم جيء به الثانية فقال :
اقتلوه فقالوا : يارسول الله إنما سرق قال : اقطعوه قال : فقطع ثم
جيء به الثالثة فقال : اقتلوه فقالوا : يارسول الله إنما سرق قال :
اقطعوه ثم أتي به الرابعة فقال : اقتلوه فقالوا : يارسول الله إنما سرق
قال : اقطعوه ، فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه أتي . قال جابر :
فانطلقنا به ، فقتلناه ، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة
وفي لفظ النسائي : قال جابر : فانطلقنا به إلى مِرْبَد النَّعم وحملناه
فاستلقى على ظهره ثم كَشَّر بيديه ورجليه ، فانصدعت الإِبل ثم
حملوا عليه الثانية ففعل مثل ذلك ، ثم حملوا عليه الثالثة فرميناه
بالحجارة فقتلناه ، ثم ألقيناه في بئر ثم رمينا عليه الحجارة ، قال
أبوعبدالرحمن : وهذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في
الحديث والله تعالى أعلم اهـ أما حديث الحارث بن حاطب فقد
ساق النسائي من طريق سليمان بن سلم المُصاحِفِيّ البَلْخِيّ قال :
حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا حماد قال أنبأنا يوسف عن الحارث
ابن حاطب أن رسول الله عَّةٍ أُتي بلص فقال : اقتلوه فقالوا
يارسول الله إنما سرق فقال : اقتلوه قالوا : يارسول الله إنما سرق قال :
اقطعوا يده ، قال : ثم سرق فقطعت رجله ، ثم سرق على عهد أبي
بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق أيضا
(٤٢)

الخامسة فقال أبوبكر رضي الله عنه كان رسول الله عيوب أعلم بهذا
حين قال : اقتلوه . ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبدالله
ابن الزبير ، وكان يحب الإمارة فقال: أُمِّرُونِي عليكم، فأمَّرُوه
عليهم ، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه اهـ قال في تلخيص الحبير
عن حديث جابر : وفي إسناده مصعب بن ثابت وقدقال النسائي
ليس بالقوي وهذا الحديث منكر ، ولاأعلم فيه حديثا صحيحا ، وفي
الباب عن الحارث بن حاطب الجمحي عند النسائي والحاكم ، وعن
عبدالله بن زيد الجهني عند أبي نعيم في الحلية . وقال ابن عبدالبر :
حديث القتل منكر لاأصل له .
وقدقال الشافعي : هذا الحديث منسوخ لاخلاف فيه عند أهل
العلم قال ابن عبدالبر : وهذا يدل على أن ماحكاه أبومصعب عن
عثمان وعمر بن عبدالعزيز أنه يقتل لاأصل له اهـ
على أنه مادام هذا الحديث لاأصل له فلاحاجة إلى القول بأنه
منسوخ لأن النسخ فرع ثبوته ، وهو لم يثبت أصلا ، والله أعلم .
(٤٣)

باب حد الشارب وبيان المسكر
١ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم أتي برجل قدشرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين ، قال:
وفعله أبوبكر ، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبدالرحمن بن
عوف : أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر ، متفق عليه . ولمسلم عن
علي في قصة الوليد بن عقبة : جلد النبي صلى الله عليه وسلم
أربعين وجلد أبوبكر أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سنة ، وهذا أحب
إلى . وفي الحديث : أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر ، فقال
عثمان : إنه لم يتقيأها حتى شربها .
المفردات
حد الشارب : أى العقوبة المقدرة لمن شرب مسكرا .
وبيان المسكر : أى وإيضاح حقيقة مايغيب العقل من الأشربة
:
وغيرها .
أتى برجل قدشرب الخمر : أى جيء إلى رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم برجل سكران ، قيل هو عبدالله
الذي كان يلقب حمارا وقيل هو ابن نعيمان وقيل
هو نعيمان والله أعلم .
والخمر هو ماخامر العقل أى غطاه وستره أو
خالطه فلم يتركه على حاله وهو المسكر وتسمى
٠
(٤٤)

الخمر الإِثم على حد قول الشاعر :
شربت الإثم حتى حتى ضل عقلي
كذاك الإِثم يذهب بالعقول
وقدكان بعض العرب يسميها القهوة ومنه قول الأعشى:
وقدغدوت إلى الحانوت يتبعني
شارٍ مِشَلِّ شَلُولٌ شَلْشُلٌ شَوِلُ
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحِيَلُ
نازعتهم قضب الرمان متكئا
وقهوة مزة راووقها خضل
والحانوت كما في القاموس : دكان الخمَّار ويُذَكَّرُ ،
والخَمَّارُ نفسه اهـ والقهوة الخمر والراووق إناء الخمر ،
والخَضِلُ النَّدِيُّ الذي يُتَرَشَّفُ نداه .
قال الحافظ في الفتح : قال الراغب في مفردات القرآن :
سمى الخمر لكونه خامرا للعقل أى ساترا له وهو عند
بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم
للمتخد من العنب خاصة وعند بعضهم
للمتخذ من العنب والتمر وعند بعضهم
لغير المطبوخ فرجح أن كل شيُّ يستر
العقل يسمى خمرا حقيقة . وكذا قال أبونصر
(٤٥)

سميت الخمر
:
في تفسيره
القشيري
ابن
لسترها العقل، أو لاختمارها وكذا
خمرا
اللغة منهم
واحد من أهل
غیر
قال
أبو حنيفة الدينوري ، وأبونصر
،
الجوهري
: سميت
ونقل عن ابن الأعرابي قال
الخمر لأنها تركت حتى اختمرت
،
واختمارها تغير رائحتها، وقيل
سميت بذلك لمخامرتها العقل . ثم قال
الحافظ : لكن اختلف أهل اللغة في سبب تسمية
الخمر خمرا فقال أبوبكر بن الأنباري سميت
الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أى تخالطه ،
قال : ومنه قولهم: خامره الداء أى
وقيل : لأنها تخمر العقل أى
،
خالطه
ومنه الحديث الآتي قريبا
،
تستره
(خَمِّرُوا آنيتكم)) ومنه خمار المرأة
لأنه يستر وجهها ، وهذا أخص من التفسير الأول
لأنه لايلزم من المخالطة التغطية، وقيل : سميت
خمرا لأنها تخمر حتى تدرك كما
يقال : خمرت العجين فتخمر أى تركته حتى
أدرك. ومنه خمرت الرأي أى تركته حتى ظهر
(٤٦)

وتحرر ، وقيل : سميت خمرا لأنها تغطي حتى تغلي
ومنه حديث المختار بن فلفل : قلت لأنس : الخمر
من العنب أو من غيرها ؟ قال : ماخمرت من ذلك
فهو الخمر . أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح .
ولامانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل
اللغة وأهل المعرفة باللسان ، قال ابن عبدالبر :
الأوجه كلها موجودة في الخمرة لأنها تركت حتى
أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت العقل حتى
تغلب عليه وتغطيه اهـ
فجلده بجريدتين : أى فضربه بجريدتين ، والجريد هو سعف النخل
إذا جرد عنها خوصها أى ورقها ، قال في القاموس
والجريدة سَعَفَة طويلة رطبة أو يابسة أو التي تُقَشَّرُ
من خوصها اهـ وليس الجريد متعينا في الضرب بل
يجوز أن يكون بالسوط وهو المتخذ من سيور تلوى
وتلف .
نحو أربعين : أى مقدار أربعين جلدة بالجريدتين معا.
وفعله أبوبكر : أى وجلد أبوبكر شارب الخمر بجريدتين نجو
أربعین جلدة کذلك
استشار الناس : أى طلب منهم إبداء رأيهم وأخذ مشورتهم
واستخرج ماعندهم من العلم في جلد شارب الخمر.
(٤٧)

أخف الحدود ثمانين : أى يجلد شارب الخمر ثمانين جلدة وهي
أخف الحدود كأنه قال : اجلده أخف الحدود أو
اجعله كأخف الحدود . فقوله ((أخف)) منصوب
بفعل مقدر .
قال الحافظ في الفتح : ووقع لبعضٍ رواه مسلم
((أخفَّ الحدود ثمانين)) قال ابن دقيق العيد فيه
حذف عامل النصب والتقدير اجعله ، وتعقبه
الفاكهي فقال : هذا بعيد أو باطل ، وكأنه صدر
عن غير تأمل لقواعد العربية ، ولالمراد المتكلم إذ
لا يجوز : أجود الناس الزيدين على تقدير : اجعلهم
لأن مراد عبدالرحمن الإِخبار بأخف الحدود لا الأمر
بذلك فالذي يظهر أن راوي النصب وهم ، واحتمال
توهيمه أولى من ارتكاب مالايجوز لفظا ولامعنى ،
ورد عليه تلميذه ابن مرزوق بأن عبدالرحمن مستشار
والمستشار مسئول ، والمستشير سائل ، ولايبعد أن
يكون المستشار آمرا ، قال : والمثال الذي مثل به
غير مطابق . قلت : بل هو مطابق لما ادعاه أن
عبدالرحمن قصد الإِخبار فقط ، والحق أنه أخبر
برأيه مستندا إلى القياس ، وأقرب التقادير : أخف
الحدود أجده ثمانين ، أو أجد أخف الحدود ثمانين
(٤٨)

فنصبهما، وأغرب ابن العطار صاحب النووي في شرح
العمدة فنقل عن بعض العلماء أنه ذكره بلفظ :
أخف الحدود ثمانون ، بالرفع ، وأعربه مبتدأ وخبرا .
قال : ولا أعلمه منقولا رواية كذا قال ، والرواية
بذلك ثابتة ، والأولى في توجيهها ماأخرجه مسلم
أيضا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه («ثم جلد
أبوبكر أربعين ، فلما كان عمر ودنا الناس
من الريف والقرى قال : ماترون في جلد الخمر ؟
فقال عبدالرحمن بن عوف : أرى أن تجعلها كأخف
الحدود . قال فجلد عمر ثمانين . فيكون المحذوف
من هذه الرواية المختصرة : أرى أن تجعلها
وأداة التشبيه اهـ .
فأمر به عمر : أى فنفذ عمر حد الخمر ثمانين وألزم به الحكام .
في قصة الوليد بن عقبة : أى في حكاية ماذكر عن شرب الوليد
ابن عقبة الخمر وجلده .
وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو
ابن أمية بن عبد شمس بن عبدمناف القرشي الأموي
أخوعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لأمه ،
فأمهما أروى بنت كريز وأمها أم حكيم البيضاء بنت
عبدالمطلب بن هاشم عمة رسول الله عَ لّه وقد أثر
(٤٩)

:
عن عثمان لما ولى الوليد الكوفة قال : ماوليت الوليد
لأنه أخي وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة
رسول الله عَ لّه وتوأمة أبيه اهـ
وقدروى الإمام أحمد في مسنده من طريق شيخه
فياض بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان الرقي عن
ثابت بن الحجاج الكلابي الرقي عن عبدالله الهمداني
(وهو عبدالله بن مالك بن الحارث) عن الوليد بن
عقبة أن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى
رسول الله عَ لَّه فمسح رءوسهم، وَبَرَّكَ عليهم
إلا هو فقال : إنه كان على رأسي خَلوق فامتنع
النبي عَ له من مسه. وقدولاه عثمان رضي الله تعالى
عنه الكوفة ولبث في إمارتها خمس سنوات ، ولم يكن
لداره باب ، وأقام للغرباء فنادق (دورا للضيافة)
ينزلونها مجانا . وقدعزله عثمان رضي الله عنه لما
أتُّهمَ بشرب الخمر ، ولما استشهد عثمان رضي الله
عنه اعتزل الوليد الناس وأقام في قرية له من أعمال
الرقة
.
ومن العجيب أن بعض الناس يفسر قوله تعالى:
﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ أنها نزلت في الوليد
ابن عقبة، لما أرسله رسول الله عَ لَّه مُصَدِّقا فرجع
(٥٠)

وأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنهم
خرجوا لحربه فتهياً رسول الله عَ لّه لقتالهم ، فلما
علموا جاءوا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
وأخبروه أنهم على ماهم عليه من الإِسلام وأنهم
لم يخرجوا لحربه فأنزل الله تعالى هذه الآية. ولله
الحمد لم يثبت هذا الخبر من طريق صحيح ، وقدتوفي
رسول الله عَ ◌ّدٍ وهو لم يبلغ الحلم. قال القاضي
أبوبكر بن العربي رحمه الله في العواصم من القواصم:
فمن يكون في مثل هذا السن يرسل مصدقا؟
وكل سُنة: أى وعمل رسول الله عَ ليه وعمل أبي بكر رضي الله
عنه وعمل عمر رضي الله عنه قدوة حسنة يُسْتَنُّ بها
وهذا أحب إليَّ: أى وجلد الثمانين أحب إليَّ أو وجلد الأربعين
أحب إليَّ إذ يجوز عود الضمير على فعل عمر كما
يجوز عوده على ضرب الوليد .
وفي الحديث : أى وفي حديث قصة جلد الوليد .
شهد عليه : أی شهد على الولید .
أنه رآه يتقيأ الخمر : أى رأَه يقذف الخمر من جوفه من طريق فمه.
البحث
قول المصنف رحمه الله تعالى عن حديث أنس رضي الله تعالى عنه
(متفق عليه)) وهم فإن البخاري لم يخرجه بهذا اللفظ ولاذكر في
(٥١)

البخاري لقصة عبدالرحمن بن عوف الواردة في هذا الحديث فهو مما
انفرد به مسلم. ولفظ حديث أنس عند البخاري: أن النبى عد اله
ضرب في الخمر بالجريد والنعال ، وجلد أبوبكر أربعين اهـ أما مسلم
رحمه الله تعالى فقد أخرجه من طريق شعبة عن قتادة عن أنس
باللفظ الذي ساقه المصنف وقد أخرجه المجد ابن تيمية في المنتقى
باللفظ الذي ساقه المصنف أيضا ثم قال : رواه أحمد ومسلم وأبوداود
والترمذي وصححه اهـ .
وقدأخرجه مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن
أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر
بالجريد والنعال ثم جلد أبوبكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من
الريف والقرى قال : ماترون في جلد الخمر فقال عبدالرحمن
ابن عوف : أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال : فجلد عمر ثمانين
عَ ◌ّعٍ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد
وفي لفظ : أن النبي
أربعين اهـ قال الحافظ في الفتح : وقدنسب صاحب العمدة قصة
عبدالرحمن هذه إلى تخريج الصحيحين ولم يخرج البخاري منها شيئا
وبذلك جزم عبدالحق في الجمع ثم المنذري اهـ وقد أخرج البخاري من
طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال : كنا نؤتى بالشارب
على عهد رسول الله عَ لّه وإمرة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر
فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين
حتى إذا عَتَوا وفسقوا جلد ثمانين اهـ أما ماأشار إليه المصنف من
(٥٢)

حديث علي في قصة الوليد بن عقبة فقد أخرجه مسلم من طريق
عبدالله بن فيروز مولى ابن عامر الداناج حدثنا حضين بن المنذر
أبوساسان قال : شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قدصلى الصبح
ركعتين ثم قال : أزيدكم ، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب
الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيأ فقال عثمان : إنه لم يتقيأ حتى شربها
فقال : ياعلي قم فاجلده ، فقال علي قم ياحسن فاجلده فقال
الحسن : وَلَّ حَارَّها من تَوَلَّى قارَّها (فكأنه وَجَدَ عليه) فقال:
ياعبدالله بن جعفر قم فاجلده ، فجلده وعليٌّ يَعُدُّ حتى بلغ أربعين
فقال: أَمسك ، ثم قال: جلد النبي عَّ له أربعين وجلد أبوبكر
أربعين ، وعمر ثمانين، وكلَّ سُنَّةٌ ، وهذا أحب إلى اهـ
هذا وقدشنع بعض الناس على الوليد رضي الله تعالى عنه واتخذوا
من هذا الحديث ذريعة للنَّيل منه رضي الله تعالى عنه مع أنه ليس في
شهادة الشاهدين ذكر لزيادة الوليد في الصلاة وإنما هو من كلام
شاهد المحاكمة الحضين بن المنذر ولم يكن حضين من الشهود ولم
يكن في الكوفة وقت الحادثة . وشهادة حمران كانت قاصرة على شرب
الخمر وشهادة الشاهد الآخر الذي لم يسم في الحديث كانت قاصرة
على أنه رأه يتقيأ على أنه قدأثر أن ثلاثة رجال من أهل الكوفة يقال
لأحدهم أبوزينب بن عوف الأزدي ويقال للثاني أبومورع ويقال للثالث
جندب بن زهير كان أبناؤهم نقبوا دارا لابن الحيسمان وقتلوه ، فشهد
شاهدان عليهم بالقتل ، فأنفذ فيهم الوليد بن عقبة حكم الله تعالى
(٥٣)

وقتلهم قصاصا .
فقدم أبوالمورع وأبوزينب إلى المدينة وشهدا على الوليد بشرب الخمر
فقال لهما عثمان : كيف رأيتماه ؟ قالا : كنا في غاشيته ، فدخلنا
عليه وهو يقيء الخمر : فقال عثمان : مايقيء الخمر إلا شاربها .
فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان ، وأخبره خبرهم ، فقال
عثمان : نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار . وقدذكر ذلك ابن
جرير الطبري في تاريخه في حوادث سنة ٣٠ هجرية وقدذكر بعض
أهل العلم أن حمران مولى عثمان كان قدتزوج امرأة مطلقة في عدتها
فنفاه عثمان إلى الكوفة ، ووقعت شحناء بينه وبين الوليد رضي الله تعالى عنه
وعلى كل حال فالوليد بن عقبة ليس معصوما من شرب الخمر
والخطايا ، ولايستطيع أحد أن ينقل أن الله قد أغلق باب التوبة في
وجهه وهو القائل عزوجل: ((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم
لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور
الرحيم)) لكن من حق أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
ورضي الله تعالى عنهم أن يكف عن ذكر السوء عنهم ، قال البخاري
في صحيحه : باب مايكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج
من الملة . حدثنا يحيى بن بکیر حدثني اللیث قال : حدثني خالد بن یزید عن
سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب : أن
صَّى اللّه كان اسمه عبدالله وكان يلقب حِمَارًا،
رجلا على عهد النبي
وكان يضحك رسول الله عَ لٍ، وكان النبي عَةٍ قدجلده في
الشراب ، فأتي به يوما فأمر به فَجُلِدَ ، فقال رجل من القوم :
(٥٤)

علَيٍ: ((لا تدعوه فوالله
اللهم العنه ، ما أكثر مايؤتى به . فقال النبي
ماعلمت . إنه يحب الله ورسوله)) وقد جاء في شرح السنة بلفظ: فوالله
ماعلمت إلا أنه يحب الله ورسوله وقد أشار الحافظ في الفتح: إلى
أنه قدوقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني مثل مافي شرح السنة .
مايفيده الحديث
١ - أنه يجوز أن يضرب شارب الخمر بجريدتين أربعين ضربة .
٢ - ويجوز ضرب شارب الخمر بسوط واحد ثمانين جلدة.
٣ - أن أصحاب رسول الله عَ ليه أجمعوا في عهد عمر رضي
الله عنه على جلد شارب الخمر ثمانين جلدة .
٤ - أن حد الخمر أخف الحدود كحد القذف .
٥ - أن حد الخمر ثبت بالسنة والإجماع .
٢ - وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي عَ ◌ٍّ أنه قال في
شارب الخمر : ((إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب الثانية فاجلدوه ،
ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه ، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه))
أخرجه أحمد وهذا لفظه والأربعة وذكر الترمذي مايدل على أنه منسوخ
وأخرج ذلك أبوداود صريحا عن الزهري .
المفردات
قال في شارب الخمر : أى في شأن عقوبة من يشرب الخمر
ویتکرر منه ذلك .
إذا شرب الثانية : أى إذا شرب الخمر مرة أخرى بعد أن أقيم عليه
(٥٥)

الحد لما شرب المرة الأولى .
ثم إذا شرب الرابعة : أى ثم إذا شرب الخمر مرة رابعة بعد أن
عوقب على شربها ثلاث مرات .
فاضربوا عنقه : أى فاقتلوه .
مايدل على أنه منسوخ : أى ما يفيد أن قتل شارب الخمر بعد
شربه المرة الرابعة منسوخ وأنه لايقتل لكن كلام
الترمذي غير صريح في ذلك .
صريحا عن الزهري : أى ونقل أبوداود تصريح الزهري بأن قتل
شارب الخمر إذا شرب للمرة الرابعة قدنسخ .
البحث
قال الترمذي باب ماجاء : من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في
الرابعة فاقتلوه . حدثنا أبوكريب ثنا أبوبكر بن عياش عن عاصم عن
أبي صالح عن معاوية قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: من شرب
فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه . وفي الباب عن أبي هريرة
والشريد وشرحبيل بن أوس وجرير وأبي الرمداء البلوي وعبدالله بن
عمرو ثم قال : وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد هكذا روى
محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله عن
النبي عَوِّ قال: إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة
فاقتلوه قال: ثم أتى النبي عَ له بعد ذلك برجل قدشرب في الرابعة
فضربه ولم يقتله ، وكذلك روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي عديدة.
نحو هذا قال : فرفع القتل وكانت رخصة ، والعمل على هذا عند
(٥٦)

عامة أهل العلم ، لانعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث اهـ
وقال أبوداود حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ثنا سفيان قال الزهري :
أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي عَ لّم قال: من شرب الخمر
فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو
الرابعة فاقتلوه . فأتي برجل قدشرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به
فجلده ثم أتى به فجلده ، ورفع القتل وكانت رخصة . قال سفيان
حدث الزهري بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد
فقال لهما : كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث اهـ قال الحافظ في
الفتح : وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة وولد في عهد النبي
عَبَيٍ ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله لكنه
أعل بما أخرجه الطحاوي من طريق الأوزاعي عن الزهري قال : بلغني
عن قبيصة ، ويعارض ذلك رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري أن
قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا أصح
لأن يونس أحفظ لرواية الزهري من الأوزاعي ، والظاهر أن الذي بلغ
قبيصة ذلك صحابي فيكون الحديث على شرط الصحيح لأن إبهام
الصحابي لايضر اهـ والله أعلم .
مايستفاد من ذلك
١ - أن من تكرر منه شرب الخمر وحد في كل مرة ولو زاد على
أربع مرات فإنه لايقتل .
(٥٧)

٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه)) متفق عليه.
المفردات
إذا ضرب أحدكم : أى إذا أراد أن يضرب أحدكم يعني إنسانا في
حد أو تعزير أو تأديب أو دفع صائل أو غير ذلك.
فليتق الوجه : أى فليجتنب ضرب وجهه .
البحث
أورد مسلم رحمه الله هذا الحديث بعدة ألفاظ فأخرجه من طريق
المغيرة (يعني الحِزَامي) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله عَ له: ((إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه.
وأخرجه من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بهذا الإِسناد وقال :
((إذا ضرب أحدكم أخاه)) وأخرجه من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه))
وأخرجه من طريق قتادة سمع أباأيوب يحدث عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله عَبٍّ: ((إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يَلطِمَنَّ الوجهَ)) ثم قال مسلم:
حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثني أبي حدثنا المثنى ح وحدثني
محمد بن حاتم حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن المثنى بن سعيد عن
قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ◌ّةٍ ، وفي
حديث ابن حاتم : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قاتل
أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)) حدثنا
(٥٨)

محمد بن المثنى حدثني عبدالصمد حدثنا همام حدثنا قتادة عن يحبى
ابن مالك المراغي (وهو أبوأيوب) عن أبي هريرة أن رسول الله عَليه
قال : ((إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه اهـ وليس في البخاري
لفظ (أخاه)، وإنما أورده البخاري باللفظ الذي ساقه المصنف. قال
بعض أهل العلم : إنما يجتنب الوجه لأنه لطيف لايتحمل مما يتحمل
غيره من أعضاء الجسم سوى المراق والمذاكير ، كما أنه يجمع محاسن
كثيرة وفيه أكثر الجوارح وأخطرها وقدجاء تعليل النهي عن ضرب
الوجه بقوله في بعض روايات مسلم ((فإن الله خلق آدم على صورته))
وأكثر أهل العلم يرجع الضمير إلى المضروب ، وبعض أهل العلم
يرجع الضمير إلى آدم أى اجتنبوا ضرب الوجه إكراما لآدم لمشابهته
الصورة المضروب ومراعاة لحق الأبوة
مایفیده الحدیث
١ - ينبغي اجتناب وجه الإِنسان عند ضربه في حد أو تعزير
أو غيرهما
٢ - أنه ينبغي مراعاة الإِحسان للناس حتى عند إقامة الحدود
عليهم أو تعزيرهم
٤ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله
حَ الله: ((لاتقام الحدود في المساجد)) رواه الترمذي والحاكم.
(٥٩)

المفردات
لاتقام الحدود في المساجد : أى لاتنفذ الحدود في بيوت الله .
البحث
قال الحافظ في تلخيص الحبير : حديث ابن عباس : لاتقام
الحدود في المساجد . الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس وفيه
إسماعيل بن مسلم المكي ، وهو ضعيف ورواه أبوداود والحاكم وابن
السكن وأحمد بن حنبل والدارقطني والبيهقي من حديث حكيم بن
حزام ولابأس بإسناده ، ورواه البزار من حديث جبير بن مطعم وفيه
الواقدي ، ورواه ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده بلفظ : رأى أن يجلد الحد في المسجد . وفيه ابن لهيعة اهـ .
على أنه من المقرر في الشريعة صيانة المساجد عما يشوش على
المصلين أو يتسبب في تقذيرها . والله أعلم .
٥ - وعن أنس رضي الله عنه قال : لقد أنزل الله تحريم الخمر
وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر)) أخرجه مسلم .
المفردات
لقد أنزل الله تحريم الخمر : يعني في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من
عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد
(٦٠)