النص المفهرس
صفحات 221-240
قال : لا . ولكن جئتَ بالحديث على وجهه ، والله لايزال هذا الجُنْدُ بخير ماعاش هذا الشيخ بين أَظْهُرِهِمْ . قلت : وقدكان في هذا سنةٌ من رسول الله عَ لّه . دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده ، فخرج رجل منهم بين أيديهم فَقُتِلَ ، فخرجوا بعده ، فإذا هم بصاحبهم يَتَشَخَّطُ في الدم . فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يارسول الله، صَاحِبُنَا كان تَحَدَّثَ معنا ، فخرج بين أيدينا ، فإذا نحن به يتشحط في الدم ، فخرج رسول اللـه عَ ◌ِّ فقال: ((بمن تظنون أو تَرَوْنَ قَتَلَهُ)) قالوا : نَرَى أن اليهود قَتَلَتْهُ. فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: ((آنتم قتلتم هذا؟)) قالوا : لا . قال : أَتَرْضَوْنَ نَفْلَ خمسين من اليهود ماقتلوه ؟ فقالوا : مَا يُبَالُون أن يقتلونا أجمعين، ثم يَنْتَفِلُونَ. قال: ((أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم ؟ )) قالوا: ماكنا لِنَحْلِفَ . فوداه من عنده . قلت : وقدكانت هذيل خَلَعُوا خليعا لهم في الجاهلية، فَطَرَقَ أَهْلَ بيت من اليمن بالبطحاء ، فانتبه له رجل منهم ، فحذفه بالسيف فقتله ، فجاءت هذيل ، فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم ، وقالوا : قتل صاحبنا ، فقال : إنهم قدخلعوه ، فقال : يقسم خمسون من هذيل ماخلعوه ، قال : فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلا وقدم رجل منهم من الشام فسألوه أن يُقْسِمَ ، فافتدى يمينه منهم بألف درهم ، فأدخلوا مكانه رجلا آخر فدفعه إلى أخي المقتول ، فقرنت يده بيده ، قالوا : فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا . حتى (٢٢١) إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء ، فدخلوا في غار في الجبل ، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعا ، وأفلت القرينان ، واتَّبَعَهُمَا حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولا ثم مات ، قلتُ وقدكان عبدالملك بن مروان أقاد رجلا بالقسامة ثم ندم بعد ماصنع فأمر بالخمسين الذين أقسموا فمسحوا من الديوان ، وسَيَّرَهُمْ إلى الشام. وقد أخرجه في الأدب في باب إكرام الكبير من طريق بشير بن يسار عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة وفيه : أُتستحقون قتيلكم أو قال صاحبكم بأيمان خمسين منكم . وقدأخرج مسلم هذا الحديث بعدة ألفاظ فأخرجه من طريق الليث عن يحيى (وهو ابن سعيد) عن بُشَيْر بن يسار عن سهل بن أبي حثمة (قال يحيى: وحسبت قال :) وعن رافع بن خديج أنهما قالا : خرج عبدالله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ماهنالك ثم إذا محيصة يجد عبدالله بن سهل قتيلا فدفنه ، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وحويصة بن مسعود وعبدالرحمن بن سهل وكان أصغر القوم ، فذهب عبدالرحمن ليتكلم قبل صاحبيه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبِّرْ (الكُبْرَ في السنِّ) فَصَمَتَ فتكلم صاحباه ، وتكلم معهما ، فذكروا لرسول الله عَل مقتل عبدالله بن سهل، فقال لهم: ((أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم (أو قاتلكم )؟)) قالوا : وكيف نحلف ولم نشهد ؟ قال: ((فَتُبْزِئُكُمْ يهود بخمسين يمينا)) قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ فلما رأى ذلك رسول الله عَ طل أعطى عقله . ثم أخرجه من طریق حماد بن زيد (٢٢٢) ح حدثنا يحيى بن سعيد عن بُشَيْر بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة بن مسعود وعبدالله بن سهل انطلقا قِبَلَ خيبر فتفرقا في النخل ، فَقُتِلَ عبدالله بن سهل ، فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبدالرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي عَّ فتكلم عبدالرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كبِّرِ الكُبْرِ)) أو قال: ((ليبدأ الأكبر)) فتكلما في أمر صاحبهما فقال رسول الله عَ ليه: يُقْسم خمسون منكم على رجل منهم فَيُّدْفَعُ بِرُمَّتِهِ . قالوا : أمر لم نشهده كيف نحلف ؟ قال : ((فَتَبْرِئُكُمْ يهودُ بأيمان خمسين منهم )) قالوا : يارسول الله قوم كفار ؟ قال: فوداه رسول الله عَ له من قِبَلِهِ، قال سهل: فدخلت مِرْبَداً لهم يوما فركضتني ناقة من تلك ركضة برجلها . قال حماد هذا أو نحوه . وحدثنا القواريريُّ حدثنا بشر بن المفضل حدثنا يحيى بن سعيد عن بُشَيْر بن يسار عن سهل بن أبي حثمة عن النبي عَةٍ نحوه وقال في حديثه: فعقله رسول الله عَةٍ من عنده ولم يقل في حديثه : فركضتني ناقة . ثم ساقه من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن بُشَيْر بن يسار أن عبدالله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد الأنصاريين ثم من بني حارثة خرجا إلى خيبر في زمان رسول الله عَ ◌ّ وهي يومئذ صلح وأهلها يهود فتفرقا لحاجتهما، فَقُتِلَ عبدالله بن سهل ، فُوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ مقتولا ، فدفنه صاحبه ثم أقبل إلى المدينة . فمشى أخو المقتول عبدالرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة فذكروا لرسول الله عَّةٍ شأن عبدالله، وحيث قتل، فزعم بُشَيْر (٢٢٣) سَّ اللّه أنه قال لهم : وهو يحدث عمن أدرك من أصحاب رسول الله عدي (( تحلفون خمسين يمينا وتستحقون قاتلكم (أو صاحبكم)؟)) قالوا: يارسول الله ماشهدنا ولاحضرنا، فزعم أنه قال: ((فَتُبْزِئُكُمْ يهودُ بخمسين )) فقالوا : يارسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ فزعم بُشَيْر أن النبي ◌َِّ عقله من عنده. ثم ساقه من طريق هُشَيْم عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رجلا من الأنصار من بني حارثة يقال له عبدالله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له يقال له محيصة بن مسعود بن زيد وساق الحديث بنحو حديث الليث إلى قوله : فوداه رسول الله عٍَّ من عنده قال يحيى: فحدثني بشير بن يسار قال: أخبرني سهل بن أبي حثمة قال : لقدركضتني فَرِضَةٌ من تلك الفرائض بالمربد ثم ساقه من طريق سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا وساق الحديث وقال فيه: فكره رسول الله عَ لّه أن يُبْطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة . ثم ساقه من طريق مالك بن أنس حدثني أبوليلى عبدالله بن عبدالرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه أن عبدالله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم ، فأتى محيصةُ فأخْبَرَ أن عبدالله بن سهل قدقُتِلَ وطُرِحَ في عين أو فَقيٍ فأتى يهودَ فقال : أنتم والله قتلتموه قالوا : والله ماقتلناه . ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك ، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبدالرحمن بن سهل فذهب (٢٢٤) محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) (يريد السن) فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله عَّي: ((إما أن يدوا صاحبكم ، وإما أن يؤذنوا بحرب)) فكتب رسول الله عَ ةٍ إليهم في ذلك ، فكتبوا: إنا والله ماقتلناه، فقال رسول الله عَوبي لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن: ((أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟)) قالوا : لا. قال: ((فتحلف لكم يهود ؟)) قالوا : ليسوا بمسلمين . فوداه رسول الله عَ ◌ّ من عنده، فبعث إليهم رسول الله عَّةٍ مائة ناقة حتى أُدْخِلت عليهم الدارَ فقال سهل : فلقد ركضتني منها ناقة حمراء . مایفیده الحدیث . ١ - مشروعية القسامة . ٢ - لابد من وجود اللوث وهي العداوة والشبهة القوية والقرينة الظاهرة . ٣ - البدء بتوجيه الأيمان على المدعين . ٤ - إذا نكل المدعون توجهت الأيمان على المدعى عليهم . ٥ - إذا نكل المدعى عليهم وجبت عليهم الدية . ٦ - يجوز للإِمام أن يدفع الدية من عنده قطعا للنزاع وإصلاحا لذات البين . ٧ - إذا كانت الدعوى من ولى الدم على شخص معين بالقتل العمد وحلف المدعون خمسين يمينا سلم إليهم المدعى عليه برمته ، وهم مسئولون عن أيمانهم أمام الله يوم القيامة . (٢٢٥) ٨ - يجب الاحتياط لصيانة الدماء . ٩ - لاقسامة إلا بعد التحقق من وجود القتيل . ١٠ - ينبغي أن يتقدم في الحديث الأسن فالأسن . ١١ - استحباب توقير الكبير من أجل سنه. ******** ٢ - وعن رجل من الأنصار رضي الله عنه أن رسول الله عالوكيل أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية ، وقضى بها رسول الله بين ناس من الأنصار في قتيل ادَّعُوه على اليهود )) رواه مسلم . المفردات رجل من الأنصار : هو أحد الصحابة كما جاء النص على ذلك في صحيح مسلم وفي لفظ لمسلم من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمن وسليمان بن يسار أخبراه عن ناس من الأنصار عن النبي محمد اله . أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية : أى ثَبَّتَ وأبقى نظام القسامة على ماكانت عليه في الجاهلية ولم يبطله حيث أبطل أكثر عادات أهل الجاهلية . وكانت القسامة في الجاهلية : أنه يخير أولياء المدعى عليه بالقتل بين تسليمه لأولياء القتيل ليقتلوه به أو يدفعوا الدية . أو يحلف خمسون منهم أنهم ماقتلوه ولاعلموا (٢٢٦) له قاتلا ولاقتله صاحبهم . وقضى بها رسول الله عَ ليه: أى وحكم بها رسول الله عَ} وأثبت شرعيتها . بين ناس من الأنصار : هم بنوحارثة في قصة عبدالله بن سهل ابن زيد المتقدمة في الحديث الأول من حديثى هذا الباب . في قتيل ادعوه على اليهود : أى في حادث قتل عبدالله بن سهل ابن زيد الذي ادعى أولياؤه أن يهود خيبر هم الذين قتلوه . البحث قال مسلم : حدثني أبوالطاهر وحرملة بن يحيى قال أبوالطاهر : حدثنا وقال حرملة : أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبوسلمة بن عبدالرحمن وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي عَبٍّ عن رجل من أصحاب رسول الله عَل من الأنصار أن رسول الله عَ لٍ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية . وحدثنا محمد ابن رافع حدثنا عبدالرزاق قال : أخبرنا ابن جريج حدثنا ابن شهاب بهذا الإسناد مثله وزاد: وقضى بها رسول الله عَ ل بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود اهـ وقوله في هذا الحديث (( أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية )) قدأورد البخاري صورة واضحة للقسامة في الجاهلية فقال: ((القسامة في الجاهلية )) حدثنا أبومعمر حدثنا عبدالوارث حدثنا قطن أبوالهيثم حدثنا أبويزيد المدني عن (٢٢٧) عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم : كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ، فانطلق معه في إبله ، فمر رجل به من بني هاشم قدانقطعت عروة جُوالقه ، فقال : أغثني بعقال أشد به عروة جُوالقى، لاتنفر الإبل ، فأعطاه عقالا فشد به عروة جُوالقه ، فلما نزلوا عُقِّلَت الإِبل إلا بعيرا واحدا ، فقال الذي استأجره : ماشأن هذا البعير لم يُعْقَلْ من بين الإِبل ؟ قال ليس له عقال . قال : فأين عقاله ؟ قال : فحذفه بعصا كان فيها أجله ، فمربه رجل من أهل اليمن ، فقال : أتشهد الموسم ؟ قال : ماأشهد ، وربما شهدته . قال : هل أنت مُبْلِغٌ عني رسالة مرة من الدهر ؟ قال : نعم . قال : فكنتَ إذا أنت شهدت الموسم فناد : ياآل قريش فإذا أجابوك فناد ياآل بني هاشم ، فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال . ومات المُستَاجَرُ ، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبوطالب فقال : مافعل صاحبنا ؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه فَوَلِيتُ دَفْتَهُ ، قال : قدكان أهل ذاك منك . فمكث حينا . ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يُبْلِغَ عنه وَافَى الموسِمَ ، فقال : ياآل قريش ! قالوا : هذه قريش . قال ياآل بني هاشم ؟ قالوا : هذه بنوهاشم . قال : أين أبوطالب ؟ قالوا : هذا أبوطالب . قال : أمرني فُلان أن أبلغك رسالة ، أن فلانا قتله في عقال . فأتاه أبوطالب فقال له : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي (٢٢٨) مائة من الإِبل فإنك قتلت صاحبنا . وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله ، فإن أبيت قتلناك به . فأتى قومه فقالوا : نحلف . فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قدولدت له فقالت : ياأباطالب أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ففعل ، فأتاه رجل منهم فقال : ياأباطالب أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإِبل يصيب كلَّ رجل بعيران ، هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان . فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا . قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده ماحال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تَطْرِفُ اهـ . مايفيده الحديث ١ - أن نظام القسامة كان موجودا في الجاهلية قبل الإِسلام . ٢ - وأن أولياء القتيل كانوا يخيرون القاتل بين ثلاث : إما الدية مائة ناقة وإما أن يقتل القاتل ، وإما أن يحلف خمسون من الرجال من أولياء القاتل أنهم ماقتلوه ولاعلموا له قاتلا ولاقتله صاحبهم المدعى عليه . ٣ - مشروعية القسامة . ٤ - وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها . (٢٢٩) باب قتال أهل البغى ١ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) متفق عليه . المفردات قتال أهل البغى : أى مقاتلة البغاة . وأصل البغى : العُلُوُّ في الأرض بغير الحق ، والظلم ، والعدول عن المنهج المستقيم ، والاستطالة ، والتعدي . وفي الاصطلاح هو خروج جماعة من المسلمين عن قبضة الإِمام لينازعوه في سلطانه مع ضرب من التأويل . من حمل علينا السلاح فليس منا : أى من انتصب لقتال المسلمين ونزع اليد من الطاعة فقد خرج عن منهج محمد صلى الله عليه وسلم . البحث أوجب الله تبارك وتعالى على المسلمين أن يكونو يدا واحدة ، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا ، ولايتفرقوا ، وحذر المسلمين أشد التحذير من الخروج على إمامهم وشرع للمسلين قتال من بغى على إمامه ، ونفض اليد من طاعته وفي ذلك يقول رسول الله عَ ل فيما رواه مسلم من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت (٢٣٠) رسول الله عَ لّم يقول: ((من أعطى إماما صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه مااستطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر )) كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَّ لم قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ، وإنما الإِمام جُنَّةٌ يُقَاتَلُ من ورائه ويُتَّقَى به ، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا ، وإن قال بغيره فإن عليه منه)) وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أطع أميرك وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) وهذا - ولله الحمد - هو مذهب أهل السنة والجماعة ، من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم . ومع شدة حرمة دم المسلم فقد أمر الله عزوجل بقتال البغاة حيث قال: ((فقاتلوا التي تبغى حتى تفىء إلى أمر الله)) وقد أجمع المسلمون على مشروعية قتال البغاة، أما قوله عَِ ◌ٍّ في حديث الباب ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) فإنه يجري مجرى أحاديث الوعيد ، والله أعلم . هذا وقد أخرج البخاري ومسلم مثل حديث الباب عن أبي موسى الأشعري كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسلمة بن الأكوع . مايفيده الحديث ١ - مشروعية قتال أهل البغى . ٢- أن الخروج على الإِمام من أكبر الكبائر . (٢٣١) ٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من خرج عن الطاعة ، وفارق الجماعة ، ومات ، فَمِيَتُهُ مِيتَةٌ جاهلية )) أخرجه مسلم . المفردات خرج عن الطاعة : أى نقض بيعة الإِمام ، ونازعه في سلطانه ، ونفض الید منه . وفارق الجماعة : أى وناقض جماعة المسلمين وبارزهم ، ومات : أى وحضره الموت قبل أن يتوب ويرجع عن غيه. فميتته ميتة جاهلية : أى فموته ليس على هيئة وفاة المسلمين ، وإنما وفاته شبيهة بوفاة أهل الجاهلية الذين لم يسعدوا بالسير على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وسنته . البحث قدأخرج مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا بعدة ألفاظ منها: أن رسول الله عَلٍ قال : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمِّيَّة ، يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جاهلية ، ومن خرج على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرها ولايتحاش من مؤمنها ولايفى لذي عهد عهده فليس مني ولست منه ، وفي لفظ : (٢٣٢) ولايتحاشى من مؤمنها . وفي لفظ : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتة جاهلية ومن قُتِلَ تحت راية عمِّيَّة يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس من أمتي ومن خرج من أمتي على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرها لايتحاش من مؤمنها ولايفى بذي عهدها فليس مني . وقدروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حذيفة رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله عَ ليه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني قال : قلت : يارسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (( نعم وفيه دَخَن)) قلت: ومادَخَنُهُ؟ قال: (( قوم يستنون بغير سنتى ، ويهدون بغير هدبي، تعرف منهم وتنكر)» قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (( نعم دعاةً على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها )) قلت : يارسول الله صفهم لنا. قال: ((هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) قلت : فماتأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) قلت : فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام ؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموتُ وأنت على ذلك)) مایفیده الحدیث ١ - أن الخروج على الإِمام ومفارقة جماعة المسلمين من أكبر الكبائر . ٢ - وجوب طاعة الإِمام والانضواء تحت لوائه . ٣ - أن الخروج على الإِمام مناقض لمذهب أهل السنة والجماعة .. (٢٣٣) ٣ - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تقتل عمارا الفئة الباغية)) رواه مسلم. الفئة : أى الطائفة . الباغية : أى المتعدية . البحث مذهب أهل السنة والجماعة أن يكف المسلم عما شجر بين أصحاب رسول الله عَ ◌ّمه وأن يطلب من الله أن يرضى عنهم أجمعين مایفیده الحديث ١ - علامة النبوة بالإِخبار بموت عمار قتيلا . ٢ - أنه يقتل في حرب بين طائفتين من المسلمين . ٤ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل تدري ياابن أم عبد کیف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ )) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((لايُجْهَزُ على جريحها، ولايقتل أسيرها، ولا يُطْلَبُ هاربها، ولا يُقْسَمُ فَيْتُهَا)) رواه البزار والحاكم وصححه فوهم فإن في إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك ، وصح عن علي من طرق نَحْوُهُ موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم . (٢٣٤) المفردات هل تدري ياابن أم عبد : أى هل تعلم ياعبدالله بن مسعود . وكان رسول الله عَ ◌ّلم يسميه : ابن أم عبد . كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة : أى كيف شرع الله تعالى في جريح البغاة وأسيرهم وهاربهم وفیئهم ؟ لا يجهز على جريحها : أى لايُتَمَّمُ على الصريع من البغاة بقتله والقضاء عليه . ولا يقتل أسيرها : أى ومن وقع من البغاة في الأسر لايقتل . ولايطلب هاربها : أى ومن هرب من البغاة لايُلَاحَق . ولا يقسم فيئها : أى ولاتغنم أموالهم . وصححه فوهم : أى وصحح الحاكم هذا الحديث فوهم في تصحيحه لأنه ليس بصحيح . كوثر بن حكيم : هو كوفي من أهل حلب ، سمع من عطاء ومكحول . نحوه : أى نحو حديث ابن مسعود الذي ذكره ابن عمر رضي الله عنهم . موقوفا : أى عَلَى عليٍّ رضي الله عنه . البحث قول المصنف رحمه الله ((وصححه فوهم)) يعارض ماذكره في (٢٣٥) التلخيص حيث قال : سكت عنه الحاكم . وقال في التلخيص : قال ابن عدي : هذا الحديث غير محفوظ . وقال البيهقي ضعيف ، قلت في إسناده كوثر بن حكيم وقد قال البخاري إنه متروك اهـ وقدنقل في الميزان عن ابن معين أنه قال في كوثر بن حكيم : ليس بشيء وقال أحمد بن حنبل أحاديثه بواطيل . وقد أجمع أهل العلم على تحريم غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم والله أعلم . ٥ - وعن عرفجة بن شريح رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يُفَرِّقَ جماعتكم فاقتلوه )) أخرجه مسلم . المفردات عرفجة بن شُريح : عرفجة بفتح العين وسكون الراء وفتح الفاء والجيم وضبطه بعضهم بضم العين والفاء وشريح بضم الشين . وقد اختلف في اسم والد عرفجة فقيل شريح وقيل : شراحيل ، أو شريك أو صَرِيح ، أو دريخ الأشجعي ، له صحبة ، وقدروى عنه زياد بن علاقة وسليمان بن حازم الأشجعي وغيرهما . رضي الله عنه . (٢٣٦) من أتآكم وأمركم جميع : أى ظهر بينكم وكلمتكم مجتمعة على إمامكم وأنتم يد واحدة . يريد أن يفرق جماعتكم : أى يرغب في تشتيت شملكم وتفريق كلمتكم وشق عصاكم . فاقتلوه : أى فاضربوا عنقه بالسيف حتى يموت . البحث روى مسلم هذا الحديث من طريق زياد بن علاقة قال : سمعت عرفجة قال: سمعت رسول الله عَ لُه يقول: ((إنه ستكون هَنَاتٌ، وهَنَاتٌ ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) وفي لفظ ((فاقتلوه )» ثم ساقه من طريق يونس بن أبي يعفور عن أبيه عن عرفجة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يُفَرِّق جماعتكم فاقتلوه)) مايفيده الحديث ١ - إهدار دم من خرج على الإِمام ليشق عصا الطاعة ويفرق كلمة المسلمين . ٢ - وجوب العمل على جمع كلمة المسلمين . ٣ - أن تفريق كلمة المسلمين من الكبائر . (٢٣٧) باب قتال الجاني وقتل المرتد ١ - عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عَ لِ: ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) رواه أبوداود والنسائي والترمذي وصححه . المفردات قتال الجاني : أى مقاتلة المعتدى على حريمك أو مالك لدفعه . وقتل المرتد : أى وسفك دم من يرتد عن دين الإِسلام ويخرج منه بإنكاره ماعلم بالضرورة أنه من دين الإِسلام أو بأى سبب من أسباب الردة نعوذ بالله منها . من قتل دون ماله فهو شهيد : أى من دافع عن ماله وقاتل المهاجم وقُتِلَ المدافع فإنه يكون شهيدا عند الله عزوجل . البحث قدأخرج البخاري من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت النبي عَّ يقول: ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال: ((فلاتعطه)) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتله)) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد)) قال: أرأيت إن (٢٣٨) قتلته ؟ قال: ((فهو في النار)) هذا وقد تقدم في بحث الحديث الأول من أحاديث قتال أهل البغى مايفيد استثناء الأمير فلايقاتل إذا أخذ المال ولو بغير حق لقوله عَ لّه في الاستمساك بطاعة الأمير: ((وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)). مايفيده الحديث ١ - جواز مقاتلة من هجم عليك ليأخذ مالك بغير حق . ٢ - أن من قُتِلَ وهو يدافع عن ماله كان شهيدا . ٣ - وجوب صيانة الأموال . ٤ - أن انتهاب أموال الناس من الكبائر . ٢ - وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قاتل يعلى ابن أمية رجلا ، فعض أحدهما صاحبه ، فانتزع يده من فمه ، فنزع ثنيته، فاختصما إلى النبي عَ ◌ّم فقال: ((أَيَعَضُّ أحدكم أخاه كما يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لادية له )) متفق عليه واللفظ لمسلم. المفردات فعض أحدهما صاحبه : أى فأمسك أحد المتقاتلين يد الآخر بأسنانه . فانتزع يده من فمه : أى فشد المعضوض يده من فم العاض . فنزع ثنيته : أى فخلع المعضوض سنا من أسنان العاض الأمامية (٢٣٩) فاختصما إلى النبي عَ له: أى فتحاكما إلى رسول الله عَ ليه كما يَعَضُّ الفحل : أى مثل عض الجمل . لادية له : يعني سقوط الثنية من فم هذا العاض بفعل هذا المعضوض ذهبت هدرا . البحث لفظ البخاري من طريق شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين أن رجلا عض يد رجل ، فنزع يده من فمه ، فوقعت ثنيتاه. فاختصموا إلى النبي عَةٍ فقال: ((يعضُّ أحدكم أخاه كما يَعَضُّ الفحل ؟ لادية لك)). ثم أخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال : خرجت في غزوة فَعَضَّ رجلٌ فانتزع ثنيته، فأَبطلها النبي عَّه. وأورده في باب غزوة تبوك من طريق عطاء أيضا قال : أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: غزوت مع النبي عَ لّه العسرة. قال: كان يعلى يقول : تلك الغزوة أوثق أعمالي عندي قال عطاء : فقال صفوان: قال يعلى : فكان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما يدالآخر قال عطاء : فلقد أخبرني صفوان أيهما عض الآخر فنسيته ، قال : فانتزع المعضوض يده من في العاضّ ، فانتزع إحدى ثنيتيه ، فأتيا النبى معَ ◌ّه فأهدر ثنيته . قال عطاء : وحسبت أنه قال : قال : ((أفيدع يده في فيك تَقْضَمُهَا كأنها في في فحل النبي يَقْضَمُهَا ؟ )) وأورده في الجهاد في باب الأجير من طريق (٢٤٠) :