النص المفهرس

صفحات 241-260

أيضا . قال الحافظ : وأما قول أبي الدرداء فوصله ابن أبي شيبة
وإسماعيل القاضي من طريق سعيد بن المسيب أن أباالدرداء قال :
يوقف في الإِيلاء عند انقضاء الأربعة فإما أن يطلق وإما أن يفىء .
وسنده صحيح إن ثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء . كما
أشار الحافظ إلى أن سعيد بن منصور أخرج بسند صحيح عن
عائشة بلفظ : إنها كانت لاترى الإِيلاء شيئا حتى يوقف . ثم قال
الحافظ : وللشافعي عنها نحوه وسنده صحيح أيضا . ثم قال الحافظ :
وأخرج إسماعيل القاضى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن
سليمان بن يسار قال : أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب
رسول الله عَ ◌ٍّ قالوا: الإِيلاء لايكون طلاقا حتى يوقف . ثم قال:
وأخرج إسماعيل من وجه آخر عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن
يسار قال : أدركنا الناس يقفون الإِيلاء إذا مضت الأربعة .
مايستفاد من ذلك
١ - أن من حلف على ترك جماع زوجته يوقف إذا مضت أربعة
أشهر حتى يفىء أو يطلق .
٢ - أنه قبل مضى الأربعة الأشهر لاسبيل لأحد على المُولِى .
*
٤ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان إيلاء الجاهلية
السنة والسنتين فَوَقّتَ الله أربعة أشهر ، فإن كان أقل من أربعة أشهر
فليس بإيلاء . أخرجه البيهقي .
(٢٤١)

المفردات
إيلاء الجاهلية السنة والسنتين : أى كان الرجل في الجاهلية قبل
الإِسلام إذا أراد أن يلحق الأذى بزوجته حلف أن
لايقربها مدة طويلة قد يصل بها إلى سنة وقد يصل
بها إلى سنتين .
فوقت الله أربعة أشهر : أى فجعل الله تبارك وتعالى للمُولِي وقتا
محددا هو أربعة أشهر يوقف بعدها حتى يفىء إلى
زوجته أو يطلقها . وقد جاء ذلك التوقيت في
قوله تعالى : ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص
أربعة أشهر
فإن كان أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء : أى فإن كان حلف
أن لايقرب زوجته مدة تقل عن أربعة أشهر فلاسبيل
لأحد عليه . لأن المرأة قد تتحمل ذلك بلاكبير
ضرر ، فلايعتبر ذلك إيلاء بالمعني الذي أشارت إليه
الآية الكريمة .
البحث
قال البيهقي : أخبرنا أبوالحسين بن بشران ببغداد ، أنا أبوجعفر
محمد بن عمرو الرزاز ، نا محمد بن عبيدالله بن المنادي ، نا يونس
ابن محمد، نا الحارث بن عبيد ، نا عامر، عن عطاء بن أبي رباح ،
عن عبدالله بن عباس رضى الله عنهما ح وأخبرنا أبوالحسين بن
(٢٤٢)

الفضل القطان ببغداد ، نا أبوعبدالله محمد بن عبدالله بن عمرويه
الصفار ، نا محمد بن إسحاق الصغاني ، نا موسى بن إسماعيل ، نا
الحارث ( بن عبيد ) أبوقدامة ، حدثني عامر الأحول ، حدثني عطاء
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : كان إيلاء أهل الجاهلية السنة
والسنتين وأكثر من ذلك ، فوقت الله عزوجل لهم أربعة أشهر ، فإن
كان إيلاؤه (وفي رواية يونس: فمن كان إيلاؤه ) أقل من أربعة
أشهر فليس بإيلاء . اهـ
*
٥- وعنه رضى الله عنه أن رجلا ظاهر من امرأته ثم وقع عليها
فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : إني وقعت عليها قبل أن
أُكَفِّرَ؟ قال: ((فلا تَقْرَبُّهَا حتى تفعل ما أمرك الله به)) رواه الأربعة
وصححه الترمذي ، ورجح النسائي إرساله ، ورواه البزار من وجه
آخر عن ابن عباس وزاد فيه: (( كَفَرْ ولا تَعُدْ ))
المفردات
وعنه : أى وعن ابن عباس رضى الله عنهما .
ظاهر من امرأته : أى قال لها : أنت عليَّ كظهر أمي .
ثم وقع عليها : أى جامعها .
قبل أن أُكَفِّر : أى قبل أن أعمل كفارة الظهار وهي تحرير
رقبة من قبل أن يتماسا فإن لم يجد صام شهرين
(٢٤٣)

متتابعين من قبل أن يتماسا فإن لم يستطع أطعم
ستين مسكينا .
قال: أى رسول الله عَ لَّه.
فلاتقربها حتى تفعل ماأمرك الله به : أى فلا تباشرها حتى تؤدي
كفارة الظهار التي ألزمك الله تبارك وتعالى بها .
من وجه آخر : أى من طريق آخر وهو طريق خصيف عن عطاء
عن ابن عباس رضى الله عنهما .
وزاد فيه : أي وزاد البزار في هذا الحديث عنده .
كَفِّرْ ولا تَعُدْ : أى يجب أن تفعل الكفارة قبل المسيس فإن كنت
كَفَّرت بعد المسيس فإنها لاتعتبر كفارة فعليك أن
تفعل الكفارة ولاتقربها حتى تكفر .
البحث
قال النسائي : ( باب الظهار ) أخبرنا الحسين بن حريث قال :
حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة
عن ابن عباس أن رجلا أتى النبى معَّ له، قد ظاهر من امرأته فوقع
عليها ، فقال يارسول الله ، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت قبل أن
أكفر. قال: ((وما حملك على ذلك يرحمك الله؟)) قال: رأيت
خَلْخَالَهَا في ضوء القمر، فقال: ((لاتقربها حتى تفعل ماأمر الله
عزوجل )) أخبرنا محمد بن رافع قال : حدثنا عبدالرزاق قال : حدثنا
معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال : تظاهر رجل من امرأته ،
فأصابها قبل أن يكفر، فذكر ذلك للنبي عَ لِّ فقال له النبي عد له:
(٢٤٤)

:((ما حملك على ذلك؟ )) قال : رحمك الله يارسول الله ، رأيت
خلخالها أو ساقيها في ضوء القمر. فقال رسول الله عَوبي: «فاعتزلها
حتى تفعل ما أمرك الله عزوجل)) . أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال :
أنبأنا المعتمر ح وأنبأنا محمد بن عبدالأعلى ، قال حدثنا المعتمر قال :
سمعت الحكم بن أبان قال : سمعت عكرمة : قال : أتى رجل نبيَّ الله
عٌَّ فقال يانبي الله، إنه ظَاهَرَ من امرأته ثم غشيها قبل أن يفعل
ماعليه. قال: ((ماحملك على ذلك؟)) قال: يانبى الله رأيت
بياض ساقيها في القمر. قال نبى الله عَوبي: ((فاعتزل حتى تقضى
ماعليك)) وقال إسحاق في حديثه: ((فاعتزلها حتى تقضى ماعليك))
واللفظ لمحمد . قال أبوعبدالرحمن : المرسل أولى بالصواب من المسند .
والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ قال الحافظ في تلخيص الحبير :
حديث أنه عَ ◌ّم قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها: ((لا تقربها
حتى تكفر)) ويروي : اعتزلها حتى تكفر . أصحاب السنن
وصححه الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس أن رجلا ظاهر من
امرأته فوقع عليها قبل أن يكفر ، فقال: (( لاتقربها حتى تفعل
ماأمرك الله)) لفظ النسائي، وفي رواية له: ((اعتزلها حتى تقضي
ماعليك )) وفي رواية لأبي داود قال: فاعتزلها حتى تكفر عنك .
ورجاله ثقات ، لكن أعله أبوحاتم والنسائي بالإِرسال ، وقال ابن
حزم : رواته ثقات ولايضره إرسال من أرسله، وفي مسند البزار طريق
أخرى شاهدة لهذه الرواية من طريق خصيف عن عطاء عن ابن
(٢٤٥)

عباس : أن رجلا قال : يارسول الله إني ظاهرت من امرأتي : رأيت
ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أُكفر، قال: ((كَفِّر ولا تَعُدْ)) اهـ
وقال في فتح الباري : ولأبي داود والترمذي من حديث ابن عباس أن
رجلا ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل أن يكفر فقال له النبى صلى
الله عليه وسلم : فاعتزلها حتى تكفر عنك . وفي رواية أبي داود :
فلاتقربها حتى تفعل ماأمرك الله )) وأسانيد هذه الأحاديث حسان اهـ
٦ - وعن سلمة بن صخر رضى الله عنه قال : دخل رمضان
فخفت أن أصيب امرأتي فظاهرت منها ، فانكشف لي منها شىء ليلة
فوقعت عليها ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((حَرِّر رقبةً)) فقلت: ماأملك إلا رقبتي، قال: ((فصم شهرين
متتابعين)) قلت : وهل أصبت الذى أصبت إلا من الصيام؟ قال: «أطْعِمْ
فَرَقًّا من تمر ستين مسكينا )) أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي
وصححه ابن خزيمة وابن الجارود .
المفردات
سلمة بن صخر : هو سلمة بن صخر بن سلمان بن الصِّمة بن
حارثة بن الحارث بن زيدمناة بن حبيب بن عبد حارثة
ابن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج
الأنصاري الخزرجي ، له حلف في بني بياضة فقيل
له البياضى ، ويجتمع وبياضة في عبد حارثة بن مالك
(٢٤٦)
:

ابن عضب . وقيل اسمه سلمان وهذا أصح وأكثر ..
وقال في التقريب : سلمة بن صخر بن سليمان بن
الصمة الأنصاري الخزرجي ويقال سلمان ويقال له
البياضي ، صحابي ظَاهَرَ من امرأته قال البغوي :
لاأعلم له مسندا غيره اهـ وقد ذكر ابن سعد
في الطبقات أنه أحد الذين أتوا رسول الله عَ}
ليحملهم يوم تبوك فقال : لاأجد ماأحملكم عليه
تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لايجدوا
ما ينفقون . قال ابن الأثير في أسد الغاية :
روى حديثه ابن المسيب وأبوسلمة وسليمان بن
يسار اهـ وقيل : لم يسمع سليمان بن يسار منه .
رضي الله عنه .
دخل رمضان : أى جاء شهر رمضان .
فخفت أن أصيب امرأتي : أى فخشيت أن أواقع زوجتي في
نهار رمضان .
فظاهرت منها : أى قلت لها : أنت عليَّ كظهر أمي .
فانكشف لي منها شىء ليلة فوقعت عليها : أى فظهر منها لي
بعض مفاتنها بالليل فباشرتها .
فقال لي رسول الله عَ ◌ّه حرر رقبة: أى فأمرني رسول الله
عد ◌ٌُّ بعتق رقبة .
صِّلالله
(٢٤٧)

فقلت : ماأملك إلا رقبتي : أى لاأقدر على عتق رقبة لأني
لاأملك رقبة ولا أستطيع شراء رقبة لأعتقها .
فصم شهرين متتابعين : أى فصم شهرين متتاليين لاتفطر في
نهارهما حتى ينتهيا .
وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام : أى لاأستطيع صيام
شهرين متتابعين لأني لاأصبر على عدم قربان الزوجة
هذه المدة فإني ماوقعت في الذي وقعت فيه إلا
بسبب علمي أنى لاأطيق حبس نفسي عن قربان
الزوجة مدة شهر واحد فكيف أطيق شهرين .
فرقا من تمر : الفرق بفتح الفاء والراء هو مكيال يسع خمسة عشر
صاعا ويكفي لإطعام ستين مسكينا . وفي بعض نسخ
البلوغ ((عرقا)) والعرق بفتح العين والراء وقد تسكن
الراء وهو الزنبيل ويقال له القفة ويقال له المكتل
وهو يسع خمسة عشر صاعا ويكفي لإطعام
ستين مسكينا .
البحث
قال في تلخيص الحبير . حديث أن سلمة بن صخر جعل امرأته
على نفسه كظهر أمه إن غشيها حتى ينصرف رمضان فذكر ذلك
لرسول الله عَ ◌ّةٍ فقال: اعتق رقبة. ثم أعاده في موضع آخر بلفظ :
ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة فأمره النبي صَ لّ.
(٢٤٨)

بتحرير رقبة . أما اللفظ الأول فرواه الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن
عبدالرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبدالرحمن أن سلمة بن صخر
البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه إن غشيها حتى يمضى رمضان .
الحديث . وأما اللفظ الثاني فرواه أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا
النسائي من حديث سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال :
كنت امرأ أصيب من النساء ما لايصيب غيري ، فلما دخل شهر
رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا فظاهرت منها حتى ينسلخ
شهر رمضان ، فبيناهي تخدمني ذات ليلة فكشف لي منها شىء ،
فمالبثت أن نزوت عليها ، فذكر الحديث ، وأعله عبدالحق بالانقطاع ،
وأن سليمان لم يدرك سلمة ، قلت : حكى ذلك الترمذي عن
البخاري . (تنبيه) نص الترمذي على أن سلمة بن صخر يقال له
سلمان بن صخر أيضا اهـ وقد قال الترمذي : حدثنا إسحاق بن
منصور أخبرنا هارون بن إسماعيل الخزاز أخبرنا علي بن المبارك أخبرنا
يحيى بن أبي كثير أخبرنا أبوسلمة ومحمد بن عبدالرحمن أن سلمة بن
صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه . الحديث اهـ وهذا سند
صحيح فإسحاق بن منصور من رجال البخاري ومسلم وهارون بن
إسماعيل الخزاز من رجال البخاري ومسلم أيضا . وعلي بن المبارك من
رجال الجماعة ويحيى بن أبي كثير من رجال الجماعة أيضا وأبو
سلمة بن عبدالرحمن من رجال الجماعة كذلك ومحمد بن عبدالرحمن
ابن ثوبان من رجال الجماعة أيضا ، وقد دل هذا الحديث
٦
(٢٤٩)

على مادلت عليه الآية الكريمة في ترتيب كفارة الظهار وهي قوله
تعالى: ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة
من قبل أن يتماسا ذالكم توعظون به والله بما تعملون خبير . فمن لم
يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام
ستين مسكينا ، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتلك حدود الله ،
وللكافرين عذاب أليم . ) وقد بين الله تبارك وتعالى في سورة المجادلة
أن الظهار منكر من القول وزور حيث قال: ﴿ الذين يظاهرون
منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللاتي ولدنهم ،
وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، وإن الله لعفو غفور . ﴾
وقال البخاري : باب الظهار وقول الله تعالى: ﴿ قد سمع الله قول
التي تجادلك في زوجها ) إلى قوله: ﴿ فمن لم يستطع فإطعام
ستين مسكينا ﴾ ثم قال البخاري: وفي العربية (لما قالوا ) أى فيما
قالوا وفي بعض ماقالوا وهذا أولى لأن الله تعالى لم يدل على المنكر
وقول الزور اهـ هذا وفي بعض نسخ البخاري : وفي نقض ماقالوا .
قال الحافظ في الفتح : ( قوله وفي نقض ماقالوا ) كذا للأكثر بنون
وقاف وفي رواية الأصيلي والكشميهني ( بعض ) بموحدة ثم مهملة
والأول أصح والمعني أنه يأتي بفعل ينقض قوله الأول اهـ وقال الحافظ
في الفتح أيضا: ((قوله : وهذا أولى . لأن الله تعالى لم يدل على
المنكر وقول الزور)) هذا كلام البخاري ومراده الرد على من زعم أن شرط
العود هنا أن يقع بالقول وهو إعادة لفظ الظهار فأشار إلى هذا
(٢٥٠)

القول وجزم بأنه مرجوح وإن كان هو ظاهر الآية وهو قول أهل
الظاهر اهـ وقد روى البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه في
باب قول الله تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ قال: وقال
الأعمش عن تميم عن عروة عن عائشة قالت : الحمد الله الذي وسع
سمعه الأصوات، فأنزل تعالى على النبى عَةِ: ﴿ قد سمع الله قول
التي تجادلك في زوجها ﴾ قال الحافظ في الفتح : ووصل حديثه
المذكور أحمد والنسائي وابن ماجه باللفظ المذكور هنا ، وأخرجه ابن
ماجه أيضا من رواية أبي عبيدة بن معن عن الأعمش بلفظ : تبارك ،
وسياقه أتم اهـ ثم قال الحافظ بعد أن ساق لفظ البخاري المتقدم هنا :
هكذا أخرجه ، وتمامه عند أحمد وغيره ممن ذكرت بعد قوله الأصوات :
لقد جاءت المُجَادِلَةُ إلى رسول الله عَ لِّ تكلمه في جانب البيت
ما أسمع ما تقول ، فأنزل الله الآية . ومرادها بهذا مجموع القول ، لأن في
رواية أبي عُبَيْدَةَ بن معن : إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى عليّ
بعضه ، وهي تشتكي زوجها وهي تقول : أکل شبابي ، ونثرت له بطني ،
حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظَاهَرَ مني . الحديث .
فمابرحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك
في زوجها وتشتكي إلى الله ﴾ وهذا أصح ماورد في قصة المجادلة وتسميتها،
وقد أخرج أبوداود وصححه ابن حبان من طريق يوسف بن عبدالله
ابن سلام عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت : ظاهر مني زوجي
أوس ابن الصامت . الحديث . وهذا يحمل على أن اسمها ربما كان
(٢٥١)

صغر ، وإن كان محفوظا فتكون نسبت في الرواية الأخرى لجدها .
وقد تظاهرت الروايات بالأول . اهـ وفي هذا دلالة على أن أول ظهار
كان في الإسلام هو ظهار أوس بن الصامت من خولة بنت ثعلبة .
وأن ظهار سلمة بن صخر كان بعد ذلك . والله أعلم .
مایفیده الحديث
١ - وجوب كفارة الظهار على من ظاهر من زوجته .
٢ - وجوب الترتيب بين خصال هذه الكفارة فلاينتقل من العتق
إلى الصوم إلا عند العجز عن العتق ولاينتقل من الصوم إلى
الإطعام إلا بعد العجز عن الصوم .
٣ - وجوب التكفير قبل المسيس .
(٢٥٢)

باب اللعان
١ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سأل فلان فقال :
يارسول الله أرأيت أن لو وجد أحدُنا امرأته على فاحشة كيف
يصنع ؟ إن تَكَلّمَ تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت علي مثل
ذلك ؟ فلم يجبه ، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال : إن الذي سألتك
عنه قد ابْتُليتُ به ، فأنزل الله الآيات في سورة النور ، فتلاهن عليه
ووعظه ، وذكّرَه ، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ،
قال : لاوالذي بعثك بالحق ماكذبت عليها ، ثم دعاها فوعظها
كذلك ، قالت : لا . والذي بعثك بالحق إنه لكاذب ، فبدأ
بالرجل فشهد أربع شهادات بالله ، ثم ثَنَّى بالمرأة ثم فَّق بينهما))
رواه مسلم .
المفردات
اللعان : مأخوذ من اللعن ويقال فيه: الملاعنة والتلاعن .
ومادته تدور على معنى الطرد والإبعاد . وهو ملاعنة
الرجل امرأته . يقال : تلاعنا والتعنا . ولاعن القاضي
بينهما . ويقال للرجل ملاعن ، وللمرأة ملاعنة .
وسمى لعانا لأن الزوج يقول: ((لعنة الله عليه
إن كان من الكاذبين)» ولم يختر لفظ الغضب وإن
(٢٥٣)

كانت المرأة تقول: ((غضب الله عليها إن كان من
الصادقين )) لان اللعن قول الرجل ، وقد بدىء به
في الآية ، وهو أيضا يبدأ به ، وله أن يرجع عنه
فيسقط عن المرأة بغير عكس وقيل : سمى لعانا لأن
اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما لأن كلا
منهما يبعد من صاحبه ويحرم النكاح بينهما على
التأبيد . وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظَم
الذنب بالنسبة إليها لأن الرجل إن كان كاذبا لم
يصل ذنبه إلى أكثر من القذف وإن كانت هي
كاذبة فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش ،
والاعتداء على الأنساب ، مع ماقد يترتب على ذلك
من الاختلاط بغير المحارم وثبوت الولاية والميراث
لمن لايستحقهما .
فلان : هو كناية عن شخص معين ، ويكنى بذلك كراهية
التصريح باسمه ، والظاهر أنه عويمر العجلاني كما
صرحت بذلك الروايات الصحيحة . وعويمر هو ابن
الحارث بن زيد بن الجد بن العجلان بن حارثة
ابن ضبيعة بن حرام بن جُعَل بن عمرو بن جشم
ابن وَدْم بن ذُبْيان بن هُمَيم بن ذُهل بن
هَنِىٌّ بن بلىٌّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. ويقال
(٢٥٤)

لعويمر : ابن أبيض وابن أشقر. قال الحافظ في
الفتح : فلعل أباه كان يلقب أشقر أو أبيض اهـ
وكان العجلان قد حالف في الجاهلية بنى عمرو بن
عوف بن مالك بن الأوس وسكن المدينة فدخلوا في
الأنصار . وقال ابن سعد في الطبقات عن بنى
العجلان : هم حلفاء بنى زيد بن مالك بن
عوف اهـ هذا وقد صح الخبر أن عويمر العجلاني
قبل أن يجبىء إلى رسول الله عَةٍ جاء إلى عاصم
ابن عدي بن الجد بن العجلان وكان عاصم سيد
بنى العجلان وشكا إليه ماوقع له وكانت امرأة عويمر
العجلاني قريبة عاصم ، فهى أيضا من بنى العجلان
والذي رميت به هو شريك بن سحماء - وسحماء
أمه . وهو شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد
ابن العجلان فهو عجلاني أيضا . وهو المتهم
كذلك بامرأة هلال بن أمية التي نزلت آيات اللعان
بسببهما كما سيتضح ذلك عند سياق أحاديث
الشيخين الواردة في ذلك الشأن ، والتي
تصف ما تضعه امرأة هلال وامرأة عويمر بوصف
واحد إن جاء على الوجه المكروه . قال الحافظ
في الفتح : وفي حديث عبدالله بن جعفر عند
الدارقطني : لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته فأنكر حملها
الذي في بطنها وقال هو لابن سحماء. قال الحافظ :
(٢٥٥)

ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معا اهـ
لكن حديث عبدالله بن جعفر عند الدارقطني هو من
طريق الواقدى وهو ضعيف جدا .
على فاحشة : يعنى على جريمة الزنا متلبسة بها .
كيف يصنع ؟: أي ماذا يفعل؟ أيسكت ؟ أم يتكلم ؟ أو يقتله فتقتلونه .
إن تكلم تكلم بأمرعظيم : أى إن ذكر ذلك وأعلنه ذكر أمرا خطيرا
وشأنا عظيما ، عاقبته تذهب بالألباب وتحير العقول .
سكت على مثل ذلك : أي سكت على أمر خطير ونار في القلب مشتعلة.
فلم يجبه: أي فلم يتكلم رسول الله عَّ له بجوابه لأنه عَ لّه كره
المسائل وعابها .
بعد ذلك : أي بعد مدة من هذا السؤال الذي لم يتلق عليه جوابا .
أتاه فقال: أي جاء هذا السائل إلى رسول الله عَ لّم فقال له.
إن الذي سألتك عنه قد ابْتُلِيتُ به : أي أنا لاأسأل سؤال
افتراض عن شيء لم يحدث وإنما الذي سألتك عنه
قد وقع ، ولا طاقة لي بالسكوت عليه .
فأنزل الله الآيات في سورة النور: وهي قوله تعالى: ﴿والذين
يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم
فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين
والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين.
ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن
الكاذبين . والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من
(٢٥٦)

الصادقين ﴾ وليس قوله : فأنزل الله الآيات أن هذا
سبب نزولها بل نزلت هذه الآيات في قصة هلال
ابن أميةوزوجته وكانت قريبة الوقت من هذه القصة .
فتلاهن عليه: أي قرأ رسول الله عَ ◌ّ الآيات التي أنزلت
من سورة النور في اللعان على الرجل الذي قذف زوجته .
ووعظه وذكّره : أي نصحه وخوفه من عقوبة الله إن كان كاذبا .
وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة : أي وأعلمه
رسول الله عٍَّ أنه إن رجع عن هذا القذف وضُرِبَ
حَدَّ القذف أيسر من أن يستمر على قذفه لزوجته
إن كان كاذبا لأن عقاب الله في الآخرة للكاذبين
أشد من عقوبة الدنيا فإذا رجع وأقر بكذبه ضرب
حد القذف فإن من ابتلى بشىء من المعاصى ثم
. أخذ به في الدنيا كان كفارة له .
لاوالذي بعثك بالحق ماكذبت عليها : أي لاأكذب فيما أقول
والله الذي بعثك بالحق ماافتريت عليها وما تكلمت
إلا بما رأيت وعلمت وإنى لصادق .
ثم دعاها فوعظها كذلك: أي طلب رسول الله عَ طله أن تحضر
المرأة فحضرت ووعظها ونصحها أن لا تشهد بالله
كاذبة لأنها إن شهدت بالله أربع شهادات وهي
كاذبة واستجلبت غضب الله عليها ، كانت أهلا
لعقوبة الله في الآخرة فلو لم تدرأ العذاب
(٢٥٧)

الدنيوي عن نفسها بالكذب لكان خيرا لها فإن
عذاب الدنيا - مهما كان - أهون من عذاب الآخرة .
إنه لكاذب : أي إن زوجي لكاذب فيما رماني به من الزنا .
فبدأ بالرجل فشهد الح: أي فقدم رسولُ اللـه عَّ ◌ُله الرجل في الملاعنة
على المرأة فشهد بالله أربع مرات إنه لصادق فيما رماها
به من الزنا وقال في الخامسة : لعنة الله علیه إن کان من
الكاذبين فيما رماها به من الزنا .
ثم ثَنَّى بالمرأة : أي ولما انتهى الرجل تقدمت المرأة فشهدت
أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من
الزنا وقالت في الخامسة : غضب الله عليها إن كان
من الصادقين فيما رماها به من الزنا .
ثم فرق بينهما: أي حرَّمَها رسولُ الله عَ لمه على الرجل بعد
الانتهاء من الملاعنة .
البحث
لما شرع الله تبارك وتعالى حد القذف على من رمى محصنة بالزنا،
خص من ذلك الزوج فجعل له حكماخاصابه وهو اللعان لحفظ
الأنساب ودفع المعرة عن الأزواج ، وقد جاء في حديث ابن عمر
هذا: فأنزل الله الآيات في سورة النور فتلاهن عليه . وفي حديث
سهل بن سعد الساعدي الذي صرح فيه باسم عويمر العجلاني عند
مسلم قوله عَ ل: ((قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها)».
(٢٥٨)

وعند البخاري من حديث سهل هذا قول رسول الله عَ له: قد
أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها . وجاء في
حديث أنس بن مالك عند مسلم في قصة قذف هلال بن أمية
زوجته بشريك بن سحماء ((وكان أول رجل لاعن في الإِسلام » وجاء
في حديث ابن عباس عند البخاري أن هلال بن أمية قذف امرأته
عند النبي عَّ بشريك بن سحماء فقال النبي عَّ له: البينة أو حدٍّ
في ظهرك)) وفيه (( فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق
فَلَيُنزلَنَّ اللهُ مايبرئ ظهري من الحد ، فنزل جبريل، وأنزل عليه :
والذين يرمون أزواجهم ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين ﴾
فانصرف النبي عَ ل فأرسل إليها فجاء هلال فشهد . الحديث .
وقد أشار الحافظ في الفتح إلى احتمال أن يكون عاصم سأل قبل
النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله فجاء عويمر في المرة
الثانية التي قال فيها : إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فوجد الآية
نزلت في شأن هلال فأعلمه النبي عَ لّه بأنها نزلت فيه يعنى أنها نزلت في
کل من وقع له ذلك لأن ذلك لايختص بهلال . هذا ولفظ حديث الباب
عند مسلم قال : حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير حدثنا أبي ح وحدثنا
أبوبكر بن أبي شيبة (واللفظ له) حدثنا عبدالله بن نمير حدثنا عبدالملك
ابن أبي سليمان عن سعيدبن جبير قال : سُئِلتُ عن المتلاعنين في إِمْرَةٍ
مصعب : أَيُفَرَّق بينهما ؟ قال : فما دَرَيْتُ ماأقول ، فمضيت إلى منزل
ابن عمر بمكة فقلت للغلام : استأذن لي . قال إنه قائل . فسمع صوتى
قال : ابنُ جُبَيْر؟ قلتُ : نعم . قال : ادخل فوالله ماجاء بك هذه
(٢٥٩)

الساعة إلاحاجة ، فدخلت فإذا هو مفترش بَرْذَعَةً، مُتَوَسِّدٌ وِسادَةً
حَشْوُهَا لِيفٌ ، قلت : أباعبد الرحمن : المتلاعنان أَيْفَرَّقُ بينهما؟ قال:
سبحان الله ، نعم ، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان .
قال : يارسول الله : أرأيتَ أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة
كيف يصنع ؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت على
مثل ذلك. قال: فسكت النبي عَ ◌ّلِ فلم يجبه ، فلما كان بعد
ذلك أتاه فقال : إن الذي سألتُكَ عنه قد ابتليت به ، فأنزل الله
عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿ والذين يرمون أزواجهم
فتلاهن عليه ، ووعظه ، وذَكَّره ، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من
عذاب الآخرة قال : لا والذي بعثك بالحق ماكذبت عليها ، ثم
دعاها ، فوعظها، وذكّرهَا ، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من
عذاب الآخرة . قالت : لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب ، فبدأ
بالرجل . فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . والخامسة أن
لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثَنَّى بالمرأة فشهدت أربع
شهادات بالله إنه لمن الكاذبين . والخامسة أن غضب الله عليها إن
كان من الصادقين. ثم فرَّق بينهما . وحدثنيه علي بن حُجْر
السَّعْدي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا عبدالملك بن أبي سليمان
قال : سمعت سعيد بن جبير قال : سئلت عن المتلاعنين زمن
مصعب بن الزبير فلم أدر ماأقول فأتيت عبدالله بن عمر فقلت :
أرأيت المتلاعنين أيفرق بينهما ؟ ثم ذكر بمثل حديث ابن نمير . وقد
(٢٦٠)