النص المفهرس
صفحات 201-220
فرض فلم يقمه أو استحمق فلم يأت به أيكون ذلك عذرا له ؟ . وقال الخطابي : في الكلام حذف أي أرأيت إن عجز واستحمق أيسقط عنه الطلاق حمقُه أو يبطله عجزه ؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه اهـ . مایفیده الحدیث ١ - لا يجوز طلاق المرأة وهي حائض . ٢ - يقع طلاق الرجل إذا طلق امرأته وهي حائض . ٣ - يجب على من طلق امرأته وهي حائضّ أن يردها إذا لم يكن طلاقه هذا مكملا للثلاث . ٤ - أن الطلاق الذي أمر الله به هو أن يكون في طهر لم تجامع المرأة فيه . ٥ - أن طلاق الحامل ليس من الطلاق البدعي . ٦ - أن جمع تطليقتين أو ثلاث بلفظ واحد معصية لله عز وجل . ٧ - أن من طلق امرأته ثلاثا بلفظ واحد بانت منه امرأته ووقع عليه الثلاث . ٠ ٨ - مشروعية الطلاق في الإِسلام . ٣ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الطلاق على عهد رسول الله عَ لٍ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدةٌ ، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ . فلوأمضيناه عليهم فَأَمْضَاهُ عليهم )) رواه مسلم . (٢٠١) المفردات استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة : أى أسرعوا وأكثروافي شأن كانت لهم فيه مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة . فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم : أي فلو قضينا عليهم بظاهر ألفاظهم وألزمناهم بذلك ، فألزمهم بذلك . البحث قال مسلم في صحيحه : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع ((واللفظ لابن رافع)) قال إسحاق أخبرنا وقال ابن رافع حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما وساق الحديث باللفظ الذي ذكره المصنف ثم قال مسلم : حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا رَوْح بن عبادة أخبرنا ابن جريج ح وحدثنا ابن رافع ((واللفظ له )) حدثنا عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس : أتعلم أنما كانت الثلاث تُجْعَلُ واحدةً على عهد النبي عَ له وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر فقال ابن عباس : نعم . وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس : هَاتٍ من هناتك ألم یکن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله عليه وآبي بكر واحدة ؟ فقال : قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم اهـ وقول أبي الصهباء لابن عباس : ((هات من هناتك)) أي أخبارك وأمورك المستغربة، وهو يشعر بأن هذا الامر وهو (٢٠٢) أن الثلاث تقع واحدة وأن عمر رضي الله عنه هو الذي جعله ثلاثا أنه من الأمور المستغربة عند المسلمين ، علما بأنه قد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يفتى بعد موت عمر رضي الله عنه بأن من طلق ثلاثا بلفظ واحد أنه تقع عليه الثلاث فقد أخرج أبوداود بسند صحيح من طريق مجاهد قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إنه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه فقال : ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول : ياابن عباس ياابن عباس ؟ إن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ وإنك لم تتق الله فلا أجدلك مخرجا ، عصيت ربك وبانت منك امرأتك. كما تقدم في بحث الحديث السابق مارواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لمن طلق امرأته ثلاثا : وأما أنت طلقتها ثلاثا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وبانت منك )) وروى البخاري في باب من أجاز طلاق الثلاث من حديث سهل بن سعد الساعدي في قصة المتلاعنين قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله عَ لٍ فلما فرغا قال عويمر : كذبت عليها يارسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله عَ ليه . ثم ساق البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فَطَلَّق، فسئل النبي عَّ ◌ُله: أتحل للأول؟ قال: (( لاحتى يذوق عُسَيْلَتَهَا كما ذاق الأول . وقد اعتبر حديث الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما من الأحاديث المشكلة قال النووي : وأما حديث ابن عباس فاختلف العلماء في جوابه وتأويله فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق ولم ينو تأكيدا (٢٠٣) ولا استئنافا يحكم بوقوع طلقة لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه وكثر استعمال الناس بهذه الصيغة وغلبت منهم إرادة الاستئناف بها حملت عند الإطلاق على الثلاث عملا بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر اهـ وقد حمل النسائي حديث الباب على مالو طلق امرأته غير المدخول بها ثلاث تطليقات متفرقات. وقد حاول بعض من في قلبه مرض على أصحاب رسول الله عَ ◌ّةٍ وبخاصة عمر رضي الله عنه أن يلمز الخليفة الراشد بقصة حديث الباب ، ويجهل هذا اللامز أو يتجاهل بأن عمر رضي الله عنه كان وقافا عند سنة رسول الله عَ ليه سباقا للأخذ بها منه ومن غيره من ذوي الشذوذ وهو الذي كان ينزل القرآن بتصويب رأيه وهو الذي كان إذا سلك طريقا سلك الشيطان طريقا آخر كما ذكر ذلك عن رسول الله عَّةٍ . وسيجيء مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث الرابع والخامس من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى . مایفیده الحدیث :١ - أن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثا . ******** ٤ - وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: أُخْبِرَ رسولُ الله عَ ليه عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا ، فقام غضبان ثم قال : ((أَيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أُظْهُرِكُم)) حتى قام رجل فقال: يارسول الله أَلَا أَقْتُلُهُ ؟ رواه النسائي ورواته مُوَتَّقُون . (٢٠٤) المفردات محمود بن لبيد : هو محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع بن امرىء القيس بن زيد بن عبدالأشهل الأنصاري رضي الله عنه قال ابن سعد : ولد محمود بن لبيد في عَ لِ وفي أبيه لبيد بن عقبة عهد النبى جاءت رخصة الإطعام لمن لايقدر على الصوم ، وسمع محمود بن لبيد من عمر اهـ وقال البخاري : له صحبة وقال في التقريب : صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة اهـ وقد كان محمود من كبار الفقهاء المفتين. وتوفى سنة ست وتسعين عن تسع وتسعين سنة . ثلاث تطليقات جميعا : يعنى قال لها بلفظ واحد : أنت طالق ثلاثا . أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم : أي أيهمل العمل بكتاب الله ويستخف بتطبيق أحكامه ويستهزأ بها وأنا حي بينكم ؟ . ألا أقتله : أى أتأذن لي أن أضرب عنقه ؟. البحث قال النسائي : أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب قال : أخبرني مخرمة عن أبيه قال : سمعت محمود بن لبيد قال : أُخْبِر (٢٠٥) رسول الله عَ لله عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا . فقام غضبان ثم قال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل وقال : يارسول الله ألا أقتله ؟ اهـ قال المصنف هنا: ورواته موثقون وقال في الفتح ورجاله ثقات لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي عَّ اللّه ولم يثبت له منه سماع ، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية ، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع وقد قال النسائي بعد تخريجه : لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير يعنى ابن الأشج عن أبيه اهـ ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث ، وقد قيل : إنه لم يسمع من أبيه ، وعلى تقدير صحة حديث محمود فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة أو لا ؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم وقد تقدم في الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض أنه قال لمن طلق ثلاثا مجموعة : عصيت ربك وبانت منك امرأتك اهـ وقال في التقريب : مخرمة بن بكير بن عبدالله بن الأشج أبو المسور المدنى ، صدوق وروايته عن أبيه وجادة من كتابه قاله أحمد وابن معين وغيرهما وقال ابن المديني : سمع من أبيه قليلا اهـ . ٥ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : طلق أبو رُكانة أُمَّ رُكانة فقال له رسول الله عَ له: ((راجع امرأتك)) فقال: إنى (٢٠٦) طلقتها ثلاثا . قال: (( قد علمت راجعها)) رواه أبو داود وفي لفظ لأحمد : طلق أبوركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها فقال له رسول الله عَ ل: ((فإنها واحدة)) وفي سندهما ابن إسحاق ، وفيه مقال : وقد روى أبو داود من وجه آخر أحسن منه : أن أباركانة طلق امرأته سُهَيْمَةَ ألبثَّة فقال: والله ماأردت بها إلا واحدة صِلىالله فردها إليه النبي غَيْ}. المفردات أبو ركانة: قوله ((أبوركانة)) الظاهر أنه خطأ وصوابه ((ركانة)) وكذلك قوله: ((أم ركانة)) وركانة بضم أوله وتخفيف الكاف هو ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبدمناف المطلبي من مسلمة الفتح ، نزل المدينة ومات في أول خلافة معاوية رضي الله عنهما . قد علمت راجعها : أي قد علمت أنك طلقتها ثلاثا ومع ذلك رُدَّها . وفي لفظ لأحمد : أي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . فإنها واحدة : أى إن الثلاث بلفظ واحد تقع واحدة . وفي سندهما ابن إسحاق وفيه مقال : أى وفي سند أبي داود وأحمد محمد بن إسحاق بن يسار وهو مختلف فيه . (٢٠٧) محمد بن إسحاق : هو محمد بن إسحاق بن يسار أبوبكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي قال في التقريب : صدوق يدلس ورمى بالتشيع والقدر مات سنة خمسين ومائة وقيل بعدها اهـ . من وجه آخر أحسن منه : أي من طريق أخرى أحسن من الطريق الأولى وهذه الطريق هي طريق نافع بن عجير ابن عبديزيد بن هاشم بن المطلب المطلبي. قيل له صحبة أن ركانة الح . البحث ذكر الحافظ في الفتح أن هذا الحديث رواه محمد بن إسحاق صاحب المغازى عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : طلق ركانة بن عبديزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد ، فحزن عَّةٍ كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثا في عليها حزنا شديدا فسأله النبي مجلس واحد فقال النبي عَ لٍ: تلك واحدة فارتجعها إن شئت فارتجعها.اهـ وابن إسحاق فيه ما أشرت إليه في مفردات هذا الحديث . وشيخه داود بن الحصين ثقة إلا في عكرمة وهذا الحديث عنه عن عكرمة . وقال الحافظ في التلخيص : حديث : أن ركانة بن عبديزيد أتى رسول الله عَ ل فقال إنى طلقت امرأتي سهيمة ألبتة ووالله ماأردت إلا واحدة ، فردها عليه ، الشافعي وأبوداود والترمذي وابن ماجه واختلفوا هل هو من مسند ركانة أو مرسل عنه وصححه أبوداود (٢٠٨) وابن حبان والحاكم . وأعله البخاري بالاضطراب ، وقال ابن عبدالبر في التمهيد : ضعفوه . وفي الباب عن ابن عباس رواه أحمد والحاكم وهو معلول أيضا . اهـ وقال الشوكاني في نيل الأوطار عن حديث ركانة : في إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي وقد ضعفه غير واحد . ٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث جِدُّهُنَّ جِدُّ وهزلهن جِد : النكاح والطلاق والرجعة . رواه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم وفي رواية لابن عدي من وجه آخر ضعيف: (( الطلاق والنكاح والعتاق)) والحارث بن أبي أسامة من حديث عبادة بن الصامت رفعه: لا يجوز اللعب في ثلاث : الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وَجَبْنَ)) وسنده ضعيف . المفردات جِدُّهُنَّ جِدٌّ : أي التلفظ بهن على سبيل القصد والعزم مُلْزِمٌ . والجد بكسر الجيم . وهَزْلُهُنَّ جِدٍّ : أي والتلفظ بهن على سبيل المزح واللعب مُلْزِمِ . النكاح : أى التزويج . والطلاق : أى والألفاظ التي يقع بها مفارقة الزوجة . والرجعة : أي وإعادة الزوجة المطلقة إلى عصمة الزوج . وفي رواية لابن عدي : أي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه (٢٠٩) والعتاق : أى وتحرير الأرقاء . رفعه : أي أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم . لا يجوز اللعب في ثلاث : أي لايحل التلفظ بالتطليق أو التزويج أو تحرير الأرقاء على سبيل الهزل والمزح دون إرادة ذلك . فَمَن قَالَهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ : أي فمن تلفظ بهذه الألفاظ على سبيل المزح والهزل فقد لزمه ماقال . البحث قال الحافظ في تلخيص الحبير : حديث (( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والعتاق )» الطبراني من حديث فضالة ابن عبيد بلفظ: ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: ((الطلاق والنكاح والعتق)) وفيه ابن لهيعة ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن بشر بن عمر عن ابن لهيعة عن عبيدالله بن أبي جعفر عن عبادة بن الصامت رفعه « لا يجوز اللعب في ثلاث : الطلاق والنكاح والعتاق . فمن قالهن فقد وجبن » وهذا منقطع . وفي الباب عن أبي ذر رفعه : من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز ، ومن أعتق وهو لاعب فعتاقه جائز ، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز. أخرجه عبدالرزاق عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليم عنه ، وهو منقطع ، وأخرج عن على وعمر نحوه موقوفا . وفي هذا رد على ابن العربي وعلى النووي حيث أنكرا على الغزالي إيراد هذا اللفظ ثم قال النووي : المعروف اللفظ الأول بالرجعة بدل الطلاق ، وقال أبوبكر ابن العربي : لايصح قوله : (٢١٠) ويروى : بدل العتاق الرجعة ، قلت : هذا هو المشهور فيه . وكذا رواه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه والحاكم والدارقطني من حديث عطاء عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة باللفظ المذكور أولا . وفيه بدل العتاق الرجعة . قال الترمذي : حسن وقال الحاكم : صحيح وأقره صاحب الإلمام . وهو من رواية عبدالرحمن بن أردك وهو مختلف فيه . قال النسائي : منكر الحديث ووثقه غيره ، فهو على هذا حسن (تنبيه) عطاء المذكور فيه هو ابن أبي رباح صرح به في رواية أبي داود والحاكم ووهم ابن الجوزي فقال : هو عطاء بن عجلان وهو متروك اهـ هذا وقد قال الحافظ في التقريب : عبدالرحمن بن حبيب ابن أردك المدني المخزومي مولاهم ويقال حبيب بن عبدالرحمن: لين الحديث اهـ . ٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ماحَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا مالم تَعْمَلْ أو تَكَلِّم )) متفق عليه . المفردات تجاوز : أي عفا . ماحدثت به أنفسها : أي ماوسوست به صدورها وجرى في خواطرها دون اقتناع به . ما لم تعمل أوتكلم : أى مالم يخرج إلى التطبيق العملى أو يفصح به اللسان . (٢١١) البحث إيراد هذا الحديث هنا للدلالة على أن الإِنسان لو حدثته نفسه بطلاق امرأته فإن الله تعالى لايؤاخذه بذلك ولايعتبر ذلك طلاقا ، حتى يتلفظ به والمعروف عند اليهود أنه متى نوى اليهودى الطلاق حرمت عليه امرأته بمجرد نيته . وقد وضع الله تبارك وتعالى هذا الإِصر عن أمة محمد عَ له حيث يقول: ﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحِلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إِصْرَهُم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ولفظ هذا الحديث عند البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَ ◌ّةٍ قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ماحدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم )) وقال قتادة : إذا طلق في نفسه فليس بشيء اهـ قال الحافظ في الفتح: وقوله ((ماحدثت به أنفسها )) بالفتح على المفعولية وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها اهـ وقد نقل الحافظ في الفتح عن الخطابي الإجماع على أن من عزم على الظهار لايصير مظاهرا قال : وكذلك الطلاق . وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفا اهـ وفي هذا الحديث دليل ظاهر للرد على الذين يدعون أن حقيقة الكلام هي الكلام النفسى وأن الألفاظ هي دليل الكلام وليست هي الكلام وقد استدلوا (٢١٢) لباطلهم ببيت مكذوب منسوب للأخطل النصراني زعموا أنه يقول فيه : إن الكلام لفى الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فإن رسول الله عَّ أثبت في هذا الحديث المتفق عليه أن حديث النفس غير الكلام . والحمد لله فإن مذهب أهل السنة والجماعة قائم على الأدلة الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله عَّ لم إذ أنك لا تمر بمسألة في العقائد عند أهل السنة إلا وتجد دليلها آية أوآيات من كتاب الله أو حديثا أو أحاديث صحيحة صريحة عن رسول الله عَ لّم بخلاف مذهب غيرهم فإنك لاتجد لديهم إلا تَخَبُّطا أو قياسا غير صحيح أو نحو ذلك مما زعموا أنهم استنتجوه بعقولهم المُخَبَّلة وأرائهم المضللة. والحمد لله رب العالمين . مايفيده الحديث ١ - أن من نوى أن يطلق امرأته ولم يتلفظ بالطلاق أو لم يعمل عملا ينافى الحياة الزوجية فإنه لايقع عليه شيء . ٢ - فضل الله تبارك وتعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بوضع الإِصر عنهم. ٣ - الرد على من زعم أن حقيقة الكلام هي النفسى . ٨ - وعن ابن عباس عن النبي عَوِ ◌ّله قال: ((إن الله وضع (٢١٣) عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهُوا عليه)) رواه ابن ماجه والحاكم وقال أبوحاتم : لايثبت . المفردات وضع عن أمتي : أى أسقط عن أمتي . : أى إثم ماقد يرتكبونه على غير وجه العمد ء الخطـ ومايقعون فيه بدون قصد . والنسيان : أى وما يرتكبونه وهم ذاهلون عما يفعلونه . وما استكرهوا عليه : أى وما يفعلونه وهم مكرهون على فعله ممن يقدر على تنفيذ ماتهددهم به ، وما أجبروا على فعله دون إرادة منهم بل رغم أنوفهم . البحث هذا الحديث قد روى بعدة أسانيد قال ابن أبي حاتم: إنه سأل أباه عن أسانيده فقال : هذه أحاديث منكرة كلها موضوعة ، وقال عبدالله بن أحمد في العلل : سألت أبي عنه فأنكره جدا وقال : ليس عَبٍ اهـ والظاهر من نصوص يروى إلا عن الحسن عن النبي الشريعة أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر وفي ذلك يقول الله عزوجل: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ماكسبت وعليها مااكتسبت ، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا (٢١٤) عَبٍّ: ((إنما الأعمال بالنية ما لا طاقة لنا به﴾ وقال رسول الله عَ الله ولكل امرئٍّ مانوى )) وغير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل وكذلك الغالط والناسى والمكره على الشىء . قال البخاري في صحيحه : وقال علي: «ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ)) قال الحافظ في الفتح: وصله البغوي في ((الجعديات)) عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهي حبلى فأراد أن يرجمها فقال له على : أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة . فذكره . وتابعه ابن نمير ووكيع وغير واحد عن الأعمش ، ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرح فيه بالرفع ، أخرجه أبوداود وابن حبان من طريقه . وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي ظبيان مرفوعا وموقوفا لكن لم يذكر فيهما ابن عباس جعله عن أبي ظبيان عن علي ورجح الموقوف على المرفوع اهوقد قال النسائي في باب من لايقع طلاقه من الأزواج : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثنا عبدالرحمن بن مهدي قال : حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي عليه قال : رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق. وسيأتي آخر الباب وهو الحديث الرابع عشر من أحاديث هذا الباب . مايستفاد من ذلك ١ - أن الطلاق إنما يقع من الشخص إذا كان متأهلا للأحكام الشرعية (٢١٥) ٢ - وأن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر ٩ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: اذا حرَّم الرجلُ امرأته ليس بشىء، وقال: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )) رواه البخاري . ولمسلم عن ابن عباس : إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها . المفردات إذا حرم الرجل امرأته : أى قال هي عليَّ حرام أو محرمة أو نحو ذلك . ليس بشىء : أى لايكون ذلك طلاقا . وقال : أى ابن عباس مستدلا على ماذهب إليه . أسوة حسنة : أى قدوة صالحة. فهو يمين يكفرها : أى فإنه يلزمه في ذلك كفارة يمين فقط وهي إطعام عشرة مساكين من أوسط ماتطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وليس ذلك بطلاق . البحث قد يفهم من قول المصنف : ولمسلم عن ابن عباس : إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها . أن مسلما تفرد بهذا اللفظ وليس الأمر كذلك فقد أخرج البخاري أيضا عن ابن عباس رضى الله عنهما هذا الحديث بلفظ : إذا حرم (٢١٦) الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها)) وقد قال المصنف في تلخيص الحبير: وفي الصحيحين عن ابن عباس في الحرام بيمين يكفرها اهـ وهذا فهم من ابن عباس رضى الله عنهما واستنباط من قوله تعالى : ياأيها النبى لم تحرم ماأحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم . قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ والصحيح أن سبب نزول هاتين الآيتين هو أن رسول الله عَ له حرم على نفسه العسل ابتغاء مرضات بعض نسائه عَ ليه والظاهر الفرق بين تحريم الطعام والشراب وتحريم الزوجة إذ أن من قال علي طعام أو شراب مباح هو حرام لايكون حراما بتحريمه لكن لو حلف أن لايتناوله فكفارته هي كفارة اليمين بخلاف الزوجة فإنه قد يحرمها على نفسه بالطلاق والظهار وقد أشار البخاري رحمه الله إلى هذا الفرق فقال : باب من قال لامرأته : أنت عليَّ حرام وقال الحسن : نيته ، وقال أهل العلم : إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه ، فسموه حراما بالطلاق والفراق، وليس هذا كالذي يحرم الطعام لأنه لايقال للطعام الحل حرام، ويقال للمطلقة حرام وقال في الطلاق ثلاثا ((لاتحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)) وقال الليث عن نافع قال : كان ابن عمر إذا سئل عمن طلق ثلاثا ، قال : لو طلقت مرة أو مرتين ؟ فإن النبى عَّ له أمرني بهذا ، فإن طلقتها ثلاثا حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك)) اهـ وسبب نزول صدر سورة التحريم قد ثبت في الصحيحين أنه من أجل أن رسول الله عَ لّه حرَّم شرب العسل على (٢١٧) نفسه ، أما كون سبب النزول هو تحريم مارية فليس بصحيح ، والعجيب قول الحافظ في الفتح : وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس أن النبى معَّه كانت له أمة يطؤها . فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل الله تعالى الآية ﴿ ياأيها النبى لم تجرم ما أحل الله لك﴾ وهذا أصح طرق هذا السبب اهـ ومن العجيب كذلك أن الصنعاني نقل في سبل السلام حديث النسائي هذا ثم قال : وهذا أصح طرق سبب النزول . اهـ وقد ذكر القرطبي رحمه الله في سبب النزول ثلاثة أقوال: الأول أنها نزلت في قصة شرب رسول الله عَ ليه العسل عند بعض نسائه ((زينب بنت جحش أو حفصة بنت عمر رضى الله عنهم)) وقول عائشة وبعض نسائه رضى الله عنهن له حَ له: أكلت مغافير وقوله عَّله ((شربت عسلا ولن أعود إليه)) فنزل: ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ وقد سقت ألفاظ هذا الحديث عند الشيخين فيما تقدم قريبا عند الكلام على الحديث السادس من أحاديث باب القَسْم . والثاني أنها نزلت فى المرأة التي وهبت نفسها للنبي عَ } قال القرطبي: وقول ثالث : إن التي حرم مارية القبطية ، وقد كان أهداها له المقوقس ملك الإِسكندرية ، وساق أثر أنه عَ لّه واقعها في بيت حفصة فلما علمت حفصة بذلك حرَّم رسول الله عَ لمه مارية على نفسه . ثم قال القرطبي : أصح هذه الأقوال أولها ، وأضعفها أوسطها قال ابن العربي : أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته وأما ضعفه في معناه فلأن رد (٢١٨) الموهوبة ليس تحريما لها ، لأن من رد ما وُهبَ له لم يحرم. صَلىالله النبي عاون. عليه . إنما حقيقة التحريم بعد التحليل ، وأما من روى أنه حرم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى لكنه لم يدون في الصحيح ، وروى مرسلا اهـ قلت : وليس قوله : أمثل في السند أنه مقدم على ما رواه البخاري ومسلم في سبب النزول بل المعنى أنه أمثل من سند القول الثاني أنها نزلت في تحريم الموهوبة . وكذلك قوله : أقرب للمعنى فهو أقرب كذلك من القول الثاني . أما القول الأول في سبب النزول فهو متفق عليه كما ذكرت قريبا . هذا وقد قال القاضي عياض في قصة مارية هذه : إن هذه القصة لم تأت من طريق صحيح . ١٠ - وعن عائشة رضى الله عنها أن ابنة الجَوْن لما أُدْخِلَتْ على رسول الله عَ ليه ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك فقال: ((لقد عُذت بعظيم الْحَقِي بأهلكِ )) رواه البخاري . المفردات عذت بعظيم : أى استَجَرْتِ بكبير . الحقى بأهلك : أى قد فارقتك فاذهبي إلى دار أبيك . البحث قد تقدم الكلام على حديث عائشة رضى الله عنها هذا عند بحث الحديث الحادي عشر من أحاديث باب الصداق . والمقصود من ذكر (٢١٩) هذا الحديث هنا هو أن هذا اللفظ إذا أريد به الطلاق كان طلاقا بالنية . أما إذا قال الرجل لزوجته : الحقي بأهلك ولم يرد طلاقا فإنه لايكون هذا القول طلاقا لما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن مالك رضى الله عنه في قصة الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك ومُرارة بن الربيع العَمري وهلال بن أمية الواقفي ، قال كعب : حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله عَّ له يأتيني فقال: إن رسول الله عَ لّه يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت : أُطلَقُهَا أم ماذا أفعل ؟ قال : لا . بل اعتزلها ولا تَقْرَبْها، وأرسل إلى صاحِبَيَّ مثلَ ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الأمر . الحديث وهو دليل ظاهر على أن كلمة ((الحقي بأهلك)) قد تكون طلاقا وقد لاتكون طلاقا والذي يحدد ذلك هو نية المتكلم بها. مايستفاد من ذلك ١ - أن كلمة ((الحقي بأهلك)) قد تستعمل كناية عن الطلاق إذا أريد بها ذلك . ٢ - أن الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره لاتكون طلاقا إلا بالنية . ١١ - وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَطله: (( لاطلاق إلا بعد نكاح، ولاعتق إلا بعد مِلْكٍ)) رواه أبويعلى وصححه الحاكم ، وهو معلول ، وأخرج ابن ماجه عن المسور بن (٢٢٠)