النص المفهرس

صفحات 121-140

بارك الله لك . أولم ولو بشاة . قال عبدالرحمن
فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا رجوت أن أصيب تحته
ذهبا أو فضة يعنى بسبب دعوة النبي عَ بـ
له
بالبركة وقد شهد عبدالرحمن بن عوف مع رسول الله
عَ لِّ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها . وكان ممن
ثبت مع رسول الله عَ لّه يوم أحد . وقد صح
الخبر عن المغيرة بن شعبة أنهم كانوا في سفر مع
رسول الله عَ له وأن رسول الله عَ له قام قبيل
الفجر لحاجة وتبعد عن الناس ومعه المغيرة فطلع
الفجر قبل أن يرجع رسول الله عَ لّه فأقيمت
الصلاة وأمهم عبدالرحمن بن عوف فأدركه رسول الله
وقد صلى ركعة وهم في الثانية قال المغيرة : فذهبت أُوذِنُهُ
فنهاني فصلينا الركعة التي أدركنا ، ولم يصل رسول الله
ګ خلف أحد من أمته سوی أبي بكر وعبدالرحمن بن
عوف . وقد أمره عمر رضي الله عنه على الحج سنة ثلاث
عشرة من الهجرة في أول سنة ولى فيها الخلافة . وقد
اختاره عمر رضي الله عنه في أهل الشورى . ولما توفى
كان فيما ترك ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أیدی
الرجال منه وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من نصيبها
في الثمن بثمانین ألفا وقد كانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين
عن خمس وسبعين سنة رضي الله عنه .
(١٢١)

أثر صفرة : أى أثر خلوق والخلوق بفتح الخاء نوع من الطيب
مركب فيه زعفران فيبقى أثره أصفر ، والظاهر أنه
علق فيه من طيب زوجته العروس لما ثبت في
الصحيح من نهى الرجال عن التزعفر ولذلك سأله
رسول الله عَ له عن سبب وجود أثر الصفرة عليه .
ماهذا : أى ماسبب وجود أثر الصفرة عليك ؟
تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب : أى تزوجت امرأة وسقت
صداقها وزن نواة من ذهب وقد تقدم أنها خمسة
دراهم أو ثلاثة دراهم وثلث .
بارك الله لك: أي جعل الله لك في هذا الزواج خيرا كثيرا.
أولِم ولو بشاة : أى اصنع طعام العرس ولو كانت هذه الوليمة
مقتصرة على شاة واحدة قال الحافظ في الفتح :
ليست (لو) هذه الامتناعية وإنما هي التي للتقليل.
البحث
أورد البخاري رحمه الله في باب الصفرة للمتزوج عن أنس بن
مالك رضي الله عنه أن عبدالرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله
عَ له وبه أثر صفرة فسأله رسولُ الله عَ له فأخبره أنه تزوج امرأة
من الأنصار قال: ((كم سقت لها؟)) قال : زنة نواة من ذهب ،
قال رسول الله عَ ﴾ ((أولِم ولو بشاة)) ثم ساقه في باب كيف
يدعى للمتزوج من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عَ له رأى
على عبدالرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: ((ماهذا ؟)) قال : إنى
(١٢٢)

تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. قال: (( بارك الله لك أولم
ولو بشاة)) ثم ساقه في باب الوليمة ولو بشاة من طريق حميد عن
أنس رضي الله عنه قال: سأل النبي عَ ل عبدالرحمن بن عوف -
وتزوج امرأة من الأنصار: ((كم أصدقتها؟)) قال وزن نواة من
ذهب)) ثم قال البخاري : وعن حميد قال سمعت أنسا قال : لما
قدموا المدينة نزل المهاجرون على الأنصار - فنزل عبدالرحمن بن عوف
على سعد بن الربيع فقال : أقاسمك مالي ، وأنزل لك عن إحدى
امرأتَّ قال: بارك الله لك في أهلك ومالك ، فخرج إلى السوق
فباع واشترى ، فأصاب شيئا من أقط وسمن ، فتزوج فقال النبي
حَ له ((أولم ولو بشاة)) أما مسلم رحمه الله فقد ساقه باللفظ الذي
ذكره المصنف إلا أنه قال فيه: ((فبارك الله لك)) بدل قوله في
اللفظ الذي ساقه المصنف: ((بارك الله لك)) ثم ساقه مسلم من
حديث أنس رضى الله عنه بلفظ : أن عبدالرحمن بن عوف تزوج
على عهد رسول الله عَ ةٍ على وزن نواة من ذهب . فقال له رسول الله
عَ ◌ّه ((أولم ولو بشاة)) ثم ساقه من حديث أنس رضي الله عنه أن
عبدالرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب وأن النبي عليه
قال له: (( أولم ولو بشاة)) وفي لفظ لمسلم من طريق إسحاق بن إبراهيم
ومحمد بن قدامة قالا أخبرنا النضر بن شميل حدثنا شعبة حدثنا عبدالعزيز
ابن صهيب قال سمعت أنسا يقول : قال عبدالرحمن بن عوف : رآني
رسول الله عَوْلٍ وعليَّ بشاشة العرس فقلت : تزوجت امرأة من
(١٢٣)

الأنصار فقال: ((كم أصدقتها)) فقلت: ((نواة)) وفي حديث
إسحاق ((من ذهب)) وظاهر قول رسول الله عَ ل لعبد الرحمن بن
عوف: ((أولم ولو بشاة)) يشعر بأن أقل ما يجزئ في وليمة العرس
شاة، إلا أنه ثبت أن وليمة رسول الله عَ ةٍ في عرس صفية كانت
بغير لحم كما تقدم في بحث الحديث الأول من أحاديث باب
الصداق ، فدل ذلك على أن أمر ويمة العرس على السعة بحسب
مايتيسر للزوج إلا أنه لا يجوز أن تصل إلى حد الإسراف والتبذير
وسيجيىء زيادة بحث لهذا عند الكلام على الحديث السادس والسابع
من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى .
هذا والأصل تحريم التزعفر على الرجال كما تقدم لما رواه البخاري
من حديث أنس رضي الله عنه قال: نهى النبي عَلٍ أن يتزعفر
الرجل . اهـ إلا أن أثر الصفرة التي كانت على عبدالرحمن بن عوف
ربما كانت علقت فيه من طيب زوجته كما أشرت في مفردات هذا الحديث
والله أعلم .
مايفيده الحديث
١ - استحباب ويمة العرس.
٢ استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة.
٣ - استحباب تكثير الوليمة للقادر مالم يصل إلى حد
الإسراف والتبذير .
٤ - جواز خروج الرجل وعليه أثر العرس .
٥ - أن النكاح لا بد فيه من صداق .
(١٢٤)

٢ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عَةٍ:
((إذا دُعِي أحدكم إلى وليمة فليأتها)) متفق عليه، ولمسلم: ((إذا دعا
أحدكم أخاه فليجب ◌ُرساً كان أو نحوه)).
المفردات
دُعِيَ أحدكم إلى وبِمة : أى إذا طَلَب المتزوج أو نائبه من أحدكم
الحضور لتناول الطعام في وليمة العرس .
فليأتها : أى فليجيء إليها ولا يتخلف عنها .
ولمسلم : أى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إذا دعا أحدكم أخاه فليجب : أى إذا طلب أحد المسلمين من
أخيه المسلم أن يحضر دعوة لديه فليحضر ولايتخلف .
والدَّعوة بفتح الدال ما كانت في الطعام . وبكسر
الدال ما كانت في النسب قال النووي وعكسه تيم
الرباب فقالوا : الطعام بالكسر والنسب بالفتح قال:
وأما قول قطرب في المثلث : إن دعوة الطعام بالضم
فغلطوه فيه اهـ وقال الحافظ في الفتح : وأما الدعوة
فهي أعم من الوليمة وهي بفتح الدال على المشهور
وضمها قطرب في مثلثته وغلطوه في ذلك على ماقال
النووي ، قال ودعوة النسب بكسر الدال وعكس
(١٢٥)

ذلك بنو تيم الرباب ففتحوا دال دعوة النسب
وكسروا دال دعوة الطعام اهـ ومانسبه لبني تيم
الرباب نسبه صاحبا ((الصحاح)) و((المحكم))
لبني عدي الرباب . فالله أعلم اهـ من الفتح .
◌ُرسا كان أو نحوه : أى سواء كانت الدعوة لطعام العرس أو
ماأشبه كطعام العقيقة ونحوها . والعُرس بسكون الراء
وضمها الزواج . والعروس اسم للزوجين عند أول
اجتماعهما يشمل الرجل والمرأة فيقال للمرأة
حينئذ العروس كما يقال للرجل حينئذ العروس ومنه
حديث أنس عند البخاري ومسلم : أصبح النبي
عَ ◌ّه عروسا بزينب . وبعض الناس يخص العرس
بالمرأة أما الرجل فيقال عند زواجه ((العريس)).
البحث
حض رسول الله عَبٍ على إجابة دعوة الداعى سواء كانت دعوة
عرس أو غير عرس لما في ذلك من تأليف القلوب ، وتقوية الروابط ،
وسل الضغائن ، وهذا من أهم مقاصد الإِسلام لتكوين المجتمع
المترابط المتعاطف المتحاب . وقد جعل الإِسلام من هذه المناسبات الطيبة
سببا من أسباب إزالة ماقد يكون بين الشخص وغيره من التباغض .
فقد روى البخاري من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما
أن النبي عَ ◌ّه قال: ((لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبت ولو أهدى إليَّ
(١٢٦)

ذراع لقبلت )) كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
أن النبي عَّم قال: ((إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا» كما روى
البخاري من حديث أبي موسى عن النبي عَ ◌ّه قال: ((فُكُّوا
العاني ، وأجيبوا الداعي ، وعودوا المريض)) كما روى البخاري من
حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا النبي عَادٍ بسبع
ونهانا عن سبع : أمرنا بعيادة المريض، واتِّباع الجنازة ، وتشميت
العاطس ، وإبرار القسم ، ونصر المظلوم ، وإفشاء السلام ، وإجابة
الداعى ، ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة ، وعن المياثر
والقَسّيَّة ، والإستبرق والديباج. وأورده في كتاب الأدب في باب إفشاء
السلام بلفظ : ونهى عن الشرب في الفضة ونهانا عن تختم الذهب ،
وعن ركوب المياثر وعن لُبْس الحرير والديباج والقَسِّيِّ والإِستبرق . كما
روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال
رسول الله عَ : ((أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها)) وفي لفظ
لمسلم عنه عن النبي عَ ◌ّ قال: ((ائتوا الدعوة إذا دعيتم)) وسواء
كانت هذه الدعوة دعوة عرس أو غيره قال البخاري : باب إجابة
الداعي في العُرْس وغيرها ثم ساق من طريق نافع عن ابن عمر رضي
الله عنهما أن رسول الله عَ لّه قال: ((أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم
لها )) قال : كان عبدالله يأتى الدعوة في العرس وغير العرس وهو
صائم . وقد رواه مسلم باللفظ الذي ذكره المصنف ثم ساق من
حديث ابن عمر قال قال رسول الله عَّ ةٍ : من دُعي إلى عرس أو نحوه
(١٢٧)
٫٠ ٠٫

فليجب)) غير أن الشريعة الإسلامية أكدت إجابة دعوة العرس
تأكيدا شديدا فخصته بمزيد من التوكيد فقد روى مسلم في صحيحه
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((إذا دعى أحدكم إلى
ويمة عرس فليجب )) وفي لفظ لمسلم من طريق خالد بن الحارث عن
عبيدالله عن نافع عن ابن عمر عن النبي قال: (( إذا دعى أحدكم
إلى الوليمة فليجب . قال خالد فإذا عبيدالله يُنَزِّلُه على العُرس اهـ
فيتحتم على من دعى إلى وليمة العرس أن يحضرها حتى ولو كان صائما
مالم يعلم أن حرمات الله تنتهك على ويمة هذا العرس فإنه لايجيب .
وسيأتى مزيد بحث لهذا في الحديث الثالث والرابع من أحاديث هذا
الباب إن شاء الله تعالى . وقد قال النووي : ونقل القاضي اتفاق
العلماء على وجوب الإِجابة في ويمة العرس اهـ .
مايفيده الحديث
١ - وجوب إجابة الداعي لوليمة العرس .
٢ - لاينبغى التخلف عن دعوة الداعي في العقيقة ونحوها .
٣ - حرص الإسلام على تأليف القلوب.
٣ - اغتنام الفرص لإزالة أسباب الجفاء ونحوها بين المسلمين .
:
٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله عَ ل}
((شر الطعام طعام الوليمة يُمْنَعُها مَنْ يأتيها ، ويُدْعَى إليها من يأباها ،
ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله )) أخرجه مسلم
(١٢٨)

المفردات
شر الطعام : أى بئس الطعام .
طعام الوليمة : أشار الحافظ في الفتح إلى أن الوليمة إذا أطلقت
حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد .
يُمْنَعُها من يأتيها : أى لا يُدعَى لها الفقراء والمساكين
الذين لو دُعُوا لسارعوا إلى الإِجابة لحاجتهم .
ويُدْعى إليها من يأباها : أى ويدعى لحضورها الأغنياء الذين
لايحتاجون إلیہا ولا يحرصون عليها.
ومن لم يجب الدعوة : أى ومن امتنع عن حضور وليمة العرس لغير
عذر يمنعه عنها .
فقد عصى الله ورسوله : أى فقد ارتكب إثما، وأذنب ذَنْباً .
البحث
هذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة ، مرفوعا كما رأيت ، وقد
أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه
موقوفا بلفظ : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول : شر
الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة
فقد عصى الله ورسوله . ولفظ مسلم : عن أبي هريرة أنه كان
يقول : بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين
فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله . وقوله في لفظ
البخاري : ومن ترك الدعوة، هو بمعنى : ومن لم يجب الدعوة في
(١٢٩)

الرواية الثانية ، وكون هذا الحديث روى عن أبي هريرة موقوفا ومرفوعا
فإن ذلك لايضر . قال النووي : ذكره مسلم موقوفا على أبي هريرة
ومرفوعا إلى رسول الله عَ ل وقد سبق أن الحديث إذا روى موقوفا
ومرفوعا حكم برفعه على المذهب الصحيح لأنها زيادة ثقة . ثم قال
النووي: ومعنى هذا الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده عَ اله
من مراعاة الأغنياء في الولائم ونحوها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم
بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في
الولائم والله المستعان اهـ . وقال الحافظ في الفتح : وأول هذا الحديث
موقوف ولكن آخره يقتضى رفعه . ذكر ذلك ابن بطال قال : ومثله
حديث أبي الشعثاء أن أبا هريرة أبصر رجلا خارجا من المسجد بعد
الأذان فقال : أما هذا فقد عصى أبا القاسم . قال : ومثل هذا
لايكون رأيا . ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم انتهى . اهـ
وقوله في الحديث ((ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله))
صريح في وجوب إجابة من دعى إلى وليمة العرس ، وقد أشرت في
بحث الحديث السابق إلى أن من علم أن هذه الوليمة تقترن بالمعاصى
فإنه لايجب عليه الإِجابة لها . لكن من علم من نفسه قدرة على
إنكار المنكر وتغييره فإنه يحضر لذلك . وقد قال البخاري (باب هل
يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة ؟) ورأى ابن مسعود صورة في البيت
فرجع ودعا ابنُ عمرَ أبا أيوب فرأى في البيت سترا على الجدار فقال
ابن عمر : غَلَبَنَا عليه النساء ، فقال : من كنتُ أخشى عليه فلم
(١٣٠)

أكن أخشى عليك . والله لا أطعم لكم طعاما . فرجع اهـ قال
الحافظ في الفتح (قوله ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع) كذا
في رواية المستملي والأصيلي والقابسي وعبدوس وفي رواية الباقين
(أبو مسعود) والأول تصحيف فيما أظن فإننى لم أر الأثر المعلق إلا
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ، وأخرجه البيهقي من طريق عدي بن
ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود أن رجلا صنع طعاما فدعاه
فقال : أفي البيت صورة ؟ قال : نعم . فأبى أن يدخل حتى تكسر
الصورة . وسنده صحيح وخالد بن سعد هو مولى أبي مسعود عقبة
ابن عمرو الأنصاري ولا أعرف له عن عبدالله بن مسعود رواية ،
ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبدالله بن مسعود أيضا لكن لم أقف
عليه اهـ وقال الحافظ في الفتح : إن كان هناك محرم وقدر على إزالته
فأزاله فلا بأس ، وإن لم يقدر فليرجع ، وإن كان ممايكره كراهة
تنزيه فلا يخفى الورع ، ومما يؤيد ذلك ماوقع في قصة ابن عمر من
اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جدره ، ولو كان
حراما ماقعد الذين قعدوا ولا فعله ابن عمر فيحمل فعل أبي أيوب
على كراهة التنزيه جمعا بين الفعلين ، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان
يرى التحريم والذين لم ينكروا كانوا يرون الإباحة . وقد فصل العلماء
ذلك على ماأشرت إليه ، قالوا : إن كان لهوا مما اختلف فيه فيجوز
الحضور ، وإن كان حراما كشرب الخمر نظر فإن كان المدعو ممن
إذا حضر رفع لأجله فليحضر اهـ هذا والمأدبة إن كانت لقوم
(١٣١)

مخصوصين فهي النَّقَرى بفتح النون والقاف وإن كانت عامة فهي
الجفلي بفتح الجيم والفاء . والعرب كانوا يمتدحون المأدبة إذا كانت
عامة ويعدون ذلك في مفاخرهم ومنه قول الشاعر :
نحن في المشتاة ندعو الجَفَلَى
لا ترى الآدِبَ منا ينتقر
مایفیده الحدیث
١ - وجوب إجابة الدعوة لويمة العرس.
٢ - استحباب أن تكون الدعوة عامة للفقراء والأغنياء .
٣ - الحض على تطبيب قلوب الفقراء.
٤ - كراهية قصر الدعوة في وليمة العرس على الأغنياء .
*
***
٤ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَةٍ: ((إذا
دُعِى أحدُكم فليجب ، فإن كان صائما فليصل ، وإن كان مفطرا
فَلْيَطْعَمْ)) أخرجه مسلم أيضا ، وله من حديث جابر نحوه وقال :
(( إن شاء طَعِمَ، وإن شاء تَرَكَ)).
المفردات
وعنه : أى وعن أبي هريرة رضي الله عنه .
فَلْيُصَلِّ : أي فَلْيَدْعُ يعنى بالبركة والتوفيق للداعي .
فَلْيَطْعَم : أى فلْيَأْكُل من الوليمة .
(١٣٢)

وله : أى ولمسلم .
نحوه : أى نحو حديث أبي هريرة .
إن شاء طعم وإن شاء ترك : أى فليحضر الوليمة فإن رغب في
الأكل فليأكل وإن لم تكن له حاجة للأكل
فلا يأكل ولا شيء عليه مادام قد أجاب الدعوة .
البحث
في هذا الحديث إشعار بأهمية إجابة الدعوة وأن الصوم ليس عذرافي
التخلف عنها . بل يحضر الصائم ويدعو ، وقد روى مسلم من طريق
نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله
حَ الله: ((أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعيتم لها )) قال: وكان عبدالله يأتى
الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم . ولفظ حديث جابر
عند مسلم الذي أشار إليه المصنف هو من طريق محمد بن المثنى
ومحمد بن عبدالله بن نمير بسنديهما عن جابر رضي الله عنه قال :
قال رسول الله عَ بٍ: ((إذا دُعِى أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن
شاء طعم وإن شاء ترك)) ولم يذكر ابن المثنى ((إلى طعام)).
مايفيده الحدیث
١ - وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس .
٢ - وأن الصوم ليس عذرا في التخلف عن إجابة دعوة العرس.
٣ - الحض على كل ما يؤلف بين قلوب المسلمين .
٤ - ينبغى للداعي للوليمة أن يحمل من أجاب ولم يأكل
على المحمل الحسن .
(١٣٣)

٥ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (( قال رسول الله
عَ له: ((طعام أول يوم حق ، وطعام يوم الثاني سنة ، وطعام يوم
الثالث سُمْعَةٌ، ومن سمَّع سمَّع الله به )) رواه الترمذي واستغربه ،
ورجاله رجال الصحيح وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه .
المفردات
حق : أى ليست بباطل .
سنة : أى معروف .
سمعة : أى رياء .
ومن سمّع سمَّ الله به : أى ومن عمل رياء فضحه الله.
واستغربه : أى اعتبره غريبا أي ضعيفا .
وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه : أى ولحديث ابن مسعود
عند الترمذي شاهد يقويه وهو من رواية أنس عند
ابن ماجه .
البحث .
هذا الحديث أورده الترمذي من طريق زياد بن عبدالله البكائي عن
عطاء بن السائب وقال الترمذي : لانعرفه إلا من حديث زياد بن
عبدالله البكائى وهو كثير الغرائب والمناكير اهـ وقال الحافظ في
الفتح : قلت : وشيخه فيه عطاء بن السائب وسماع زياد منه بعد
اختلاطه فهذه علته اهـ وقال في التقريب : زياد بن عبدالله بن
(١٣٤)

الطفيل العامري البكائي بفتح الموحدة وتشديد الكاف أبو محمد
الكوفى ، صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق
لين ، من الثامنة ، ولم يثبت أن وكيعا كذبه ، وله في البخاري
موضع واحد متابعة ، وأشار إلى أن مسلما كذلك أخرج له فقول
المصنف: ((رجاله رجال الصحيح)) صحيح لكن ليس معنى كون
رجال الحديث رجال الصحيح أن يكون الحديث صحيحا ، لأن
بعض رجاله قد يكون حدث له اختلاط ويثبت أنه روى هذا الحديث
بعد الاختلاط ، كما أن الرجل قد يكون من رجال الصحيح إذا روى
عن شخص معين ولا يخرج له صاحب الصحيح إذا روى عن
شخص معين أو قوم معينين . وزياد البكائي وعطاء بن السائب من
هذا القبيل . وقال الحافظ في تلخيص الحبير : وعن ابن مسعود رواه
الترمذي بلفظ: ((طعام أول يوم حق، والثاني سنة، والثالث سمعة))
واستغربه ، وقال الدار قطني : تفرد به زياد بن عبدالله عن عطاء بن
السائب عن أبي عبدالرحمن السلمي عنه . قلت : وزياد مختلف في
الاحتجاج به ، ومع ذلك فسماعه من عطاء بعد الاختلاط . وعن
أنس رواه البيهقي من رواية أبي سفيان عنه ، وفي إسناده بكر بن
خنيس وهو ضعيف ، وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من
حديث الحسن عنه ورجحا رواية من أرسله عن الحسن . وعن وحشى بن
حرب وابن عباس رواهما الطبراني في الكبير وإسنادهما ضعيف اهـ.
أما قول المصنف : وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه فهو سبق قلم
(١٣٥)

فإن ابن ماجه لم يخرجه من حديث أنس وإنما أخرجه من حديث أبي
هريرة من طريق عبدالملك بن حسين النخعي الواسطي وهو ضعيف
أيضا ، قال ابن ماجه : حدثنا محمد بن عبادة الواسطى ثنا يزيد بن
هارون ثنا عبدالملك بن حسين أبو مالك النخعى عن منصور عن أبي
حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ◌ّله: ((الوليمة أول يوم حق ،
والثاني معروف ، والثالث رياء وسمعة )) قال في الزوائد : في إسناده أبو
مالك النخعى وهو ممن اتفقوا على ضعفه ، وقد رواه الترمذي في
جامعه من حديث عبدالله بن مسعود اهـ .
*****
٦ - وعن صفية بنت شيبة رضي الله عنها قالت: ((أولم النبي
◌ٍَّ على بعض نسائه بِمُدَّيْنٍ من شعير)) أخرجه البخاري .
المفردات
صفية بنت شيبة : هى أم حُجَيْر صفية بنت شيبة بن عثمان بن
أبي طلحة بن عبدالعزى ، بن عثمان بن عبدالدار
ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن
لؤى العبدرية ، قال الحافظ في التقريب : لها
رؤية وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة
وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي عَبطالة ،
وأنكر الدارقطني إدراكها اهـ وأشار في التقريب
إلى أنها قد أخرج لها الجماعة .
(١٣٦)

بعض نسائه : أى إحدى زوجاته قال الحافظ في الفتح : لم أقف على
تعيين اسمها صريحا . وأقرب مايفسر به أم سلمة اهـ .
بمدين من شعير : أى بنصف صاع من شعير .
البحث
أورد البخاري هذا الحديث في باب من أولم بأقل من شاة قال :
حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن منصور بن صفية عن أمه
صفية بنت شيبة قالت: أولم النبي عَبْدٍ على بعض نسائه بمدين من
شعير ، وقد أشار الحافظ في الفتح إلى أن بعض أهل العلم اعتبر
هذا الحديث مرسلا إما بدعوى أن صفية تابعية وليست بصحابية
وإما بدعوى أنها ما حضرت القصة لأنها كانت بمكة طفلة أو لم تولد
بعد ، وقد جزم ابن سعد وابن حبان بأن صفية تابعية ثم قال
الحافظ: لكن ذكر المزي في ((الأطراف)) أن البخاري أخرج في
كتاب الحج عقب حديث أبي هريرة وابن عباس في تحريم مكة قال :
(( وقال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة
قالت : سمعت رسول الله عَّ مثله قال: ووصله ابن ماجه من
هذا الوجه . قلت : وكذا وصله البخاري في التاريخ . ثم قال
المزي : لو صح هذا لكان صريحا في صحبتها لكن أبان بن صالح
ضعيف . كذا أطلق هنا ولم ينقل في ترجمة أبان بن صالح في
التهذيب تضعيفه عن أحد بل نقل توثيقه عن يحيى بن معين وأبي
حاتم وأبي زرعة وغيرهم . وقال الذهبي في مختصر التهذيب : مارأيت
(١٣٧)

أحدا ضعف أبان بن صالح ، وكأنه لم يقف على قول ابن عبدالبر في
((التمهيد)) لما ذكر حديث جابر في استقبال قاضى الحاجة القبلة من
رواية أبان بن صالح المذكور : هذا ليس صحيحا لأن أبان بن صالح
ضعيف . كذا قال : وكأنه التبس عليه بأبان بن أبي عياش البصري
صاحب أنس فإنه ضعيف باتفاق ، وهو أشهر وأكثر حديثا ورواة
من أبان بن صالح ولهذا لما ذكر ابن حزم الحديث المذكور عن جابر
قال : أبان بن صالح ليس بالمشهور . قلت : ولكن يكفى توثيق ابن
معين ومن ذكر له ، وقد روى عنه أيضا ابن جريج وأسامة بن زيد
الليثي وغيرهما ، وأشهر من روى عنه محمد بن إسحاق ، وقد ذكر
المزي أيضا حديث صفية بنت شيبة قالت : طاف النبي صلى الله
عليه وسلم على بعير يستلم الحجر بمحجن وأنا أنظر إليه ))
أخرجه أبو داود وابن ماجه . قال المزي : هذا يضعف قول من
أنكر أن يكون لها رؤية فإن إسناده حسن . قلت : وإذا ثبتت
رؤيتها له صلى الله عليه وسلم وضبطت ذلك فما المانع أن تسمع
خطبته ولو كانت صغيرة اهـ هذا وقد قال البخاري: (( باب من أولم
على بعض نسائه أكثر من بعض )) ثم ساق من طريق ثابت قال :
ذكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس فقال : مارأيت النبي
صلى الله عليه وسلم أولم على أحد من نسائه ماأولَم عليها
أُولَمَ بشاة )) وهو ظاهر الدلالة على أن الوليمة بحسب مايتيسر .
(١٣٨)

مايفيده الحديث
١ - استحباب ولمة العرس بماتيسر للزوج .
٢ - أنه لاينكر على من أولم على بعض نسائه بأقل أو بأكثر مما
أولم على البعض الآخر .
٣ - أن الشريعة الإسلامية مبناها التيسير .
**** -
٧ - وعن أنس رضي الله عنه قال: أقام النبي علٍَّ بين خيبر
والمدينة ثلاث ليال يُبْنَى عليه بصفية فَدَعَوتُ المسلمين إلى وليمته ، فما
كان فيها من خبز ولا لحم ، وما كان فيها إلا أن أمَر بالأنطاع فَبُسِطَتْ
فألقى عليها التمر والأقط والسمن )) متفق عليه ، واللفظ للبخاري .
المفردات
بين خيبر والمدينة : في مكان يقال له الصهباء يقع جنوبي خيبر
على مسافة بريد أي بمقدار اثنى عشر ميلا .
يبنى عليه بصفية : أى يوضع له خباء ليدخل على صفية فيه
وقد ذكر ابن سعد رحمه الله أن أم سليم رضي الله
عنها قالت : وليس معنا فسطاط ولا سرادقات
فأخذت كسائين أو عباءتين فسترت بينهما إلى
شجرة فمشطتها وعطرتها .
فدعوت المسلمين إلى ويمته : أى طلب أنس - بأمر رسول الله
عَّةٍ - من المسلمين الذين كانوا عائدين من خيبر
(١٣٩)

مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضروا
وليمة عرس رسول الله عَ لّه على صفية رضي الله عنها .
فما كان فيها من خبز ولالحم: أي كانت وليمة رسول الله عَليه
على صفية خالية من الخبز واللحم .
أمر بالأنطاع فبسطت: أي أمر رسول الله عَ لّه بالأنطاع فَمُدَّتْ
والأنطاع جمع نطع قال النووي : وفيه أربع لغات
مشهورات : فتح النون وكسرها مع فتح الطاء
وإسكانها،أفصحهن كسر النون مع فتح الطاء وجمعه
نطوع وأنطاع . والمراد به السُّفْرَةُ من الجلد تبسط
وتفرش على الأرض ثم يوضع عليها الطعام صيانة له
ويسميه بعض الناس (السماط) وأصل المسموط هو
اللحم المشوي بجلده . وكان بسط الأنطاع والأكل
عليها هو ماجرى عليه رسول الله عَ لّه وأصحابه
رضي الله عنهم .
والأقط : هو لبن يابس غير منزوع الزبد ويسمى في بعض
البلاد ( الكشك ) كما تقدم في باب صدقة الفطر
البحث
أورد البخاري هذا الحديث في باب غزوة خيبر عن أنس رضي الله
عنه بعدة ألفاظ : أقربها إلى اللفظ الذي ساقه المصنف هنا هو
ماأخرجه من طريق سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي
كثير قال أخبرني حميد أنه سمع أنسا رضي الله عنه يقول : أقام
(١٤٠)