النص المفهرس

صفحات 81-100

١٢ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا قال :
يارسول الله إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل، وأنا
أريد مايريد الرجال ، وإن اليهود تَحَدَّثُ أن العزل الموعودة الصغرى ؟
قال: ((كذبت اليهود لوأراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه))
رواه أحمد وأبوداود واللفظ له ، والنسائي والطحاوي ورجاله ثقات
المفردات
جارية : المراد بها هنا الأمة .
أعزل عنها : أى أمنع وصول المني إليها عند الوطء .
أكره أن تحمل : أى لاأحب أن تنجب .
أريد مايريد الرجال : أى أرغب في وقاعها .
تَحَدَّثُ : أى تتحدث وتزعم .
أن العزل الموءودة الصغرى : أى أن العزل هو شبيه بدفن البنت
وهى حية وإن كان أصغر إثما من دفنها وهى حية .
ما استطعتَ أن تَصْرِفَه : أى لم تقدر على رد قضاء الله إذا كان
قد قضى ولدا من هذا الوقاع لأنه يسبقه الماء فلايقدر على
دفعه ولاينفعه الحرص على عدم الإنجاب ، وينعدم الشعور
عند العازل ليتم ماقدره الله .
البحث
قال ابن القيم رحمه الله : الذي كذبت فيه اليهود زعمهم أن
(٨١)

العزل لايتصور معه الحمل أصلا وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد
فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه ، وإذا لم يرد
خلقه لم يكن وأدًا حقيقة ، وإنما سماه وأدا خفيا في حديث جدامة
لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد .
لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل ،
والعزل يتعلق بالقصد صِرْفًا فلذلك وصفه بكونه خفيا اهـ . وقال
الحافظ في تلخيص الحبير : حديث : العزل هو الوأد الخفي )) مسلم
من رواية جدامة بنت وهب في حديث . والظاهر أنه منسوخ فقد
روى أصحاب السنن من حديث أبي سعيد قال : قيل لرسول الله
عَبٍّ: إن اليهود زعموا أن العزل الموءودة الصغرى فقال: ((كذبت
يهود، لو أراد الله أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه)) ونحوه للنسائي عن
جابر وعن أبي هريرة اهـ
١٣ - وعن جابر رضى الله عنه قال: ((كنا نعزل على عهد
رسول الله عَ ◌ّه والقرآن ينزل، ولوكان شيئا يُنْهَى عنه لنهانا عنه
القرآن)) متفق عليه، ولمسلم: ((فبلغ ذلك نبىَّ الله عَّله فلم
ينهنا عنه ))
المفردات
كنا نعزل : أى نواقع ونمنع المني من الانصباب في الفرج .
(٨٢)

تقریر
على عهد رسول الله عَ ليه والقرآن ينزل: أى في وقت
الأحكام ونزول الأوامر والنواهي فأقرنا رسول الله
ولم يحرم القرآن ذلك .
فبلغ ذلك نبىَّ اللـه عٍَّ فلم يَنْهَنا عنه: أمى ولم يكن عملنا في
العزل خافيا على رسول الله عَ ليه بل علم به فأقره
ولوكان محرما ما أقرنا عليه عد اله
البحث
قد تقدم في بحث الحديث الحادي عشر من أحاديث هذا الباب
ألفاظ حديث جابر رضى الله عنه عند البخاري ومسلم ، كما تقدم
تحقيق الكلام فيما يفيده هذا الحديث وغيره من الأحاديث التى
وردت في شأن العزل .
مايفيده الحديث
١ - أن العزل لم يرد عنه نهى في كتاب الله ولافي سنة رسوله
صلى الله عليه وسلم .
٢ - أن العزل قررته الشريعة الإسلامية مادام لم يقصد منه تحديد
النسل أو كراهية الإنجاب كما تقدم .
١٤ - وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى
يطوف على نسائه بغسل واحد )) أخرجاه واللفظ لمسلم .
کان
صِلىالله
عليسلمٌ
(٨٣)

#
المفردات
يطوف على نسائه : أى يدور على نسائه ويجامعهن .
بغسل واحد : أى ويؤخر الغسل حتى ينتهى منهن جميعا فلا
يغتسل من جماعه لكل واحدة ، بل يغتسل
غسلا واحدا بعد فراغه من جماعهن جميعاً .
البحث
قال الحافظ في تلخيص الحبير: حديث ((كان يطوف على نسائه
بغسل واحد وهن تسع)) متفق عليه من حديث أنس . اهـ وقال
البخاري في صحيحه: ((باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه
بغسل واحد)) ثم ساق البخاري من طريق هشام عن قتادة من
حديث أنس رضي الله عنه قال: كان النبي عَ ◌ّةٍ يدور على نسائه
في الساعة الواحدة من الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة قال : قلت
لأنس : أوَ كان يُطيقُه ؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعْطِىَ قوةَ ثلاثين،
وقال سعيد عن قتادة: ((إن أنسا حدثهم : تِسْعُ نسوة)) وساقه
البخاري في ((باب الجنب يخرج ويمشى في السوق وغيره)) من
حديث سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم أن نبي الله
صَّ اللّه كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة))
وساقه بهذا اللفظ في كتاب النكاح في أكثر من باب فأورده في باب
كثرة النساء وفي باب من طاف على نسائه في غسل واحد . اهـ هذا وقد
اجتمع عند رسول الله عَ لم تسع نسوة وتوفى عنهن وهن عائشة وحفصة
وسودة ، وزينب ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وميمونة ، وجويرية ، وصفية
(٨٤)

رضي الله عنهن. وهن اللاتي كان يقسم لهن رسول الله عَ ليه أما
لفظ البخاري عن أنس رضي الله عنه : وهن إحدى عشرة فالمراد
مارية القبطية وريحانة رضي الله عنهما مع الزوجات التسع وقد تدخل
الأمَّة في النساء على سبيل التغليب ، ولا معارضة بين القسم بين
الزوجات المتعددات وبين الطواف عليهن في ليلة ، لأنه يفعل ذلك
مع جميعهن فلا ظلم على واحدة منهن مادام يطيق ذلك وسيأتي مزيد
بحث لهذا في باب القسم إن شاء الله تعالى .
مایفیده الحديث
١ - أنه يجوز لمن كان له أكثر من زوجة أن يطوف على نسائه
في ليلة واحدة ولا يعتر ذلك مَيلا عن العدل مادام قادرا
على ذلك وموفيا لصاحبة الليلة .
٢ - أن الحب وكثرة الجماع لإِحدى الزوجات لاينافى العدل
بين الزوجات مادام لايحبس نفسه عن واحدة دون الأخرى.
(٨٥)

باب الصداق
١ - عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى عَّ لهم أنه أعتق
صفية وجعل عتقها صداقها )) متفق عليه .
المفردات
الصداق : هو المهر ويسمى ايضا صَدُقَة بضم الدال . ونحلة
وفريضة وأجرا .
أعتق صفية : أى حررها من الرق لأنها من السبى يوم خيبر .
صفية : هى أم المؤمنين صفية بنت حُبَىِّ بن أخطب بن
سعية بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج
ابن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن
ينحوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن
عمران عَ لم . وأمها برة بنت سموأل أخت رفاعة
ابن سموأل من بني قريظة إخوة النضير . وكانت
صفية تزوجها سلام بن مشكم القرظي ثم فارقها
فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري
فقتل عنها يوم خيبر . ووقعت في سهم دحية الكلبي
فقيل لرسول الله عَ ظيم : إنه قد وقع في سهم
دحية الكلبي جارية جميلة فاشتراها رسول الله عَوب
بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم حتى تُصَنِّعَهَا
(٨٦)

وتهيئها وتعتد عندها ، وقال الناس : والله ماندري
أتزوجها رسول الله عَبِيلٍ أم تسرَّى بها ، فلما حملها
على بعيره سترها وأردفها خلفه فعرف الناس
أنه قد تزوجها. وقد جعل رسولُ الله عَ ليه ویمتها
التمر والأقط والسمن فأكل الناس حتى شبعُوا ، ولما
حوصر عثمان رضي الله عنه جعلت صفية رضي الله
عنها خشبا بين منزلها ومنزل عثمان رضي الله عنه
تنقل عليه له الماء والطعام، وتوفيت صفية رضي الله
عنها سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية بن أبي
سفيان رضي الله عنهما ودفنت بالبقيع .
وجعل عتقها صداقها : أى واعتبر تحريرها من الرق مَهْرَها .
البحث
روى البخاري في صحيحه في باب غزوة خيبر من طريق حماد بن
زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: صلى النبي عَبة الصبح
قريبا من خيبر بغَلَسِ ثم قال: ((الله أكبر ، خربت خيبر، إنا إذا
نزلنا بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المنذَرِين)) فخرجوا بِسْعَون في السِّكَكِ،
فقتل النبى عَّة المقاتلة ، وسَبَى الذرية ، وكان في السبي صفية
فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبى عَوْبةٍ فجعل عتقها
صداقها . فقال عبدالعزيز بن صهيب لثابت : ياأبامحمد : آنت قلتَ
الأنس ماأصدقها ؟ فَحَرَّكَ ثابت رأسه تصديقا له ثم ساق البخاري
(٨٧)

من طريق شعبة عن عبدالعزيز بن صهيب قال سمعت أنس بن مالك
رضى الله عنه يقول: سَبَى النبى عَ ◌ّه صفية فأعتقها وتزوجها فقال
ثابت لأنس : ماأصدقها ؟ قال : أصدقها نفسها فأعتقها)) أما
مسلم رحمه الله فقد روى من طريق عبدالعزيز عن أنس رضى الله عنه
في قصة غزوة خيبر قال: وأصبناها عَنْوَةً، وجُمِعَ السَّبْىُ فجاءه
دحية فقال: يارسول الله عَ ل أعطني جارية من السبي فقال:
اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيى فجاء رجل إلى نبى الله
عَبٍّ فقال: يانبى الله أَعْطَيْتَ دحية صفية بنت حيى سيد قريظة
والنضير ، ما تصلح إلا لك . قال : ادعوه بها قال : فجاء بها فلما
نظر إليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: ((خذ جارية من السبى
غيرها)) قال: وأعتقها وتزوجها فقال له ثابت: يا أباحمزة:
ما أصدقها ؟ قال : نَفْسَهَا ، أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق
جَهَّزَتْهَا له أُمُّ سليم. فأهدتها له من الليل، فأصبح النبىُّ معَ له
عُرُوسًا فقال: ((من كان عنده شيء فليجىء به )) قال: وبَسَطَ
نِطَعًا قال : فجعل الرجل يجىء بالأقط ، وجعل الرجل يجىء بالتمر
وجعل الرجل يجىء بالسمن فَحَاسُوا حيْسًا ، فكانت وليمة رسول الله
علوية . ثم رواه مسلم من عدة طرق عن ثابت وعبدالعزيز بن صهيب
وشعيب بن الحَبْحَاب عن أنس عن النبى عَ لَّم أنه أعتق صفية
وجعل عتقها صداقها . وفي لفظ له : أنه تزوج صفية وأصدقها
عِنْقَهَا اهـ وقوله في الحديث : وحاسوا. حيْسا الحيس هو الأقط والتمر
(٨٨)

والسمن يخلط ويعجن . ثم ساق مسلم من طريق ثابت عن أنس
رضى الله عنه قال : كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر وقدمي تمس
قدم رسول الله عَ لّه قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس ، وقد
أخرجوا مواشيهم ، وخرجوا بِفُؤُسهم ومكاتلهم وَمُرُورِهِمْ فقالوا : محمد
والخميس قال: وقال رسول الله عَ له: ((خربت خيبر إنا إذا نزلنا
بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المُنْذرين)) قال: وهزمهم الله عزوجل
مَ الله بسبعة
ووقعت في سهم دحيةً جارية جميلة فاشتراها رسول الله عَوب
أرؤس ثم دفعها إلى أم سُلَيْم تُصَنِّعُهَا له وتُهَيِّئُهَا قال: وأحسبه قال :
وَتَعْتَدُّ في بيتها . وهى صفية بنت حيى قال : وجعل رسول الله
عَليه ويمتها التمر والأقط والسمن فُحِصَت الأرض أَفَاحيص وجىء
بالأنطاع فوضعت فيها ، وجىء بالأقط والسمن فشبع الناس قال :
وقال الناس : لاندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد ؟ قالوا : إن حجبها
فهى امرأة وإن لم يحجبها فهى أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها
فقعدت على عَجُزِ البعير فعرفوا أنه قد تزوجها . الحديث . وقوله في
الحديث : ((ومكاتلهم ومُرُورهم)) المكاتل جمع مكتل وهو القفة والزنبيل ،
والمرور جمع مَر بفتح الميم وهو مثل المجرفة وأكبر منها يقال لها المساحِي
وقيل المراد بالمرور هنا الحبال كانوا يصعدون بها إلى النخيل وواحدها
مر بفتح الميم وكسرها لأنه يُمَرُّ حين يفتل . وقوله :
((فُحِصت الأرض أفاحيص)) أى كشف التراب من أعلاها وحفرت
شيئا يسيرا ليجعل الأنطاع في المحفور ويصب فيها السمن فيثبت
(٨٩)

ولا يخرج من جوانبها ، وأصل الفحص الكشف . والأفاحيص جمع
أفحوص ، وقد روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم من حديث أبي موسى
قال قال رسول الله عَةٍ في الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها له أجران .
مایفیده الحدیث
١ - جواز أن يكون عتق الأمة مهرا لها .
٢ - يستحب للرجل أن يعتق الأمة ويتزوجها .
٣ - إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح
العتق والعقد والمهر .
*****
٢ - وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن رضى الله عنه أنه قال: سألت
عائشة زوج النبى عَ له: كم كان صداقُ رسول الله عَ لَّه؟ قالت:
كان صداقه لأزواجه ثِنْتَى عَشَرَةَ أُوقِيَّةً ونَشًّا، قالت: أتدري ما النَّشُّ؟
قال : قلت لا . قالت : نصف أوقية، فتلك خَمْسُمِائَةٍ درهم ، فهذا.
صداق رسول الله عَ ◌ّةٍ الأزواجه)) رواه مسلم.
المفردات
أبوسلمة بن عبدالرحمن : هو أبوسلمة بن عبدالرحمن بن عوف
ابن عبدعوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القرشي
الزهري المدني . قيل اسمه عبد الله وقيل
(٩٠)

إسماعيل . ولد سنة اثنتين وعشرين من الهجرة وقال في
التقريب : وكان مولده سنة بضع وعشرين اهـ وقد
ولى القضاء في المدينة لسعيد بن العاص بن سعيد
ابن العاص بن أمية في خلافة معاوية رضى الله عنه
وكان صبيح الوجه كأن وجهه دينار وكان يخضب
بالحناء والكتم . وكان من أئمة الفقهاء وشيوخهم
وقد حدث عن جماعة من أصحاب رسول الله
عَّ ◌ُله ورضى الله عنهم وكان ثقة كثير الحديث . وقد
توفى أبوسلمة بالمدينة سنة أربع وتسعين في خلافة
الوليد بن عبدالملك وهو ابن اثنتين وسبعين سنة قال
ابن سعد في الطبقات : وهذا أثبت من قول من
قال : إنه توفى سنة أربع ومائة رحمه الله .
كم كان صداق رسول الله عَّه : أن مامقدار المهر الذي دفعه
رسول الله عَ لّه لزوجاته .
أوقية : هى بضم الهمزة وتشديد الياء وهى عند أهل
الحجاز أربعون درهما .
أتدري ماالنش : أى أتعلم مقدار النش ؟ والنش بفتح النون
وتشديد الشين .
قال : قلت : لا : أى قال أبوسلمة : قلت لعائشة رضى الله
عنها لاأعلم مقدار النش .
(٩١)

قالت : نصف أوقية : أى قالت عائشة رضى الله عنها : مقدار
النش هو نصف أوقية ، تعنى عشرين درهما .
فتلك خمسمائة درهم : أى فجميع مقدار هذا الصداق خمسمائة
درهم وهى حاصل ضرب اثنى عشر ونصف في
أربعين وهو يساوى ٥٠٠ درهم .
فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه : أى
فالخمسمائة درهم وهی مقدار مهر رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي دفعه للزوجة من زوجاته صلى الله
عليه وسلم ورضى الله عنهن .
البحث
ليس المراد من قول عائشة رضى الله عنها : فهذا صداق
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه )) أن جميع زوجات رسول الله كان
مهر الواحدة منهن خمسمائة درهم بل المراد أن هذا هو الغالب في مهور
نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان مهر صفية عتقها كما تقدم
في الحديث الأول من أحاديث هذا الباب كما أن مهر أم حبيبة رضى الله
عنها كان أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار وإن كان النجاشي رحمه الله
هو الذي تبرع بهذا المهر وأداه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكريما
للنبى صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليه وعلى آله وصحبه . وقد ذكر
ابن هشام في سيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق
(٩٢)

خديجة رضي الله عنها عشرين بكرة . قال الحافظ في الفتح : وقد
أخرج الطحاوي من طريق نافع عن ابن عمر في قصة جويرية بنت
الحارث (( أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل عتقها صداقها)) وقال
الحافظ في الفتح أيضا : أخرج أبوداود من طريق عروة عن عائشة في
قصة جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما جاءت تستعين
به في كتابتها: ((هل لك أن أقضى عنك كتابتك وأتزوجك؟))
قالت : قد فعلت . هذا وقد ذكر ابن هشام في السيرة النبوية أن
مهور نساء رسول الله عَ بللم كانت أربعمائة درهم لكن حديث الباب
يقدم على ماذكره ابن هشام ، لأن حديث الباب أصح منه . قال
الحافظ في التلخيص : حديث أبي سلمة : سألت عائشة ماكان
صداق رسول الله عَ لّه قالت: كان صداق لأزواجه اثنتى عشرة
أوقية ونَشًّا . أتدري ماالنش ؟ قلت لا . قالت : نصف أوقية :
مسلم في صحيحه ، واستدركه الحاكم فوهم وفي الباب عن عمر عند
مسلم أيضا وعن أم حبيبة عند النسائي ( تنبيه ) إطلاق أن جميع
الزوجات كان صداقهن كذلك محمول على الأكثر وإلا فخديجة
وجويرية بخلاف ذلك وصفية كان عتقها صداقها ، وأم حبيبة أصدقها
عنه النجاشي أربعة آلاف كما رواه أبوداود والنسائي وقال ابن إسحاق
عن أبي جعفر : أصدقها أربعمائة دينار اهـ
مايفيده الحديث
: ١ - استحباب عدم المغالاة في المهور .
(٩٣)

٢ - ينبغي أن يكون المهر خمسمائة درهم.
٣ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: (( لما تزوج علي
فاطمة رضى الله عنهما قال له رسول الله عَ ليه: ((أعطها شيئا))
قال: ماعندي شيء، قال: (( فأين دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟)) رواه
أبوداود وصححه الحاكم .
المفردات
فاطمة رضى الله عنها : هى الطيبة الطاهرة البتول الزهراء بنت
محمد رسول الله عَ لّه ، سيدة نساء العالمين،
وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى
ابن قصي بن كلاب بن مرة بن کعب بن لؤي
رضى الله عنها ، وقد ولدت فاطمة الزهراء قبل
البعثة بخمس سنوات وقريش تبنى الكعبة،
وتزوجها علي بن أبي طالب رضى الله عنه
ودخل بها بعد غزوة بدر في السنة الثانية من
الهجرة ، وولدت له السبطين الشهدين الحسن والحسين
سيدى شباب أهل الجنة ، كما ولدت له المحسن وزينب
ورقية وأم كلثوم وكانت فاطمة تشبه رسول الله
◌َّ اللّه كما كان ابنها الحسن رضى الله عنه يشبهه
(٩٤)

قال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا الفضل بن
دكين حدثنا زكرياء بن أبي زائدة عن فراس عن
الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : كنت
جالسة عند رسول الله عَبّةٍ فجاءت فاطمة تمشى
كأن مِشْيَتَها مِشْيَةُ رسول الله عَ لَه فقال
مرحبا بابنتي فأجلسها عن يمينه أو عن يساره
فأسر إليها شيئا فبكت ثم أسر إليها شيئا فضحكت
قالت : قلت مارأيت ضحكا أقرب من بكاء ،
استخصك رسول الله عَ لِّ بحديث ثم تبكين ؟
قلت : أى شىء أسر إليك رسول الله صلى الله
عليه وسلم قالت : ماكنت لأفشى سره . قالت :
فلما قبض رسول الله سألتها فقالت: قال: إن جبريل
كان يأتيني كل عام فيعارضني بالقرآن مرة وإنه
أتاني العام فعارضني مرتين ولا أظن أجلى إلا قدحضر
ونعم السلف أنا لك وقال : أنت أسرع أهلي بي
لحوقا قالت: فبكيت لذلك ثم قال: ((أما ترضين
أن تكونى سيدة نساء هذه الأمة أو نساء العالمين ؟ قالت :
فضحكت. ورجال هذا الحديث كلهم من رجال الشيخين
وقد صح عن رسول الله عَّ دٍ قال: فاطمة بضعة مني
یریبنی مایریبها. وقد توفيت بعد رسول الله ګلآ بستة أشهر
على القول الصحيح ، ولم تبلغ ثلاثين سنة رضي الله عنها .
(٩٥)

أعطها شيئا : أى اجعل لها صداقا وسلمه لها .
ماعندي شيء : أى لا أجد شيئا أُصْدِقُهَا إياه
الْخُطَمِيَّةُ: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء نسبة إلى
حُطَمة بن محارب ومحارب بطن من عبدالقيس كانوا
يعملون الدروع . وقيل : الحطمية هي التي تحطم
السيوف أى تكسرها . وقيل : هي العريضة الثقيلة.
البحث
هذا الحديث أورده أبوداود في باب الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقذها
شيئا من طريق إسحاق بن إسماعيل الطالقاني عن عبدة عن سعيد عن
أيوب عن عكرمة عن ابن عباس وقال النسائي في باب ((تحلة الخلوة))
أخبرنا عمرو بن منصور قال : حدثنا هشام بن عبدالملك قال حدثنا
حماد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن عليا قال : تزوجت فاطمة
رضي الله عنها فقلت: يارسول الله ابْنٍ بِي، قال: أعطها شيئا)) قلت:
ماعندي من شيء قال: ((فأين درعك الحطمية؟ )) قلت : هي عندي ،
قال: ((فأعطها إياه )) أخبرنا هارون بن إسحاق عن عَبْدَةَ عن سعيد عن
أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما تزوج علي رضي الله عنه فاطمة
رضي الله عنها قال له رسول الله عَ لّه: ((أعطها شيئا)) قال: ماعندي.
قال: ((فأين درعك الحطمية؟)) وقد أخرج أبوداود من طريق كثير بن
عبيد الحمص عن أبي حَيْوَةَ عن شعيب يعنى ابن أبي حمزة عن غيلان بن
أنس عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي عَوضي
أن عليا رضي الله عنه لما تزوج فاطمة بنت رسول الله عَ لٍ أراد أن يدخل
(٩٦)

بها فمنعه رسول الله عَ ةٍ حتى يعطيعا شيئا فقال يارسول الله ليس لي
شىء فقال له النبي عَ لّه أعطها درعك فأعطاها درعه ثم دخل بها ثم
ساقه بنفس السند عن غيلان عن عكرمة عن ابن عباس مثله اهـ وقد
سكت عنها أبوداود والمنذري وقوله في حديث عمرو بن منصور : ابْنِ
بِى . قال في النهاية : البناء والابتناء الدخول بالزوجة والأصل فيه أن الرجل
كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل فيها ، فيقال : بنى الرجل على
أهله اهـ وسند هذا الحديث حرى بالتصحيح . هذا وحمل حديث ابن
عباس هنا على شىء يهدي للمرأة عند الدخول بها غير المهر مستبعد .
مايفيده الحديث
١ - استحباب تيسير الصداق .
٢ - أن كل شىء يتمول يصح أن يكون صداقا .
٣ - يجوز أن تعطي المرأة في صداقها درعا من حديد .
٤ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله عنهم قال : قال
رسول الله عَّةٍ: (( أيما امرأة نكحت على صَدَاق أو حِباءٍ أو عِدَةٍ قبل
عصمة النكاح فهو لها ، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لِمَن أَعْطِيَهُ ،
وأحق ما أُكْرِمَ الرجلُ عليه ابنته أو أخته )) رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي.
المفردات
نُكِحَتْ : أى زُوِّجَتْ .
حِبَاء : بكسر الحاء والمراد به العطية التي يعطيها الزوج للزوجة أولغيرها
من أقاربها زائدة على المهر وقد يسمى الحُلْوَان .
عِدة : بكسر العين وفتح الدال المخففة . والمراد به : مايعد الزوج
(٩٧)

الزوجة أو أقاربها به غير المهر .
قبل عصمة النكاح : أى قبل تمام عقد الزواج الذي يجعل المرأة
في عصمة الرجل . والعصمة مايعتصم به من عقد
أو سبب .
فهو لها : أى فهو حق للزوجة وحدها دون غيرها .
فهو لمن أُعْطِيَهُ : أى فهو لمن دفعه الزوج له من زوجة أو قريب
أو غيرهما .
وأحق ماأكرم الرجل عليه ابنته أو أخته : أى وأولى ما أهدي
للرجل تكريما هو ماأهدي إليه بسبب ابنته أو أخته
يعني من راغب الزواج بها أو من زوجها .
المفردات
هذا الحديث عند أبي داود من طريق محمد بن معمر أخبرنا محمد
ابن بكر البرساني أنبأنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب الخ . وعند
ابن ماجه من طريق أبي كريب ثنا أبوخالد عن ابن جريج الح ولفظ
ابن ماجه (أو هبة) بدل قوله في حديث الباب (أو عدة) وهو في
مسند أحمد من طريق عبدالرزاق عن ابن جريج قال قال عمرو بن
شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو أن النبى معَ لّه قال: أيما امرأة
نكحت . الح الحديث . وقد أشار السيوطي في الجامع الصغير إلى أن
هذا الحديث حسن وهو حرى بالتحسين فإنه وإن كان من طريق
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لكنه صرح في رواية أحمد بقوله
(٩٨)

عن أبيه عن عبدالله بن عمرو ، وقد تقدم بحث هذا السند أكثر من
مرة ، كما تقدم في الحديث الثالث والعشرين من أحاديث كتاب
النكاح : إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج وهو
متفق عليه . وقد أشار حديث الباب إلى أن مايدفع أو يوهب للمرأة
أو لأهلها على سبيل الإجمال قبل العقد فهو للمرأة ومادفع بعد تمام
العقد فهو لمن سمى والعلم عند الله عزوجل .
******
٥ - وعن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن
رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها حتى مات ؟
فقال ابن مسعود : لها مِثْلُ صداق نسائها ، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ ،
وعليها العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال :
قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَعَ بنت واشق امرأة منا
مِثْلَ ماقضيتَ ففرح بها ابن مسعود . رواه أحمد والأربعة وصححه
الترمذي وحسَّنه جماعة .
المفردات
علقمة : هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك
ابن علقمة بن سلامان بن كَهْل بن بكر بن عوف
ابن النخع من مذحج ، أبو شبل النخعي ، وهو
عم الأسود بن يزيد النخعي وخال إبراهيم بن يزيد
(٩٩)

ابن الأسود بن عمرو النخعي . وقد ولد علقمة
رحمه الله في حياة رسول الله عَ ليه وأدرك الجاهلية
وسمع من عمر وعثمان وابن مسعود وعلي وأبي الدرداء
وحذيفة وجود القرآن على ابن مسعود وتفقه به وكان من
أنبل أصحابه ، قال قابوس ابن أبي ظبيان قلت لأبي :
لأي شيء كنت تدع الصحابة وتأتي علقمة ؟
قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله عَوي}
وهم يسألون علقمة ويستفتونه . وقد روى عنه
إبراهيم بن يزيد النخعي وإبراهيم بن سويد
النخعي وأبو الضحى مسلم بن صبيح والقاسم بن
مخيمرة ويحيى بن وثاب وتوفى سنة اثنتين وستين
رحمه الله تعالى .
ولم يفرض لها صداقا : أي لم يسم لها صداقا ولم يحدد لها مهرا
عند عقد الزواج .
ولم يدخل بها حتى مات : أي ومات دون أن يمس زوجته التي
لم يعين لها مهرا .
لها مثل صداق نسائها : أي تستحق مهرا مماثلا لمايدفع عادة
لعماتها وبنات عمها ونساء قومها .
لا وكس : بفتح الواو وسكون الكاف بعدها سين مهملة أي
لاينقص عن مهر قريباتها من النساء ولا يحط عنه .
(١٠٠)