النص المفهرس

صفحات 41-60

باع حرا فأكل ثمنه : أى باع إنسانا على أنه عبد مع أنه في الواقع
ليس رقيقا ولكنه استرقه ظلما وحصل على ثمنه ، وليس
المراد خصوص أكل الثمن بل المراد الحصول عليه سواء
اشترى به طعاما أو لباسا أو منزلا أو غير ذلك وإنما
خص الأكل بالذكر لأنّه المقصود الأغلب من الحصول
على المال .
فاستوفى منه : أى فحصل من الأجير على العمل الذي
استأجره من أجله واستخدمه .
ولم يعطه أجره : أى ولم يوفه ما يستحق على عمله من الأجرة.
البحث
قول المصنف رحمه الله: ((رواه مسلم)) وهم لأن هذا الحديث من
رواية البخاري وليس من رواية مسلم فقد رواه البخاري في باب إثم
من باع حرا من كتاب البيوع من حديث أبي هريرة رضى الله عنه
بلفظ: عن النبي عَ ◌ّه قال: قال الله: ثلاثة أنا خَصْمهم يوم
القيامة: رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ ورجل باع حرا فأكل ثمنه ،
ورجل استأجرأجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره )) وكذلك أخرجه
البخاري في كتاب الإجارة في باب إثم من منع أجر الأجير عن أبي
هريرة رضى الله عنه عن النبي عَّه قال: قال الله تعالى وساق
الحديث بنفس اللفظ الأول . وقد بحثت عن هذا الحديث في مسلم
فلم أعثر عليه . وقد أورد المجد ابن تيمية رحمه الله في المنتقى هذا
(٤١)

الحديث بزيادة: ((ومن كنت خصمه خصمته)) ثم قال : رواه أحمد
والبخاري . ولاشك أن هذه الزيادة ليست في البخاري قال الحافظ
في الفتح : زاد ابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي في هذا الحديث :
((ومن كنت خصمه خصمته)) والحديث ظاهر الدلالة على شدة
حرص الإسلام على الوفاء بعهد الله وعلى المحافظة على حرية
الناس وعلى المحافظة على حقوق العمال بما لم يخطر على بال
((الشيوعيين)) الذين يسلبون العمال حريتهم وحقوقهم ويجعلونهم كالآلة
الصماء بعد أن يستخدموهم في أثارة القلاقل والفتن والاضطرابات بين
الشعوب .
مايفيده الحديث
١ - أن الغدر بعهد الله من أكبر الكبائر
٢ - وأن استرقاق الأحرار من أكبر الكبائر كذلك
٣ - وأن من أكبر الكبائر عدم إعطاء العامل أجرته ولاسيما بعد
استخدامه .
٤ - حرص الإسلام على حقوق العمال .
٧ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله عَ لّه قال:
((إن أحَقَّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله )) أخرجه البخاري .
المفردات
أحق : أى أولى وأفضل .
أجرا : أى أجرة يعني على الرقية به أو تعليمه
(٤٢)

كتاب الله : يعني القرآن العظيم .
البحث
هذا الحديث أورده البخاري في كتاب الطب من صحيحه في
باب الشرط في الرُّقْيَةِ بقطيع من الغنم )) من طريق ابن أبي مُلَيْكَةً
عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب النبي عَّله مُرُّوا بماء فيهم لَدِيقٌ
أو سَلِيمٌ ، فَعَرَضَ لهم رجل من أهل الماء ، فقال : هل فيكم من
رَاق ؟ إن فى الماء رجلا لَدِيغًا أو سَلِيمًا ، فانطلق رجل منهم ، فقرأ
بفاتحة الكتاب - على شاءٍ - فَرَأْ ، فجاء بالشَّاءِ إلى أصحابه
فكرهوا ذلك ، وقالوا : أخذتَ على كتاب الله أجرا ؟ حتى قدموا
المدينة، فقالوا: يارسول الله عَّم أخذ على كتاب الله أجرا:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحق ما أخذتم عليه
أجرا كتاب الله)) وقد قال البخاري في باب ما يعطى في الرقية على
أحياء العرب بفاتحة الكتاب: وقال ابن عباس عن النبي عَ ◌ّهِ :
أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ، وقال الشعبي : لا يَشْتَرِطُ
المعلِّمُ إلا أن يُعْطَى شيئًا فَلْيَقْبَلْهُ، وقال الحكم : لم أسمع أحدا كَرِهَ
أجر المعلم ، وأعْطَى الحسن دراهم عشرة اهـ وقد أورد البخاري في
هذا الباب ومسلم من طريق أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه
قال : انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سَفْرَة
سافروها حتى نزلوا على حى من أحياء العرب ، فاستضافوهم فَأَبَوْا
أن يُضَيِّفُوهُمِ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الْحَيِّ، فَسَعَوْا لَه بكل شىء ،
(٤٣)

فقال بعضهم : لاينفعه شيء ، لو أتَيْتُمْ هؤلاء الرهط الذين نزلوا ،
لعله أن يكون عند بعضهم شىء ، فَأَتَوْهُمْ ، فقالوا : ياأيها الرهط إن
سيدنا لُدِغَ ، وسعينا له بكل شىء لاينفعه ، فهل عند أحد منكم
من شىء ؟ فقال بعضهم : نعم والله إني لأَرقِي ، ولكن والله لقد
استضفناكم فلم تُضَيِّفُونا ، فما أنا بِرَاقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلًا ،
فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يَتْفِلُ عليه ويقرأ: ((الحمد
لله رب العلمين)) فَكَأَنَّمَا نُشِطَ من عِقَالٍ، فانطلق يمشي ومابه قَلَبَةٌ
قال : فَأَوْفُوهُمْ جُعْلَهُم الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم :
اقْسموا، فقال الذي رَقَى: لا تفعلوا حتى نَأْتِيَ النبىَّ عَّهِ فَتَذْكُر
له الذي كان، فَتَنْظُرَ ما يَأْمُرُنَا فقدموا على رسول الله عَّةٍ فذكروا له
فقال ((وما يُدْرِبِكَ أنها رُقْيَةٌ)) ثم قال: ((قد أصبتم اقسموا واضربوا لي
معكم سهما)) فضحك رسول الله عَةٍ . وقد أورده البخاري
مختصرا في كتاب الطب في باب الرقى بفاتحة الكتاب قال : ويُذْكَرُ
عن ابن عباس عن النبى معَ ◌ّه ثم ساق من طريق أبي المتوكل عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا من أصحاب النبي عَ ◌ّةٍ أَتَوْا
على حى من أحياء العرب فلم يقرُوهم ، فبينماهم كذلك إذ لُدِغَ
سَيِّدُ أولئك ، فقالوا هل معكم من دواء أو راقٍ ؟ فقالوا إنكم لم
تَقْرُونا ، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلا ، فجعلوا لهم قطيعا من
الشاءِ فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بُزَاقَه ويتفل، فبرأ ، فأتّوا
بالشاءِ، فقالوا: لانأخذه حتى نسأل النبى عَّه فسألوه فضحك،
(٤٤)

وقال: ((وما أدراك أنها رُقْيَةٌ ؟ خذوها واضربوا لي بسهم )) وقد روى
البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضى الله عنه أن النبي
حَ اللّه جاءته امرأة فقالت : يارسول الله إني قد وهبت نفسي لك ،
فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال: يارسول الله زَوِّجْنيها إن لم يكن
لك بها حاجة، فقال عَة : هل عندك من شىء تصدقها إياه ؟
فقال: ما عندي إلا إزاري هذه فقال النبى عَبْدٍ : إن أعطيتها
إزارك جَلَسْتَ لاإزار لك، فالتمس شيئا » فقال ما أجد شيئا ، فقال
((التمس ولو خاتما من حديد)) فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال له النبى
صلى الله عليه وسلم : هل معك من القرآن شىء فقال نعم سورة
كذا وسورة كذا يسميها ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم :
(( قد زوجتكها بما معك من القرآن)» وفي رواية لمسلم :
((زوجتكها فعلمها من القرآن)) وسيأتي مزيد بحث لحديث سهل بن
سعد رضى الله عنه عند الكلام على الحديث التاسع من كتاب
النكاح إن شاء الله تعالى . والله أعلم.
مايستفاد من ذلك
١ - جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن ولا سيما عند
الحاجة .
٢ - جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن دون أن يشترطه المعلم
ولاسيما عند الحاجة .
٨ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله عَ ليه:
((أعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَه قبل أن يَجِفَّ عَرَقُّه )) رواه ابن ماجه ، وفي الباب
(٤٥)

عن أبى هريرة عند أبى يعلى والبيهقى ، وجابر عند الطبرانى ،
وكلها ضعاف »
المفردات
أعْطُوا : نَاوِلُوا
الأجير : أى العامل المستخدم بأجرة
أجره : أى أجرته وحقه الذى يستحق على العمل لكم
قبل أن يجف عرقه : أى فور انتهائه من عمله وبسرعة ، ولاتماطلوه
أو تؤخروا أجرته متی طلبها
وفي الباب : أى وفي هذا المعنى من إعطاء الأجير أجره قبل أن
يجف عرقه
أبى يعلى : هو صاحب المسند والمسند الكبير الإمام الحافظ الثقة
محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى بن يحى بن عيسى
ابن هلال التميمى الموصلى ، ولد فى الثالث من شوال سنة
٢١٠ هـ وقد سمع من على بن الجعد ويحى بن معين
ومحمد بن المنهال الضرير وشيبان بن فروخ وسمع ببغداد من
أحمد بن حاتم الطويل ، وبالموصل من محمد بن حبان
صاحب الصحيح وبالبصرة من أبى أمية أيوب بن يونس
ومشايخه كثيرون جمعهم سِفر باسم معجم شيوخ أبى
أبی یعلی .
وقد روى عنه أبوحاتم ابن حبان وحمزة بن محمد الكنانى
(٤٦)

وأبوبكر الإسماعيلى وخلق سواهم . وقد عاش ٩٧ سنة
وتوفى في اليوم الرابع عشر من جمادى الأولى سنة ٣٠٧ هـ
رحمه الله .
وجابر : أى وفى الباب عن جابر رضى الله عنه
وكلها ضعاف : أى وحديث ابن عمر عند ابن ماجه وابى
هريرة عند أبى يعلى والبيهقى وجابر عند الطبرانى
كلها ضعيفة .
عند الطبرانى : أى فى الصغير .
البحث
قال الحافظ في تخليص الحبير: حديث: ((أَعْطُوالأجير أجره قبل
أن يجف عرقه)) ابن ماجه من حديث ابن عمر وفيه عبدالرحمن بن
زيد بن أسلم ، والطبرانى فى الصغير من حديث جابر وفيه شرقي بن
قطامي وهو ضعيف . ومحمد بن زياد الراوي عنه . وأبو يعلى وابن
عدي والبهقي من حديث أبي هريرة وقدذكره البغوى فى المصابيح فى
قسم الحسان ، وغلط بعض المتأخرين من الحنفية فعزاه لصحيح
البخارى. وليس هو فيه. وإنما فيه من حديث أبى هريرة مرفوعا: ((ثلاثة أنا
خصمهم)) فذكر فيه: ((ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه
أجره)) اهـ وقد قال ابن ماجه : حدثنا العباس بن الوليد الدمشقى ثنا
وهب بن سعيد بن عطية السلمى ثنا عبدالرحمن بن زيد بن أسلم
عن أبيه عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله عَ ◌ّةٍ: «أعطوا الأجير أجره
قبل أن يجف عرقه)) قال في الزوائد : إسناد المصنف ضعيف . وهب بن سعيد
(٤٧)

وعبدالرحمن بن زيد ضعيفان اهـ وبهذا يتبين أن قول الصنعانى رحمه
الله فى سبل السلام في سبب ضعف الحديث لأن فى حديث ابن
عمر شرقى بن قطامى ومحمد بن زياد الراوى عنه هو وهم من
الصنعانى رحمه الله إذ أن شرقى بن قطامى ومحمد بن زياد الراوى عنه
هما في سند حديث جابر عند الطبرانى وليسا في سند حديث ابن
عمر عند ابن ماجه كما رأيت . وشرقى بن قطامى قال في ميزان
الاعتدال : ضعفه زكريا الساجى وقال إبراهيم الحربى : كوفى تكلم
فيه ، وكان صاحب سمر يعنى لم يكن صاحب حديث له عشرة
أحاديث فيها مناكير اهـ
قال المجد ابن تيمية رحمه الله في المنتقى في باب الأجير على العمل
متى يستحق الأجرة وحكم سراية عمله : وعن أبي هريرة في حديث
له عن النبى عَّ ◌ُله: ((أنه يُغْفَر لأمته في آخر ليلة من رمضان ،
قيل: يارسول الله عَةٍ أهى ليلة القدر ؟ قال: لا. ولكن العامل
إنما يوفى أجره إذا قضى عمله)) رواه أحمد ، وساق الحافظ عبدالعظيم
المنذرى هذا الحديث بتمامه في الترغيب والترهيب بصيغة التضعيف
عنده حيث صدره بقوله : ورُوى . ثم قال : رواه أحمد والبزار
والبيهقى ، قال الشوكانى في نيل الأوطار : وفي إسناده هشام بن زياد
أبو المقدام وهو ضعيف اهـ وكذلك ضعفه البيهقى رحمه الله ،
ولاشك أن توفية الأجير حقه قدأكدها الإِسلام كما مر في بحث
الحديث السادس من أحاديث هذا الباب .
(٤٨)

٩ - وعن أبي سعيد رضى الله عنه أن النبى عَ لم قال: ((من
استأجر أجيرا فَلْيُسَمِّ له أجرته )) رواه عبدالرزاق وفيه انقطاع ووصله
البيهقى من طريق أبى حنيفة
المفردات
فَلْيُسَمٌ له أجرته : أَى فَلْيُعَيِّنْ له مقدار الأجرة التى
يتعاقد معه عليها للعمل له حتى لاتكون أجرته
مجهولة
البحث
قال الحافظ في تلخيص الحبير عند كلامه على حديث : من استاجر
أجيرا فليعطه أجره . البيهقى من حديث الأسود عن أبى هريرة في
حديث أوله: (( لايساوم الرجل على سوم أخيه )) رواه من طريق
عبدالله بن المبارك عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم عنه قال :
وخالفه حماد بن سلمة فرواه عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم عن
أبى سعيد الخدرى وهو منقطع ، وتابعه معمر عن حماد مرسلا
أيضا . وقال عبدالرزاق عن الثورى ومعمر عن حماد عن إبراهيم عن
أبى هريرة وأبى سعيد أو أحدهما أن النبى عَ لّه قال من استأجر أجيرا .
فليسم له أجرته ، وأخرجه إسحاق في مسنده عن عبدالرزاق وهو عند
أحمد وأبي داود في المراسيل من وجه آخر وهو عند النسائى في المزارعة
غير مرفوع اهـ قال في مجمع الزوائد : إبراهيم النخعى لم يسمع من
أبى سعيد فيما أحسب اهـ .
(٤٩)

هذا وتسمية الأجرة للأجير ورضاه بها من الأمور المقررة في الشريعة
الإسلامية وقد أشار القرآن العظيم إلى الإجارة والأجرة والأجير في قوله
في حق موسى عليه السلام والرجل الصالح الذى رغب فى أن يزوجه
إحدى ابنتيه (( قالت إحداهما ياأبت استأجره إن خير من استأجرت
القوى الأمين . قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن
تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وماأريد أن أشق
عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين . قال ذلك بينى وبينك
أيما الأجلين قضيت فلاعدوان علىَّ ، والله على مانقول وكيل . فلما
قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا . الآية .
(٥٠)

٠٫
باب إحياء الموات
صَّ العِ قال :
١ - عن عروة عن عائشة رضى الله عنها أن النبى عَل
(( من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها )) قال عروة : وقضى
به عمر في خلافته . رواه البخاري .
المفردات
إحياء الموات : أى عمارة الأرض الخربة وبعث الخصب فيها بالحرث
والسقى والزرع أو الغرس في الأراضى الزراعية أو
البناء فوقها في الأراضي السكنية . قال الحافظ في
الفتح : قال القزاز : الموات الأرض التى لم تعمر ،
شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة اهـ
قال الجوهرى : الموات بالضم الموت وبالفتح مالا
روح فيه ، والأرض التى لامالك لها من الآدميين
ولاينتفع بها أحد .
عروة : هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
ابن عبدالعزى بن قصى الأسدى أبو عبدالله قيل
ولد سنة ٢٣ هجرية في آخر خلافة عمر رضى الله
عنه وقيل ولد سنة عشرين من الهجرة ، فيكون بينه
وبين أخيه عبدالله رضى الله عنه عشرون سنة وقيل
ولد في أوائل خلافة عثمان رضى الله عنه وقال مسلم بن
(٥١)

الحجاج في كتاب التمييز : حج عروة مع عثمان وقد
روى عروة عن أبيه وأخيه عبدالله وأمه أسماء بنت
أبي بكر الصديق وخالته عائشة وعلي بن أبي طالب
وسعید بن زيد بن عمرو بن نفيل وحكيم بن حزام
وزید بن ثابت وعبدالله بن جعفر وعبدالله بن عباس
وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأسامة بن
زيد، وأبي أيوب ، وأبي هريرة وحجاج الأسلمي وسفيان
ابن عبدالله الثقفي وعمروبن العاص ومحمد بن
مسلمة والمسور بن مخرمة والمغيرة بن شعبة وناجية
الأسلمي وأبي حميد الساعدي وأم سلمة زوج النبى
عَ ◌ّله وأم هانىء بنت أبي طالب وأم حبيبة
وجابر
صَلى الله
بنت أبي سفيان زوج النبى
ابن عبدالله الأنصاري والنعمان بن
بشیر
وعبيدالله بن عدي بن الخيار وغيرهم
رضى الله عنهم وروى عنه أولاده عبدالله وعثمان
وهشام ومحمد ويحيى وغيرهم قال ابن
: كان ثقة كثير الحديث فقيها
سعد
عالما ثبتا مأمونا. وقال ابن شهاب :
كان إذا حدثني عروة ثم حدثتني عمرة
صدق عندي حديث عمرة حديث عروة فلما
(٥٢)

بحرتهما إذا عروة بحر لاينزف . وعده
أبو الزناد في فقهاء المدينة السبعة . قال ابن
عيينة عن هشام : خرج عروة الى الوليد
فخرجت برجله أكلة فقطعها وسقط ابن له عن
ظهر بيت له فوقع تحت أرجل الدواب فوطئته
فقال : لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . اللهم
إن كنت أخذت لقد أعطيت وإن كنت ابتليت
لقد عافيت . ومن معنى كلامه رحمه الله : أن
تجلب الحسنة وأن السيئة تجلب السيئة.
وقد اختلف في وفاته رحمه الله فقيل سنة
٩١ وقيل ٩٢ وقيل ٩٣ وقيل ٩٤ وقيل ٩٥ وقيل
٩٩ وقيل ١٠٠ وقيل ١٠١هـ رحمه الله ورضي عنه.
عَمِرَ: أي أَحْيَا وفي بعض نسخ البخاري : أعمر
قال الحافظ في الفتح : بفتح الهمزة والميم من الرباعي
قال عياض : كذا والصواب عَمَرَ ثلاثيا قال الله
تعالى: ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها﴾ إلا أن
يريد أنه جعل فيها عمارا قال ابن بطال : ويمكن
أن يكون أصله من اعتمر أرضا أي اتخذها .
وسقطت التاء من الأصل وقال غيره : قد سمع فيها
الرباعي يقال : أعمر الله بك منزلك . فالمراد
(٥٣)

من أعمر أرضا بالإِحياء فهو أحق بها من غيره ،
وحذف متعلق أحق للعلم به ، ووقع في رواية أبي
ذر : من أُعمر بضم الهمزة أى أعمره غيره وكأن
المراد بالغير الإمام وذكره الحميدي في جمعه بلفظ :
من عمر من الثلاثي وكذا هو عند الإسماعيلي من
وجه آخر عن يحى بن بكير شيخ البخاري فيه اهـ
ليست لأحد : أى ليس لأحد ملك ولاحق فيها .
فهو أحق بها : أى فهو مقدم في استحقاق تملكها دون غيره .
وقضى به عمر في خلافته : أى وحكم عمر رضى الله عنه في
وقت خلافته أن من أحيا مواتا من الأرض فهو
أحق به .
البحث
لفظ هذا الحديث في صحيح البخاري من طريق محمد بن
عبدالرحمن عن عروة عن عائشة رضى الله عنها عن النبى عَ لّه قال:
من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق . قال عروة : قضى به عمر
رضى الله عنه في خلافته اهـ وقد ذكرت في شرح مفردات هذا
الحديث ماذكره الحافظ من البحث في لفظ أعمر : كما أن لفظة :
((بها)) ليست في الحديث ولذلك قال الحافظ في الفتح كما ذكرت:
وحذف متعلق أحق للعلم به اهـ . على أن الإسماعيلي قد صرح
بها في روايته . أما الأثر الذي علقه البخاري وهو قوله : قال عروة :
(٥٤)

قضى به عمر الح . فقد قال الحافظ في الفتح : هو موصول بالإسناد
المذكور إلى عروة ولكن عروة عن عمر مرسلا لأنه ولد في آخر
خلافة عمر اهـ وقد أخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سالم
عن أبيه رضى الله عنه أن عمر بن الخطاب قال : من أحيا أرضا
ميتة فهى له ، قال الحافظ في الفتح : وروينا في الخراج ليحيى بن
آدم سبب ذلك فقال : حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه
قال : كان الناس يتحجرون يعني الأرض على عهد عمر فقال : من
أحيا أرضا فهى له . قال يحبى : كأنه لم يجعلها له بمجرد
التحجير حتى يحييها وقال الحافظ في الفتح أيضا : وروينا في كتاب
الخراج ليحيى بن آدم من طريق محمد بن عبيدالله الثقفي قال :
كتب عمر بن الخطاب : من أحيامواتا من الأرض فهو أحق به .
وروى من وجه آخر عن عمرو بن شعيب أو غيره أن عمر قال :
من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهى له .
وكأن مراده بالتعطيل أن يتحجرها ولا يحوطها ببناء ولاغيره . وأخرج
الطحاوي الطريق الأولى أتم منه بالسند إلى الثقفي المذكور قال :
خرج رجل من أهل البصرة يقال له أبوعبدالله إلى عمر فقال : إن
بأرض البصرة أرضا لاتضر بأحد من المسلمين وليست بأرض خراج
فإن شئت أن تقطعنيها أتخذها قضبا وزيتونا . فكتب عمر إلى أبى
موسى : إن كانت كذلك فأقطعها إياه اهـ .
(٥٥)

مايستفاد من ذلك
١ - أن من أحيا أرضا مواتا ليست لأحد كان أحق بها .
٢ - أن من تحجر أرضا مواتا لا يملكها بالتحجير .
٣ - أن من تحجر أرضا مواتا ولم يحيها في حدود ثلاث سنوات
ثم جاء غيره فأحياها كانت للذي أحياها .
٤ - ينبغي استئذان السلطان قبل إحياء الأرض الموات .
٥ - أن إقطاع السلطان لايعتبر تمليكا إلا بعد الإِحياء .
٦ - أن إحياء الأراضي الزراعية يختلف عن إحياء الأراضي السكنية .
٧ - لايحل لمسلم أن يعتدى على أرض موات مملوكة
لیحییها ویتملكها.
٨ - أن من أحيا الأرض الموات المتعلقة بحق المسلمين أو
مصالحهم لا يملكها بالإِحياء .
٢ - وعن سعيد بن زيد رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: ((من أحيا أرضا ميتة فهى له )) رواه الثلاثة
وحسنه الترمذى وقال: رُوِىَ مرسلا وهو كما قال .
واختلف في صحابيه ، فقيل جابر، وقيل : عائشة ، وقيل
عبدالله بن عمر، والراجح الأول .
المفردات
فهى له : أى يستحق ملكيتها .
الثلاثة : أى أبو داود والترمذى والنسائي .
(٥٦)

وقال : أى الترمذى .
وهو : أى الواقع فى رواية هذا الحديث
كما قال : أى كما قال الترمذى بأنه روى مرسلا فهو حديث مرسل .
فى صحابيه: أى في راويه من الصحابة عن رسول الله عليه.
عبدالله بن عمر : هكذا وقع في نسخ بلوغ المرام وصوابه أنه
عبدالله بن عمرو
والراجح : أى والقول المقدم في هذه الأقوال .
الأول : أى أنه من رواية سعيد بن زيد .
البحث
قد تقدم بحث هذا الحديث عند الكلام على الحديث الرابع من
أحاديث باب الغصب وقد أوضحت فيه الكلام على وصل هذا
الحديث وإرساله والخلاف في صحابيه
٠٠٠
********
٣ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن الصعب بن جثامة
رضى الله عنه أخبره أن النبى عَ ◌ّم قال ((لاحمى إلا لله ولرسوله))
رواه البخاري .
المفردات
لاحمى إلا لله ولرسوله : الحمى لغة المنع قال في القاموس:
حَمَى الشىء يحميه خَمْيًا وحِمَايَة بالكسر ومحمية
منعه، وكلاً حِمى كرِضِىّ محمی اهـ ويقال: حَمَى
١
(٥٧)

:
المريض أى منعه مايضره ومنه قول الشاعر
تقول سلیمی ماجسمك شاحبا
كأنك يحميك الشراب طبيب
والحِمَى المكان المحمىُّ، وَأَحْمَى المكان جعله
حِمىٍ لايُقْرَبُ أَو وجده حِمىً . قال الحافظ في
الفتح : أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم
كان إذا نزل منزلا مُخْصِبًا استعوى كلبه على مكان
عال فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب
فلايرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه ،
والحمى المكان المحمى ، وهو خلاف المباح ومعناه أن
يمنع من الإِحياء من ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ
فترعاه مواش مخصوصة ويمنع غيرها. اهـ وقد جاء
في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن
رسول الله عَ لّم قال: ألا وإن لكل ملك حمى .
ألا وإن حمى الله محارمه . ويعرف الحمى شرعا
بأن يمنع الإِمام الرعى في أرض مخصوصة من
المباحات يجعلها مخصوصة برعى بهائم الصدقة
مثلا فلا يمكن أحد من إحيائها . وقد أبطل
الإسلام عادة الجاهلية في الحمى وقصره على إمام
المسلمين لمصلحة المسلمين .
(٥٨)

البحث
أورد البخارى هذا الحديث فى الشرب في باب لاحمى الا لله
ولرسوله عَلٍ من طريق ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة
عن ابن عباس رضى الله عنهما أن الصعب بن جثامة قال : إن
رسول الله قال: ((لاحمى إلا لله ولرسوله)) وقال: بلغنا أن النبى
عَِّ حَمَى النقيع وأن عمر حَمَى الشَّرَفَ والرَّبَذَة: قال الحافظ فى
الفتح: ((قوله: وقال: بلغنا أن النبى معَّه حمى النقيع» كذا لجميع
الرواة إلا لأبى ذر ، والقائل هو ابن شهاب وهو موصول بالإِسناد
المذكور إليه وهو مرسل أو معضل ، وهكذا أخرجه أبوداود من طريق
ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب فذكر الموصول والمرسل جميعا .
ووقع عند أبى ذر : وقال أبو عبدالله : بلغنا ، الى آخره فظن بعض
الشراح أنه من كلام البخارى المصنف وليس كذلك فقد أخرجه
الإسماعيلي من طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان عن يحى بن بكير
شيخ البخارى فيه فذكر الموصول والمرسل جميعا على الصواب كما
أخرجه أبوداود وقد وقع لأبى نعيم في مستخرجه فيه تخبيط فإنه أخرجه
من الوجه الذى أخرجه منه الإِسماعيلى فاقتصر في الإسناد الموصول
على المتن المرسل ، وهو قوله (( حَمَى النقيع)) وليس هذا من حديث
ابن عباس عن الصعب وانما هو بلاغَ للزهرى كما تقدم اهـ . والنقيع
في الأصل يطلق على كل موضع يستنقع فيه الماء والبئر الكثيرة الماء
وهويطلق على بعض المواضع كذلك كنقيع الخضمات وهو الذى جمع
(٥٩)
٠

فيه أسعد بن زرارة بالمدينة أما النقيع الذى حماه رسول الله عَ ل فإنه
يقع جنوبى المدينة ويعرف الآن بوادى النقيع ويقع شمالى الفرع وشرقى
ورقان ومساحته حوالى ميل في ثمانية أميال ويبعد النقيع عن المدينة
بنحو ثمانين ((كيلو متر )) وسيل وادى النقيع يصب في وادي العقيق
وماروى من أن نقيع الحمى هو نقيع الخضمات فليس بصحيح لأنه
من رواية عبدالله العمري وهو ضعيف وأما قوله : لاحمى الا لله
ولرسوله . فقد قال الحافظ في الفتح . قال الشافعى : يحتمل معنى
الحديث شيئين أحدهما : ليس لأحد أن يحمى للمسلمين إلا ماحماه
النبى معَّه والآخر: معناه إلا على مثل ما حماه النبى عَّ ◌َله فعلى الأول
ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمى وعلى الثاني يختص الحمى بمن قام
مقام رسول الله عَةٍ وهو الخليفة خاصة اهـ والظاهر هو المعنى
الثانى لما ثبت أن عمر رضى الله عنه حمى بعد رسول الله عَ ليه
وكذلك حمى عثمان بعد عمر رضى الله عنهما فقد تواتر عند الناس
أن عمر حمى الشرف والربذة وكون عروة ولد في أواخر خلافة عمر
لكنه شب ونشأ في المدينة في قوم لايجهلون ماحماه عمر رضى الله
عنهما كما روى البخارى في صحيحه في أواخر الجهاد من طريق مالك
عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه
استعمل مولى له يدعى هُنِيًّا على الحمى ، فقال يا هُنَىُّ : اضمم
جناحك عن المسلمين ، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة ،
وأدخِل ربَّ الصُّرَيْمَة وربَّ الغُنَيْمَة، وإياى ونَعَمَ ابن عوف ونَعَمَ ابن عفان ،
(٦٠)