النص المفهرس

صفحات 21-40

هو إثبات أن أصحاب رسول الله عَل أقروا القراض والمضاربة من
غير نكير من أحد منهم فكان إجماعا . وقد نقل هذا الإجماع غير
واحد من الأئمة . قال أبو عمر : أجمع العلماء على أن القراض سنة
معمول بها اهـ هذا وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا اشترط أحد
المتعاقدين في المضاربة لنفسه شيئا زائدا معينا من الربح فإن هذا
الشرط يعتبر لاغيا .
مايستفاد من ذلك
١ - مشروعية القراض والمضاربة .
٢ - يجوز لصاحب رأس المال أن يشترط على العامل مايراه
صالحا لحفظ المال وصيانته من الفساد فإن خالف العامل
مثل هذا الاشتراط وفسد المال فإنه يضمن .
٣ - رأس المال يعتبر أمانة في يد المضارب فلا يضمنه إن تلف
إلا إذا قَصَّر في حفظه أو خالف شرط صاحب رأس المال
٤ - المضاربة من أبواب تنمية المال دون حاجة إلى الربا أو
(البنوك) الربوية المحرمة .
٥ - يجوز تحويل القرض إلى رأس مال في القراض والمضاربة ،
ولا يكون من باب قرضٍ جرَّ نفعا .
٦ - إذا تحول مافي الذمة من قرض إلى قِراض زال عن كونه في
ضمان العامل واعتبر أمانة .
(٢١)
1

باب المساقاة والإِجارة
١ - عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله عَ ل عامل
أهل خيبر بشَطْر ما يخرج منها من ثَمَرٍ أو زرع)) متفق عليه . وفي
رواية لهما : فسألوه أن يُقِرَّهُم بِها على أن يَكْفُوا عَمَلَها ، ولهم
نصف الثَّمر، فقال لهم رسول الله عَ ◌ّم: ((نقِرُّكم بها على ذلك
ماشئنا )) فقُّوا بها حتى أجلاهم عمرُ ، ولمسلم : أن رسول الله
عَّهِ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يَعْتَمِلُوها من
أموالهم ، ولهم شطرُ ثمرها )).
المفردات
المساقاة : هي دفع الأرض المغروسة لمن يقوم بسقيها وخدمتها
وما يحتاجه شجرها من عمل في نظير جزء معلوم من
ثمرتها وهي شبيهة بالمضاربة غير أن رأس المال
في المساقاة هو الأرض .
والإِجارة : قال في الفتح : والإِجارة بكسر أوله على المشهور
وحكى ضمها وهي لغة : الإثابة . يقال : آجرته بالمد
وغير المد إذا أثبته . واصطلاحا : تمليك منفعة رقبة
بعوض اهـ .
عامل أهل خيبر : أي أُعطى يهود خيبر أرض خيبر بعد فتحها
ليعملوا فيها ويكونوا عُمَّالها لرسول اللـه عَلِ والمسلمين
(٢٢)

وعامَل تُستَعْملُ بمعنى ساقى وزارع وخابر. وخيبر بوزن
جعفر هي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع وهي على
١٧٣ (كيلو متر) من المدينة إلى جهة الشام وتقع على
طريق تبوك المزفت .
بشطر ما يخرج منها : أى بنصف غلتها .
من ثمر : أى ثمر أشجارها .
أو زرع : أي مايستنبتون فيها من زروع .
وفي رواية لهما : أى وفى رواية للبخاري ومسلم من حديث ابن
عمر رضي الله عنهما
فسألوه: أى فسأل اليهود رسول الله عَ}
أن يقرهم بها : أي أن يبقيهم بأرض خيبر
صَلى الله
على أن يكفوا عملها : أي على أن يتولوا جميع ما يحتاجه الشجر
أو الأرض من سقى وحرث وخدمة وغيرها دون أن
يرجعوا بشيء من ذلك علي رسول الله عَ ليه
ولهم نصف الثمر : أي ولليهود في نظير قيامهم بجميع ما تحتاجه
أرض خيبر نصف ثمرة النخل .
نقركم بها على ذلك : أى نوافق على بقائكم في خدمة الأرض علي
الوجه المذكور .
ماشئنا : أي مدة موافقتنا علي بقائكم فإن كرهنا بقاءكم وأجليناكم
فلنا ذلك .
فقروا بها : أي فأقاموا بها يخدمونها ويقومون بجميع ما تحتاجه
(٢٣)

الأرض والشجر .
حتى أجلاهم عمر : أي حتى أبعدهم عمر رضي الله عنه
وأخرجهم من خيبر مدة خلافته رضي الله عنه
ولمسلم : أي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
دفع إلي يهود خيبر : أي سلّم يهودخيبر .
وأرضها : أي أرض خيبر .
على أن يعتملوها من أموالهم : علي أن يقوموا بالعمل في خدمتها
وتكون جميع نفقتها عليهم يبذلونها من أموالهم .
ولهم شطر ثمرها : أي ولليهود نصف ما يخرج منها من ثمر .
البحث
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المزارعة في باب المزارعة بالشطر
ونحوه من طريق نافع أن عبدالله بن عمر أخبره عن النبي صلى الله عليه
وسلم : عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع . فكان يعطى
أزواجه مائة وسق : ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير ، فقسم عمر
خيبر فخير أزواج النبي عَّهِ أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن ،
فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق ، وكانت عائشة اختارت
الأرض )) ثم أخرج في باب إذا لم يشترط السنين في المزارعة من طريق نافع
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : عامل النبي صلى الله عليه وسلم خيبر
بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ثم أخرج في باب المزارعة مع اليهود من
طریق نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما خرج منها وأخرج
(٢٤)

البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق ابن جريج قال : حدثني
موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنهما أجلي اليهود والنصاري من أرض الحجاز وكان رسول الله
عَ ◌ّالله لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها ، وكانت الأرض حين
ظهر عليها، لله ولرسوله عَ له وللمسلمين وأراد إخراج اليهود منها
ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم
فسألت اليهود رسول الله عَ ليه
نصف الثمر فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نقركم بها
على ذلك ما شئنا )) فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلي تيماء وأربحاء .
وساق مسلم رحمه الله حديث ابن عمر من طريق نافع بلفظ : أن
رسول الله عَّه عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع .
صَلَ اللّه
ثم ساق من طريق نافع عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله عَّةِ.
خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع فكان يعطي أزواجه كل سنة
مائة وسق : ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير . فلما
عَّةُ أن يقطع لهن الأرض والماء
ولي عمر قسم خيبر خير أزواج النبي
أو يضمن لهن الأوساق كل عام فاختلفن فمنهن من اختار الأرض
والماء ومنهن من اختار الأوساق كل عام فكانت عائشة وحفصة ممن
اختارتا الأرض والماء . ثم ساق مسلم من طريق أسامة بن زيد الليثي
عن نافع عن عبد الله بن عمر قال : لما افتتحت خيبر سألت يهود
رسول الله عَيْلٍ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما خرج
منها من الثمر والزرع فقال لهم رسول الله عَ ليه: أقركم فيها على
(٢٥)

ذلك ماشئنا . الحديث . وفيه : وكان النَّمر يُقْسَمُ على السُّهْمَان من
نصف خيبر فيأخذ رسول الله عَّهِ الخُمْسَ)) ثم أورد مسلم من
طريق محمد بن عبدالرحمن عن نافع عن عبد الله بن عمر عن
رسول الله عَدُ أنه دفع إلى يهود خيبرَ نَخْلَ خيبر وأرضها على أن
يَعْتَمِلُوهَا من أموالهم ولرسول الله عَلِّ شَطْرِ ثَمَرِها. هذا وليس في
قول رسول الله عَ له: نقركم بها على ذلك ماشئنا)» دليل على أن
هذه المعاملة كانت خالية من إثبات حق اليهود في النصف المستحق
لهم من الثمرة إذا أخرجهم إذ أن هذا مسكوت عنه ولكنه معلوم من
قوله ((ولهم نصف الثمرة )) ولذلك لما أجلاهم عمر رضي الله عنه
أعطاهم فيه ما كان لهم من الثمر مَالًا وإبلا وعُرُوضا من أقتاب وحبال
وغير ذلك فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الشروط في باب
إذا اشترط في المزارعة إذا شئتُ أخرجتك قال : حدثنا أبو أحمد
حدثنا محمد بن يحيى أبو غَسَّان الكِنَانيُّ أخبرنا مالك عن نافع عن
ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما فَدَعَ أهلُ خيبرَ عبدالله بن عمر
قام عمر خطيبا فقال: إن رسول الله عَّدٍ كان عَامَلَ يهود خيبر
على أموالهم، وقال: ((نقركم ماأقركم الله)) وإن عبدالله بن عمر
خرج إلى ماله هناك فَعُدِى عليه من الليل فَفُدِعتْ يداه ورجلاه ،
وليس لنا هناك عَدُوٌّ غيرهم ، هُم عَدُوُنَا وَتُهْمَتُنَا ، وقد رأيت
إجلاءهم ، فلما أجمع عمرُ على ذلك أتاه أحد بنى أبي الحُقَيق
فقال: ياأمير المؤمنين: أتخرجنا وقد أقرًّا محمد عَّ له وعامَلَنَا على
(٢٦)

الأموال وشَرَطَ ذلك لنا ؟ فقال عمر : أَظَنَنْتَ أنى نسيت قولَ
رسول الله عَ ◌ّهُ: كيف بك إذا أُخْرِجتَ من خَيْبَرَ تَعْدُو بك
قَلُوصُكَ ليلة بعد ليلة )) فقال: كانت هذه هُزَيْلَةً من أبي القاسم ،
قال : كَذَبْتَ ياعدو الله ، فأجلاهم عمر ، وأعطاهم قيمة ما كان لهم
من الثمر مَالًا وإبلا وعُرُوضاً من أقْتَاب وحِبَالٍ وغير ذلك )) وقوله في
الحديث : فدع أهل خيبر عبدالله بن عمر : الفدع بفتح الفاء والدال هو
زوال المفصل قال الحافظ في الفتح : وقال الأصمعي : هو زيغ في
الكف بينها وبين الساعد وفي الرجل : بينها وبين الساق اهـ يعنى
أصاب اليهود عبدالله بن عمرفالتوت يداه ورجلاه وحديث عمر يوضح
أنه لو اشترط مالك الأرض على العامل في المساقاة أو المزارعة عدم
تحديد مدة العقد بسنين معلومة جاز ذلك على أنه إذا أخرجه قبل
جَنْى الثمار أعطاه قيمتها . والله أعلم .
مايستفاد من ذلك
١ - جواز المساقاة .
٢ - جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في عقد واحد لتكون
المساقاة على الشجر والمزارعة على الأرض .
٣ - أن المساقاة ليست من باب الإجارة .
٤ - أنه إذا قال رب الأرض للعامل عند العقد : أقرك ما أقرك الله
ولم يذكر أجلا معلوما فهما على تراضيهما وللمالك أن يخرج
العامل متى شاء .
(٢٧)

٥ - جواز عدم تحديد مدة العقد في المساقاة مع المحافظة على
حق العامل .
٦ - جواز المعاملة مع أهل الذمة .
٧ - جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع .
٨ - أن المساقاة أشبه بالمضاربة .
٩ - أن الأرض في المساقاة والمزارعة تشبه رَأْسَ المال في المضاربة.
١٠ - تيسير الشريعة أسباب تنمية الأموال والاستفادة منها دون
حاجة إلى الوقوع في الربا .
١١ - أن تسمية نصيب العامل في المساقاة أو المزارعة تغنى عن
تسمية نصيب المالك فالباقى من الثمرة له بعد
نصيب العامل .
*
****
٢ - وعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه قال : سألت رافع بن
خَدِيج عن كراء الأرض بالذهب والفضة ؟ فقال : لا بأس به ، إنما
كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله عَدٍ على الْمَاذِيَانَاتِ
وأقبال الجداول ، وأشياء من الزرع ، فَيَهْلِكُ هذا ويَسْلَمُ هذا ،
ويَسْلَمُ هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كِرَاءٌ إلا هذا فلذلك زَجَرَ
عنه ، فأما شىء معلوم مضمون فلا بأس به )) رواه مسلم ، وفيه
بيان لِما أُجْمِلَ في المتفق عليه من إطلاق النَّهْي عن كراء الأرض .
(٢٨)

المفردات
حنظلة بن قيس : هو حنظلة بن قيس بن عمرو بن حصن بن
خلدة الزرقي الأنصاري المدني روى عن عمر وعثمان
وأبي اليسر ورافع بن خديج وابن الزبير وعبدالله بن
عامر بن كريز رضي الله عنهم وروى عنه ربيعة
ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وأبو الحويرث
الزرقي وغيرهم . حكى عن الزهري قال : مارأيت
من الأنصار أحزم ولا أجود رأيا من حنظلة بن قيس
قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب : وذكره
ابن حبان في الثقات وقال : رأى عمر وعثمان .
قلت : وذكره ابن عبدالبر في الصحابة جانحا لقول
٣٠ اهـ .
الواقدي : إنه ولد على عهد النبي
كراء الأرض : أي تأجير الأرض ، فالكراء الأجرة . وتقول :
أكريته الدار فاكتراها أي أجرته الدار فاستأجرها .
لابأس به : أى لا حرج في كراء الأرض ولا إثم .
الماذيانات : قال النووي : هي مسايل الماء وقيل : ماينبت
حول السواقى وهي لفظة معربة ليست بعربية اهـ
وقال ابن الأثير : هى جمع ماذيان وهو النهر الكبير
وقد تكرر في الحديث مفردا وجمعا اهـ .
وأقْبال الجداول : أقبال بفتح الهمزة أى رءوس الجداول .
(٢٩)

والجداول جمع جدول وهو النهر الصغير ويطلق
عليها السواقي .
وأشياء من الزرع : أى وقطعة من الزرع تكون مختارة طيبة .
فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا : أي فقد يهلك
نصيب العامل ويسلم نصيب المالك أو يسلم
نصيب العامل ويهلك نصيب المالك بسبب ماقد
يعتريه من آفات وغيرها بأن تخرج هذه ولم تخرج هذه.
ولم يكن للناس كراء إلا هذا : أي ولم يكن لأهل المدينة
طريقة لتأجير الأراضى إلا هذه الطريقة المشتملة على
الغرر والجهالة والضرر . فلم يكونوا يؤجرون
بالذهب أو الفضة أو يزارعون على شطر ما يخرج من
الأرض ونحو ذلك مما لا غرر فيه ولا ضرر .
فلذلك زجر عنه : فبسبب هذه الطريقة الفريدة عندهم المشتملة على
الغرر والجهالة نهى عنه أي عن التأجير بما على
الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع .
فَأَمًّا شيء معلوم مضمون : أى فأما كراء الأرض بقدر معلوم
مضمون من الذهب أو الفضة .
فلا بأس به : أي فليس بحرام .
وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه : أى وفي الحديث بيان وتفصيل
لما ورد عند البخاري ومسلم مجملا من حديث رافع
(٣٠)

ابن خديج رضي الله عنه .
من إطلاق النهى عن كراء الأرض : أي حيث قال : نهى النبي
صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع .
البحث
روى البخاري من طريق حنظلة الزرقي عن رافع رضى الله عنه
قال : كنا أكثر أهل المدينة حقلا ، وكان أحدنا يُكْرِي أرضه
فيقول : هذه القطعة لي . وهذه لك ، فربما أخرجت ذه ولم تخرج
ذه، فنهاهم النبي عٌَّ. كما قال البخاري في صحيحه : باب كراء
الأرض بالذهب والفضة . وقال ابن عباس : إن أمثل ما أنتم صانعون ،
أن تستأجروا الأرض البيضاء من السنة إلى السنة . حدثنا عمرو بن
خالد حدثنا الليث عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن حنظلة بن قيس
عن رافع بن خديج قال: حدثني عَمَّايَ: أنهم كانوا يُكْرُون الأرض
على عهد النبي عَلِّ بما ينبت على الأربعاء ، أو شيء يستثنيه
صاحب الأرض، فنهى النبي ◌َّ ◌ُله عن ذلك، فقلت لرافع: فكيف
هي بالدينار والدرهم ؟ فقال رافع : ليس بها بأس بالدينار والدرهم .
وقال الليث : وكان الذي نُهِيَ عن ذلك مالو نظر فيه ذوو الفَهْم
بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة اهـ والمراد بالأربعاء في قوله
في هذا الحديث : بما ينبت على الأربعاء هو جمع ربيع كنصيب
وأنصباء وهو الساقية والنهر الصغير والجدول . كما روى مسلم من
طريق حنظلة الزّرقي أنه سمع رافع بن خديج يقول : كنا أكثر الأنصار
(٣١)

حقلا قال : كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت
هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك ، وأما الورق فلم ينهنا)) كما روى
البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق أبي النجاشي مولى رافع بن
خديج . سمعت رافع بن خديج بن رافع عن عمه ظُهَيربن رافع قال ظُهَير :
لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رَافقا .
صَلى الله
قلت: ماقال رسول الله عَ ل فهو حق قال دعاني رسول الله علَّـ
قال : ما تصنعون بمحاقلكم ؟ قلت : نؤاجرها على الرُّبْع وعلى
الأوسق من التَّمر والشعير ، قال : لاتفعلوا ، ازرعوها، أو أزرعوها،
أو أمسكوها ، قال رافع: قلت سمعا وطاعة . اهـ وقوله في هذا
الحديث : نؤاجرها على الرُّبع)) يحتمل ان يكون المراد بالُّيع الجزء من
الأربعة ويحتمل أن يكون جمعا للربيع وهو الجدول الصغير كالأربعاء في
الحديث السابق وهذه الألفاظ تبين أن تأجير الأرض أو مزارعتها اذا
اشتمل عقد التأجير أو المزارعة على تخصيص أحد المتعاقدين بشىء فيه
مخاطرة وغرر كان العقد فاسدا أما اذا كان التأجير بذهب أو فضة أو
شىء آخر معلوم مضمون لامخاطرة فيه ولا غرر فإنه لابأس بذلك
وكذلك مزارعة الأرض إذا اشتملت على شىء فيه مخاطرة وغرر كأن
يزارع بالثلث أو الربع أو النصف مع شىء مما على الماذيانات وأقبال
الجداول أو قطعة معينة لأحدهما فإن العقد يكون فاسدا ، أما إذا زارع
على الربع أو الثلث أو النصف دون شىء فيه مخاطرة وغرر فإنه لابأس
بذلك ، ولذلك قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق حديث الباب
فيه بيان لما أجمل في المتفق عليه من إطلاق النهى عن كراء الأرض . وهو
يشير رحمه الله إلى ماأخرجه البخاري ومسلم من حديث رافع بن خديج
(٣٢)

رضي الله عنه أن النبي عَلُ نهى عن كراء المزارع. هذا وقد قال
البخاري في صحيحه : باب المزارعة بالشَّطر ونحوه . وقال قيس بن مسلم
عن أبي جعفر قال : ما بالمدينة أهل بيت هجرة الا يزرعون على الثُّلُث
والرُّبْع ، وزارع عليٍّ وسعد بن مالك وعبدالله بن مسعود وعمر بن
عبدالعزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكروآل عمر وآل علي وابن سيرين ،
وقال عبدالرحمن بن الأسود : كنت أشارك عبدالرحمن بن يزيد في الزرع،
وعامل عمر الناس على : إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، وإن
جاؤا بالبذر فلهم كذا اهـ. وسيأتي مزيد بحث لموضوع النهي عن المزارعة
في الحديث الذي يلي هذا الحديث إن شاءالله تعالى .
مايستفاد من ذلك
١ - جواز كراء الأرض بشىء معلوم من الذهب أو الفضة.
بشىء فيه مخاطرة وغرر .
٢ - تحريم كراء الأرض
٣ - جواز مزارعة الأرض بربع أو ثلث أو نصف ما يخرج منها
*
٣ - وعن ثابت بن الضحاك رضى الله عنه أن رسول الله
عَ له : نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة ، رواه مسلم أيضا .
المفردات
ثابت بن الضحاك : )) هو ثابت بن الضحاك بن خليفة
الأشهلي الأوسي أبو زيد المدني رضى الله عنه
كان ممن بايع تحت الشجرة وكان رديف رسول الله عَ ◌ّه
(٣٣)

يوم الخندق ودليله إلى حمراء الأسد روى عن النبى
، وروى عنه عبدالله بن معقل بن مقرن
المزني وأبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمى .
قال البخاري والترمذي : شهد بدرا . قيل
توفى سنة ٤٥ هـ رضى الله عنه .
نهى عن المزارعة: أى حذر من إعطاء الأرض بجزء
من الخارج منها ، يعني على الطريقة التي
كانت مستعملة لديهم من أخذ شىء آخر يجعل
العقد مشتملا على الغرر
وأمر بالمؤاجرة: أى وحض على كراء الأرض بشىء
معلوم من الذهب أو الفضة
البحث
تقدم فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب أن رسول الله عَل عامل أهل
خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع . وجاءت الإشارة فى الحديث الثانى
من أحاديث هذالباب ما يبين أن المزارعة التى نهى عنها رسول الله عَّ الله هى ماكان
يتعامل به أهل المدينة من اشتراط أن يكون لصاحب الأرض ما على الماذيانات
وأقبال الجداول وأشياء من الزرع . وبينا أن هذا التفصيل الذى ورد فى الحديث
يوضح أن المزارعة المنهى عنها هى ما اشتملت على المخاطرة والغرر . وعلى هذا
يحمل حديث النهى عن المزارعة الذى رواه ثابت بن الضحاك رضى الله عنه
وکذلك مارواه مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبدالله رضى الله
عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض وفي لفظ لمسلم
(٣٤)

من حديث جابر رضى الله عنه قال: نهى رسول الله عَّهِ أن
يؤخذ للأرض أجر أو حظ . وفى لفظ لمسلم عن جابر رضى الله عنه
أن النبي عَ ◌ّلِ نهى عن المخابرة . وقد جاء فى بعض ألفاظ حديث
جابر عند مسلم ما يؤكد أن المنهى عنه من كراء الارض هو ما
اشتمل العقد فيه على المخاطرة والغرر وما فيه مفسدة فقد أخرج
مسلم من حديث جابر رضى الله عنه قال : كنا نخابر على عهد
رسول الله عَلِ فَنَصِيبُ من القِصرِىِّ ومن كذا فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فَلْيَزْرَعْهَا أو فَلْيُحِثِها
أخاه والا فليدعها اهـ والمراد بالقصرى فى الحديث : هو مابقى من
الحب في السنبل بعد الدياس ، وقد روى البخاري ومسلم كذلك من
حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله عَبة ((من
كانت له أرض فَلَيَزَرَعها أو لُيُحرِثْها أخاه ، فإن أبى فليمسك أرضه))
قال المجد ابن تيمية رحمه الله بعد أن أخرج هذالحديث في المنتقي :
وبالإجماع تجوز الإجارة ولا تجب الإعارة فَعُلِم أنه أراد الندب اهـ قال
الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار : استدل المصنف رحمه الله بهذا
على ما ذكره من الندب لأن العارية إذا لم تكن واجبة با لإجماع من
غير فرق بين المزارعة وغيرها لم يجب على الإنسان أن يزرع أرضه
بنفسه أو يعيرها أو يعطلها بل يجوز له أمر رابع وهو الإجارة لأنها
جائزة بالإجماع والعارية لاتجب بالإجماع فلا تجب عليه وإذا انتفى
الوجوب بقى الندب اهـ والله أعلم .
(٣٥)

مايستفاد من ذلك
١ - جواز كراء الأرض بأجر معلوم
٢ - أن المزارعة المنهى عنها هى ما اشتمل عقدها على
المخاطرة والغرر
٣ - أنه ينبغي حمل المجمل على المبين والمطلق على المقيد
*****
٤ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: احتجم
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الذى حجمه أجره ، ولو
كان حراما لم يعطه )) رواه البخاري .
المفردات
احتجم : تقدم تعريف الاحتجام فى ص ٢٠٧ و ٢٠٨ من
الجزء الثالث .
الذي حجمه : جاء في لفظ مسلم من حديث ابن
عباس: حجم النبي عَُّ عبدٌ ليني بياضة وجاء في
حديث البخاري ومسلم عن أنس : حجم أبو طيبة الخ.
وأبو طيبة كان مولى لمحيصة بن مسعود من بنى حارثة
وعبد بني بياضة كان يقال له : أبو هند . وفي
لفظ لمسلم: دعا النبي عَّه غلاما لنا الح.
أجره : أي قيمة عمله ولا معارضة فإن قول أنس : غلاما
لنا يعنى الأنصار وكونه من بنى بياضة أو بني حارثة
(٣٦)

يدل على تكرر الاحتجام إذ أن بني بياضة غير
بني حارثة .
ولو كان حراما لم يعطه : أى ولو كان أجر الحجام محرما لم يعطه
رسول الله عَّةُ أجرة على عمله هذا لأنه عَ لَّه
لا يعطى شيئا محرما صلوات الله وسلامه عليه .
البحث
أورد البخاري رحمه الله في باب ذكر الحجام من كتاب البيوع
هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ قال : احتجم
النبي عَّ وأعطى الذي حجمه، ولو كان حراما لم يعطه . وأورده
في باب خراج الحجام من كتاب الإجارة عن ابن عباس رضي الله
عنهما بلفظ قال: احتجم النبي عَ وأعطى الحجام أجره ولو علم
كَرَاهِيَةً لم يُعْطِهِ . وأورد البخاري كذلك في باب ضريبة العبد وتعاهد
ضرائب الإِماء من كتاب الإجارة عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: حجم أبو طيبة النبي عَادٍ فأمر له بصاع أو صاعين من
طعام ، وَكَلَّم مَوَالِيَهُ فخفف عن غَلَتِهِ أو ضريبته . وأورده في باب
الحجامة من الداء في كتاب الطب ومسلم واللفظ للبخاري عن أنس
رضي الله عنه أنه سُئُلَ عن أجر الحجام فقال : احتجم رسول الله
عَ له حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام ، وكلم مواليه
فَخَفْفُوا عنه ، وقال : إن أُمْثَلَ ماتداويتم به الحجامة والقُسْطُ البحري
وقال : لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العُذْرَةِ ، وعليكم بالقُسْطِ .
(٣٧)

وأورد حديث أنس رضي الله عنه كذلك في باب خراج الحجام
بلفظ: كان النبي عٌَّ يحتجم ، ولم يكن يظلم أحدا أجره . وقد
أورد مسلم حديث ابن عباس بلفظ: أن رسول الله عَةٍ احتجم
وأعطى أجره. وبلفظ قال: حجم النبيَّ عَ له عبدٌ لبني بياضة
فأعطاه النبي عَدُ أجره وكلّم سيده فخفف عنه من ضريبته . ولو
كان سحتا لم يعطه النبي عَ ◌ِّ . وقوله في بعض ألفاظ حديث ابن
عباس : ولو كان حراما لم يعطه . وفي بعضها : ولو علم كراهية لم
يعطه . لا تعارض فيه إذ قد تحمل الكراهة على كراهة التحريم أو على
أن نفى التحريم في بعض الألفاظ لاينفى الكراهية فعبر عنها مرة أخرى
بالكراهية ليدل على أنه لاتحريم فيه ولا كراهية . وسيأتى مزيد بحث
لهذا في الحديث الذي يليه إن شاء الله تعالى .
مايفيده الحديث
١ - جواز أخذ الأجرة على الحجامة .
٢ - جواز التداوي بالاحتجام .
****
٥ - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : قال رسول الله
عَبٍ: ((كسب الحجام خبيث)) رواه مسلم .
المفردات
كسب الحجام : أي مايأخذه أجرا على الحجامة .
خبيث : أي ردىء .
(٣٨)

البحث
يطلق الخبيث على الحرام وهو غير مراد هنا ويطلق على الردىء
وإن كان حلالا كقوله تعالى : ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم
بآخذيه إلا أن تُغْمِضُوا فيه واعلموا أن الله غنى حميد ﴾ فقد صحح
ابن كثير رحمه الله القول بأن المراد بالخبيث في هذه الآية هو الردىء
كالحشف والشيص من التمر دون إنفاق الجيد منه . ولفظ حديث
رافع بن خديج عند مسلم من طريق إبراهيم بن قارظ عن السائب بن
يزيد حدثنى رافع بن خديج عن رسول الله عَ لَه قال: ثمن الكلب
خبيث ومهر البغى خبيث وكسب الحجام خبيث )) كما أخرج مسلم
من طريق محمد بن يوسف قال سمعت السائب بن يزيد يحدث عن
رافع بن خديج قال سمعت النبي عَّهِ يقول: ((شر الكسب مَهْرُ
البَغِيِّ وثمن الكلب وكسب الحجام )) وإذا كان مهر البغى حراما بلا
نزاع فإن عطف كسب الحجام عليه أو إشراكه معه في اللفظ
لايدل على أنه حرام إذ قد يعطف ماليس بِمُحَرَّمِ على ماهو محرم كما
يعطف ماليس بواجب على ماهو واجب وقد يشتركان في اللفظ
كقوله تعالى: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ ولاشك أن
بعض الإِحسان واجب وبعضه ليس بواجب بل مستحب . والله أعلم .
مایفیده الحديث
١ - أن كسب الحجام ليس من أجود المكاسب .
٢ - وأنه ينبغي للحجام أن لايحرص على الاكتساب من عمل الحجامة.
(٣٩)

٣ - ينبغي إعطاء العامل أجرته على عمله - مهما كان - مادام
ليس بمحرم .
٤ - جواز أخذ الأجرة على المعالجة بالطب
٦ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَيّ:
قال الله عزوجل: ثلاثة أنا خَصْمُهُم يوم القيامة ، رجل أعطى بي ثم
غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه
ولم يعطه أجره )) رواه مسلم .
المفردات
قال الله عزوجل : يعني في الحديث القدسي
ثلاثة أنا خصمهم : أى ثلاثة أنواع من الناس يناقشهم الله
يوم القيامة عن جريمتهم ويشدد عليهم . وهو سبحانه -
خصم لكل ظالم يوم القيامة قال الحافظ في الفتح :
قال ابن التين : هو سبحانه وتعالى خصم لجميع
الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح إهـ
أعطى بي : أى حلف باسمى وعاهد أو أعطى الأمان
باسمى قال الحافظ في الفتح : كذا للجميع على حذف
المفعول والتقدير : أعطى يمينه بي أي عاهد عهدا
وحلف عليه بالله ثم نقضه اهـ .
ثم غدر : أي ثم نقض ونكث .
(٤٠)