النص المفهرس

صفحات 241-260

أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أنشدك
الله إلا قضيت لي بكتاب الله ، فقال الآخر وهو أفقه منه : نعم
فاقض بيننا بكتاب الله وأُذَنْ لي، فقال: ((قل)) قال: إن ابنى
كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته ، وإنى أخبرت أن على ابنشى
الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة . فسألت أهل العلم
فأخبروني أن ماعلى ابنى جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة
هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي
نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، الوليدة والغنم رَدّ عليك ،
وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد ياأنيس إلى امرأة هذا
فإن اعترفت فارجمها )) قال : فغدا عليها فاعترفت ، فأمر بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت))
وإنما أورد المصنف رحمه الله هذا الحديث هنا للدلالة على جواز
توكيل الإِمام من يقيم الحدود وقد عنون له البخاري رحمه الله في
صحيحه في كتاب الوكالة فقال: ((باب الوكالة في الحدود))
وعنون له في كتاب الحدود فقال : باب من أمر غير الإِمام بإقامة
الحد غائبا عنه . وساق هذا الحديث . وتمامه عنده : فغدا أنيس
فرجمها)) وفي لفظ: ((فغدا عليها فاعترفت فرجمها)).
مایفیده الحدیث
١ - جواز توكيل الإِمام أو نائبه من يقيم الحد على مستحقه .
******
(٢٤١)

باب الإقرار
فيه الذي قبله وما أشبهه
١ - عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله
عليه وسلم : ((قل الحق ولو كان مُرًّا)) صححه ابن حبان في
حديث طويل .
المفردات
الإِقرار : هو في اللغة الاعتراف والإِذعان للحق وفي
الاصطلاح : إخبار الإِنسان بما عليه .
فيه الذي قبله : أي في الإِقرار الحديث الذي قبله وهو حديث
العسيف الذي وقع هذا الباب بعده مباشرة .
وما أشبهه : أي وما أشبه حديث العسيف مما فيه اعتراف
الإِنسان بما ارتكب أو ما تحمل في ذمته وكما
سيجيء في الحدود والقصاص .
الحق : أى الصدق واعترف به على نفسك أو على غيرك .
مُرَّا : أى ولو كان غير حلو فالمُرُّ ضد الحُلْو يعنى
لا يمنعك من قول الحق ماقد يجره عليك من تكدير
وتنغيص .
(٢٤٢)

البحث
قال الحافظ عبد العظيم المنذري في كتاب الترغيب والترهيب :
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم
بخصال من الخير : أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي ، وأن أنظر
إلى من هو دوني ، وأوصاني بحب المساكين والدُّنُوِّ منهم وأوصاني أن
أصل رحمى وإن أدبرت ، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم ،
وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مُرًّا، وأوصاني أن أكثر من قول : لا
حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة)) رواه الطبراني وابن
حبان في صحيحه واللفظ له اهـ وقد أورد السيوطي في الجامع
الصغير من حديث أبي ذر بلفظ: ((قل الحق وإن كان مرا)) في
سياق حديث بغير لفظ ابن حبان ونسبه إلى عبد ابن حميد في
تفسيره والطبراني وذكر السيوطي أن إسناده حسن وقال الحافظ في
تلخيص الحبير : وروى أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه من
حديث عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال : أو صاني خليلي صلى
الله عليه وسلم بخصال من الخير - فذكرها - وفيها : وأوصاني أن
أقول الحق وإن كان مرا اهـ على أن هذا المعنى الذي تضمنه الحديث
الذي أورده المصنف قد حض عليه القرآن الكريم في غير موضع
حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين
بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن
غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو
(٢٤٣)

أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ وكقوله تعالى:
ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم
شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن
الله خبير بما تعملون ﴾ وكقوله عز وجل : في وصف عباده
الصالحين ﴿ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم
(٢٤٤)

باب العارية
١ - عن سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى
تؤديه)) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم .
المفردات
العارية: قال في القاموس: والعَارِيَّةُ مشددةٌ وقد تخفف والعَارة
ماتداولوه بينهم ج عواريّ مشددة ومخففة أعاره
الشيءَ وأعاره منه وعاوره إياه وتَعَوَّرَ واستعار
طلبها واستعاره منه طلبه إعارته واعْتَوَرُوا وتَعَوَّرُوه
تداولوه اهـ وقال في النهاية : كأنها منسوبة إلى
العار لأن طلبها عارٍ اهـ .
أما في اصطلاح الفقهاء فهي : إباحة منافع العين
بغير عوض .
على اليد ماأخذت : أي يلزم اليد صيانة ماقبضت من مال الغير.
حتى تؤديه : أى حتى ترده إلى مالكه أو مستحقه .
البحث
قال المجد ابن تيمية في المنتقى : وعن الحسن عن سمرة عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((على اليد ماأخذت حتى تؤديه))رواه
(٢٤٥)

الخمسة إلا النسائي زاد أبو داود والترمذي : قال قتادة : ثم نسى
الحسن فقال : هو أمينك لاضمان عليه ، يعنى العارية . اهـ وقال
الحافظ في تلخيص الحبير : حديث على اليد ماأخذت حتى
تؤديه)) أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث الحسن عن
سمرة . ورواه أبوداود والترمذي بلفظ : حتى تؤدى . والحسن
مختلف في سماعه من سمرة . وزاد فيه أكثرهم : ثم نسى الحسن
فقال : هو أمينك لا ضمان عليه اهـ .
ولا شك أن هناك تناقضا بين قول المجد ابن تيمية في المنتقى
رواه الخسمة إلا النسائي مع قول الحافظ في تلخيص الحبير : أحمد
والنسائي وقوله في البلوغ : أحمد والأربعة . وقد بحثت عن هذا
الحديث في مجتبى النسائي فلم أقف عليه فيه . هذا وقد قال الترمذي
عقيب إخراج هذا الحديث : هذا حديث حسن صحيح اهـ
والله أعلم .
٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))
رواه أبوداود والترمذي وحسنه وصححه الحاكم واستنكره أبو حاتم
الرازي وأخرجه جماعة من الحفاظ وهو شامل للعارية .
(٢٤٦)

المفردات
أدِّ الأمانة : أى رُدّ الوديعة قال في القاموس: أدَّاهُ تأدية
أوصله وقضاه والاسم الأداء .
إلى من ائتمنك : أى إلى صاحبها الذي جعلك أمينا عليها متى
طلبها .
ولا تخن من خانك : أى ولا تغدر بمن غدر بك ولا تجاز
بالإساءة من أساء إليك .
جماعة من الحفاظ : منهم مالك وأحمد والدارقطني والبيهقي
وأبو نعيم لكن جميع طرقه عندهم مطعون فيها .
وهو شامل للعارية : أى وهو يعم الوديعة والعارية .
البحث
هذا الحديث أخرجه أبوداود من طريق طَلْق بن غَنَّام عن
شريك وأخرجه الترمذي من طريق طلق بن غنام عن شريك وقيس
عن أبي حَصِين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه ثم قال
الترمذي عقيبه : هذا حديث حسن غريب .
وقال الحافظ في تلخيص الحبير : حديث : أد الأمانة إلى من
ائتمنك ولا تخن من خانك)) أبو داود والترمذي والحاكم من
حديث أبي هريرة تفرد به طلق بن غنام عن شريك واستشهد له
الحاكم بحديث أبي التياح عن أنس وفيه أيوب بن سويد مختلف فيه ،
وذكر الطبراني أنه تفرد به ، وفي الباب عن أُبَى بن كعب ذكره
(٢٤٧)

ابن الجوزي في العلل المتناهية ، وفي إسناده من لا يعرف ، وروى
أبوداود والبيهقي من طريق يوسف بن ماهك عن فلان عن آخر ،
وفيه هذا المجهول ، وقد صححه ابن السكن ، ورواه البيهقي من
طريق أبي أمامة بسند ضعيف ومن طريق الحسن مرسلا قال
الشافعي : هذا الحديث ليس بثابت وقال ابن الجوزي : لا يصح
من جميع طرقه ، ونقل عن الإِمام أحمد أنه قال : هذا حديث
باطل لاأعرفه من وجه يصح اهـ . على أن أداء الأمانة وإيصالها إلى
صاحبها وذم من يخونها وعدم جواز عمل معصية بمن عمل معصية ، فلا
يُزْنَى بحريم من زَنى، ولا يُفْجَرُ بمن فجر . كل هذه الأمور قد قررتها
شريعة الله . ونَصَّ عليها القرآن الكريم وفي ذلك يقول الله عز وجل:
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) وأما تخليص المغصوب
من غاصبه واسترداد الحق من جاحده بالوسائل المباحة فإنه لا صلة له
بقوله : ولا تخن من خانك .
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم
به﴾ وبقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ وبقوله تعالى :
﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ وبقوله :
والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون ﴾ وبقوله تعالى :
﴿ والحرمات قصاص ﴾ على جواز خيانة من خان فهو استدلال غير
سديد ورمى بالقول من مكان بعيد .
********
(٢٤٨)

٣ - وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: قال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتتك رسلى فأعطهم
ثلاثين دِرْعا)) قلت يارسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة ؟
قال: ((بل عارية مؤداة)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه
ابن حبان .
المفردات
إذا أتتك رسلي : أى إذا جاءك رجال مبعوثون إليك من قِبَلِى .
فأعطهم ثلاثين درعا : أى فادفع لهم ثلاثين درعا والدرع لباس
يصنع من الحديد يلبسه المحارب ليقيه من
سلاح أعدائه وجمعه دروع وأدراع وأدرع
وهى الزرد وهى حلق متداخل بعضها في بعض
وأول من صنعها ونسجها كذلك هو داود عليه
السلام وكانت قبله صفائح وفي ذلك يقول
الله عز وجل في داود: ﴿ وألَنَّا له
الحديد أن اعمل سابغات وقدِّر في السرد ﴾
وكما قال عز وجل : ﴿ وعلمناه صنعة لبوس
لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ﴾
وكما قال كعب بن زهير رضي الله عنه في
وصف المهاجرين رضي الله عنهم :
(٢٤٩)

شُمُّ العَرَانين أبطال لَبُّوسُهُم
من نسج داود في الهيجا سرابيلُ
بِيضٌ سوابغُ قد شُكَّتْ لها حَلَقٌ
كأنها حَلَقُ القَفْعَاءِ مَجْدُولُ
ودرع الحديد مؤنثة وقال أبوعبيدة : تؤنث
وتذكر . أما درع المرأة فهو قميصها وهو
مذكر .
أعارية مضمونة : العارية المضمونة هى التي يجب تأديتها
إن كانت باقية فإذا تلفت ضمن المستعير
قيمتها لصاحبها .
أو عارية مؤداة : العارية المؤداة هي التي يجب تأديتها
لصاحبها إن كانت باقية فإذا تلفت لم يضمن
المستعير قيمتها .
البحث
قال أبو داود ((في باب في تضمين العارية)) من سننه : حدثنا
إبراهيم بن المستمر ثنا حبان بن هلال ثنا همام عن قتادة عن عطاء
ابن أبي رباح عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتتك رسلى فأعطهم ثلاثين درعا
وثلاثين بعيرا )) قال : فقلت : يارسول الله أعارية مضمونة أو
عارية مؤداة ؟ قال: بل مؤداة)) وإبراهيم بن المستمر قال في
(٢٥٠)

التقريب : صدوق يُغْرِب . وعطاء بن أبى رباح ثقة ولكنه كان
كثير الإِرسال وقد عنعن هنا . والله أعلم .
*
٤ - وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم استعار منه دروعا يوم حنين فقال : أَغَصْبٌ يا محمد ؟
قال: ((بل عارية مضمونة)) رواه أبو داود وأحمد والنسائي
وصححه الحاكم وأخرج له شاهدا ضعيفا عن ابن عباس
رضي الله عنهما .
المفردات
صفوان بن أمية : هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن
حذافة بن جمح القرشي الجمحى قتل أبوه يوم.
بدر كافرا وأسلم صفوان بعد الفتح وكان من
المؤلفة قلوبهم وكان حضر وقعة هوازن يوم
حنين فلما انهزم المسلمون في أول المعركة
فرح بعض من كان في قلبه مرض من أهل
مكة وقال : ألا بطل السحر اليوم فقال
له صفوان : أسكت فضَّ الله فاك فوالله
لِأَن يُرُبَّني رجل من قريش أحبُ إليَّ من أن
يُرُبَّني رجل من هوازن . ولما أيد الله
(٢٥١)

رسوله والمؤمنين وتم لهم النصر على هوازن
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم
بالجعرانة أعطى صفوان بن أمية مائة بعير .
وقد شهد صفوان اليرموك وتوفى أيام قتل عثمان
رضي الله عنه وقيل توفى سنة ٤١ وقيل ٤٢
والله أعلم .
استعار : أى أخذ على سبيل العارية .
يوم حنين : أى يوم غزوة هوازن عند حُنين وكانت بعد
فتح مكة في السنة الثامنة. وحنين موضع بين
مكة والطائف .
أغصب : أي أقهر واستيلاء بغير عوض ؟ .
بل عارية مضمونة : أى ليس غصبا بل هو عارية مضمونة
تُرَدُّ إليك أو قيمتها إن تلفت.
وأخرج له : أي أخرج الحاكم لتقوية هذا الحديث .
البحث
قال أبو داود : حدثنا الحسن بن محمد وسلمة بن شبيب قالا :
ثنا يزيد بن هارون ثنا شريك عن عبدالعزيز بن رفيع عن أمية بن
صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار
منه أدراعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد فقال: ((لا بل عارية
مضمونة )) قال أبو داود وهذه رواية يزيد ببغداد وفي روايته بواسط
(٢٥٢)

على غير هذا . حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جرير عن عبدالعزيز
ابن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((ياصفوان هل عندك من سلاح؟))
قال: عارية أم غصبا؟ قال: ((لا بل عارية)) فأعاره مابين
الثلاثين إلى الأربعين درعا ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم
حنينا فلما هُزِمَ المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها
أدراعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان: ((إنا قد
فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك ؟ )) قال : لا يارسول الله
لأن في قلبي اليوم مالم يكن يومئذ . حدثنا مسدد ثنا أبو الأحوص
ثنا عبدالعزيز بن رفيع عن عطاء عن أناس من آل صفوان قال :
استعار النبي صلى الله عليه وسلم فذكر معناه اهـ وقال الحافظ في
تلخيص الحبير : وأخرجه أحمد والنسائي والحاكم وأورد له شاهدا
من حديث ابن عباس ولفظه : بل عارية مؤداة اهـ .
وقد أعل ابن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث .
(٢٥٣)

باب الغَصْب
١ - عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((من اقتطع شِبْراً من الأرض ظلما
طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين)) متفق عليه.
المفردات
الغصب : هو أخذ حق الغير بغير حق .
اقتطع : أى أخذ يعنى بغير حق .
شبرا : الشِّبْرُ هو مابين طرفى الخنصر والإِبهام بالتفريج المعتاد
أما الْفِتْرُ فهو مابين طرفى السبابة والإِبهام بالتفريح
المعتاد .
ظلما : أى غصبا بغير حق .
طوقه الله به : أى جعله طوقا في عنقه .
من سبع أرضين : أى خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين
يحملها فوق عنقه تكون كالطوق له وفي حديث
ابن عمر عند البخاري : من أخذ شيئا من الأرض
بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين .
البحث
أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب المظالم من صحيحه في
باب إثم من ظلم شيئا من الأرض عن سعيد بن زيد رضي الله عنه
(٢٥٤)

بلفظ : قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( من ظَلَم من الأرض شيئا طُوِّقَهُ من سبع أرضين)).
وأخرجه في كتاب بدء الخلق في باب ماجاء في سبع أرضين
عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى في حق
زعمت أنه انتقصه لها إلى مروان فقال سعيد : أنا أنتقص من حقها
شيئا ؟ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يُطَوَّقُه يوم القيامة من سبع
أرضين)) . أما مسلم رحمه الله فقد أخرجه بعدة ألفاظ . منها عن
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (( من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوَّقه الله إياه يوم
القيامة من سبع أرضين . وفي لفظ من طريق عمر بن محمد عن
أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن أروى خاصمته في
بعض داره فقال : دعوها وإياها فإنى سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (( من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوِّقه في
سبع أرضين يوم القيامة . اللهم إن كانت كاذبةً فأعم بصرَها ،
واجعل قبرها في دارها ، قال : فرأيتها عمياء تلتمس الجُدُر تقول :
أصابتني دعوة سعيد بن زيد ، فبينما هي تمشى في الدار مرَّت على
بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها . وفي لفظ من طريق هشام
ابن عروة عن أبيه أن أروى بنت أُوَيس ادعت على سعيد بن زيد
أنه أخذ شيئا من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال
(٢٥٥)

سعيد : أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال وما سمعتَ من رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (( من أخذ شبرا من الأرض ظلما طَوِّقَه إلى سبع
أرضين)) فقال مروان : لا أسألك بينة بعد هذا فقال : اللهم إن
كانت كاذبة فعمِ بصَرها واقتلها في أرضها . قال : فما ماتت حتى
ذهب بصرها ، ثم بينا هى تمشى في أرضها إذا وقعت في حفرة
فماتت . وفي لفظ عن سعيد بن زيد قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (( من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه
يُطَوَّقه يوم القيامة من سبع أرضين .
هذا وقد روى البخاري ومسلم نحو ذلك من حديث عائشة
رضي الله عنها كما روى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما نحو ذلك كذلك كما روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه نحو ذلك أيضا .
مايفيده الحديث
١ - أن غصب الأرض - مهما قلت - من كبائر الذنوب .
٢ - وأن من ملك أرضا ملك أسفلها .
٣ - وفيه دليل على أن الأرضين السبع متراكمة لم تفتق لأنها
لو فتقت لتحمل الغاصب غير ماغصب كما أشار إلى ذلك
الحافظ في الفتح نقلا عن الداودى رحمهما الله .
(٢٥٦)

٤ - وفيه الرد على من زعم أن الأرض لا يمكن غصبها .
٢ - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها
بِقَصْعَة فيها طعامٍ فَضَرَبَتْ بيدها فكسرت القَصْعَةَ فضَمَّها وجعل
فيها الطعام، وقال: ((كُلُوا)) ودفع القصعة الصحيحة للرسول
وحَبَسَ الْمَكْسُورة . رواه البخاري . والترمذي وسمى الضاربة
عائشة وزاد: ((فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((طعامٌ بطعام
وإناء بإناء )) وصححه .
المفردات
عند بعض نسائه : هي عائشة رضي الله عنها كما في رواية
الترمذي ولأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم في بيتها .
إحدى أمهات المؤمنين : هى زينب بنت جحش رضي الله عنها.
بقصعة : هى بفتح القاف إناء من خشب ، وفي رواية
للبخاري في كتاب النكاح: ((بصحفة)) وهي
قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب .
فيها طعام : كان حَيسًا أو ثريدا . والحَيْسُ تمر يخلط بسمن
وأقط فيعجن شديدا ثم يُندَرُ منه نواه وربما
(٢٥٧)

جعِل فيه سَويق . والثريد هو الخبز المفتوت
المأدوم باللحم .
فضمها : أى فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق القصعة
وشدَّها حتى تماسكت .
وجعل فيها الطعام : أي جمع الطعام الذي تناثر منها ووضعه
فيها .
وقال : كلوا : أى وطلب ممن كان معه أن يأكلوا منها .
ودفع القصعة الصحيحة للرسول : أى وسلَّم للخادم القصعة
السليمة المأخوذة من بيت التي كسرت .
وحبس المكسورة : أى أبقاها عند التي هو في بيتها .
وسمى الضاربة عائشة : أى وسمى الترمذي في روايته
أم المؤمنين التي كسرت القصعة بأنها عائشة
رضي الله عنها .
وزاد : أى الترمذي .
طعام بطعام : أى وضع في القصعة الصحيحة طعاما وأرسله
للتي كُسِرت قصعتها مع خادمها وقال : هذا
طعام بدل طعامها وفعل ذلك صلى الله عليه
وسلم تطييبا لخاطرها .
وإناء بإناء : أى وهذه قصعة بدل القصعة التى
کسرت ..
(٢٥٨)

البحث
أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في كتاب المظالم في باب
إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره من طريق يحيى بن سعيد عن حميد
عن أنس رضي الله عنه بلفظ: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم
بقصعة فيها طعام ، فضربت بيدها فكسرت القصعة ، فضمها ،
وجعل فيها الطعام، وقال: (( كلوا)) وحبس الرسول والقصعة
حتى فرغُوا ، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة )) وأورده
في كتاب النكاح في باب الغيرة من طريق ابن عُلَيَّة عن حميد عن
أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه ،
فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام ، فضربت التي
النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة
فَانْفَلَقَتْ ، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة ، ثم
جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ، ويقول: ((غارت
أُمُّكم )) ثم حبس الخادمَ حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها ،
فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صحفتها ، وأمسك
المكسورة في بيت التي كسرت )) وقد أورد الترمذي هذا الحديث في
أبواب الأحكام في باب ماجاء فيمن يكسر له الشيء مايحكم له من مال
الكاسر قال : حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبوداود الحَفَرِيُّ عن سفيان
عن حميد عن أنس قال : أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
(٢٥٩)
:

طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت مافيها ، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((طعام بطعام وإناء بإناء)) هذا
حديث حسن صحيح اهـ .
مايفيده الحديث
١ - أن من كسر لغيره شيئا كان مضمونا بمثله إن أمكن
حصول المثل .
٢ - أن الغضب الذي لايزول معه الإِدراك لا يعفى صاحبه من
المسئولية .
٣ - التلطف في معاملة النساء.
٤ - أن على الزوج أن يعالج ماقد يحدث من إحدى زوجاته
على الأخرى بمايطيب خاطرهما .
٣ - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس
له من الزرع شيء، وله نفقته)) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي
وحسنه الترمذي ويقال : إن البخاري ضعفه .
المفردات
بغير إذنهم : أي بغير أمرهم ودون موافقتهم ..
وله نفقته : أى وللذي زرع أجرة عمله .
(٢٦٠)