النص المفهرس

صفحات 201-220

روى البخاري ومسلم من حديث زينب امرأة عبدالله بن مسعود رضي
الله عنهما قالت : كنت في المسجد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: ((تصدقن ولو من جليكن وكانت زينب تنفق على عبدالله
وأيتام في حَجْرها فقالت لعبدالله : سَل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أَيَجْزي عنى أن أُنْفِق عليك وعلى أيتامي في حَجْري من الصدقة ؟
فقال : سِلى أنت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فوجدت امرأة من الأنصار على الباب ، حاجتها
مثل حاجتي فَمَرَّ علينا بلال ، فقلنا : سل النبي صلى الله عليه وسلم
أيَجْزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام في حجري ؟ وقلنا : لا تُخبِر
بنا فدخل فسأله فقال: من هما؟ قال: زينب. قال: (( أي الزيانب؟))
قال امرأة عبد الله قال: ((نعم، لها أجران: أجر القرابة وأجر
الصدقة )) وحديث شراء عائشة رضي الله عنها بريرة رضي الله عنها
وإعتاقها ثابت في الصحيحين ، وهذا كله يثبت عدم صحة حديث
عمرو بن شعيب هذا على أن عبارة ((إذا ملك زوجها عصمتها )) في
تركيبها بحث فليس من فصيح اللغة أن يقال : ملك زوجها عصمتها .
وإنما يقال : ملك الرجل عصمة المرأة إذا تزوجها إذ أن الرجل يملك
عصمة المرأة بمجرد العقد . كما يقال : هي في عصمته . وإذا فارقها
قيل : خرجت من عصمته . هذا وقد أخرجه ابن ماجه من طريق
الليث بن سعد عن عبدالله بن يحيى (رجل من ولد كعب بن مالك)
عن أبيه عن جده أن جدَّته خَيْرَةَ امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله
(٢٠١)

صلى الله عليه وسلم بِحُلِيٍّ لها فقالت : إني تصدقت بهذا فقال لها
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجوز للمرأة في مالها إلا بإذن
زوجها فهل استأذنت كعبا ؟ قالت : نعم ، فبعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى كعب بن مالك زوجها فقال : هل أذنت لخيرة أن
تتصدق بحليها ؟ فقال: نعم. فقبله رسول الله عَ ل منها .
وقد ضعف في الزوائد إسناده حيث قال : في إسناده يحيى وهو غير
معروف في أولاد كعب .
وقد أشرت إلى الحديث الثابت في حض رسول الله صلى الله عليه
وسلم النساء على الصدقة ، وقال البخاري : وقال النبي صلى الله عليه
وسلم : تصدقن ولو من حليكن . فلم يستثن صدقة الفرض من
غيرها . فجعلت المرأة تلقى خُرصَها وسخابها .
هذا ولا شك أن الإِسلام قد رفع عن المرأة أوضار أهل الجاهلية
وقال: ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما
ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا )) وقال عز
وجل : ﴿ والمتصدقين والمتصدقات﴾ والله أعلم .
***
٨ - وعن قَبِيصَةَ بن مُخارِق الهلالي رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المسألة لاتحل إلا لأحد ثلاثة :
رجلٍ تَحَمَّل حَمالَةً فحلت له المسألةُ حتى يصيبها ثم يُمْسِك . ورجلٍ
أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألةُ حتى يصيب قِواما من
(٢٠٢)
٠٠

من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثةٌ من ذوى الحِجا من
قومه : لقد أصابت فلانا فاقةٌ فحلت له المسألة )) رواه مسلم .
١
البحث
قد تقدم هذا الحديث برقم ٣ في (( باب قسم الصدقات )) وزاد في
"آخره هناك : فما سواهن من المسألة ياقبيصة سحت يأكلها صاحبها
سحتا )) وقال : رواه مسلم وأبوداود وابن خزيمة وابن حبان . ولعل
المصنف أورد هذا الحديث هنا في باب التفليس والحجر للإشعار بأنه لا
بد في ثبوت إفلاس المفلس من شهادة ثلاثة من ذوى الحجا من قومه
أن فلانا أصابته فاقة ، وليكون ذلك مبيحاً له سؤالَ الناس . وقد أشار
البخاري رحمه الله إلى أن مجرد دعوى الإفلاس لا تكفى في إجراء
أحكام المفلسين على المدعى بل لا بد من تبين الإفلاس وثبوته فقد قال
البخاري في صحيحه في باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع
والقرض والوديعة فهو أحق به قال : وقال الحسن : إذا أفلس وتبين لم
يَجُزْ عتقه ولا بيعه ولا شراؤه )) قال الحافظ في الفتح: قوله )) وقال
الحسن: ((إذا أفلس وتبين لم يجز عتقه ولا بيعه ولا شراؤه)) أما قوله :
وتبين فإشارة إلى أنه لا يمنع التصرف قبل حكم الحاكم اهـ والله أعلم .
(٢٠٣)

٠٠٠٠٠
١٥٠٠
باب الصُّلْح من
١ - عن عَمْرو بن عَوْف المزني رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرَّم
حلالا أو أجل حراما ، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرَّم حلالا
أو أحَلَّ جراما)) رواه الترمذي وصححه ، وأنكروا عليه ، لأن راويه
كَثِيرُ بن عبدالله بن عمرو بن عوف ضعيف ، وكأنه اعتبره بكثرة
طرقه ، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة. فهذا
الشاهق . ريطاراتف ما المفردات : محاور فقة
الصُّلْح: هو السِّلْم والتراضى من المتخاصمين قال الحافظ في الفتح.
بتهمة مة والصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين
حياة الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح
، زيتبين المتغاضبين كالزوجين والصلح في الجراح كالعفو على
دالة.« مارة مال والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاجمة إما في
: غاية معاه الأملاك أو في المشتركات كالشوارع، وهذا الأخير هو
مثقةً عل) الذي يتكلم فيه أصحاب الفروع اهداف الشراء العام
عمرو بن عوف : هو عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة - بكسر
الميم وسكون اللام - بن عمرو بن بكر بن أفرك بن
عثمان بن عمروبن أد بن طابخة أبوعبدالله اليشكري المزنى
(٢٠٤)

قال في تهذيب التهذيب : قال ابن سعد : كان قديم
الإِسلام . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم . روى
: حديثه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه
: عن جده وكثير ضعيف اهـ مات في خلافة معاوية رضي
منهالله عنهما
ما بانة: بسببطا بوابة
انسيا شريفا
جائز: أي مباح لام
حرَّم حلالا : أي حظر ما أباح الله وناقض شرع الله .
٠
أو أحل حراما : أي أو استباح مانهى الله عنه .
والمسلمون على شروطهم : أي يثبتون عليها ويقفون عندها ويوفون
بالج بها ولا يرجعون عنها.وما بين بكم
إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما : أي إلا شرطا يناقض شرع
ختصان الله فإنه يكون باطلامرك: فة
وصححه : أي قال الترمذي عقب إخراجه : هذا حديث
زاهيمة حسن صحيحولة )) ريالشات من
وأنكروا عليه: أي واستغرب أئمة علماء الحديث تصحيح الترمذي
لهذا الحديث لأنه ليس بصحيح حتى غالى بعضهم في
يه: للمرة الترمذي بسبب هذا الحديث فقال: فلهذا لا
أثينا يعتمد العلماء على تصحيحه : وات» وسط
كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف: هو حفيد عمرو بن عوف
ثمة تالذي تقدمت ترجمته هنا، روى عن ابيه ومحمد بن كعب
(٢٠٥) )

القرظي ونافع مولى ابن عمر وبكير بن عبدالرحمن
المزني وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وأبو
أويس وزيد بن الحباب وعبدالله بن وهب وعبدالله
ابن نافع والقعنبي وأبو عامر العقدي وغيرهم قال في
تهذيب التهذيب : قال أبوطالب عن أحمد : منكر
الحديث ليس بشيء وقال عبدالله بن أحمد : ضَربَ
أبي على حديث كثير بن عبدالله في المسند ولم يحدثنا
عنه . وقال أبو خيثمة : قال لي أحمد : لا تحدث عنه
شيئا . وقال الدوري عن ابن معين : لجده صحبة
وهو ضعيف الحديث ، وقال مرة ليس بشيء ، وقال
الدارمي عن ابن معين أيضا : ليس بشيء وقال
الأجري : سئل أبوداود عنه فقال : كان أحد
الكذابين سمعت محمد بن الوزير المصري يقول :
سمعت الشافعي وذکر کثیر بن عبدالله بن عمرو بن
عوف فقال : ذاك أحد الكذابين أو أحد أركان
الكذب ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبازرعة
عنه فقال واهى الحديث ليس بقوى ، قلت له : بهز
ابن حكيم وعبدالمهيمن وكثير أيهم أحب إليك ؟
قال : بهز وعبدالمهيمن أحب إلي منه . وقال
أبو حاتم : ليس بالمتين . وقال الترمذي : قلت لمحمد
(٢٠٦)

في حدیث کثیر بن عبدالله عن أبيه عن جده في
الساعة التي ترجى في يوم الجمعة كيف هو ؟ قال :
هو حديث حسن إلا أن أحمد كان يحمل على كثير
يضعفه ، وقد روى يحبى بن سعيد الأنصاري عنه ،
وقال النسائي والدارقطني : متروك الحديث ، وقال
النسائي في موضع آخر : ليس بثقة ، وقال ابن
حبان : روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا
يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على
جهة التعجب اهـ هذا وقد ذكره البخاري في
الأوسط في فصل من مات من الخمسين ومائة إلى
الستين .
البحث
حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي ذكره المصنف أن ابن حبان
صححه قد رواه أبوداود في سننه قال: (( باب في الصلح )) حدثنا
سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال ح
وثنا أحمد بن عبدالواحد الدمشقي ثنا مروان يعنى ابن محمد ثنا سليمان
ابن بلال أو عبدالعزيز بن محمد - شك الشیخ - عن کثیر بن زید عن
الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((الصلح جائز بين المسلمين)) زاد أحمد: ((إلا صلحا أحل
حراما أو حَّم حلالا)) وزاد سليمان بن داود: وقال رسول الله عَّ﴾.
(٢٠٧)

((المسلمون على شروطهم)) قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير :
حديث أبي هريرة : (( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما
أو حرم حلالا )) أبوداود وابن حبان والحاكم من طريق الوليد بن رباح
عنه بتمامه . ورواه أحمد من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه
عن أبي هريرة دون الاستثناء وفي الباب عن عمرو بن عوف وغيره كما
سيأتي قريبا. ثم قال الحافظ : حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن
عوف عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمنون
عند شروطهم)) الحديث . تقدم في باب المصراة والرد بالعيب وأنه
للترمذي وغيره . وقد كان الحافظ ذكر في التلخيص في باب المصراة
والرد بالعيب حديث (( المؤمنون عند شروطهم)) ثم قال : أبوداود
والحاكم من حديث الوليد بن رباح عن أبي هريرة وضعفه ابن حزم
وعبدالحق وحسنه الترمذي ، ورواه الترمذي والحاكم من طريق كثير بن
عبدالله ابن عمرو عن أبيه عن جده وزاد (( إلا شرطا حرم حلالا أو
أحل حراما)) وهو ضعيف والدار قطني والحاكم من حديث أنس ..
ولفظه في الزيادة : ما وافق من ذلك ، وإسناده واهى ، والدار قطني
والحاكم من حديث عائشة وهو واهى أيضا. وقال ابن أبي شيبة ؛ نا
يحيى بن أبي زائدة عن عبد الملك هو ابن أبي سليمان عن عطاء عن
النبي عَّةٍ مرسلا (تنبيه) الذي وقع في جميع الروايات: ((المسلمون))
بدل (المؤمنون)) اهـ .
الجملطا زهريالي منها :: والسج
هذا ولا شك أن معنى حديث الباب صحيح وأن الصلح جائز
(٢٠٨)

بين المسلمين وقد ساق البخاري في صحيحه في كتاب الصلح عدة
أحاديث تدل على جواز الصلح فذكر قوله عز وجل : ﴿ لا خير في
كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾
وحديث إصلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بنى عمرو بن
عوف من طريق سهل بن سعد وحديث الإصلاح بين الأنصار في قصة
عبدالله بن أبى من طريق أنس رضي الله عنه وحديث ليس الكذاب
الذي يصلح بين الناس من طريق أم كلثوم بنت عقبة وحديث الصلح
بين أهل قباء من طريق سهل بن سعد وتفسير عائشة رضي الله عنها
لقول الله عز وجل: ﴿ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ؟
ثم قال البخاري : باب إذا اصطلحوا على صُلْح جَورٍ فالصلح
مردود وساق حديث العسيف من طريق أبي هريرة وزيد بن خالد
الجهني رضي الله عنهما . هذا وفي حديث العسيف بيان أن الصلح
الذي يحرم الحلال أو يحل الحرام مردود قال الحافظ في الفتح : والغرض
منه قوله في الحديث : الوليدة والغنم رد عليك)) لأنه في معنى الصلح
عما وجب على العسيف من الحد ، ولما كان ذلكُ لا يجوز في الشرع
كان جورا اهـ هذا وقد تصالح رسول الله عَ ليه مع المشركين كذلك.
فقوله (الصلح جائز بين المسلمين)) خرج مخرج الغالب والعلم عندالله
عز وجل . وأما ما ذكر في حديث الباب من جواز الشرط إلا شرطا
حرم حلالا أو أحل حراما فإنه يؤكد ذلك مارواه البخاري ومسلم من
حديث بريرة رضي الله عنها عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله
(٢٠٩)

صلى الله عليه وسلم قال: (( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو
باطل وإن كان مائة شرط )) ومعنى ليس في كتاب الله أنه ليس في
شرع الله الإِذن فيه .
مايستفاد من ذلك
١ - جواز الصلح بين المسلمين في المبايعات وغيرها مالم يحل
حراما أو يحرم حلالا .
٢ - جواز الشروط في المبايعات وغيرها مالم تحل حراما أو
تحرم حلالا .
***
٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : (( لا يمنع جارٌ جَارَهُ أَن يَغْرِزَ خَشَبَةً في جداره )) ثم يقول أبو
هريرة : مالى أراكم عنها معرضين ؟ والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أَكْتَافَكُم ))
متفق عليه .
المفردات
لا يمنع جارٌ جارة : أي لا يُرُدُّ مالك الدار من يلاصقه من الجيران
ولا يأبى عليه ، ولا ناهية فالفعل مجزوم . قال الحافظ
في الفتح : ولأبي ذر بالرفع على أنه خبر بمعنى النهى .
أن يغرز : أي أن يضع .
خشبة : يعنى من خشب سقفه الذي يسقف به داره . وقد
(٢١٠)

روى بالإِفراد والجمع .
في جداره : أي على حائط داره الملاصق له . والضمير هنا للجار
الذي يراد وضع خشبة جاره على جداره .
ثم يقول أبوهريرة : أي بعد أن ينتهى من قراءة هذا الحديث
النبوى على الحاضرين عنده .
عنها : أي عن هذه السنة أو هذه الخصلة أو هذه الموعظة
أوهذه الكلمات .
معرضين : أي غير مسارعين للعمل بها وتطبيقها أو غير مقبلين
على سماعها .
لأرمين بها : أي لُّاطْرَحَنَّها وَلَأَلْقِيَنَّ بها .
بين أكتافكم : في بعض نسخ بلوغ المرام : بين أكنافكم
بالنون وهو غلط لأن المصنف إنما أسند هذا الحديث
للشيخين وهما لم يخرجاه إلا بالتاء والأكتاف جمع كتف
أي لألقينها على أعناقكم . قال الحافظ في الفتح قال ابن
عبدالبر : رويناه في الموطأ بالمثناة وبالنون والأكناف
بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب .
متفق عليه : أي واللفظ للبخاري لأن مسلما لم يخرجه بهذا اللفظ .
البحث
أخرج مسلم رحمه الله هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ : لايَمْنَعْ أحدكم جاره الح الحديث ، وقد أشار الحافظ في الفتح
(٢١١)

إلى السبب في قول أبي هريرة رضي الله عنه : مالي أراكم عنها معرضين
الح فقال: (( قوله ثم يقول أبو هريرة)) في رواية ابن عيينة عند أبي
داود: ((فنكسوا رءوسهم)) ولأحمد: (( فلما حدثهم أبو هريرة بذلك
طأطئوا رءوسهم )) وقد سها الحافظ رحمه الله فأقر في تلخيص الحبير
أن قوله: فنكس القوم)) من المتفق عليه . فقد قال في تلخيص الحبير :
حديث أبي هريرة: (( لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على
جداره)) قال : فنكس القوم ، فقال أبو هريرة : مالى أراكم عنها
معرضين ؟ والله لأرمينها بين أكتافكم أي لأرمين هذه السنة بين
أظهركم . متفق عليه ورواه الشافعي من ذلك الوجه ، ورواه أبوداود
والترمذي وابن ماجه قال الترمذي : حسن صحيح . وفي الباب عن
ابن عباس ومجمع بن جارية ، قلت : وهما في ابن ماجه (تنبيه) قال
عبدالغني بن سعيد : كل الناس يقول : خشبه بالجمع إلا الطحاوي
فإنه يقول : بلفظ الواحد . قلت : لم يقله الطحاوي إلا ناقلا عن غيره
قال : سمعت يونس بن عبدالأعلى يقول : سألت ابن وهب عنه فقال :
سمعت من جماعة خشبة على لفظ الواحد قال : وسمعت روح بن الفرج
يقول : سألت أبا يزيد والحارث بن مسكين ويونس بن عبدالأعلى عنه
فقالوا : خشبة بالنصب والتنوين واحدة اهـ وقال الحافظ في الفتح
« قوله باب لايمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره )» کذا لأبي ذر
بالتنوين على إفراد الخشبة ولغيره بصيغة الجمع وهو الذي في حديث
الباب . قال ابن عبدالبر : روى اللفظان في الموطأ والمعنى واحد لأن
(٢١٢)

المراد بالواحد الجنس انتهى وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين وإلا
فالمعنى قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخف من مسامحة الجار
بخلاف الخشب الكثير اهـ. وقال في الفتح: واستدل المهلب من
المالكية بقول أبي هريرة : مالى أراكم عنها معرضين ؟ بأن العمل كان في
ذلك العصر على خلاف ماذهب إليه أبوهريرة قال : لأنه لو كان على
الوجوب لما جهل الصحابة تأويله ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين
حدثهم به ، فلولا أن الحكم قد تقرر عندهم بخلافه لما جاز عليهم
جهل هذه الفريضة فدل على أنهم حملوا الأمر في ذلك على
الاستحباب ، انتهى . وما أدري من أين له أن المعرضين كانوا
صحابة . وأنهم كانوا عددا لا يجهل مثلهم الحكم ، ولم لا يجوز أن
يكون الذين خاطبهم أبو هريرة بذلك كانوا غير فقهاء ؟ بل ذلك هو
المتعين . وإلا فلو كانوا صحابة أو فقهاء ماواجههم بذلك اهـ .
مایفیده الحديث
١ - أنه يجب على الجار أن يحسن إلى جاره .
٢ - وأنه ينبغى للجار إذا احتاج جاره لوضع بعض خشب داره
على جداره على سبيل العارية أن لا يمنعه من ذلك .
*
٣ - وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لامرىء أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب
نفس منه)) رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما .
(٢١٣)

المفردات
لا يحل لامرىء : أي لا يجوز لإِنسان .
أخيه : يعنى في الإِسلام أو في النسب .
بغير طيب نفس منه : أي بغير رضاه .
البحث
قال الحافظ في تلخيص الحبير عن هذا الحديث : رواه ابن حبان
في صحيحه والبيهقي من حديث أبي حميد الساعدي بلفظ : لايحل
لامرىء أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه ، وذلك لشدة
ماحرم الله مال المسلم على المسلم . وهو من رواية سهيل بن أبي
صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حميد وقيل عن
عبدالرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي رواه أحمد
والبيهقي وقوَّى ابن المديني رواية سهيل اهـ وقد روى البخاري
ومسلم من طريق مالك عن نافع من حديث عبدالله بن عمر رضي
الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا يَحْلُبَنَّ
أحدٌ ماشية امرىء بغير إذنه أيحب أحدكم أن تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ
خِزَانَتُهُ فَيَنْتَقَلَ طَعَامُهُ ؟ فإنما تَخْزِنُ لهم ضُرُوعُ مواشيهم أَطْعِمَاتِهِمْ
فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه )) ولفظ مسلم: أطعمتهم))
بدل قوله في البخاري : أطعماتهم .
قال مسلم رحمه الله : وحدثناه قتيبة بن سعيد ومحمد بن رُمْچٍ
جميعا عن الليث بن سعد ح وحدثناه أبوبكر بن أبي شيبة حدثنا
(٢١٤)

علي بن مُسْهِر ح وحدثنا ابن نمير حدثني أبي كلاهما عن عبيدالله
ح وحدثني أبو الربيع وأبو كامل قالا حدثنا حماد ح وحدثني زهير
ابن حرب حدثنا إسماعيل (يعنى ابن علية) جميعا عن أيوب ح
وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية ح وحدثنا
محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب ، وابن جريج
عن موسى كل هؤلاء عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله
عليه وسلم نحو حديث مالك غير أن في حديثهم جميعا ((فَيُّنْتَفَلَ)) إلا
الليث بن سعد فإن في حديثه ((فَيُنْتَقَلَ طَعامُهُ)) كرواية مالك اهـ.
والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم ، والضرع للبهائم كالثدى
للمرأة ، والمَشْرُبَةُ هي الموضع العالي وهي الغرفة التي تخزن فيها
الأطعمة والأمتعة، وقوله ((فينتقل طعامه )) أي يُحَوِّل من مكان
إلى آخر ورواية : فينتثل )) أي يستخرج وينثر ، وقد نسب
الصنعاني رحمه الله في سبل السلام حديث الشيخين هذا لعمر رضي
الله عنه وتبعه الشيخ صديق حسن خان في فتح العلام وهو سبق
قلم فإن الشيخين أخرجاه من حديث ابن عمر كما رأيت . قال
الحافظ في الفتح : قال ابن عبدالبر : في الحديث النهي عن أن
يأخذ المسلم للمسلم شيئا إلا بإذنه . وإنما خص اللبن بالذكر
لتساهل الناس فيه فنبه به على ماهو أولى منه اهـ .
مايستفاد من ذلك
١ - النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئا بغير إذنه .
٢ - النهي عن أن يأخذ المسلم للذمي شيئا بغير إذنه .
٣ - شرعية العمل بالقياس .
(٢١٥)

باب الحَوَالَةِ والضَّمَان
١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ وإذا أُتْبِعَ أحَدُكُم على مَلِيء
فَلْيَتْبَعْ)) متفق عليه، وفي رواية أحمد: ((فَلْيَحْتَلْ)).
المفردات
الحوالة : بفتح الحاء هى من قولهم : أحال الغريمَ إذا زَجَّاه عنه
إلى غريم آخر ، وعرفها الفقهاء بأنها نقل الدين من
ذمة إلى ذمة أخرى .
والضمان : أي الكفالة والالتزام تقول : ضَمِن الشيء ضمَاناً
فهو ضامن وضمين أي كفله والتزم به ، وضَمَّنْتهُ
الشيء تضمينا فَتَضَمَّنَهُ عَنِّي أي غَرَّمْتُه فالتزمه .
مطْل الغني : أصل المطل المد قال الحافظ في الفتح : قال ابن
فارس : مَطَلْتُ الحديدة أَمْطُلُهَا مَطْلًا إذا مددتها
لتطول ، وقال الأزهري : المطل المدافعة ، والمراد هنا
تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر ، والغني مختلف في
تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره
ولو كان فقيرا . اهـ قال في القاموس : والغني ذو
الوَفْرِ قال شارحه : قوله : ذو الوفر أي المال
(٢١٦)

الكثير اهـ وظاهر الحديث يدل على أن المراد
بالغني الموسر ومطله تسويفه .
وإذا أُتْبع أحدكم على ملىء فَلْيَتْبَع : أي وإذا أحيل أحدكم بالدَّين
الذي له على موسر فليحتل أي فليقبل الحوالة .
قال الحافظ في الفتح : المشهور في الرواية واللغة
كما قال النووي إسكان المثناة في أتبع وفي فليتبع .
وهو على البناء للمجهول مثل : إذا أُعْلِمَ فَلْيَعْلَم
تقول : تبعت الرجل بحقى أتبعه تباعة بالفتح إذا
طلبته وقال القرطبي : أما أتبع فبضم الهمزة
وسكون التاء مبنيا لمالم يسم فاعله عند الجميع وأما
فَلْيَتْبع فالأكثر على التخفيف ، وقيده بعضهم
بالتشديد والأول أجود انتهى وما ادعاه من الاتفاق
على أُتْبعَ يرده قول الخطابي إن أكثر المحدثين
يقولونه بتشديد التاء والصواب التخفيف اهـ والملىء
الغني قال في القاموس : والمِلَاءُ بالكسر والأمْلِفَاءُ
بهمزتين والمُلأء الأغنياء المتمولون أو الحَسَنُوا
القضاء منهم . الواحد ملىء .
وفي رواية لأحمد : أي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
البحث
أورد البخاري هذا الحديث بلفظ : مطل الغني ظلم فإذا أتبع
(٢١٧)

أحدكم على ملىء فليتبع)) وأورده بلفظ: (( مطل الغني ظلم ومن
أتبع على ملىء فليتبع)) أما مسلم فأورده باللفظ الذي ذكره
المصنف . وقال ابن ماجه : حدثنا إسماعيل بن توبة ثنا هشيم عن
يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم وإذا أُحلّتَ على ملىء فاتْبَعْه)) قال
في الزوائد : في إسناده انقطاع بين يونس بن عبيد وبين نافع قال
أحمد بن حنبل : لم يسمع من نافع شيئا وإنما سمع من ابن نافع
عن أبيه . وقال ابن معين وأبو حاتم لم يسمع من نافع شيئا .
قلت : وهشيم بن بشر مدلس وقد عنعنه اهـ .
أما حديث أحمد الذي أشار إليه المصنف رحمه الله فلفظه في
المسند : حدثنا وكيع قال : حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((مطل الغني ظلم ومن أحيل على ملىء فليحتل)) هذا
والمدين الذي يُحيل بدينه على الملىء يسمى المحيل ، والدائن يسمى المحتال
والمدين الذي أحيل عليه يسمى المحال عليه . هذا ولاشك أن بعض
الناس قد يكون خُلُقه المماطلة مهما كان غناه وقدرته على الأداء ، وقد
يرضى الدائن ببقاء دينه في ذمة المدين له الفقير رجاء ميسرته لما قد
یعرف عنه من حرصه على الأداء بخلاف من قد يحال عليه إذ قد يعرف
منه المماطلة والتسويف ، وإنما شرع الإسلام الحوالة لما فيها من التيسير
على المحيل والمحتال وإبراء ذمة المحال عليه . والله أعلم .
(٢١٨)
٠٫٠

مایفیده الحدیث
١ - ينبغي لمن أحيل على غني أن يقبل الحوالة .
٢ - أن مطل الغني معصية.
٣ - يجب على الغني أن يؤدى ماعليه من الدين الحال متى
طلبه الدائن .
٤ - دقة نظام المال في الإِسلام .
٥ - أن نقل الدَّين من ذمة إلى ذمة ليس من باب بيع الدين
بالدين .
٢ - وعن جابر رضي الله عنه قال: تُوُفِّى رجلٌ منَّا فَغَسَّلْناهُ ،
وحَتَّطْناه، وكَفَّنَّاه، ثم أتينا به رسول الله عَّ له فقلنا : تصلى عليه ؟
فخَطَا خُطًّا، ثم قال: ((أعليه دين؟)) قلنا : ديناران، فانصرف،
فتحملهما أبوقتادة ، فأتيناه ، فقال أبوقتادة : الديناران عليَّ . فقال
رسول الله عَّهِ: ((حقَّ الغرِيمِ وبَرِىءَ منهما الميت؟)) قال:
نعم ، فصَلَّى عليه رواه أحمد وأبوداود والنسائي ، وصححه ابن
حبان والحاكم .
۔۔۔
المفردات
رجل منَّا : أي رجل من الأنصار .
وَحَنَّطْنَاه : الحَنوط كل طِيب يخلط للميت في تغسيله
عند الغسلة الأخيرة .
فَخَطًا : أي فمشى صلى الله عليه وسلم .
(٢١٩)

خُطًا : أي خطوات والخُطْوَةُ مابين القدمين عند المشي
والمرة الواحدة منها خَطْوَة بفتح الخاء .
أعليه دين : أي أفي ذمة الميت دين .
فانصرف : أي رفض أن يصلي عليه .
فتحملهما أبوقتادة : أي فضمن أبوقتادة الدينارين لمستحقهما
والتزم بالوفاء عن الميت .
صَّاللِّ نخبره بأن
فأتيناه: أي فذهبنا إلى رسول الله عَبـ
أباقتادة تحملهما .
حق الغريم : هكذا في نسخ بلوغ المرام قال في سبل السلام :
منصوب على المصدر مؤكد لمضمون قوله : الديناران
عليَّ)) أي حق عليك الحق وثبت عليك وكنت
غريما اهـ لكن لفظ الحديث في المنتقى للمجد ابن
تيمية رحمه الله: ((قد أوفى الله حق الغريم)).
وبرىء منهما الميت : أي خلصت ذمة الميت من الدينارين.
والكلام على الاستفهام أي ((هل برئت ذمة الميت
واستحق الدائن هذا الدين عليك؟» .
قال نعم : أي قال أبوقتادة رضي الله عنه : نعم يارسول الله
أَوْفَى اللهُ حق الغريم وبرىء منهما الميت
البحث
عَ له: أتى بجنازة
قال في تلخيص الحبير : حديث : أن النبي
(٢٢٠)