النص المفهرس
صفحات 1-20
الاحلام شكر بُلُوع المامَ مِن جَمْعْ أَدَّلَةَ الأَخْكَامْ للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللّه تأليف عَبْد القادريّ الحمد عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمدرس بالمسجد النبوى الشريف الجزء الخامس ٢ الطّبعَة الأفْ ١٩٨٢ م ١٤٠٢ هـ طبع في: مطابع الرشيد، بالمدينة المنورة هاتف: ٨٣٦٨٣٨٢ ـو كتاب البيوع باب شروطه وما نُهِىَ عنه منه ١ - عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أى الكسب أطيب؟ قال: (( عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور )) رواه البزار وصححه الحاكم . المفردات ((البيوع)) جمع بيع ، وإنما جمع لاختلاف أنواعه، والبيع نقل الملك إلى الغير بثمنه ، والشراء قبوله ، وشرى الشىء أى باعه ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وشروه بثمن بخس ﴾ أی باعوه، وكذلك قوله تعالى : ﴿ ولبئس ماشروا به أنفسهم ﴾ أى باعوا به أنفسهم ، ومنه قول الشاعر: وشريت بُرْدًا ليتنى من بعد برد كنت هامه أى بعت بردا ، ويقال لمن يدفع السلعة ويأخذ الثمن البائع ، ولمن يقبض السلعة ويدفع الثمن المشترى والمبتاع . ((شروطه)) أى شروط البيع، والشرط بفتح الشين وسكون الراء هو فى اللغة إلزام الشىء أو التزامه ، وفى اصطلاح الفقهاء مايلزم من عدمه العدم ولايلزم من وجوده وجود ولاعدم لذاته كالطهارة للصلاة . (( وما نُهِىَ عنه منه)) أى ومانهت الشريعة عنه من البيع ((رفاعة بن رافع)) هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن (٣) عامر بن زريق الزُّرَقي الأنصاري وكان أبوه رافع بن مالك أحد النقباء الاثنى عشر ، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار ، ولم يشهد بدرا ، وشهدها ابناه رفاعة وخلاد ابنا رافع كما شهد رفاعة أيضا أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله عَ لهل، وتوفي فى أول خلافة معاوية رضي الله عنهما ، هذا وأما رفاعة بن رافع بن خديج فهو من الطبقة الثانية من التابعين من الأنصار ، وقد توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز ((الكسب)) أى ما يكتسبه الإنسان ويضمه لنفسه من المال بالزراعة أو التجارة أو الصناعة أو أية حرفة أخرى . ((أطيب)) أى أفضل وأَخُلُّ وَ أَبَرَكُ وَ أَشْرَفُ. ((عمل الرجل بيده)) أى سعى الإِنسان بنفسه وليس المراد خصوص الرجل بل المرأة كذلك ، وذكر الرجل لأنه المسئول عن العمل غالبا ، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم عمال أنفسهم كما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها ((وكل بيع مبرور)) أى وكل تجارة سلمت من الغش واليمين الفاجرة. البحث ظاهر قول المصنف رحمه الله : عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن النبي عَ ◌ّه سئل الح الحديث يشعر أن رفاعة هذا هو ابن رافع بن مالك الزرقي الصحابي الجليل رضي الله عنه ويكون الحديث على هذا متصلا لاإرسال فيه ، وقد فهم غير واحد من أهل العلم أن رفاعة هنا (٤) هو رفاعة بن رافع بن خديج وعليه يكون الحديث مرسلا . غير أن سند البزار يفيد أنه رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه فقد قال البزار حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال : حدثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمرو ثنا المسعودي عن وائل بن داود عن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن النبي عَظ له سئل أى الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور)) قال البزار : لانعلم أحدا أسنده عن المسعودي إلا إسماعيل ، وقد رواه غيره فقال : عن عبيد بن رفاعة ولم يقل عن أبيه . اهـ . ولاشك أن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله كان له من الولد ، عبد الرحمن ، وعبيد ، ومعاذ ، وعبيد الله ، والنعمان ، ورملة ، وبثينة ، وأم سعد الكبرى ، وأم سعد الصغرى ، وكَلْثَم . أما رفاعة بن رافع بن خديج فأبناؤه هم عباية وامرؤ القيس وزُمَّيْل ، وينفع ، وسهل ، وعائشة ، وميمونة ، وعبدة ، وأسماء وبكرة . والعجيب أن غير واحد من أهل العلم كما وصفت جعل هذا الحديث من رواية رافع بن خديج رضي الله عنه فقد قال الهيثمي فى مجمع الزوائد : عن رافع بن خديج قال: قيل: يارسول الله أى الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور )) . رواه أحمد والبزار والطبراني فى الكبير والأوسط . وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ، ثم قال: ((وعن ابن عمر قال: سئل رسول الله عَ ◌ّةٍ أى الكسب أفضل؟ قال : عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور )) رواه الطبراني فى الأوسط والكبير ورجاله ثقات . اهـ وقال الحافظ فى تلخيص الحبير حديث رافع بن خديج أن النبي عَ مِ سئل عن أطيب الكسب فقال : (٥) ((عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور)) الحاكم من حديث المسعودي عن وائل بن داود عن عباية بن رافع بن خديج عن أبيه قال : قيل : يارسول الله أى الكسب أطيب ؟ فذكره . ورواه الطبراني من هذا الوجه إلا أنه قال : عن جده وهو صواب فإنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج . وقول الحاكم عن أبيه فيه تجوز . وقد اختلف فيه على وائل بن داود فقال شريك : عنه عن جميع بن عمير عن خاله أبي بردة . وقال الثوري عنه عن سعيد بن عمير عن عمه رواهما الحاكم أيضا . وأخرج البزار الأول لكن قال عن عمه . قال : وقد ذكر ابن معين أن عم سعيد بن عمير : البراء بن عازب ، قال : وإذا اختلف الثوري وشريك فالحكم للثوري . قلت : وقوله : جميع بن عمير وهم وإنما هو سعيد والمحفوظ رواية من رواه عن الثوري عن وائل عن سعيد مرسلا قاله البيهقي . وقاله قبله البخاري . وقال ابن أبي حاتم فى العلل : المرسل أشبه . وفيه علي المسعودي اختلاف آخر ، أخرجه البزار من طريق إسماعيل بن عمرو عنه عن وائل عن عبيد بن رفاعة عن أبيه . والظاهر أنه من تخليط المسعودي فإن إسماعيل أخذ عنه بعد الاختلاط . وفى الباب عن على وابن عمر ذكرهما ابن أبي حاتم فى العلل وأخرج الطبراني في الأوسط حديث ابن عمر فى ترجمة أحمد بن زهير ورجاله لا بأس بهم اهـ . هذا : ولاشك أن الإِسلام قد حض على أن يكتسب الإِنسان ويعمل بيده ولايعيش عالة على غيره فقد روى البخاري فى باب کسب الرجل وعمله بيده من حدیث المقدام رضي الله عنه عن رسول الله عَ لَّه قال: ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من (٦) ٠ عمل يده . وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده . كما روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله عَ لٍ : لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه ، وفى لفظ للبخاري من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: لأن يأخذ أحدكم أحبله ، وفى لفظ للبخاري فى باب الاستعفاف عن المسئلة من كتاب الزكاة من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي عَ لٍ قال : لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه . ٢ - وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله عَّه يقول عام الفتح وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) فقيل : يارسول الله ، أرأيت شحوم الميتة فإنها تُطْلَي بها السفن ، وتدهن بها الجلود ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس ؟ فقال: ((لا. هو حرام)) ثم قال رسول الله عَ لٍ عند ذلك: ((قاتل الله اليهود ، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» متفق عليه المفردات (( عام الفتح)) أى فى رمضان سنة ثمان من الهجرة النبوية. ((إن الله ورسوله حرم)) أى إن الله تعالى حرم ونهى ومنع بيع هذه الأشياء، ورسوله عَ لّه تابع لأمر ربه عز وجل فى ذلك ، وقال القرطبي : إنه صلي الله عليه وسلم تأدب فلم يجمع (٧) بينه وبين اسم الله تعالى فى ضمير الاثنين اهـ والصحيح جواز ذلك ، قال الحافظ فى الفتح : والتحقيق جواز الإفراد فى مثل هذا ، ووجهه الإِشارة إلى أن أمر النبي عَ ةِ ناشىء عن أمر الله ، وهو نحو قوله تعالى : ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ والمختار فى هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها . والتقدير عند سيبويه : والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن يرضوه وهو كقول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف وقيل : أحق أن يرضوه خبر عن الإِسمين لأن الرسول تابع لأمر الله اهـ ((الخمر)) هو اسم لما يغطى العقل من الأشربة وكل مسكر. ((والميتة)) بفتح الميم هو الحيوان الذى زالت عنه الحياة بغير ذكاة شرعية ((والخنزير)) هو حيوان معروف وهو خبيث قذر شديد القذارة ، خسيس شديد الخسة، شهوته فى تتبع العذرة والتهامها ، لايكاد يرفع رأسه من الأرض التماسا للعذرة ، ولحمه لاينفك من ((الدودة الشريطية)) الخبيثة ، وهو مختلط الشحم واللحم لا يوجد له فى ذلك نظير من الحيوانات ، وأكله يورث الدناءة والدياثة . ((والأصنام)) جمع صنم قال الجوهري : هو الوثن، وقال غيره : الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا ، قال الحافظ فى الفتح : فبينهما عموم وخصوص وجهى فإن كان مصورا فهو وثن (٨) وصنم اهـ أقول : وأصل الصنم يعود فى أصل اللغة العربية إلى خبث الرائحة ، كما أن الوثن يعود فى أصل اللغة العربية إلى ملازمة المكان والإِقامة فيه . ((أرأيت شحوم الميتة الخ )) أى هل يحل بيع شحوم الميتة لتستعمل فى طلاء السفن ، ودهن الجلود والاستصباح بها ؟ (( شحوم الميتة )» أی دهنها ((تطلى بها السفن)) أى تدهن بها أخشاب المراكب والمنشآت البحرية . ((ويستصبح بها الناس)) أى يجعلونها وقودا للاستصباح والإضاءة. ((لا . هو حرام)) أى لا تبيعوها ، بيعها حرام لا يحل ولا يجوز . ((عند ذلك)) أى عند ما سأله السائل وأجابه عَ له بقوله: لا. هو حرام . ((قاتل الله اليهود)) أى لعنهم وطردهم من رحمته . ((اليهود)) هم أعداء الله قتلة الأنبياء إخوان القردة والخنازير المنتسبون إلى يهوذا أكبر إخوة يوسف عليه السلام وقيل : بل سموا يهودًا من التهويد وهو التطريب لما يحدثونه بأصواتهم وخياشيمهم عند القراءة وقيل غير ذلك . (( لما حرم عليهم شحومها)) أى أكل شحومها، كما قال عز وجل: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ماحملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ﴾ ((جملوه) بفتح الجيم والميم أى أذابوه، ومنه الجيل للشحم المذاب .. (٩) البحث ليس قوله: سمع رسول الله عَ ل يقول عام الفتح وهو بمكة)) نصا على أن تحريم هذه الأشياء كان بمكة فى هذا التاريخ قال الحافظ فى الفتح : ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده صلى الله عليه وسلم ليسمعه من لم يكن سمعه اهـ ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : لما أنزلت الآيات من سورة البقرة فى الربا خرج النبي عَّ إلى المسجد فقرأهن على الناس ثم حرم تجارة الخمر)) وفى لفظ للبخاري من حديث عائشة رضي الله عنها : لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها خرج النبي عَةٍ فقال : حرمت التجارة فى الخمر)) وتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام من المقررات المتواترة فى شريعة الإِسلام : وأن استباحتها تعتبر استباحة لما علم تحريمه من دين الإِسلام بالضرورة. أماما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بَلَغَ عمرَ أن فلانا باع خمرا فقال قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله عَ لِه قال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها )) فقد تأوله العلماء على أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدا جواز ذلك ، أو أنه كان عصيرا ولم يتخمر فأطلق عليه اسم الخمر لما يؤول إليه ظنا ممن بلّغ عمر رضي الله عنه أن مشترى هذا العصير يتخذه خمرا، أو أنه كان خمرا فخلله وباعه ، وأكثر أهل العلم إنما يبيح بيع الخمر إذا تخللت بنفسها وصارت خلا دون علاج لها ، على أنه ليس بلازم أن یکون الذی بلّغ عمر رضي الله عنه قد أصاب فى بلاغه ، وقول عمر (١٠) رضي الله عنه قاتل الله فلانا يكون من باب الألفاظ التي تجري علي الألسنة دون قصد مدلولها الحقيقي وإنما قاله رضي الله عنه لتأكيد التحذير من بيعها علي أن نفس ماساقه عمر رضي الله عنه عن رسول الله عَ ◌ّدٍ هو معني حديث جابر المتفق عليه، وقد رواه كذلك أبو هريرة عن رسول الله عليه فقد روي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عبآ قال:قاتل الله يهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها . مايفيده الحديث ١ - تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ولو كان المشتري غير مسلم . ٢ - أن الله إذا حرم علي قوم أكل شىء حرم عليهم ثمنه . ٣ - لايجوز توكيل المسلِم الذميّ في بيع الخمر . ٤ - كل حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم فهى باطلة محرمة . ٣ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله مَ الله يقول: ((إذا اختلف المتبايعان ليس بينهما بينة فالقول مايقول رب السلعة أو يتاركان )) رواه الخمسة وصححه الحاكم . المفردات ((المتبايعان)) أى البائع والمشتري . (( ليس بينهما بينة)) أى لم يحضرهما عند البيع شاهدان . ((رب السلعة)) أى البائع صاحب السلعة. ((أو يتاركان)) أو يترادان. (١١) -- البحث وصف غير واحد من أئمة أهل العلم هذا الحديث بأنه منقطع فقد قال ابن عبد البر في الاستذكار : إنه حديث منقطع لايكاد يتصل . وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير : حديث ابن مسعود أن النبي عَّ الله قال: ((إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار)) الشافعى عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمبر عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود قال : أتي عبدالله بن مسعود فقال: حضرت النبي عَ لمه فأمر بالبائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك)) رواه أحمد عن الشافعي ، والنسائي والدارقطني من طريق أبي عبيدة أيضا وفيه انقطاع علي ماعرف من اختلافهم في صحة سماع أبي عبيدة من أبيه . واختلف فيه علي إسماعيل بن أمية ثم على ابن جريج في تسمية والد عبد الملك هذا الراوى عن أبي عبيدة فقال يحي بن سليم عن إسماعيل بن أمية : عبد الملك بن عمير كما قال سعيد بن سالم ، ووقع في النسائي : عبد الملك بن عبيد ورجح هذا أحمد والبيهقي ، وهو ظاهر كلام البخاري ، وقد صححه ابن السكن والحاكم.وروى الشافعي فى المختصر عن سفيان عن ابن عجلان عن عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود نحوه بلفظ الباب وفيه انقطاع ، ورواه الدارقطني من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه عن جده وفيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. اهـ وقال الحافظ في التلخيص أيضا : وقال الطبراني في الكبير : نا محمد بن هشام المستملى نا (١٢) ١ عبد الرحمن بن صالح نا فضيل بن عياض نا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مرفوعا: ((البيعان إذا اختلفا فى البيع تَرَادًّا)) رواته ثقات لكن اختلف فى عبد الرحمن بن صالح وماأظنه حفظه ، فقد جزم الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شىء موصول وذكره الدارقطني فى علله فلم يعرج على هذه الطريق اهـ . ٤ - وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله عَُّ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغِىِّ وحُلوَان الكاهن )) متفق عليه. المفردات (( ثمن الكلب)) أى مايعطاه صاحب الكلب كقيمة لكلبه. ((مهر البَغِىِّ)) البغى بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء قال الحافظ فى الفتح فى باب ثمن الكلب : وهو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغى بغايا والبغاء بكسر أوله : الزنا والفجور وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل فى الفساد اهـ وقال فى باب كسب البغى والإِماء: والبغى يفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد الياء بوزن فعيل بمعنى فاعلة أو مفعولة وهى الزانيةاه وهذا الوصف خاص بالنساء فلا يوصف زنا الرجال بأنه بغاء. ومهر البغى هى الأجرة التى قد تأخذها الزانية على زناها وإطلاق اسم المهر عليها يدل على أن المهر قد يطلق على أجرة الزانية على زناها ، كما أن المهر فى النكاح قد يسمى أجرة ولذلك قال الله تعالى : فآتوهن أجورهن فريضة﴾ وكماقال فى النساء المهاجرات من مكة: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وفيه رد (١٣) صريح على من استدل على نكاح المتعة بقوله : فآتوهن أجورهن﴾ بدعوى أنه سماه أجرا ولم يسمه مهرا . وإنما حصل لهم ذلك بسبب عجمة قلوبهم كألسنتهم . ((حلوان الكاهن)) بضم الحاء وسكون اللام قال الحافظ فى الفتح : والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشىء الحلو من حيث إنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو، والحلوان أيضاالرشوة، والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه اهـ . والكاهن هو الذى يدعى علم الغيب قال الحافظ فى الفتح : وفى معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب اهـ البحث ظاهر قوله: ((نهى عن ثمن الكلب)) يعم كل كلب سواء كان معلما أو غير معلم وسواء كان لحراسة أو غيرها . وأما مارواه النسائي من حديث جابر رضي الله عنه: نهى رسول الله عَ له عن ثمن الكلب إلا كلب صيد )) فقد وصفه النسائي بأنه حديث منكر كما سيجىء مزيد بحث لهذا عند بحث الحديث التاسع من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى . مايفيده الحديث ١ - تحريم بيع الكلاب أو شرائها . ٢ - أن أجرة الزانية على زناها لا يحل لمسلم أن ينتفع بها لخبثها . (١٤) ٣ - لايحل لمسلم أن يأكل من حلوان الكاهن أو ينتفع به . ٥ - وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يُسَيِّبَهُ، قال: فلحقني النبي عَلِ فدعالي وضربه فسار سَيْرًا لم يسر مثله، فقال: ((بعنيه بأوقية)» قلت لا. ثم قال: ((بعنيه)) فبعته بأوقية واشترطت حملانه إلى أهلى. فلما بلغت أتيته بالجمل ، فقدنى ثمنه ، ثم رجعت فأرسل فى أثرى فقال : أَتُرَاني مَاكَسْتُكَ لآخذ جملك ؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك )) متفق عليه وهذا السياق لمسلم . المفردات ((قد أعيا)) أى كل وتعب فصار غير قادر على السير بنشاط . (( أن يسيبه)) أى أن يطلقه ويتركه وليس المراد أن يكون سائبة كفعل أهل الجاهلية معاذ الله . ((وضربه)) أى وضرب رسول الله عَ ل الجمل أى طعنه بمحجنه عليه ((فسار سيرا لم يسر مثله)) أى نشط فى سيره نشاطا ماعهدت مثله فيه قط ((بأوقية)) الأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء - هى كما فى المصباح - أربعون درهما . قال الحافظ فى الفتح : والأوقية من الفضة كانت فى عرف ذلك الزمان أربعين درهما وفى عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم وفى عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهما اهـ وهى كذلك إلى اليوم فى مصر . (( واشترطت حملانه إلى أهلى)) أى واستثنيت فى البيع أن يبقى معى لأحمل (١٥) عليه وأركبه حتى أصل إلى أهلى بالمدينة المنورة . (( فلما بلغت )) أى وصلت إلى أهلى بالمدينة . :((أتيته بالجمل)) أى جئت إلى رسول الله عَ ليه بالجمل. ((فنقدنى ثمنه)) أى فسلمنى ثمنه وقيمته وهى الأوقية . ((ثم رجعت فأرسل في أثرى)) ثم ذهبت بعد قبض الثمن وتسليم الجمل من عند رسول الله عَ ◌ّ فبعث فى عقبى من يدعونى إلى رسول الله ئهے ((أترانى)) أى أَتظننى ؟ ((ماكستك)) المماكسة فى الأصل ضد المزايدة وتستعمل فى المساومة عند البيع ، والمراد هنا : أتظننى لم أزدك على أوقية مماكسة (( خذ جملك)) أى استلم جملك مرة أخرى . وأضاف الجمل إلى جابر باعتبار أنه كان له فيما مضى . ((ودراهمك)) أى والثمن الذى قبضته وهو الأوقية. ((فهو لك)) أى فالجمل والدراهم لك هدية وهبة من رسول الله عدوي} البحث ساق البخاري رحمه الله حديث جابر رضي الله عنه فى كتاب البيوع بلفظ: كنت مع النبي عَ له فى غزاة فأبطأ بى جملى ، وأعيا، فأتى علىَّ النبيِ عَ ◌ّلِ فقال: ((جابر؟)) فقلت: نعم قال: (( ماشأنك؟ )) قلت : أبطأ علىَّ جملى وأعيا فتخلفت، فنزل يَحْجُنُه بمحجنه ، ثم قال : اركب ، فركبته ، فلقد رأيته أكُفّه عن رسول الله حَو اليه، قال: ((تزوجت؟)) قلت: نعم، قال: ((بكرا أم ثيبا؟)) (١٦) ؛ قلت: بلى ثيبا، قال: (( أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟)) قلت : إن لى أخوات، فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتَمْشُطُهُنَّ وتقوم عليهن قال: ((أَمَا إنك قادم، فإذا قدمت فالكَيسَ الكَيسَ، ثم قال: ((أ تبيع جملك؟ (( قلت : نعم . فاشتراه منى بأوقية . ثم قدم رسول الله عَ لّه قبلى ، وقدمت بالغداة ، فجئنا إلى المسجد فوجدته على باب المسجد قال: ((آلآن قدمت؟)) قلت: نعم. قال: ((فدع جملك فادخل فصل ركعتين )) فدخلت فصليت فأمر بلالا أن يزن له أوقية ، فوزن لى بلال فأرجح فى الميزان . فانطلقت حتى وَلَّيتُ . فقال : ادعوا لى جابرا ، قلت : الآن يُرُدُّ علىَّ الجمل. ولم يكن شىء أبغض إلَّ منه، قال: (( خذ جملك ولك ثمنه)) وساقه البخاري فی کتاب الشروط فى باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز ، عن جابر رضي الله عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبى علية. فضربه فدعا له فسار بِسَيْرٍ ليس يسير مثله، ثم قال: (( بعنيه بوقية)) قلت : لا. ثم قال :(( بعنیه بوقية )) فبعته فاستثنیت حُملانه إلى أهلى، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدنى ثمنه ، ثم انصرفت فأرسل عَلَى إِثْرِى ، قال : (( ماكنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك)» قال شعبة عن مغيرة عن عامر عن جابر: أفقرنى رسول الله عَ لّم ظهره إلى المدينة ، وقال إسحاق عن جرير عن مغيرة : فَبِعْتُهُ عَلَى أنّ لى فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة ، وقال عطاء وغيره : ذلك ظهره إلى المدينة ، وقال محمد ابن المنكدر عن جابر : شَرَّطَ ظهَرَه إلى المدينة . وقال زيد بن أسلم عن جابر : ولك ظهره حتى ترجع . وقال أبو الزبير عن جابر : أفقر ناك (١٧) ظَهْرَهُ إلى المدينة ، وقال الأعمش عن سالم عن جابر: تَبَلَّغ عليه إلى أهلك ، وقال عبيد الله وابن إسحاق عن وهب عن جابر: اشتراه النبي عَ لِ بوقية ، وتابعه زيد بن أسلم عن جابر ، وقال ابن جريج عن عطاء وغيره عن جابر : أخذته بأربعة دنانير . وهذا يكون وَقِيَّة على حساب الدينار بعشرة دراهم ، ولم يبين الثمنَ مغيرةُ عن الشعبي عن جابر ، وابن المنكدر وأبو الزبير عن جابر . وقال الأعمش عن سالم عن جابر : وَقِيَّةُ ذَهَبٍ . وقال أبو إسحاق عن سالم عن جابر بمائتى درهم وقال داود بن قيس عن عبيد الله بن مِقْسَم عن جابر : اشتراه بطريق تبوك أحسبه قال : بأربع أواق ، وقال أبو نضرة عن جابر : اشتراه بعشرين دينارا . وقولُ الشعبي بوقية أكثر ، الاشتراط أكثر وأصح عندى قاله أبو عبد الله اهـ. وهذا الحديث ظاهر الدلالة على جواز بيع وشرط مادام هذا الشرط لا يناقض أصل البيع ، وليس فيه جهالة ، وسيأتى مزيد بحث لمسئلة البيع والشرط عند الكلام على الحديث العاشر من أحاديث هذا الباب وكذلك عند الكلام على الحديث العشرين من أحاديث هذا الباب وكذلك عند الكلام على الحديث الخامس والعشرين من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى . ومعنى قوله فى الحديث أفقرنى رسول الله عَّ له ظهره إلى المدينة: أى جعل لى ركوب فقار ظهر الجمل إلى أن أبلغ المدينة . ومعنى قوله وقول الشعبي بوقية أكثر أى رواية الشعبي بوقية أكثر طرقا . ومعنى قوله : الاشتراط أكثر وأصح عندى أى رواية الاشتراط أكثر طرقا وأصح مخرجا عند البخاري رحمه الله (١٨) مایفیده الحديث ١ - جواز بيع الدابة مع استثناء ركوبها إلى مسافة معينة . ٢ - جواز بيع الدار ونحوها واستثناء سكناها لمدة معينة . ٣ - لا بأس أن يطلب الإِنسان من آخر بيع سلعته منه . ٤ - يجوز للمشترى أن يستمسك بالسعر الذى يذكره أول المبايعة ولا عيب عليه فى ذلك . ٥ - جواز البيع والشرط إذا كان الشرط معلوما ولا يتعارض مع المراد من البيع ويصح إفراده بالعقد . ٦ - جواز المماكسة والمناقصة فى البيع . ٦ - وعنه رضي الله عنه قال: أعتق رجل منا عبدًا له عن دُبُر لم يكن له مال غيره، فدعا به النبي عَ لِ فباعه)) متفق عليه. المفردات ((وعنه)) أى وعن جابر رضي الله عنه (( أعتق )) أى حرر ((رجل منا)) أى من الأنصار ((عبدًا له)) أى مملوكاله. ((عن دبر)) بضم الدال والباء أى بعد موته يعنى علَّق عتقه بموته أى بموت المالك تقول : دَبَّرْتُ العبدَ إذا علقتَ عتقه بموتك . ((فدعا به )) أى بالعبد ((فباعه )) أى لم يجز عتقه وباعه لسداد دين كان على مالكه أو دفعه له لحاجته إليه (١٩) البحث أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث فى كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس فى باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه )) وساقه من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أعتق رجل غلاما له عن دبر فقال النبي عَوَ ◌ّلِ: من يشتريه منى؟ فاشتراه نُعَيْم بن عبد الله فأخذ ثمنه فدفعه إليه ، وأشار البخاري رحمه الله بترجمته هذه إلى أن السبب فى عدم إجازة عتقه وبيع العبد عليه هو إفلاسه وحاجته ، وقد أخرج البخاري هذا الحديث أيضا فى الأحكام فى باب بيع الإمام على الناس أموالهم بلفظ : بلغ النبي عَ لِ أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر ولم یکن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه ، وقد أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر بلفظ : أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له يقال له سَ اللّه فقال : يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره فدعابه رسول الله عَ ل ((من يشتريه؟)) فاشتراه نعيم بن عبد الله بن النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه )) كما أورده البخاري فى باب المزايدة عن جابر: بلفظ : أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج، فأخذه النبي عَ لِ فقال: من يشتريه منى ؟)) فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا ، فدفعه إليه)) كما أخرجه مسلم أيضا من طريق جابر رضي الله عنه قال : أعتق رجل من بنى عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك النبي عَ ◌ٍّ فقال: ((أَلك مال غيره ؟ فقال: لا. الحديث وفيه: فدفعها إليه ثم قال: ((ابدأ بنفسك (٢٠) أ