النص المفهرس
صفحات 221-240
فأعتقه ، وقد روى عكرمة عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسين بن علي رضي الله عنهم . وقد اتهم بأنه كان يرى رأى الخوارج ، وقد أكثر الناس في مدحه ، أو قدحه وقد توفى عن ثمانين سنة. وذلك في عام ١٠٥ هـ أو ١٠٦ هـ أو ١٠٧ هـ رحمه الله تعالى . الحجاج بن عمرو الأنصاري : ذكره ابن سعد في الطبقات في الأسلميين فقال : حجاج بن عمرو الأسلمي وهو أبوحجاج الذي روى عنه عروة بن الزبير . وقد روى حجاج بن حجاج عن أبي هريرة اهـ أما ابن الأثير في أسد الغابة فقد قال : حجاج بن عمرو ابن غزية بن ثعلبة بن خنساء ، بن مبذول ابن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري الخزرجي ، قال البخاري له صحبة ، روى عنه عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن العباس وغيرهما ثم ساق بسنده إلى الترمذي قال : حدثنا إسحاق ابن منصور أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا حجاج الصواف أخبرنا يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال : حدثني حجاج بن عمرو قال : قال رسول الله عَّ: من كُسِرَ أو عَرَج فقد (٢٢١) حل ، وعليه حجة أخرى ، فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا : صدق . ورواه معمر ومعاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن عبدالله بن رافع عن الحجاج بن عمرو وقال البخاري : وهذا أصح اهـ . من كُسِرَ أو عَرَجَ : أي حدث به كَسْرٌ أو عَرَجٌ وهو محرم وصار لا يستطيع متابعة أعمال المناسك . فقد حلَّ : أي تحلل من إحرامه لأنه قد حصر . من قابل : أي في العام الذي يلى العام الذي عجز فيه عن متابعة مناسكه . عن ذلك : أي عن حديث الحجاج بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه . ــدق : أي أن من كُسير أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل . البحث قال ابن سعد في الطبقات في ترجمة الحجاج بن عمرو الأسلمي : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن الحجاج بن أبي عثمان قال : حدثني يحيى بن أبي كثير أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه أن الحجاج بن عمرو حدثه أنه سمع رسول الله عَ ◌ّه يقول: من كُسِر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى . قال : فأخبرت (٢٢٢) بذلك ابن عباس وأبا هريرة فقالا : صدق . اهـ وقال أبوداود في باب الإحصار في سننه : حدثنا مسدد ثنا يحيى عن حجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال : سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله عَ ليه: من كُسِرَ أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل . قال عكرمة : سألت ابن عباس وأباهريرة عن ذلك فقالا : صدق . حدثنا محمد ابن المتوكل العسقلاني وسلمة قالا : ثنا عبدالرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن عبدالله بن رافع عن الحجاج بن عمرو عن النبي عَّم قال: من عرج أو كسر أو مرض فذكر معناه اهـ وقال الحافظ في الفتح : قرأت في كتاب الصحابة لابن السكن قال : حدثني هارون بن عيسى حدثنا الصغانى هو محمد ابن إسحاق أحد شيوخ مسلم حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية ابن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت عكرمة فقال : قال عبدالله بن رافع مولى أم سلمة : سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم فقال: قال رسول الله عد له: من عرج أو كسر أو حبس فليجزىء مثلها وهو في حل . قال : فحدثت به أباهريرة فقال : صدق ، وحدثته ابن عباس فقال : قد أحصر رسول الله عَ لّله فحلق ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عاما قابلا . ثم قال الحافظ : أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق عن الحجاج الصواف عن يحيى عن (٢٢٣) عكرمة عن الحجاج به ، وقال في آخره : قال عكرمة : فسألت أباهريرة وابن عباس فقالا : صدق . ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه : سمعت الحجاج . وأخرجه أبوداود والترمذي من طريق معمر عن يحيى عن عكرمة عن عبدالله بن رافع عن الحجاج قال الترمذي : وتابع معمرا على زيادة عبدالله بن رافع معاوية بن سلام . وسمعت محمدا يعنى البخاري يقول : رواية معمر ومعاوية أصح . انتهى . وأشار الحافظ إلى أن هذا الحديث ليس بعيدا من الصحة فإنه إن كان عكرمةٍ سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك وإلا فالواسطة بينهما وهو عبدالله بن رافع ثقة وإن كان البخاري لم يخرج له . اهـ . وقد تقدم في بحث الحديث الأول من أحاديث هذا الباب ماذكره البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله : إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع ، ومارواه ابن المنذر وابن جرير من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه ، فعليه ذبح ما استيسر من الهدى فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه ، وعلى هذا يحمل قوله في حديث الباب : وعليه الحج من قابل )) أي إن كانت الحجة التي حبس عنها هي حجة الإِسلام . والله أعلم. (٢٢٤) هذا وفي النسخ الهندية من بلوغ المرام بعد نهاية حديث عكرمة عن الحجاج مايلى : قال مصنفه : آخر الجزء الأول وهو النصف من هذا الكتاب المبارك ، وكان الفراغ منه في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثمانمائة . وهو آخر ربع العبادات . يتلوه في الجزء الثاني كتاب البيوع . وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا . غفر الله لكاتبه ولوالديه ولكل المسلمين وحسبنا الله ونعم الوكيل . اهـ . هذا وقد كنت ألقيت في موسم الحج عام ١٣٩٥هـ جملة من الأحاديث في إذاعة صوت الإِسلام من مكة المكرمة أحببت تدوينها في ختام مباحث كتاب الحج من فقه الإِسلام راجيا من الله عز وجل تعميم النفع بها ، إنه رحيم ودود . وهي بعنوان ((مناسك الحج )) في حلقات . (٢٢٥) الحلقة الأولى بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أمابعد : فقد ذكر الله تبارك وتعالى كثيرا من حِكَم الحج وأحكامه في كتابه الكريم حيث يقول: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألّا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود . وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفئهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق . ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا مايتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق . ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب . لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق . ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام فإلّهكم إلّه واحد فله أسلموا وبشر المخبتين . الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . والبدن جعلناها (٢٢٦) لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون . لن ينال الله لحومها ولادماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ، وبشر المحسنين). وكما قال الله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذِّى من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب . الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ياأولى الألباب . ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم . فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم أباءكم أو أشد ذكرا . فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الاخرة حسنة (٢٢٧) وقنا عذاب النار . أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب . واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ وكما قال عز وجل ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أواعتمر فلاجناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم . ﴾ وقد جعل الله تبارك وتعالى الحج أحد أركان الإسلام الخمسة وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا . وقد اشتلمت هذه الأركان الخمسة على الدرجة العليا من أصول أسباب سعادة الفرد والمجتمع في شئون المعاش والمعاد إذ في كل تشريع إلّهي منافع جليلة ، ومصالح جزيلة . تبنى الفرد الصالح والمجتمع الصالح وتهدى الأمة إلى سبيل الرشاد ، وتدلها على مايسموبها إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة ، لقد أغنت الشريعةٌ الإسلامية بكل تشريعاتها الإِنسانيةَ بكل ألوانها وبيئاتها وأجناسها ولغاتها وأوطانها . فلم يختص الله تعالى بجليل تشريعاتها قوما دون قوم ولا جيلا دون جيل ولا قبيلا دون قبيل ، وقد دلت التجارب على أن من استمسك بشريعة الإِسلام ذاق حلاوة الأمن في نفسه وماله وعرضه ودينه ، واستشعر الاستقرار وراحة البال في جميع شئونه المالية والنفسية والأخلاقية والإجتماعية. لايحتاج المستمسك (٢٢٨) بها إلى غيرها إذ أن رسول الله عَبلده لم يخرج من الدنيا إلا وقد رسم للناس سبيل سعادتهم وطريق راحتهم وأمنهم ولم يترك صغيرا أو كبيرا من الخير إلا دل الإِنسانية عليه وأمرها به ولم يترك صغيرة أو كبيرة من الشر إلا حذر الإِنسانية منه ونهاها عنه وكما أخبر بعض أصحاب رسول الله عَ لّه أن رسول الله عَّه علمهم كل شيء يحتاجون إليه في مسيرتهم الدنيوية والأخروية . لقد علمهم كيف يأكلون وماذا يأكلون وماذا يمتنعون عنه من المآكل ، وعلمهم كيف يشربون وماذا يشربون وماذا يمتنعون عنه من المشارب . وعلم الإِنسان كل حق عليه ليؤدى لكل ذي حق حقه . علّم الإِنسان كيف ينام وماذا يقول عند النوم وماذا يفعل أو يقول عند مايستيقظ من النوم وكيف يركب دابته أو ركوبته وماذا يقول عند ركوبها ؟ وكيف يمشى في الطريق وماذا عليه من حق الطريق وماذا يقول إذا لقى إنسانا ، كما علمه حق الله تبارك وتعالى عليه وحق أنبيائه ورسله وحق والديه وحق نفسه وحق ذوي رحمه وحق جيرانه من أي لون ومن أي جنس ومن أي مذهب ، وحق أصدقائه ، وحق أمواله ، وحق مماليكه وحق مواشيه وبهائمه ، وحق جميع من يعول، لقد علم رسول الله عَ ◌ّةِ الإِنسانية كل شيء حتى كيف يدخل الإِنسان محل غائطه أو بوله وكيف يجلس عند قضاء حاجته من البول أو الغائط وأين يكون اتجاهه عند ذلك، يطبق رسول الله عَ له في ذلك كتاب الله ، ويبين للناس (٢٢٩) ما أنزل إليهم من عندالله ، إما بنص صريح ، أو بقاعدة كلية تندرج تحتها من الجزئيات مايجدُّ للناس في كل زمان أو مكان فتشريع الإِسلام يغنى عما سواه ، لأنه تنزيل من الخالق العليم الخبير الحكيم ، الذي يعلم ما يُصْلِح عباده وينفع خلقه ، ولذلك كانت الأنظمة والقوانين التى يضعها الناس لأنفسهم لاتغنيهم وكانت دائما محتاجة للتعديل أو التبديل بقطع النظر عن ألوان واضعيها وثقافتهم إذ أن الإِنسان خاضع لبيئته وثقافته رغم أنفه ، ولذلك لم يترك الله تبارك وتعالى الناس يضعون لأنفسهم شرائع بل أنزل كتبه وأرسل رسله وبعث أنبياءه وفرض على أهل العلم ألّا يكتموه وألزمهم ببيانه وشرحه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ، وإن الله سميع عليم ، وإن شرعة الحج قد اشتلمت على منافع عظيمة وفوائد جليلة في نواح شتى : اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وتعبدية وعلمية ، وصحية ، مما لا يحصيه إلا الله ، ولذلك أجمل الرب تبارك وتعالى هذه المنافع حيث قال: ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته المدينة المنورة فى ١١/١٤/ ١٣٩٥ . (٢٣٠) الحلقة الثانية بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد : فإن الله تبارك وتعالى قد لفت انتباه الناس في ثنايا ذكره لحِكَم الحج وأحكامه إلى أن إخلاص العبادة لله وإقامة سوق ذكره وشكره هي من أهم مقاصد الحج وفى ذلك يقول : ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لاتشرك بي شيئًا﴾، ثم يقول فى نفس المقام بعد أن ذكر بعض مقاصد الحج وأحكامه : ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ﴾ ثم يصف خطورة الشرك ، والعاقبة السيئة التي يؤول إليها المشرك ، والحالة البشعة التي يتمثلها حيث يقول : ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ﴾ ثم يثنى على المخلصين له المعظمين لأمره ، القائمين بحدوده ، فيقول : ﴿ ذلك ومن يُعَظِّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ﴾ ثم يختم ما ذكره عن الحج فى سورة الحج بيان أن منافع العبادة تعود على العباد لأن الله غنى عن العالمين فيقول : ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ﴾ أي إن الله تبارك وتعالى أمركم بهذه الشرائع ومنها ذبح الهدى ولن يرتفع إلى الله شيء من لحومها ودمائها فهو الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإنما ترتفع إليه أعمالكم الصالحة فيجزيكم عليها أحسن الجزاء وأعظم الأجر . ولذلك كذلك كان الإِهلال بالتوحيد عند الدخول في النسك هو أبرز مظاهر الحج في هذا المقام حيث يلبى فيقول : لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك )) ففي هذه التلبية إعلان الاستجابة لله ، (٢٣١) وإظهار طاعته وامتثال أمره تعالى بماهو أهله من الحمد والشكر المستوجب لأن يُخَصَّ بالتوحيد ويُفردَ بالألوهية والربوبية والأسماء الحسنى والصفات العلى ولذلك لا يجوز لمن يقول لبيك اللهم لبيك أن يذل إلا لله ، فليس له أن يضرع إلا لربه وأن يستغيث إلا به وأن يلجأ إلا إليه فتكون صلاته لله وحجه لله ونسکه كله لله لأنه سيده ومالكه ومصلح شأنه ومدبر أمره . فالذي يأوى إليه يأوى إلى ركن شديد ، ولذلك كان رسول الله عَ لّه يكثر أن يقول: ياحي ياقيوم يا بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله ولاتكلني إلى نفسي أو إلى أحد من خلقك طرفة عين إنك إن وكلتني إلى نفسي أو إلى أحد من خلقك وكلتني إلى عجز وضعف وفاقة . ولذلك يجب على الحاج أن يحذر جميع صور الشرك فلا يحلف إلا بالله لأن رسول الله عَّهُ سمع عمر رضي الله عنه في رهط وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله عَ له: لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغى من كان حالفا فليحلف بالله أوليذر)) وفي رواية: (( من حلف بغير الله فقد أشرك)) قال عمر رضي الله عنه فما حلفت بشيء من ذلك بعد ذلك لا ذاكرا ولا آثرا. أي لاأحلف بغير الله ولا أنقل عن غيري أنه حلف بغير الله . كما لا يجوز للحاج أن يتمسح بجدران بعض الأماكن والمساجد إلا ماأذن فيه الإِسلام من لمس الحجر الأسود وتقبيله ولمس الركن اليماني من غير تقبيل أما ماعدا ذلك من الأبواب وجدران المساجد أو بعض القبور أو البيوت فلا يحل لأحد أن يُقَبلها ولذلك لما (٢٣٢) قبل عمر رضي الله عنه الحجر الأسود قال : والله إنى أعلم أنك حجر لاتضر ولاتنفع ولولا أني رأيت رسول الله عَ له يقبلك ماقبلتك)) كما لا يجوز أن يذبح المسلم قربانا لغير الله فلا يذبح لنبي ولا لولي ولا للملائكة ولا للجن لأن الله تبارك وتعالى حرَّم الذبح لغيره حيث يقول: فصل لربك وانحر ﴾ وكما قال عزوجل لخير خلقه ، وسيد أنبيائه ورسله محمد ٹ : ﴿قل إن صلاتی ونسکی ومحیای ومماتی لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شيء ) وقد أخبر الله تبارك وتعالى أنه لايقبل من العمل إلا ماكان خالصا لوجهه الكريم ولذلك يقول : ﴿ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير . الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ قال أهل العلم: أحسن العمل أن يكون خالصا صوابا والخالص ماكان لوجه الله والصواب ما كان على منهج رسول الله عَ ل كما بين الرب تبارك وتعالى أنه يحبط جميع الأعمال المشوبة بالشرك حيث يقول: ﴿ وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾ وأشار إلى خطورة هذا الأمر حيث خاطب المعصوم من الشرك المحفوظ من الخطايا والسيئات إمام. المرسلين عَ له: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون . ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين . بل الله فاعبد وكن من الشاكرين. وماقدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾. لذلك يجب على الحاج أن يحذر أشد الحذر من كل ألوان الشرك (٢٣٣) حتى يسلم له عمله الصالح فيرجع مغفور الذنب مشكور السعى مرفوع الدرجات . كما يجب عليه كذلك أن يصون جسمه من أكل الحرام ولسانه من أعراض الناس ويده من إيذاء أحد من خلق الله فإن من غُذِيَ بالحرام لايستجاب دعاؤه وإذا قال لبيك : قيل له لالبيك ولاسعديك وحجك مردود عليك ، وكما أخبر رسول الله عَ لله أن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام وملبسه حرام يمد يديه إلى السماء يارب يارب أَنَّى يستجاب لذلك. فطيب المطعم من أهم أسباب سلامة القلب وسعادة النفس واستجابة الدعاء ولذلك أثر أن رجلا قال للنبى عَ لِ ادع الله أن يجعلنى مستجاب الدعاء فقال له عَ ةٍ أطب مطعمك تستجب دعوتك . وينبغى للحاج أن يستفيد من هذا التجمع الاسلامى العظيم بسؤال أهل العلم منهم عما يجهل ، وبذل المعروف فيما يقدر ، وتبادل الآراء فيما يعود على الأمة الإسلامية بالخير ، وفيما يدفع عنها من الشر ، وفيما يربط بين قلوبهم من الود . إن المسلمين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وليعلم المسلم أن من دل على خير فله مثل أجر فاعله ، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لاينقص من أجورهم شيء . وفى حلقات قادمة إن شاء الله نتحدث عن مناسك الحج ، وأفعال تلك المناسك كما تلقاها المسلمون جيلا بعد جيل عن حبيب الله (٢٣٤) ورسوله وإمام أنبيائه صلى الله عليه وسلم الذى قال : لتأخذوا عنى مناسككم . وأسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم التوفيق ، والهداية إلى أحسن طريق والتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال والأفعال والأقوال . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحلقة الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد : فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يارسول الله أي مسجد وضع أوّل ؟ قال: ((المسجد الحرام))! قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد الأقصى)) قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة)) قلت : ثم أي ؟ قال: (( حيث أدركتك الصلاةُ فصل، فكلُّها مسجد)) أيها المستمعون الكرام : لا تعرف الإِنسانية مكانا في الأرض سوى الكعبة البيت الحرام أكبره الله تبارك وتعالى في قلوب عباده ، وأوقع في نفوسهم هيبته ، وعظم بينهم حرمته ، وجعله قياما للناس وسببا من أعظم أسباب صلاح معاشهم و معادهم ، ودنياهم وآخرتهم ، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم ، واختاره (٢٣٥) منطقة أمان للإنسان والطير والحيوان ، وفرض عليهم حجه وربطه بإبراهيم خليل الرحمن وأبي الأنبياء ، وأبقى أثره فيه ، تهوى إليه أفئدة الناس ، تلتمس بمسعاها إليه علو الدرجات ، وتكفير الخطيئات وزيادة الكرامات وإلى ذلك كله يشير رب العالمين حيث يقول : ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا ، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين﴾ وكما قال عز وجل: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ﴾ وكما قال عز وجل: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ﴾ ولعظم حرمة هذا البيت العتيق جعل الله تبارك وتعالى لمن حجه ميقاتا زمنيا لايصح الإِحرام إلا فيه وهو شوال وذوالقعدة وعشر من ذي الحجة كما أحاطه الرب تبارك وتعالى بمنطقة شاسعة حدَّد فيها أماكن حرَّم على من يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها دون أن يكون محرما . وهى لجميع من يمر عليها من أهل الدنيا سواء كان قريب الدار من هذه المواقيت أو كان بعيدا عنها ويمر بها فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ((وقّت رسول الله عَّهِ لأهل المدينة ذاالحليفة ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، فهن لهن ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة (٢٣٦) فمن كان دونهن فمُهَلَّه من أهله . وكذاك ، وكذاك ، حتى أهل مكة يُهلُّون منها )) وقد وقّت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات عرق لأهل العراق فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لما فَتِحَ هذان المصران (يعنى البصرة والكوفة) أَتَوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا : يا أمير المؤمنين. إن رسول الله عَّه حدَّ لأهل نجد قرنا وأنه جَورٌ عن طريقنا . وإن أردنا أن نأتي قرنا شق علينا . قال عمر رضي الله عنه: فانظروا حَذْوَهَا من طريقكم ، قال : فحدَّ لهم ذات عرق)) وبهذا تبين أنه لا يلزم من كان طريقه على غير طريق هذه المواقيت أن يأتيها ليحرم منها بل يكفيه أن يحرم من مكان يقابلها من طريقه ، ولا يتجاوز ذلك بأية حال من غير إحرام مادام يريد الحج والعمرة ولا فرق في ذلك كذلك بين أن يكون طريقه بحريا أو بريا أو جويا ، وأنّ من كان في المدينة المنورة مثلا وأراد الحج والعمرة لا يجوز له أن يتجاوز ذاالحليفة ، وهي آبار علي بدون إحرام سواء كان مدنيا أو شاميا أو مصريا أو مغربيا أو أوربيا أو أمريكيا أو يابانيا أو هنديا أو أفريقيا . وكذلك من أتى من طريق نجد وكان مروره على ميقات نجد وهو قرن أو مر على طريق يلملم أو جاء من البحر عن طريق الجحفة ومكانها الذي اختير هو رابغ : من جاء من الحجاج أو العمار من أي طريق من هذه الطرق كانت مواقيتها هي ميقاته بقطع النظر عن جنسه أو البلد الذي قدم في (٢٣٧) الأصل منه . لما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من قول رسول الله عَ ل عن هذه المواقيت : هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة )) وإذا كان طريقه يمر بميقاتين كمن يتوجه من المدينة عن طريق آبار على ورابغ فلا يحل له أن يتجاوز الأول منهما بدون إحرام لأن ميقاته صار هو الأول لمروره عليه . فإذا تجاوز الميقات بدون إحرام رجع وأحرم من الميقات . أما إذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات ليحرم منه فإنه يلزمه دم عند أكثر علماء الإِسلام . أما من كان مَسکَن أهله ومنزله داخل هذه المواقيت أي أقرب إلى مكة منها فميقاته من حيث عزم على الحج أو العمرة لقول رسول الله عَ ليه ((ومن كان دون المواقيت فيقاته من حيث أهل ، حتى أهل مكة من مكة)). والإِنسان مخير عند الإِحرام بين الأنساك الثلاثة وهي إفراد الحج أو التمتع أو القرانُ فإن شاء أحرم بالحج مفردا وإن شاء تمتع بالعمرة إلى الحج ، وإن شاء قرن بين الحج والعمرة . وهذه الأنساك الثلاثة هي التي عرفها أصحاب رسول الله عَ لٍ ولم يحجروا على أحد في اختيار نوع منها وقد فعلوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم . فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله عَ ل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهلّ بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل (٢٣٨) بالحج وأهل رسول الله عَ لّه بالحج ، فأما من أهل بعمرة فحل ، وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر )) فالذي يهل بالحج وحده يسمى مفردا ، والذي يهل بالعمرة في أشهر الحج ثم بعد الانتهاء من أعمالها يتحلل ويقيم بمكة حلالا حتى يحج من سنته هذه يسمى متمتعا . أما القارن فهو الذي يجمع في نيته بين الحج والعمرة . ولافرق في العمل بين المفرد والقارن فإن أداء النسك للمفرد كأدائه للقارن تماما لايختلفان في شيء إلا أن المفرد عند التلبية يقول : لبيك اللهم حجا . والقارن يقول : لبيك الله حجا وعمرة . وكذلك فإن المفرد لايجب عليه هدى بخلاف القارن فإنه يجب عليه الهدى . أما سائر الأعمال فإنه لا فرق فيها بين المفرد والقارن فالذي يعمله المفرد من وقت إحرامه إلى وقت تحلله هو عين مايفعله القارن من وقت إحرامه إلى وقت تحلله . وإلى حديث قادم إن شاء الله تعالى . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المدينة المنورة في ١٣٩٥/١١/١٦ هـ . ٫٠ (٢٣٩) الحلقة الرابعة بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد : فقد أشرت في حديث سابق إلى أن المسلم إذا عزم على الحج كان مخيرا بين أحد الأنساك الثلاثة وهي الإِفراد أو القران أو التمتع ، كما أشرت إلى أنه لا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بدون إحرام . ومن السنة الاغتسال للإِحرام وهو غسل للنظافة لا للطهارة حتى الحائض والنفساء إذا أرادت الحج أو العمرة فإنها تغتسل عند إحرامها كذلك فقد روى مسلم من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما في قصة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما فأرسلتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلى واستثفري بثوب وأحرمي )) وإذا كان يشق على الإِنسان الاغتسال عند الميقات فلا بأس بأن يغتسل في منزله بالمدينة المنورة مثلا أوفى الباخرة قبل الوصول إلى الميقات أو في منزله قبل ركوب الطائرة متوجها إلى جدة وبعد الاغتسال يلبس ملابس الإِحرام وهي إزار (٢٤٠)