النص المفهرس
صفحات 201-220
أني لم أطف بالبيت حتى حججتُ، قال: (( فاذهب بها ياعبدالرحمن فأعْمِرْها من التنعيم وذلك ليلة الحَصْبَة ». وقوله في الحديث : عركت أي حاضت . وقوله ليلة الحصبة أي ليلة نزولهم بالمحصب استعدادا للرحيل للمدينة وفي لفظ لمسلم من حديث جابر ابن عبدالله أن عائشة رضي الله عنها في حجة النبي عَ الم أهلت بعمرة ، قال مسلم : وساق الحديث بمعنى حديث الليث (يعنى اللفظ المتقدم) وزاد في الحديث قال: وكان رسول الله عَ له رجلا سهلا إذا هَوِيَتِ الشيءِ تابَعَهَا عليه فأرسلها مع عبدالرحمن بن أبي بكر فأهلت بعمرة من التنعيم . وفي لفظ لمسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: ((خرجنا مع رسول الله عَليه مهلين بالحج معنا النساءُ والوِلْدَانُ فلما قَدِمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يكن معه هدى فَلْيَحْلِلْ)) قال: قلنا: أي الحِلِّ؟ قال: ((الحلّ كلَّه)) قال : فأتينا النساء ولبسنا الثياب ، ومَسِسْنَا الطيب . فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كلَّ سبعة منا في بَدَنَّة . وفي لفظ لمسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: ((لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا )) ومراده بقوله : ولا أصحابه يعنى القارنين مثله صلى الله عليه وسلم والمفردين . (٢٠١) مايستفاد من ذلك ١ - أن القارن والمفرد يكفيه طواف واحد (سبعة أشواط) بعد النزول من منى وسعى واحد بعد هذا الطواف أو بعد طواف القدوم . ٢ - أن المتمتع لا بد أن يطوف للعمرة ويسعى لها بعد طوافه هذا ، ثم لا بد وأن يطوف طوافا آخر لحجه بعد النزول من منى ولا بد أن يسعى بعد هذا الطواف أيضا . ٣ - أن المرأة إذا أحرمت بعمرة ثم حاضت وخشيت أن يتأخر طهرها جاز لها أن تدخل الحج على عمرتها لتصير قارنة وتترك التمتع . ٤ - استحباب مجاملة الزوجة والإِحسان إليها بما لايعارض شريعة الله . ٥ - جواز وقوف المرأة بعرفات وهي حائض أو نفساء وكذلك مبيتها بمزدلفة ووقوفها بالمشعر الحرام للدعاء وكذلك رميها للجمار . ٦ - يجوز الاكتفاء بطواف العمرة عن طواف الوداع وإن فصل بينهما السعى بين الصفا والمروة . ٧ - جواز إطلاق عبارة النسك الواحد على القران لأن أعماله أعمال نسك واحد وإن كان في الحقيقة يجمع نسكين . ٨ - اشتراط الطهارة في صحة الطواف . (٢٠٢) ـة ٣٤ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَرْمُل في السَّبْع الذي أفاض فيه)) رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه الحاكم . المفردات لم يرمل : أي لم يهرول ويسرع . في السبع : أي في الأشواط السبعة . الذي أفاض فيه : أي الذي طافه في طواف الإِفاضة . البحث قد تقدم في الحديث الثامن من أحاديث هذا الباب لفظ حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم : أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثا ومشى أربعا )) وفي رواية: ((رأيت رسول الله عَ لِّ إذا طاف في الحج أو العمرة أوَّل مايقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشى أربعة )) وقد سقتُ في بحثه لفظ مسلم : عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله عَ الله كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثا ومشى أربعا . وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة وكان ابن عمر يفعل ذلك )) كما سقتُ مارواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله عَ لّه كان إذا طاف في الحج والعمرة أوَّل مايقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعة. الحديث. وهذه (٢٠٣) الألفاظ تفيد أنه لا رمل في طواف الإفاضة ولا في طواف الوداع ، ولا في أي طواف آخر ماعدا طواف القدوم وطواف العمرة . وحديث ابن عباس رضي الله عنهما هنا يؤكد هذا المعنى . والله أعلم . مایفیده الحدیث ١ - أنه لا رمل في طواف الإفاضة . * ***** ٣٥ - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي عَّ له صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمُحَصَّب ثم ركب إلى البيت فطاف به )) رواه البخاري . المفردات صِلالله صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء : أي بالأبطح وكأنه رمى بعد الزوال يوم النَّفر ثم نفر فنزل الأبطح فصلى به الظهر وبقية هذه الصلوات الأربع . رقد رقدة : أي يهجع هجعة ويضطجع وقتا غير طويل . بالمحصب : هي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادى واتسع ويقال لها المحصب والمعرس والأبطح وحدُّها مابين الجبلين إلى المقبرة . وهو خيف بنى كنانة ، الذي تعاهدت قريش وتقاسموا على الكفر وإخراج رسول الله عَ ليه (٢٠٤) وبنى هاشم وبنى المطلب من مكة إلى هذه الشعب حیث کتبوا بينهم صحيفة بذلك . ثم ركب إلى البيت : أي ركب ناقته وذهب إلى البيت الحرام . فطاف به : أي فطاف بالبيت طواف الوداع . البحث أجمع العلماء على أن النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع ليس من مناسك الحج . وسيأتي بحث ذلك في الكلام على حديث عائشة الذي يلى هذا الحديث أما طواف الوداع فقد فعله رسول الله عَّله وأمربه كما سيأتي في حديث ابن عباس الذي يلى حديث عائشة رضي الله عنها ****** ٣٦ - وعن عائشة رضي الله عنها أنها لم تكن تفعل ذلك : أي النزول بالأبطح وتقول: إنما نزله رسول الله عَ لّه لأنه كان منزلا أسمح لخروجه)) رواه مسلم . المفردات لم تكن تفعل ذلك أي النزول بالأبطح : يعنى بعد نفرها من منى . والأبطح هو المحصب كما تقدم قريبا . لأنه : أي الأبطح الذي نزله رسول الله عَ ◌ّه وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء كما تقدم في الحديث السابق. (٢٠٥) كان منزلا أسمح لخروجه : أي أسهل لخروجه من مكة قافلا إلى المدينة . البحث هذا الحديث رواه البخاري أيضا في باب المحصب عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما كان منزلا ينزله النبي عَ له ليكون أسمح لخروجه . تعنى بالأبطح . وفي لفظ لمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله عَ لّه لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج)) كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله عَ ليه. كما روى مسلم من حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: لم يأمرني رسول الله عَ له أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل . وفي لفظ لمسلم عن أبي رافع : وكان على ثُقَل النبي صلى الله عليه وسلم . ويظهر من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبارافع رضي الله عنه بالنزول فيه . لكن لعل أبارافع فهم من كلام سمعه من رسول الله عَ ليه قبل ذلك بيوم أنه عَ ◌ّه نازل غدا بخيف بنى كنانة . فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله عَ لّه قال : ننزل غدا إن شاء الله بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر . وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال لنا رسول الله (٢٠٦) عَ الٍ ونحن بمنى: ((نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر . وذلك إن قريشاً وبنى كنانة تحالفت على بني هاشم وبنى المطلب أن لايناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يُسْلِمُوا إليهم رسول الله عَ ◌ّه يعنى بذلك المحصب. قال النووي: وكان نزوله عَ لّه هناك شكرا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء ، وإظهار دين الله اهـ . لكن بعض الخلفاء كانوا ينزلون بالمحصب إذا نفروا من منى بعد رسول الله عَ ◌ّه فقد روى البخاري في صحيحه من طريق خالد بن الحارث قال : سئل عبيد الله عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال : نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عمر. وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلى بها يعنى المحصب الظهر والعصر أحسبه قال : والمغرب . قال خالد لا أشك في العشاء ، ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي عَد . كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عَ له وأبابكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح. وقد ذكرت في بحث الحديث السابق إجماع العلماء على أن النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع ليس من مناسك الحج . غير أن نزول رسول الله عَل فيه ونزول الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فيه بعد رسول الله ټے يدل على استحباب ذلك لمن تيسر له لما في من التذكير بنعمة الله بإظهار رسوله صلى الله عليه وسلم على أعدائه الذين كانوا قد حصروه فيه ، وإظهار دين الله عز وجل على دين المشركين من قريش وبنى كنانة وغيرهم . (٢٠٧) مايستفاد من ذلك ١ - استحباب النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع لمن تيسر له النزول به. ٢ - أنه لاشيء على من لم ينزل بالمحصب قبل طواف الوداع . ٣ - استحباب سلوك الطرق التي تكون أسمح للخروج من مكة بعد الحج ٣٧ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آمِرَ الناسُ أن يكون آخِرِ عَهْدِهم بالبيت إلا أنه خُفْفَ عن الحائض )) متفق عليه. المفردات أُمِرَ الناسُ: أي أمر رسول الله عَد الحجاج والمعتمرين. أن يكون آخر عهدهم بالبيت : أي أن يكون آخر عملهم إذا أرادوا العودة إلى بلادهم أن يطوفوا بالبيت طواف الوداع إلا أنه خفف عن الحائض: أي إلا أن رسول الله عَ لُ خفف عن الحائض فرخص لها في ترك طواف الوداع. البحث روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال رسول الله عَ ◌ّهِ : (٢٠٨) لا يَنْفِرَنْ أَحدٌ حتى يكون آخر عَهْدِه بالبيت » وقد روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن عائشة رضي الله عنها أن صفية بنت حُبِيٍّ زوج النبي عَ له حاضت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أَحَابِسَتُنا هى ؟ قالوا : إنها قد أفاضت ، قال : فلا إِذَن » وفي لفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: رُخّص للحائض أن تنفر إذا أفاضت . قال الحافظ في الفتح : وقد روى أبوداود الطيالسي في مسنده قال : حدثنا هشام هو الدستوائي عن قتادة عن عكرمة قال : اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد : يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس : تنفر إن شاءت فقالت الأنصار : لانتابعك ياابن عباس وأنت تخالف زيدا . فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم ، فسألوها فقالت : حضت بعد ماطفت بالبيت فأمرني رسول الله عَ طِّ أن أنفر . اهـ وقد روى البخاري هذه القصة مختصرة عن طريق عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة طافت ، ثم حاضت . قال لهم: تنفر . قالوا : لانأخذ بقولك وندع قول زيد . قال : إذا قدمتم المدينة فَسَلُوا . فقدموا المدينة فسألوا ، فكان فيمن سألوا أم سليم فذكرت حديث صفية ، ورواها مسلم من طريق طاوس قال : كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت : تفتى أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ؟ فقال له (٢٠٩) ابن عباس : إِمَّا . لا ، فَسَلْ فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله عَد ؟ قال فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول : ماأَرَاكَ إِلا قد صدقت . مایفیده الحدیث ١ - وجوب طواف الوداع . ٢ - يجب أن يكون طواف الوداع بعد الفراغ من جميع المناسك . ٣ - يجوز للحائض والنفساء ترك طواف الوداع ولاشيء عليها . ٣٨ - وعن ابن الزبير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله عَادٍ: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام . وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا مائة صلاة )) رواه أحمد وصححه ابن حبان . المفردات ابن الزبير : هو عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما فهو المراد عند الإطلاق . في مسجدي هذا : أي في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة. فيما سواه : أي فيما عداه من المساجد . البحث روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن (٢١٠) رسول الله عَّ دٍ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )) وقال البزار : حدثنا أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الزبير أن رسول الله عَ لّه قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة . قال البزار : اختلف على عطاء ولا نعلم أحدا قال : فإنه يزيد عليه مائة إلا ابن الزبير ، ورواه عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر ، ورواه ابن جريج عن عطاء عن أبي سلمة عن أبى هريرة أوعائشة ، ورواه ابن آبي ليلى عن عطاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة اهـ قال الهيثمى : رواه أحمد والبزار ولفظه : أن رسول الله عَّةٍ قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة . والطبراني بنحو البزار ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح . وقال البزار : حدثنا إبراهيم بن جميل ثنا محمد بن يزيد ابن شداد ثنا سعيد بن سالم القداح ثنا سعيد بن بشير عن إسماعيل ابن عبيدالله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله حَ له: ((فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدي ألف صلاة ، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة ، قال البزار : لانعلمه يروى بهذا اللفظ مرفوعا إلا بهذا الإسناد اهـ . وقد حسن ابن عبدالبر إسناد هذا الحديث. (٢١١) والظاهر من هذا أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في غير المساجد الثلاثة ، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة في غير المساجد الثلاثة أيضا ، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة في غير المساجد الثلاثة كذلك . والله أعلم . ويتساءل كثير من الناس عن الزيادة التي ألحقت بالمسجد النبوى بعد رسول الله عَّةٍ، والظاهر أن هذا الفضل يشملها ، فإنها داخلة في مسمى مسجد رسول الله عَّهِ، ولم يزل الناس من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلون الجمعة والجماعة في الزيادة ، ولا حَجْر على فضل الله ، ولاشك أن المراد بالأفضلية والخيرية هو في الثواب على الصلاة الواحدة في هذه المساجد لا أن الصلاة الواحدة فيها تجزىء عن هذا العدد من الفوائت والله أعلم. (٢١٢) باب الفَوَاتِ والإِحصار ١ - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((قد أُخْصِرَ رسول الله عَّ فحلق رأسه ، وجامع نساءه ، ونحر هديه حتى اعتمر عاما قَابِلًا)) رواه البخاري. المفردات الفوات : أي عدم التمكن بعد الإحرام من أداء الحج لذهاب وقته . والإِحصار : قال الحافظ في الفتح : المشهور عن أكثر أهل اللغة منهم الأخفش ، والكسائي ، والفراء ، وأبو عبيدة ، وأبوعبيد ، وابن السكيت ، وثعلب ، وابن قتيبة ، وغيرهم أن الإِحصار إنما يكون بالمرض ، وأما بالعدو فهو الحصر ، وبهذا قطع النحاس ، وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد . يقال في جميع مايمنع الإِنسان من التصرف قال تعالى: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ﴾ وإنما كانوا لايستطيعون من منع العدو إياهم اهـ وقد عكس بعض أهل العلم فجعل الإِحصار خاصا بالعدو . مستدلا بقوله تعالى : ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر (٢١٣) من الهدي )) وكان ذلك في قصة الحديبية حين صد المشركون رسول الله عَبدِ عن البيت فسمى الله صد العدو إحصارا وقد مال البخاري رحمه الله إلى التعميم فقال: باب المُحْصَر وجزاء الصيد وقوله تعالى : ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ وقال عطاء : الإحصار من كل شيء قال أبوعبدالله: ((حصورا)) بحّبْسِه لايأتي النساء اهـ ومادة الحصر تدور على معنى المنع وعدم القدرة على الانتشار . قد أحصر رسول الله عَ له : أي منع من الوصول إلى البيت عام الحديبية ، حيث صده المشركون عنه . حتى اعتمر عاما قابلا : أي أدى العمرة في العام القابل بعد العام الذي صد عن البيت فيه ، وقد سميت العمرة التي اعتمرها رسول الله عَّةٍ في العام القابل عمرة القضية . البحث قول ابن عباس رضي الله عنهما : فحلق رأسه ، وجامع نساءه ونحر هديه)) الواو فيه لمطلق الجمع لاتقتضى ترتيبا ولا تعقيبا ، لما تقدم في الحديث السادس والعشرين من الباب السابق مارواه (٢١٤) البخاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن رسول الله عَ ليه نحر قبل أن يحلق ، وأمر أصحابه بذلك )) وقول ابن عباس رضي الله عنهما حتى اعتمر عاما قابلا مشعر بأن من أحصر وتحلل بالإِحصار وجب عليه قضاء ماتحلل منه . قال البخاري في صحيحه : وقال روح عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع ، وإذا كان معه هدى وهو مُحْصِّرْ نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به ، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله ، وقال مالك وغيره : ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه ، لأن النبي عَ لّه وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدى إلى البيت . ثم لم يذكر أن النبي عَ ل أمر أحدا أن يقضوا شيئا ، ولايعودوا له ، والحديبية خارج الحرم اهـ قال الحافظ في الفتح: ((قوله : وقال مالك وغيره )) هو مذكور في الموطأُ ولفظه : أنه بلغه أن رسول الله ◌َ ◌ّه حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدى ، وحلقوا رءوسهم ، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدى، ثم لم نعلم أن رسول الله عَ ل أمر أحدا من أصحابه ولامِمن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا أن يعودوا لشيء، وسئل مالك عمن أحصر بعدو فقال : يحل من كل شيء وينحر (٢١٥) هديه ويحلق رأسه حيث حبس وليس عليه قضاء اهـ وقد نقل أنه كان مع رسول الله عليه بالحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضية فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال ، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لايتخلفوا عنه ، وذكر أنه إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي عليه وبين قريش لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة . وقد ذكر الحافظ في الفتح عن ابن المنذر أنه رَوَى من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : من أحرم بحج أو عمرة ثم حُبسَ عن البيت بمرض يجهده ، أو عدو يحبسه فعليه ذبح مااستيسر من الهدى ، فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه اهـ وقد أخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحو هذا ، وفيه : فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها وإن كانت غير الفريضة فلاقضاء عليه والله أعلم . * ٢ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي عَ الله على ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب فقالت : يارسول الله إني أريد الحج، وأنا شاكية، ؟ فقال النبي عَّ ◌ُله: ((حجى واشترطى أنَّ مَحِلَّى حيث حبستنى )) متفق عليه . المفردات ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب : هي بنت عم رسول الله (٢١٦) صلى الله عليه وسلم الزبير بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصى الهاشمية القرشية . وأمها عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، زوَّجها رسول الله عَ له المقداد ابن عمرو بن ثعلبة الكندي من بهراء . وكان حليفا للأسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه ، وكان يقال له : المقداد بن الأسود فولدت ضباعة للمقداد عبدالله وكريمة ، وقد أطعم رسول الله ضباعة بنت الزبير في خيبر أربعين وسقا ، وقد روى عنها عبدالله بن عباس وعائشة وغيرهما رضي الله عنهم . وأنا شاكية : أي مريضة ثقيلة . حجي واشترطي : أي أحرمي بالحج واجعلى شرطا في إحرامك أن لك أن تحللى من الإحرام متى احتجت إلى التحلل ، فإذا اشترطت هذا الشرط عند الإحرام ، ونزل بك ما يمنعك من متابعة أعمال النسك تحللت دون أن يلزمك شيء . أن محلي حيث حبستنى : أي عندما تعقدين الإِحرام قولى عند نية الإِحرام : اللهم إن مَحِلَّى حيث حبستني ، أو قولى مثلا : اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله (٢١٧) مني ومحلى حيث حبستني : أو وإن حبسنى حابس فمحلى حيث حبستني . ومعنى ومحلى حيث حبستني أي وموضع إحلالي من الأرض هو المكان الذي أعجز فيه عن متابعة أعمال النسك . البحث هذا الحديث لم يخرجه البخاري في الحِج وأورده في كتاب النكاح في باب الأكفاء في الدِّين من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله عَطّ}. على ضباعة بنت الزبير فقال لها : لعلك أردت الحج ؟ قالت : والله لا أجدني إلا وجعة فقال لها : حجى واشترطى ، قولى : اللهمِ مَحِلَى حيث حبستني ، وكانت تحت المقداد بن الأسود . أما مسلم رحمه الله فقد أورده بعدة ألفاظ من عدة طرق منها ماساقه المصنف هنا ، ومنها عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله عَدٍ على ضباعة بنت الزبير فقال لها : أردت الحج ؟ قالت : والله ماأجدني إلا وجعة فقال لها : حجى واشترطى وقولى : اللهم محلي حيث حبستنى . وكانت تحت المقداد . وفي لفظ من طريق عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب أتت رسول الله عَّه فقالت: إنى امرأة ثقيلة ، وإنى أريد الحج فما تأمرني؟ قال: ((أُمِّى بالحج واشترطى أن محلى حيث حبستنى . قال: فأدركت)) ومعنى قوله فأدركت أي (٢١٨) أتمت الحج ولم تتحلل حتى فرغت منه ولم تحبس عنه . وفي لفظ المسلم من طريق سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضباعة أرادت الحج فأمرها النبي عَم أن تشترط ففعلت ذلك عن أمر رسول الله عَّةٍ . وفي لفظ من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة رضي الله عنها : حجى واشترطي أن محلي حيث حبستنى . وفي لفظ: أمر ضباعة)) وإنما أورد البخاري هذا الحديث في كتاب النكاح لقوله في آخره : وكانت تحت المقداد بن الأسود فإن المقداد وهو ابن عمرو الكندى نسب إلى الأسود بن عبد يغوث الزهري لكونه تبنَّاه فكان من حلفاء قريش ، وتزوج ضباعة وهي هاشمية فلولا أن الكفاءة لاتعتبر بالنسب لما جاز له أن يتزوجها لأنها فوقه في النسب . ولذلك أورده البخاري في باب الأكفاء في الدين . وقد أعرض البخاري رحمه الله عن ذكر الاشتراط في الحج أصلا فلم يذكره لا إثباتا ولانفيا . هذا والفرق بين من حُصِرَ عن النسك بعدو أو مرض أو غيرهما وبين من اشترط عند الإحرام أن محلى حيث حبستنى هو أن من حصر ينحر هديه إن كان لا يستطيع أن يبعث به ، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله بخلاف المشترط عند الإحرام أن محلى حيث حبستنى فإنه متى حُبس تحلل من إحرامه ولاشيء عليه ألبتة . وينبغى أن لايشترط عند الإحرام إلا من كان خائفا من (٢١٩) مرض أو حادثات الطريق أو عدو أو نحو ذلك . والله أعلم. مايفيده الحديث ١ - مشروعية الاشتراط عند الإحرام . ٢ - استحباب الاشتراط عند الإحرام لمن كان خائفا أن يحبس عن تمام النسك بمرض أو غيره . ٣ - وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لَّه: مَنْ كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حَلّ ، وعليه الحج من قابل ، قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأباهريرة عن ذلك فقالا : صدق . رواه الخمسة وحسنه الترمذي. المفردات عكرمة : هو أبوعبدالله عكرمة مولى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ، وأصله من البربر ، وقد مات ابن عباس وعكرمة لايزال رقيقا فاشتراه خالد بن يزيد ابن معاوية من علي بن عبدالله بن عباس بأربعة آلاف دينار ، فبلغ ذلك عكرمة فأتى عليا فقال : بعتنى بأربعة آلاف دينار؟ قال : نعم قال : أمَا إنه مَا خيرَ لك ، بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار . فراح عليّ إلى خالد فاستقاله فأقاله، (٢٢٠)