النص المفهرس
صفحات 181-200
وقد سبق قلم الصنعاني في سبل السلام فقال : فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق وتَقَدَّمَ قريبا أن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح أهـ مع أنه لم يتقدم قط ولم يرو أبدا أن المشروع تقديم الحلق قبل النحر إذ أن رسول الله عَ نحر ثم حلق لكنه قال لمن قدم أو أخر : افعل ولا حرج . فلا يقال إذن : إن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح. ****** ٢٧ - وعن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله عٍَّ: إذا رميتم وحلقتم فقد حَلَّ لكم الطِّيبُ وكلُّ شيء إلا النساء)) رواه أحمد وأبو داود وفي إسناده ضعف المفردات إذا رميتم : أي جمرة العقبة يوم النحر بعد النزول من مزدلفة حل لكم الطيب : أي أبيح لكم أن تتطيبوا بأي نوع من الطيب الذي كان محرما عليكم وقت الإحرام وكل شيء : أي من لبس القميص والعمامة والخف وسائر المخيط والمحيط وغير ذلك مما كان محرما عليكم وقت الإِحرام إلا النساء : أي إلا قربان الزوجات البحث هذا الحديث رواه أبو داود من طريق الحجاج عن الزهري عن (١٨١) صَلىالله عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله عَيٍ : إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء قال أبو داود : هذا حديث ضعيف ، الحجاج لم يرالزهري ولم يسمع منه اهـ وأشار الحافظ في تلخيص الحبير إلى أنه قد رواه أحمد وأبوداود والدارقطني والبيهقي لكن قال الحافظ : من حديث الحجاج بن أرطأة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا : إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء )) لفظ أحمد، ولأبي داود : إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء )) وفي رواية للدار قطني إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء )) ومداره على الحجاج وهو ضعيف ومدلس وقال البيهقي : إنه من تخليطاته . اهـ وقد علمت أن سند أبي داود من طريق الحجاج عن الزهري . قال البيهقي : وقد روى هذا في حديث لأم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به قال الحافظ في التلخيص : وأشار بذلك إلى مارواه أبوداود والحاكم والبيهقي من طريق محمد بن إسحاق حدثني أبوعبيدة بن عبدالله بن زمعة عن أبيه عن أمه زينب عن أم سلمة قالت : كانت الليلة التي يدور إليَّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء ليلة النحر ، فكان رسول الله عَ عندي فدخل عليٍّ وهب بن زمعة ورجل من بنى أمية متقمصين فقال لهما : أفضتما ؟ قالا : لا . قال : فانزعا (١٨٢) قميصكما فنزعاه ، فقال وهب : ولِمَ يارسول الله ؟ فقال: هذا يوم رخص فيه لكم إذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدى إن كان لكم ، فقد حللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء ، حتى تطوفوا بالبيت ، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تفيضوا بالبيت . قال البيهقي : لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا الحديث اهـ قلت : وقد حاول بعض دُعاة الشذوذ في عصرنا أن يحملوا الناس على هذا الأمر ويفرضوا على من لم يطف بالبيت يوم النحر أن يعود محرما كما كان بعد أن تحلل حتى يطوف بالبيت ، وقد تقدم في الحديث رقم (١٧) من هذا الباب مارواه أبوداود بإسناد على شرط مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل النبي عَّ الله بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله عَ طللم تعنى عندها . ولا شك أنه يثبت أن ليلة أول يوم من أيام التشريق لم تكن لأم سلمة رضي الله عنها ولعل هذا من أهم ماحمل جميع الفقهاء وأهل العلم على عدم العمل به . هذا وقد نقل الاجماع على أن من رمى جمرة العقبة وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء ، وأهل العلم يقولون : إن رمى جمرة العقبة والحلق والتقصير والطواف بالبيت يحل للمحرم كل شيء كان محرما عليه بالإِحرام حتى النساء . وأنه إذا فعل اثنين منها فقد حل له كل شيء إلا النساء ولو رمى الجمرة وطاف أو طاف وحلق أو قصر أو رمى الجمرة وحلق أو قصر حل له كل شيء إلا النساء فيجوز له (١٨٣) إذا طاف ورمى أن يلبس ثيابه قبل الحلق أو التقصير ويتطيب ثم يفعل النسك الثالث لتحل له زوجته ولو طاف وحلق أو قصر جاز له أن يلبس ثيابه ويتطيب ثم يرمى الجمرة وهو لابس ثيابه من المخيط أو المحيط والعمامة والخف لكنه لايقرب زوجته إلا بعد أن يفعل النسك الثالث وهو رمى الجمرة . أما النحر فلا يتعلق به التحلل . وقد تقدم في الحديث الخامس من باب الإِحرام وما يتعلق به أن عائشة رضي الله عنها كانت تطيب رسول الله عَ لّه قبل أن يطوف بالبيت . والله أعلم . * **** ٢٨ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على النساء حلق وإنما يقصرن)) رواه أبوداود بإسناد حسن المفردات ليس على النساء حلق : أي عند التحلل من الإِحرام . وإنما يقصرن : أي وإنما يأخذن من ضفائرهن قدر الأنملة من كل صغيرة أو نحو ذلك البحث تقدم في بحث الحديث الرابع والعشرين من هذا الباب أن المشروع في حق النساء التقصير بالاجماع وأنه نقل غير واحد من .(١٨٤) أهل العلم أنه يحرم على المرأة أن تحلق شعر رأسها ، وإن حديث ابن عباس هذا رواه أبوداود والدارقطني والطبراني من حديث ابن عباس بإسناد حسن وأنه قد قواه أبوحاتم في العلل ، والبخاري في التاريخ ، وأن ابن القطان أعله وأن المصنف قال في تلخيص الحبير : ورد عليه ابن المواق فأصاب . مایفیده الحديث ١ - أن المرأة تكتفى عند التحلل من الإحرام بالأخذ من شعرها ولاتحلقه . ٢ - حرص الإسلام على أن تحتفظ المرأة بزينتها لزوجها . ٣ - أنه لايوجد في الإِسلام مايناقض الفطرة. ٢٩ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه استأذن رسول الله عَّ لهم أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته فأذن له )) متفق عليه . المفردات استأذن رسول الله عَ له : أي طلب منه الإذن والرخصة له . أن يبيت بمكة ليالي منى : أي في البيتوتة بالليل بمكة ليالى أيام التشريق التي من حقها أن تكون البيتوتة فيها بمنى للحجاج وهي ليلة الحادى عشر والثاني عشر (١٨٥) والثالث عشر من ذى الحجة لغير المتعجلين أو ليلة الحادى عشر والثانى عشر للمتعجلين . من أجل سقايته : أي من أجل مسئوليته عن سقاية الحجيج من زمزم فكانوا يغترفونه بالليل ويجعلونه بالحياض سبيلا للحجاج . والسقاية تطلق على الموضع المتخذ لسقى الناس وعلى ماكانت قريش تفعله من إعداد الماء للشاربين من الحجاج فى الجاهلية . وكان عبد مناف يحمل الماء فى الروايا والقرب الى مكة ويسكبه فى حياض من جلد بفناء الكعبة للحُجَّاج ، ثم فعله ابنه هاشم من بعده، ثم عبدالمطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فینبذه في ماء زمزم ویسقى الناس ، ثم ولی السقاية من بعد عبدالمطلب ابنه العباس وهو يومئذ من أحدث إخوانه سنا فلم تزل بيده حتى قام الإِسلام وهي بيده فأقرها رسول الله عَ ليه معه وصارت بعده لِعَقِبِه وقد كانوا يجعلونه نبيذا فيخلطون به التمر أوالزبيب حتى يطيب طعمه ولایکون مسكرا ، وأطلقت السقاية في سورة يوسف في قوله تعالى جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ على صواع (١٨٦) الملك لأنه كان يسقى به ويكال به. وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿ أجعلتم سقاية الحَاجِّ﴾ قال : سقاية الحاج زمزم . فأذن له : أي فرخص له أن يبيت بمكة ليالى منى . البحث أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في باب سقاية الحاج بهذا اللفظ المتفق عليه ، وأورده في باب هل يبيت أهل السقاية وغيرهم بمكة ليالى منى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ رخص وبلفظ أن النبي عَّ أذن وباللفظ الذي أورده المصنف هنا المتفق عليه . قال الحافظ في الفتح : مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالخطابين والرعاء اهـ وظاهر لفظ رخص ولفظ أذن ولفظ استأذن العباس النبي عَ لّه فأذن له يشعر بأن وجوب المبيت بمنى ليالى أيام التشريق كان أمرا مستقرا في نفوسهم ، وأنه قد يرخص لأصحاب الأعذار ممن يشتغلون بشئون الحجاج كالسقاة ونحوهم ممايضطرهم عملهم للمبيت خارج منى ، ولذك استأذن العباس رضي الله عنه فأذن له رسول الله عَ له . وقد روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله عَ لّه جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس يافضل : اذهب إلى أمك فأت رسول الله عَ ل بشراب من عندها. فقال: ((اسقني)) قال : (١٨٧) يارسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: ((اسقني)) فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال : اعملوا فإنكم على عمل صالح)) ثم قال: ((لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه)) يعنى عاتقه وأشار إلى عاتقه عَ لّه. وقد سقتُ في بحث الحديث الأول من هذا الباب لفظ حديث جابر عند مسلم: ثم ركب رسول الله عَ له فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبدالمطلب يسقون على زمزم فقال : (( انزعوا بنى عبدالمطلب ، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه )) وقد أخرج مسلم من طريق بكر بن عبدالله المزني قال : كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال : مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أُمِنْ حاجة بكم أم من بخل ؟ فقال ابن عباس: الحمد لله مابنا من حاجة ولا بخل، قدم النبي عَ لام على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال: ((أحسنتم وأجملتم ، كذا فاصنعوا )) فلا نريد تغيير ماأمربه رسول الله عَ ليه . هذا وقد قال البخاري : وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أخر النبي عَّم الزيارة إلى الليل قال الحافظ في الفتح : وصله أبوداود والترمذي وأحمد من طريق سفيان وهو الثوري عن أبي الزبير به اهـ وهو يشعر بأنه لابأس بالنزول إلى مكة والطواف في ليالى أيام التشريق على أن (١٨٨) يكون المبيت والمستقر أكثر الليل بمنى . مايفيده الحديث ١ - وجوب المبيت بمنى ليالى الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن لم يتعجل وليلتى الحادي عشر والثاني عشر لمن تعجل . ٢ - الترخيص لذوي الأعذار من السقاة ونحوهم في المبيت خارج منى في محل أعمالهم ولا شيء عليهم . ٣٠ - وعن عاصم بن عدي رضي الله عنه أن رسول الله عَ طله أرخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى ، يرمون يوم النحر ، ثم يرمون الغد ليومين ، ثم يرمون النَّفْر)) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان . المفردات عاصم بن عدي : هو عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان کان یکنی أبابكر وقيل كان يكنى أباعبدالله . ذكر ابن سعد في الطبقات أن رسول الله عَ لّه لما أراد الخروج إلى بدر خلّف عاصم بن عدي على قباء وأهل العالية لشيء بلغه عنهم وضرب له بسهمه وأجره فکان کمن شهدها . وشهد (١٨٩) عاصم بن عدي أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله عَ ◌ّه وبعثه رسول الله عَ ليه مع مالك ابن الدُّخشُم فأحرقا مسجد الضرار بيني عمرو بن عوف بقباء بالنار ، ومات سنة خمس وأربعين بالمدينة في خلافة معاوية رضي الله عنه وهو ابن خمس عشرة ومائة سنة رضي الله عنه أرخص : أي وسَّع وأذن وأباح . لرعاة الإِبل : أي المشتغلين برعى الإِبل من الحجاج . في البيتوتة عن منى : أي في أن يبيتوا حيث يعملون ولو كانوا بعیدین عن منی . ثم يرمون يوم النحر : أي يرمون جمرة العقبة يوم النحر . ثم يرمون الغد ليومين : أي ثم يرمون الجمار الثلاث مرتين في يوم واحد : مرة عن اليوم الحادي عشر ومرة عن اليوم الثاني عشر . ثم يرمون يوم النفر : أي ثم يرمون الجمار الثلاث يوم الثالث عشر وهو يوم النفر أي الدفع والخروج من منى لمن لم يتعجل . البحث قال أبوداود : حدثنا عبدالله بن مسلمة القعنبي عن مالك ح وحدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن عبدالله بن (١٩٠) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاة الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ویرمون يوم النفر )) حدثنا مسدد ثنا سفيان عن عبدالله ومحمد ابنی أبي بكر عن أبيهما عن أبي البداح بن عدي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما اهـ ولاشك في صحة هذه الأسانيد قال الحافظ في التلخيص : حديث عاصم بن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى ، ويرموا يوم النحر جمرة العقبة، ثم يرموا يوم النفر الأول)) مالك والشافعي عنه وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه به . ورواه الترمذي من حديث ابن عيينة عن عبدالله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عدي عن أبيه ثم قال : رواه مالك فقال : عن أبي البداح بن عاصم بن عدي وحديث مالك أصح ، وقال الحاكم : من قال : عن أبي البداح بن عدي فقد نسبه إلى جده . انتهى . ولفظ مالك أرخص لرعاء الإِبل في البيتوتة عن منى ، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد وَمِنْ بعد الغد ليومين ، ثم يرمون يوم النفر ولأبي داود والنسائي في رواية : رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما .اهـ. (١٩١) مايفيده الحديث ١ - وجوب المبيت بمنى ليالى التشريق الثلاث لمن لم يتعجل ، وليلتى الحادى عشر والثاني عشر لمن تعجل في يومين . ٢ - الترخيص لذوي الأعذار من الرعاة ونحوهم في ترك المبيت بمنى ولا شيء عليهم . ٣ - أنه يجب رمى جمرة العقبة يوم النحر . ٤ - أنه يجوز لذوي الأعذار أن يجمعوا رمى يومين في يوم واحد من أيام التشريق ولا شيء عليهم . * ٣١ - وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا رسول الله عَ له يوم النحر)) الحديث. متفق عليه. المفردات صَلى الله عروسة وقف فينا خطيبا : اي خطبنا رسول الله عَبـ يوم النحر : أى يوم عيدالأضحى يعنى بمنى ليعلم الناس بعض مبادىء الإِسلام ، ويفتى السائلين عن مناسك الحج ولاسيما أفعال يوم النحر للحجاج . الحديث : أي أكمل الحديث . البحث هذا الحديث أورده مسلم في سياق شأن تغليظ تحريم الدماء (١٩٢) والأعراض والأموال دون أن يسوق كامل لفظه وقد أخرجه البخاري ((في باب الخطبة أيام منى )) من كتاب الحج بلفظ : عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خطبنا النبي عَ﴾ يوم النحر قال ((أتدرون أي يوم هذا ؟)) قلنا : الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظنًّا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر ؟)) قلنا: بلى قال: ((أي شهر هذا ؟)) قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، فقال: ((أليس ذو الحجة ؟)) قلنا: بلى. قال: ((أي بلد هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه . قال : (( أليست بالبلدة الحرام؟)) قلنا: بلى. قال ((فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا، إلى يوم تَلْقَون ربكم . ألا هل بلّغتُ؟)) قالوا : نعم. قال: ((اللهم اشهد فَلْيَُلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع ، فلا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض)) وقد روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أنه شهد النبي يخطب يوم النحر )) الحديث . وفي لفظ للبخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي عَ لِ بمنى. وذكر الحديث بنحو حديث أبي بكرة رضي الله عنه ثم قال البخاري : وقال هشام بن صَلاله الغاز : أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : وقف النبي : (١٩٣) يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج ، بهذا )) قال الحافظ في الفتح : قوله : بهذا أي بالحديث الذي تقدم . ولامعارضة بين قوله في الحديث المتقدم، قام النبي عَ ◌ِّ بمنى وقوله في هذا : وقف النبي عَّ يوم النحر بين الجمرات فإن قوله بمنى مطلق ، فيحمل على المقيد فيتعين يوم النحر وقد جاء في حديث ابن عباس عندالبخاري التنصيص كذلك على أن رسول الله عَ ل خطب يوم النحر ولفظه: أن رسول الله عَ ل خطب الناس يوم النحر. الحديث بنحو حديث أبي بكرة وابن عمر رضي الله عنهم . مایفیده الحدیث ١ - مشروعية الخطبة يوم النحر . ٢ - أن الخطبة يوم النحر من شعار الحج . ** ٣٢ - وعن سَرَّاءَ بنت نبهان رضي الله عنها قالت: خَطَبَنَا رسول الله عٍَّ يوم الرُّءُوس فقال: ((أليس هذا أوسط أيام التشريق ؟ )) الحديث . رواه أبوداود بإسناد حسن . المفردات سَرَّاء بنت نبهان : هي بفتح السين وتشديد الراء الممدودة. ووالدها نبهان بفتح النون وسكون الباء . وهي غنوية . وكانت ربة بيت في الجاهلية . وذكرها (١٩٤) ابن سعد في الطبقات في تسمية غرائب نساء العرب المسلمات المهاجرات المبايعات رضي الله عنهن وقد روى عنها ربيعة بن عبدالرحمن الغنوي وساكنة بنت الجعد الغنوية . خطبنا رسول الله عَ الله: أي قام فينا خطيبا عَ لّه. يوم الرءوس : هو اليوم الذي يلى يوم النحر فهو الحادي عشر من ذي الحجة . قال الحافظ في الفتح : ((تنبيه)): لستة أيام من ذي الحجة أسماء: الثامن يوم التروية ، والتاسع : عرفة والعاشر النخر ، والحادى عشر القر ، والثاني عشر النفر الأول والثالث عشر النفر الثاني اهـ ويقال يوم الرءوس لثاني أيام النحر أيضا . أيام التشريق : أي أيام تقديد اللحم وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشرمن ذي الحجة وقد يلحق بها يوم النحر فيدخل في جملة أيام التشريق البحث قال أبوداود : حدثنا محمد بن بشار ثنا أبوعاصم ثنا ربيعة بن عبدالرحمن بن حصن حدثتني جدتي سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية قالت : خَطَبَنا رسول الله عَ يوم الرءوس فقال: ((أي يوم هذا؟)) قلنا : الله ورسوله أعلم قال : (١٩٥) (( أليس أوسط أيام التشريق؟)) قال أبوداود: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي أنه خطب أوسط أيام التشريق اهـ . وقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا الضحاك بن مخلد أبوعاصم عن ربيعة بن عبدالرحمن الغنوي قال : حدثتني جدتي سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية أنها سمعت النبي عَ ادٍ يقول في اليوم الذي يدعون ((الرءوس)) الذي يلي يوم النحر: ((أي يوم هذا)) قالوا : الله ورسوله أعلم قال: هذا أوسط أيام التشريق)) قال: ((أتدرون أي بلد هذا ؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم . قال : هذا المشعر الحرام . ثم قال: لَعَلَى لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ألا إن دماء كم وأموالكم ، وأعراضكم حرام بعضكم على بعض كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا فليبلغ أدناكم أقصاكم حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم )) قالت : ثم خرج إلى المدينة فلم يمكث إلا أياما حتى مات . صلوات الله عليه ورحمته وبركاته . هذا وإذا كانت أيام التشريق هي الحادى عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة فإن أوسط أيام التشريق هو الثاني عشر ، ورواية حديث سراء بنت نبهان عن ابن سعد تنص على أن يوم الرءوس هو اليوم الذي يلي يوم النحر وهو أول أيام التشريق وقد ذكر الصنعاني في سبل السلام أن يوم الرءوس ثاني يوم النحر بالاتفاق اهـ فيحمل قوله عَ ل عن يوم الرءوس : أوسط أيام التشريق . على معنى أنه أفضلها ، أويحمل على إلحاق فيكون اليوم (١٩٦) الثاني من أيام النحر هو أوسطها لا على سبيل التحديد بل التقريب لأن الثاني لايكون وسط الأربعة إلا بمعنى أنه داخل في جملتها وقد يفهم من كلام للحافظ ابن حجر في الفتح على أن يوم الرءوس هو اليوم الذي يلي يوم النحر أو الذي يليه يعني الحادي عشر أو الثاني عشر . واستنبط ذلك من ترجمة البخاري في باب الخطبة أيام منى إذ قال الحافظ رحمه الله : فلعل المصنف أشار إلى ماورد في بعض طرق الحديث كما عند أحمد من طريق أبي حرة الرقاشى عن عمه فقال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله عَ ليه في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس ، فذكر نحو حديث أبي بكرة ، فقوله في أوسط أيام التشريق يدل أيضا على وقوع ذلك أيضا في اليوم الثاني أو الثالث . اهـ . والله أعلم مايفيده الحديث ١ - مشروعية الخطبة في أوسط أيام التشريق ٢ - استحباب نشر العلم والحرص على ذلك وبخاصة في موسم الحج ***** ٣٣ - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وغمرتك )) رواه مسلم (١٩٧) المفردات وبين الصفا والمروة : أي وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك : أي يسعك ويجزيء عنك لحجكِ وعمرتكِ : أي لكونك قارنة البحث المفهوم من أخبار رسول الله عَةٍ في الحج أن القارن أو المفرد يكفيه سعى واحد - سبعة أشواط - بين الصفا والمروة . وهو مخير أن يفعله بعد طواف القدوم أو بعد طواف الإفاضة ، فإن سعى المفرد أو القارن بعد طواف القدوم فلا سعى عليه بعد طواف الإفاضة ، وإن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه السعى بعد طواف الإفاضة . أما المتمتع فلا بد أن يسعى بعد طواف العمرة وبعد طواف الإفاضة وأنه لايكفيه سعى واحد ، فهو ليس مثل القارن أو المفرد . ولا نزاع في أن طواف القدوم للقارن أو المفرد لا يغنيه عن طواف الإفاضة إذ أن طواف الإفاضة بعد النزول من عرفات ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به ويسمى أيضا طواف الصدر وطواف الركن وطواف الزيارة . وقد أفادت بعض روايات مسلم أن عائشة رضي الله عنها كانت قارنة ، وإن كانت عندما أحرمت من ذي الحليفة كانت تلبى بالعمرة وحدها لكنها لما حاضت بسرف أمرها رسول الله عَ ل أن تدخل الحج على عمرتها لتكون قارنة حتى لا يلزمها طواف العمرة قبل الحج وهو غير (١٩٨) متيسر لها بسبب حيضها . وأنها لما أفاضت من عرفة ومزدلفة ورمت الجمرة وطهرت من الحيض طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وأفهمها رسول الله عَ أن طوافها وسعيها هذا يكفيها لحجها وعمرتها لأنها اعتبرت قارنة ولا يعكر على هذا أنها قالت لرسول الله عَ ◌ّه : يارسول الله: أيصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد . فأعمرها من التنعيم ، فقد صرح جابر بن عبدالله رضي الله عنه بأنه أجابها لذلك تطييبا لخاطرها ومسارعة في هواها رضي الله عنها ، وإليك ألفاظ هذه الروايات التي ساقها مسلم رحمه الله في صحيحه فقد أخرج من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله عَ م عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله عَ له: من كان معه هَذْى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا . قالت : فَقَدِمْتُ مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله عَّهِ فقال: انقُضي رأسك، وامتشطى، وأهَلِّى بالحج ، ودَعِى العمرة ، قالت : ففعلت ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله عَّ مع عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم ، فاعتمرت فقال : هذه مكان عمرتك ، فطاف الذين أهَلَّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثُمَّ حَلُّوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم . وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ، ومعنى قوله : ودعى العمرة أي اتركي التمتع وفي (١٩٩) لفظ لمسلم عن عائشة رضي الله عنها : أنها أهلت بعمرة فقَدِمَتْ ولم تطف بالبيت حتى حاضت ، فنسَكَت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي عَ ام يوم النفر: ((يسعك طوافك لحجك وعمرتكِ)) فأبت فبعث بها مع عبدالرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج )) وفي لفظ لمسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها حاضت بِسَرِفَ فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله عَادٍ ((يجزىء عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك . وفي لفظ لمسلم عن جابر رضي الله عنه أنه قال: ((أقبلنا مهلين مع رسول الله عَّلِ بحج مفرد وأقبلت عائشة رضي الله عنها بعمرة حتى إذا كنا بِسرف عَرَكَتْ حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة ، فأمرنا رسول الله عَيْدٍ أن يحل منا من لم يكن معه هدى قال : فقلنا : حِلّ ماذا ؟ قال : الحِلَّ كله ، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا ، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله عَ ل على عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكى ، فقال : ماشأنك ؟ قالت : شأني أني قد حضت ، وقد حلَّ الناسُ ولم أَحْلِل ، ولم أَطُفْ بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلى ، ثم أهلى بالحج ، فَفَعَلَتْ ، ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال : قد حللتٍ من حجك وعمرتك جميعا ، فقالت : يارسول الله إني أجد في نفسي (٢٠٠)