النص المفهرس

صفحات 61-80

٨ - وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه أهدى
لرسول الله عَبُ حمارا وحشيا وهو بالأبواء ، أو بودَّان فرده عليه
وقال عَ لِ: إنا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُمٌ)) متفق عليه.
المفردات
الصعب بن جثامة الليثي : هو الصعب بن جثَّامة واسمه يزيد بن
قيس بن ربيعة بن عبدالله بن يعمر الشداخ بن عوف
ابن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبدمناة بن
كنانة الكناني الليثي وهو ابن أخت أبي سفيان بن
حرب وكان النبي عَهُ آخى بينه وبين عوف بن
مالك . وكان جثامة قد حالف قريشا ، وكان
الصعب ينزل وَدَّان والأبواء من أرض الحجاز
وتوفى في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما .
الأبواء : قرية بين مكة والمدينة تقع شرقى قرية مستورة
شمالى رابغ وهى على نحو منتصف الطريق بين مكة
والمدينة وتسمى الآن ((الخُرَيْبَة )) وبينها
وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلا .
: موضع بين الأبواء والجحفة يقع جنوبا من الأبواء
ودان
وبينه وبين الجحفة ثمانية أميال فهو أقرب إلى الجحفة
من الأبواء .
(٦١)

فردَّه عليه : أى لم يقبله منه .
لم نرده : أى لم نمتنع عن قبوله ، قال في الفتح : قال
عياض : ضبطناه في الروايات لم نردَّه بفتح الدال
وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا :
الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف من المجزوم
يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمة الهاء
بعدها . قال : وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب
في الفصيح اهـ وقال النووي : إن دال لم نرده
مفتوحة في رواية المحدثين والصواب ضمها عند
محققي النحويين لكونه مضاعفا مجزوما اتصل به
ضمير المذكر اهـ.
حُرم : أى محرمون .
البحث
عنون البخاري رحمه الله في صحيحه لهذا الحديث فقال : باب
إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل )» وساق هذا الحديث
وليس في هذا الحديث أنه كان حيا ، ولاشك أنه إذا أهداه حيا
يكون أدعى لرده لأنه يكون قد صاده من أجله ولأن المحرم
لا يذبحه ، قال الشافعى في الأم : إن كان الصعب أهدى له حمارا
حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيا وإن كان أهدى له
لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له ، وقد أخرج مسلم
حديث الصعب بن جثامة بعدة ألفاظ منها : عن ابن عباس عن
(٦٢)
:

الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله عَ لّم حمارا وحشيا
وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله عَ لّم قال : فلما أن
رأى رسول الله عَ ◌ّةٍ مافي وجهي قال: ((إنا لم نرده عليك إلا
أنا حرم)) وفي لفظ لمسلم عن الصعب : أهديت له من لحم حمار
وحش)) وفي لفظ: رِجل حمار وحش . وفي لفظ : عجز حمار
وحش يقطر دما . وفي لفظ : شق حمار وحش . وقد يجمع بين
اللفظ الذي يدل على أنه أهدى حمار وحش والألفاظ التي تدل على
أنه أهدى بعض حمار وحش إما بأنه أهدى له حمار الوحش أولا
فرده ثم أهدى إليه بعضه فرده أيضا، ولما رأى رسول الله عَ ليه
تغير وجه الصعب بن جثامة رضي الله عنه بسبب رد هديته أخبره
أنه لم يقبله منه بسبب أنه محرم ، والمحرم لا يصيد صيد البر ولا يأكل
ماصيد له منه ، وكونه أهدى الحمار أولا ظاهر في أنه إنما صاده
من أجله ، فلماذبحه وأهداه بعضه لم يقبله منه كذلك لأنه ذبحه له
وإمساك بعضه وإهداء البعض الآخر لايغير كونه صيد من أجله
قال الحافظ في الفتح نقلا عن القرطبي : قال : ويحتمل أنه أهداه
له حيا ، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه
لمعنى يختص بجملته ، فأعلمه بامتناعه عنه أن حكم الجزء من الصيد
حكم الكل . قال : والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض
الروايات اهـ وقد روى مسلم في صحيحه من طريق معاذ بن
عبدالرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه قال : كنا مع طلحة بن
(٦٣)

عبيدالله ونحن حُرُم فَأَهْدِي له طير وطلحة راقد ، فمنا من أكل
ومنا من تورَّع فلما استيقظ طلحة وَفَّ من أكله وقال :
أكلناه مع رسول الله عَّه، وحديث أبي قتادة السابق يؤكد
ماذكره طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه من جواز أكل المحرم من
الصيد الذي لم يصد له ولم يصده محرم .
مايستفاد من ذلك
١ - لا يجوز للمحرم أن يأكل من صيد البر إذا كان قد
صید له .
٢ - لايجوز للمحرم أن يصيد صيد البر .
٣ - جواز رد الهدية لعلة شرعية .
٤ - يستحب لمن رد هدية شخص يتأثر برد هديته أن يبين له
سبب ذلك .
٥ - حرص الاسلام على تطييب القلوب .
******
٩ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : خمس من الدواب كُلَّهن فواسق ، يُقْتَلْن في
الحل والحرم ، العقرب ، والحدأة ، والغراب ، والفأرة ، والكلب
العقور )) متفق عليه.
المفردات
من الدواب : المراد بالدواب هنا ما يشمل الحيوانات والحشرات
(٦٤)

والطيور فالعقرب حشرة والحدأة والغراب طير والفأرة
والكلب حيوان ومن هذا الاستعمال قوله تعالى ﴿ وما
من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) الآية وقوله
تعالى ﴿ وكأين من دابة لاتحمل رزقها﴾ الآية وقد
تستعمل الدابة فيما من شأنه أن يمشى على الأرض
ويدب عليها ، فلا تشمل الطير ومن ذلك قوله تعالى
وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه
الآية . وقد تخص الدابة عرفا بالحمار ، وبعض أهل
العرف يخصها بالفرس . وبعضهم يخصها بذوات
الأربع مطلقا .
فواسق : أصل الفسق الخروج ومنه فسقت الرطبة إذا
خرجت عن قشرها ، ومنه قوله تعالى ﴿ ففسق عن
أمر ربه ﴾ أى خرج ، ويستعمل كثيرا في الخروج
عن حد الاستقامة وهو المراد هنا ووصفت هذه
الخمس بأنهن فواسق لخبثهن وإفسادهن وشدة
أذاهن .
في الحل : أى في غير الحرم وفي غير حالة الإِحرام .
وفي الحرم : أى في البلد الحرام وفي حالة الإِحرام .
البحث
هذا اللفظ الذي ساقه المصنف هنا لم يتفق عليه البخاري ومسلم لا
(٦٥)

من حديث عائشة رضي الله عنها ولامن حديث غيرها . فلفظ
البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : خمس من الدواب كلهن فاسق ، يقتلن في
الحرم : الغراب والحِدأ والعقرب والفأرة ، والكلب العقور : وفى
لفظ للبخارى عنها رضى الله عنها : خمس فواسق . وفى لفظ
عنها: الحديا)) بدل: الجِدَأ. ولم يرد فى البخارى عنها لفظ :
((الحل)) أما مسلم فقد أخرج هذا الحديث عنها رضي الله عنها بعدة
ألفاظ منها: أن النبي عَّ ◌َّم قال: خمس فواسق يقتلن في الحل
والحرم : الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيًّا .
وفي لفظ: قالت: قال رسول الله عَّه: ((خمس فواسق يقتلن
في الحرم : العقرب والفأرة والحدياً، والغراب، والكلب العقور» وفي لفظ
عنها رضي الله عنها قالت: قال رسول الله عَّدٍ: خمس فواسق
يقتلن في الحرم : الفأرة والعقرب والغراب والحديا والكلب العقور))
وفي لفظ عنها رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله عَ لّه بقتل
خمس فواسق في الحل والحرم : الفأرة الخ الحديث باللفظ
الذي قبله . وفي لفظ عنها رضي الله عنها قالت : قال
رسول الله عَبدِ: (( خمس من الدواب كلها فواسق تقتل في
الحرم : الغراب والحدأة والكلب العقور والعقرب والفأرة)) وأخرج
مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: خمس من قتلهن وهو حَرَامٌ فلا جناح عليه
(٦٦)
٠
٠
L

فيهن: العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحُدَيًّا . وفي
لفظ لمسلم من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي
عَ اله قال: ((خمس لاجناح على من قتلهن في الحَرم والإحرام :
الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور . وفي لفظ
للبخاري من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قالت
حفصة رضي الله عنها: قال رسول الله عَّم: ((خمس من
الدواب لاحرج على من قتلهن : الغراب والحدأة والفأرة والعقرب
والكلب العقور )) وفي لفظ لمسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما قال: قالت حفصة زوج النبي عَ لّه قال رسول الله عَّه:
خمس من الدواب كلها فاسق لاحرج على من قتلهن : العقرب
والغراب والحدأة والفأرة والكلب العقور)) وقد نصت جميع هذه
الروايات المتقدمة على لفظ خمس وجاء في لفظ لمسلم من طريق
عبيدالله بن مقسم يقول : سمعت القاسم بن محمد يقول سمعت
عائشةَ زوج النبي عَّةٍ ورضي الله عنها تقول : سمعت رسول الله
سَ اله يقول: ((أربع كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم : الحدأة
والغراب والفأرة والكلب العقور قال : فقلت للقاسم : أفرأيت
الحية ؟ قال: تُقْتَلَ بِصُغْرٍ لها . ومعنى قوله: بِصُغْرِ لها أى بمذلة
وإهانة كما جاء في لفظ لمسلم من طريق زيد بن جبير قال : سأل.
رجل ابن عمر مايقتل الرجل من الدواب وهو محرم قال : حدثتني
إحدى نسوة النبي عٍَّ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة
(٦٧)

والعقرب ، والحديًّا ، والغراب ، والحية قال : وفي الصلاة أيضا
وقوله : وفي الصلاة أيضا أى لاحرج على من قتلها وهو في الصلاة
وفي جميع الأحوال .
قال الحافظ في الفتح : التقييد بالخمس وإن كان مفهومه
اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد وليس بحجة عند
الأكثر وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله عَ ◌ّه أوَّلا ثم بَيِّن
بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم اهـ ولاشك أن
ذكر الخمس لايعارض ذكر الأربع لدخول الأربع فيه . وأما رواية
ابن عمر رضي الله عنهما التي ذكر فيها الكلب العقور والفأرة
والعقرب والحديا والغراب والحية ، فالظاهر أن جمع العقرب والحية
تفسير وبيان لجنس واحد ، ولذلك جاء في بعض الروايات ذكر
الحية ولم يذكر العقرب وفي بعضها ذكر العقرب ولم يذكر الحية .
فهى تنبيه على قتل هذا النوع من الحشرات في الحل والحرم ، ولذلك
فسر غير واحد من أهل العلم الكلب العقور بما يشمل الأسد والفهد
والذئب ونحوها . ووصف الغراب بالأبقع في بعض الروايات ، وهو
الذي في ظهره أو بطنه بياض يجعل الأصل فيما يستحق القتل من
الغِربان هو الأبقع لحمل المطلق على المقيد ، لكن يلتحق بالأبقع ماشاركه
في الإيذاء من الغِرْيان ولم يخرج منها إلاغراب الزرع .
مايستفاد من ذلك
١ - أنه لاجزاء على المحرم إذا قتل هذه الفواسق .
(٦٨)

٢ - أنه يستحب قتلها في الحل والحرم .
٣ - أن الحرم لايجير فاسقا .
*****
١٠ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه
وسلم احتجم وهو محرم )) متفق عليه .
المفردات
احتجم : أى استخرج بعض الدم منه صلى الله عليه وسلم
بطريق الحجامة وقدمر تعريفها .
وهو محرم : أى متلبس بالإِحرام وكان ذلك في حجة الوداع
وهو في طريقه إلى مكة عَ طهم .
البحث
أخرج البخاري من حديث ابن بحينة رضي الله عنه قال : احتجم
النبي عَ ◌ّهِ وهو محرم بِلَخِي جَمَل في وسط رأسه . وأخرجه مسلم
من حديث ابن بحينة رضي الله عنه أن النبي عَ ◌ّم احتجم بطريق
مكة وهو محرم وسط رأسه . ولحى جمل بفتح اللام - وتكسر -
وسكون الحاء وبفتح الجيم والميم وهو موضع بطريق مكة ويقال لها :
بثر جمل وقيل : هي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا .
ووقع في سبل السلام : لحى الجبل بالباء وهو وهم كما وهم بعض
الناس فحسبه فكى الجمل للحيوان المعروف وأنه كان آلة الحجم .
(٦٩)

مايفيده الحديث
١ - جواز الحجامة للمحرم ولافدية عليه .
٢ - جواز الفصد للمحرم ولاشئ عليه .
٣ - جواز إجراء الجراحة للمحرم ولاشئ عليه .
٤ - جواز قلع الضرس ونحوه للمحرم ولا شئ عليه .
٥ - جواز التداوي للمحرم بما لاطيب فيه ولا شئ عليه .
٦ - أن خروج الدم من المحرم لايضر إحرامه ولاشئ عليه .
١١ - وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: حُمِلْتُ إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهى فقال :
((ماكنت أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بك ماأرى! تجد شاة?)) قلت : لا.
قال: (( فصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، لكل مسكين
نصف صاع )) متفق عليه .
المفردات
كعب بن عجرة : بضم العين وسكون الجيم بن أمية بن عدى
ابن عُبَيْد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن
غنم بن سواد بن مَرِى بن إراشة بن عامر بن
عُبَيْلَة البلوي الأنصاري وقيل بل هو حليف
الأنصار ، صحابي جليل ، شهد الحديبية مع
(٧٠)

رسول الله عَ لّه، وبعثه رسول الله عَ له في
سرية غالب بن عبدالله الليثي إلى بني مرة
بفَدَك سنة ثمان من الهجرة ، وشهد غزوة تبوك
مع رسول الله عَدٍ وحمل معه في هذه الغزوة
واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وكان واثلة
قد قال : من يحملني عُقبه وله سهمي فحمله
كعب بن عجرة فلما جاء بسهمه إلى كعب أبَى
أن يقبله وقال : إنما حملتك لله . وقد نزل الكوفة
وتوفى بالمدينة سنة إحدى وخمسين هجرية رضي
الله عنه .
القمل : هو دوبية صغيرة ضعيفة مؤذية تمص دم الإنسان ،
تتوالد في شعر الرأس وغيره من بدن الإنسان ،
وأصلها الصئبان ، وقد أطلق عليها رسول الله
عَِّ أنها من الهوام . قال في النهاية في حديث :
أعيذكما بكلمات الله التامة من كل سامة وهامة))
الهامَّة كل ذات سمّ يقتل أما مايسم ولا يقتل فهو
السامة كالعقرب والزنبور وقد يقع الهوامّ على
مايدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات ومنه
حديث كعب بن عجرة : أتؤذيك هوامّ رأسك ))
أراد القمل اهـ والقمل اسم جنس جمعى يفرق بينه
(٧١)

وبين واحده بالتاء كنمل ونملة وتمر وتمرة
وبقر وبقرة .
يتناثر على وجهى: أى يتفرق من رأسى متساقطا على وجهى .
أُرَى الوَجَع : بضم الهمزة أى أظن الألم والأذى .
بلغ بك ما أرى : بفتح الهمزة أى وصل بك إلى الحال
التي أبصر .
تجد شاة : أى هل تستطيع أن تنسك شاة ?
مسكين : أى فقير محتاج .
نصف صاع : يعنى مدين .
البحث
حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أورده البخاري في كتاب
الحج في أربعة أبواب متتالية وهى باب قول الله تعالى ﴿ فمن كان
منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أوصدقة أو
نسك) وهو مخيّر فأما الصوم فثلاثة أيام ثم ساقه بلفظ : عن
كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله عَ له أنه قال:
«لعلك آذاك هَوَامُّكَ؟)) قال : نعم يارسول الله ، فقال رسول
الله عَ: ((احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين
أوٍانسُك بشاة )) ثم قال : باب قول الله تعالى : - أو صدقة -
وهى إطعام ستة مساكين ثم ساقه بلفظ: عن كعب بن عجرة قال :
وقف عليَّ رسول الله عَلِّ بالحديبية ورأسى يتهافت قملا
(٧٢)

فقال: ((يؤذيك هَوَامُّك؟)) قلت: نعم . قال: فاحلق
رأسك ، أو احلق قال : فيَّ نزلت هذه الآية - فمن كان منكم
مريضا أو به أذّى من رأسه - إلى آخرها فقال النبي عَّهِ :
((صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَق بين ستة، أونُسُكِ مما تيسر))
ثم قال البخاري : باب الإطعام في الفدية نصف صاع ثم ساقه
بقريب من لفظ حديث الباب الذي ساقه المصنف ثم قال
البخاري : باب النسك شاة ثم ساقه بلفظ عن كعب بن عجرة
رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه رآه وأنه يسقط على وجهه
فقال: ((أيؤذيك هوامُّك ؟ قال : نعم . فأمره أن يحلق وهو
بالحديبية ، ولم يتبين لهم أنهم يحلون بها ، وهم على طَمع أن
يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله عَ لّم أن
يطعم فَرَقًا بين ستة أويهدى شاةً ، أو يصوم ثلاثة أيام، ثم ساقه
بلفظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على
وجهه . بمثل الحديث الذي قبله . وأورده البخاري أيضا في المغازي
والطب وكفارات الأيمان . أما مسلم فروى هذا الحديث أيضا بعدة
ألفاظ منها : عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : أتى عَلَّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وأنا أوقد تحت قِدْرٍ
لى أو بُرمَةٍ لي، والقمل يتناثر على وجهي فقال: ((أيؤذيك
هوامّ رأسك ؟ قال: قلت: نعم. قال: (( فاحلق ، وصم
ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك نسيكةً )) ومنها عن
(٧٣)

كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: فيَّ أنزلت هذه الآية -
فمن كان منكم مريضا أو به أذّى من رأسه ففدية من صيام
أو صدقة أو نسك - قال : فأتيته ، فقال : ادْنهْ، فدَنَوتُ فقال :
((ادْنُه)) فدنوت، فقال عَ له: ((أيؤذيك هوامُّك ؟ قال ابن
عون : وأظنه قال : نعم . قال : فأمرني بفدية من صيام أو صدقة
أو نسك ماتيسر . ومنها عن كعب بن عجرة رضي الله عنه : أن
رسول الله عَ ◌ّ وقف عليه ورأسه يتهافت قملا، فقال:
((أيؤذيك هوامك؟)) قلت: نعم. قال فاحلق رأسك)) قال:
فِفِيَّ نزلت هذه الآية ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذًى من
رأسه ففدية من صيام أو صدقة أونسك ) فقال لي رسول الله
عَ له: ((صم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفَرَقٍ بين ستة مساكين
أوانسك ماتيسر)) وفي لفظ: أن النبي عَ ◌ّه مرَّ به وهو بالحديبية
قبل أن يدخل مكة وهو محرم ، وهو يوقد تحت قِدْر ، والقمل
يتهافت على وجهه، فقال: ((أيؤذيك هوامُّك هذه؟)) قال :
نعم. قال: (( فاحلق رأسك وأطعم فَرَقاً بين ستة مساكين
(والفرق ثلاثة أصُعٍ) أو صم ثلاثة أيام ، أو انسك نسيكة وفي
لفظ: أن رسول الله عَّلِ مرَّ به زمن الحديبية فقال له: ((آذاكَ
هَوَاءٌ رأسك؟ قال: نعم. فقال له النبي عَّهِ: ((احلق
رأسك ثم اذبح شاة نُسُكًا ، أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع
من تمر على ستة مساكين . ثم ساقه مسلم بقريب من لفظ
(٧٤)

حديث الباب إلا أنه قال فيه : فنزلت هذه الآية ﴿ ففدية من
صيام أو صدقة أو نسك﴾ قال: ((صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة
مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين قال : فنزلت فيَّ خاصة
وهى لكم عامة . وفي لفظ عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه
خرج مع النبي عَ ◌ِّ محرما فَقَمِلَ رأسه ولحيته ، فبلغ ذلك النبي
عَّ اله فأرسل إليه فدعا الحلاق فحلق رأسه، ثم قال له: ((هل
عندك نُسُكٌ ؟ )) قال : ماأقدر عليه . فأمره أن يصوم ثلاثة أيام ،
أو يطعم ستة مساكين لكل مسكينين صاع ، فأنزل الله عزوجل
فيه خاصة ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ﴾ ثم
كانت للمسلمين عامة . ولاشك أن الآية صريحة في التخيير بين
هذه الأنواع الثلاثة فبأى نوع منها كفّر جاز ذلك وأكثر الروايات
التي ساقها الشيخان على ذلك كذلك. وهي تؤكد أن قوله عَ ليه
في بعض هذه الروايات: ((تجد شاة?)) فقال : لا . وفي
بعضها : هل عندك نسك ? قال : ماأقدر عليه لاتفيد وجوب ذبح
الشاة إن وجدها وأنها مقدمة على الصيام والإِطعام فإن العلماء
يكادون يجمعون على أن الأمر على التخيير بين هذه الأنواع الثلاثة.
ولعل سؤال رسول الله عَ ل له عن النسيكة أوَّلا يدل على أنها
أفضل الأنواع الثلاثة لا أنه لايجزئ غيرها مع وجودها مع أن الآية
قدمت الصوم . وقد جاء في بعض ألفاظ مسلم: (( أو أطعم ثلاثة
آصع من تمر على ستة مساكين)» وهى كذلك لاتفيد تعيين التمر في
(٧٥)

هذه الكفارة ، بل هو واحد من أنواع الطعام وقد جاء في بعض
ألفاظ مسلم : أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل
مسكين)) فذكر التمر في بعض هذه الروايات إما لأنه أفضل أو
أيسر والعلم عندالله عز وجل .
مايستفاد من ذلك
١ - أن السنة تبين مجمل القرآن وتقيد مطلقه لأن الصدقة في
آية الفدية مجملة فبينها رسول الله عَ ◌ّه بأنها إطعام
ستة مساكين . وكذلك الصيام بيَّن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه ثلاثة أيام .
٢ - أنه يحرم حلق الرأس على المحرم .
٣ - أنه يرخص للمحرم إذا آذاه القمل أن يحلق رأسه ويفدى .
٤ - أنه إذا كان كشف رأس المحرم يسبب له بعض الأوجاع
جاز له أن يغطيه ويفدى .
٥ - حسن رعاية ولي أمر المسلمين لهم وتلطفه بهم ودفع الأذى عنهم.
٦ - جواز إطلاق اسم الهدى على دم الكفارة توسعا .
١٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمَّا فتح الله على
رسوله عَّ مكة، قام رسول الله عَّ في الناس فحَمِد الله
وأثنى عليه، ثم قال: (( إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط
عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لم تَحِلّ لأحد كان قبلى، وإنما أحلَّتْ
(٧٦)

لِي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدى .. فلا يُنَفَّرُ.
صَيْدُها ، ولا يختَلَى شوكُها ، ولا تحِلُّ ساقطتها إلا لِمُنْشِدٍ ، ومن
قُتَلَ له قِيلٌ، فهو بخيرِ النَّظَرِيْن)) فقال العباس: إلا الإِذْخِر
يارسول الله فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال: ((إلا الاذخر))
متفق عليه .
المفردات
لما فتح الله على رسوله عَ لّم مكة: في يوم العشرين من
رمضان عام ثمان من الهجرة .
قام في الناس : أى خطيبا الغد من يوم الفتح أى في اليوم
الثاني من فتح مكة وكان بعد الظهر في اليوم
الحادى والعشرين من رمضان .
حبس عن مكة الفيل : أى لم يمكنه من الدخول إليها وحجز
أصحاب الفيل عنها وهم جيش أبرهة بن الأشرم .
وسلط عليها رسوله والمؤمنين : أى مكّنهم من دخولها وفتحها .
لم تحل لأحد كان قبلي : أى لم يبح الله لأحد قبل رسول الله
عَّ الله أن يقاتل أهلها . لأنها حرام بحرمة الله يوم
خلق السموات والأرض .
وإنما أحلت لي ساعة من نهار : أى أباح الله لي قتال أهلها في
جزء من نهار واحد وهو الوقت الذي
(٧٧)

تمكن رسول الله عَ لٍ فيه من فتحها . وكانت
من طلوع الشمس إلى العصر .
وإنها لن تحل لأحد بعدي : أى وإن الله عزوجل أعاد حرمتها
بعد الفتح كحرمتها قبل الفتح فلايجوز لأحد أن
يقاتل أهلها إلى يوم القيامة .
فلا يُنَفِّر صيدها : أى فلا يصطاد أولا يُهَيَّجُ من مكانه . وقد
ذكر البخارى عن عكرمة قال : هل تدرى :
ما لايُنَفِّرُ صيدها ? هوأن يُنَحِّيَهُ من الظل ،
ينزل مكانه اهـ وإذا كان التنفير محرما فالاصطياد
والاتلاف من باب أولى ، وهذا إذا لم يحصل من
الصيد ضرر وأذى فإن حصل منه ضرر دفع
بأخف الضررين .
ولا يختلى شوكها : أى ولا يقطع ولا يؤخذ وقد جاء فى لفظ :
ولا يختلى شوكها ولايعضد شجرها » وهو يفيد
تحريم قطع شجر الحرم سواء كان ذاشوك أو
لاشوك فيه ، وجاء فى لفظ للبخارى عن ابن
عباس: ((لايختلى خَلَاهَا)) أى حشيشها الرطب
قال ابن قدامة : وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته
الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم ، فلا
بأس برعيه واختلائه اهـ .
(٧٨)

ولاتحل ساقطتها إلالمنشد : أى ولا يحل ولا يجوز التقاط لقطة
مكة إلا لمعرف لها لانتملكها ، بل للعمل على
إرجاعها إلى أهلها. فالساقطة هنا اللقطَة ، والمنشد المعرف
فهو بخير النظرين : أى فولى القتيل بأفضل الأمرين عنده
إما أن يأخذ دية القتيل وإما أن يقتل القاتل بعد
حكم ولي الأمر. وقد جاء في لفظ مسلم : إما أن
يُفدى وإما أن يُقْتل يعنى القاتل . وجاء في لفظ
للبخاري : إماأن يُعْقَلَ ، وإما أن يقادأهل القتيل ،
أى أن يمكنوا من القود وهو قتل القاتل .
إلا الإِذخر : قال الحافظ في الفتح : والإِذخر نبت معروف
عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن ،
وقضبان دقاق ، ينبت في السهل والحزن ،
وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار.
قال : والذي بمكة أجوده ، وأهل مكة يسقفون
به البيوت بين الخشب ، ويسدون به الخلل بين
اللبنات في القبور ، ويستعملونه بدل الحلفاء
في الوقود اهـ .
تجعله في قبورنا : أى نسد به الخلل بين اللبنات في القبور .
وبيوتنا : أى نسقف به البيوت بين الخشب .
فقال إلا الإِذخر : أى فإنه يباح لكم أخذه فهو مستثنى مما
(٧٩)

لا يختلى إذهو في الأصل داخل في عموم قوله ((ولا يختلى خلاها)).
البحث
هذا الحديث ساقه البخاري في باب كتابة العلم من صحيحه عن
أبي هريرة رضي الله عنه أن خزاعة قتلوا رجلا من بنى ليث عام
فتح مكة بقتيل منهم قتلوه. فأخبر بذلك النبي عَ لّم فركب راحلته
فخطب فقال : إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل - شك
أبو عبدالله - وسلَّط عليهم رسول الله عَّ له والمؤمنين، ألا وإنها لم
تحل لأحد قبلى . ولم تحل لأحد بعدى ، ألا وإنها حلت لي ساعة
من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه حرام ، لايختلى شوكها ، ولا يعضد
شجرها ولاتلتقط ساقطتها إلا لمنشد ، فمن قتل فهو بخير النَّظرين :
إما أن يُعْقَل ، وإما أن يقاد أهل القتيل ، فجاء رجل من أهل اليمن
فقال: اكتب لي يارسول الله، فقال: ((اكتبوا لأبي فلان)) فقال
رجل من قريش إلا الإِذخر يارسول الله فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إلا الإِذخر إلا الإِذخر)) قال
أبوعبدالله : يقال : يقاد بالقاف ، فقيل لأبي عبدالله : أيُّ شِئْ
كَتَبَ له ؟ قال : كتب له هذه الخطبة . أما مسلم فقد ساق هذا
الحديث في كتاب الحج من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي
عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: لما فتح الله عزوجل على رسول الله علي
مكة قام في الناس فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: (( إن الله حبس
(٨٠)