النص المفهرس

صفحات 41-60

أحرم من البيداء وهى المفازة التى تقع بعد ذى الحليفة من جهة
مكة . وانما روى ذلك من رواه لانه لم يكن قد رأى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عند ماأحرم ولبى من عند المسجد فروى
مارأى ، وابن عمر رضى الله عنهما رآه عندما لبّى عند
المسجد ، فأنكر على من قال : إنه أحرم من البيداء ، ففى
لفظ مسلم من حديث سالم بن عبد الله أنه سمع أباه رضى الله
عنه يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله عَ اله
فيها ، ماأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد
يعنى ذاالحليفة . وفي لفظ لمسلم من حديث سالم قال : كان ابن
عمر رضي الله عنهما إذا قيل له : الإحرام من البيداء قال :
البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله عَ لّه، ما أحل
رسول الله عَد إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره )) ومعنى
تكذبون فيها أى في شأنها ونسبة الإِحرام إليها بأنه كان من عندها
وأنه عَلِ أحرم منها وهو لم يحرم منها وإنما أحرم قبلها من عند
مسجد ذى الحليفة ومن عند الشجرة التي كانت هناك وكانت عند
المسجد ، وأفاد النووي بأن ابن عمر سماهم كاذبين لأنهم أخبروا
بالشئ على خلاف ماهو عليه سواء تعمدوا ذلك او غلطوا فيه أو
سهوا ، والعمدية إنما هو شرط لكونه إثما لالكونه يسمى كذبا اهـ
وقد روى أبوداود من طريق خصيف - وهو مختلف فيه عن
سعيد بن جبير قال قلت لعبدالله بن عباس ياأبا العباس : عجبت
( ٤١)

لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال
رسول الله عَ ◌ّه حين أوجب. فقال: إنى لأعلم الناس بذلك،
إنها إنما كانت من رسول الله عَ ◌ّهِ حجة واحدة ، فمن هناك
اختلفوا . خرج رسول الله عَ لَّهِ حاجًا، فلما صلى في مسجده
بذى الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من
ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام ، فحفظته عنه ، ثم ركب فلما
استقلت به ناقته أهلَّ ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك أن الناس إنما
كانوا يأتونه أرسالا . فسمعوه حين استقلت به ناقته ، ثم مضى
رسول الله عَِّ، فلما عِلا على شرف البيداء أهلٌّ، وأدرك ذلك
منه أقوام ، فقالوا : إنما أهلّ حين علا على شرف البيداء . وأيم الله
لقد أوجب في مصلاه ، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهلّ
حين علا على شرف البيداء . قال سعيد : فمن أخذ بقول
عبدالله بن عباس أهلّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه ، وقد
ذكرت لك أن هذا الحديث من طريق خصيف وهو مختلف فيه
وقد روى البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال :
- أهلَّ النبي عَّلِ حين استوت به راحلته قائمة)» وفي لفظ لمسلم
من حديث سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله عَ لَّهِ يُهِلُ ملّدًا يقول: لبيك اللهم
لبيك ، لبيك لاشريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك
والملك ، لاشريك لك . لايزيد على هؤلاء الكلمات ، وإن عبدالله
(٤٢)

ابن عمر رضى الله عنهما كان يقول: كان رسول الله عَل يركع
بذى الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد
ذى الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات . كما روى البخارى ومسلم من
حديث أنس رضى الله عنه قال: صلى رسول الله عَل ونحن معه
بالمدينة الظهر أربعا ، والعصر بذى الحليفة ركعتين، ثم بات بها
حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبَّح
وكَبَّر ، ثم أهل بحج وعمرة . الحديث . وقد أشار البخارى إلى
استحباب التلبية كلما هبط واديا فقال : باب التلبية إذا انحدر فى
الوادى ثم ساق من طريق مجاهد قال : كنا عند ابن عباس رضى الله
عنهما . فذكروا الدجال أنه قال : مكتوب بين عينيه كافر فقال ابن
عباس : لم أسمعه ولكنه قال : أما موسى كأنى أنظر إليه إذ انحدر
فى الوادى يلبى . وقد رواه مسلم كذلك .
مايستفاد من ذلك
١ - أن الاحرام إنما يكون من الميقات .
٢ - استحباب الاحرام من مسجد ذى الحليفة .
٣ - استحباب التلبية إذا ركب المحرم .
٤ - استحباب التلبية إذا علا المحرم على شرف ونحوه .
٢ - وعن خلاد بن السائب عن أبيه رضي الله عنه أن رسول
اللهِ عَ لَّه قال: ((أثانى جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا
.(٣ ٤)

أصواتهم بالإِهلال )) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان .
المفردات
خلاد بن السائب : هو خلاد بن السائب بن خلاد بن ثعلبة بن
عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن مالك الأغر
بن ثعلبة من بنى الحارث بن الخزرج الأنصاري
قال ابن سعد في الطبقات : وكان خلاد ثقة قليل
الحديث . وقد صاحب أبوه النبي عَّةٍ.
بالإهلال : يعنى بالتلبية .
البحث
رفع الصوت بالتلبية عنون له البخاري في صحيحه فقال : ((باب
رفع الصوت بالإِهلال ثم ساق بسنده إلى أنس رضي الله عنه قال :
صلى النبي عَ لَه بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذى الحليفة
ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعا)، أى بالحج والعمرة
وحديث الباب قد قال فيه الحافظ في الفتح : رجاله ثقات إلا أنه
اختلف على التابعي في صحابيه اهـ وهو يشير بذلك إلى أن بعض
رواته قال : عن خلاد بن السائب عن أبيه وقال بعضهم عن خلاد
ابن السائب عن زيد بن خالد قال البيهقي : الأول هو الصحيح .
وكذلك صحح الترمذي الطريق الأول . قال الحافظ في الفتح
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بكربن عبدالله المزنى قال :
كنت مع ابن عمر فلِّى حتى أسمع مابين الجبلين . وأخرج أيضا
(٤٤)

بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبدالله قال : كان أصحاب
رسول الله عَبد يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم . اهـ
ولاشك أنه ينبغى للمرأة أن لاترفع صوتها بالتلبية أما حديث :
أفضل الحج العج والثج . فإنه لايصح ، وقد استغربه الترمذي ،
والعج رفع الصوت بالتلبية . والثج نحر البدن .
مايفيده الحديث
١ - استحباب رفع الصوت بالتلبية .
٢ - لابأس بالمبالغة في رفع الصوت بالتلبية إذا لم يكن
في ذلك ضرر .
****
٣ - وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي عَلم تجرد
لاهلاله واغتسل » رواه الترمذي وحسنه .
المفردات
تجرد : أى من الخيط والمحيط .
لإِهلاله : أى لإحرامه .
البحث
أشار الحافظ في التلخيص إلى أن هذا الحديث أخرجه أيضا
الدارقطني والبيهقي والطبراني وذكر أن العقيلي ضعفه ، والتجرد
من الخيط والمحيط لمن أراد الإحرام لايختلف أهل العلم في وجوبه
(٤٥)

على الرجال وقد تجرد رسول الله عَ له ولبس الإزار والرداء وهو
في المدينة قبل أن يتوجه إلى ذي الحليفة فقد روى البخاري في
صحيحه من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : انطلق
النبي عَ ﴾ من المدينة بعد ما تَرَجَّل وادَّهن ولبس إزاره ورداءه هو
وأصحابه. الحديث . وهذا التجرد ولبس الإزار والرداء من المدينة
لا يجعل الإنسان مجرما منها ، فهذا العمل كالمتهى للصلاة بالوضوء
ولا يكون مصليا إلا إذا كبَّر تكبيرة التحريم للصلاة فكذلك التجرد
ولبس الإِزار والرداء لايجعل الإنسان محرما ، وإنما يكون محرما
بالتلبية من الميقات . وأما الاغتسال للإِحرام فأصح ماورد فيه
هو ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق جابر بن عبدالله رضي الله
عنهما قال : فخرجنا معه حتى أتينا ذاالحليفة فولدت أسماء بنت
عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله عَ لَّه كيف
أصنع؟ قال: ((اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى)) وكذلك
ماأخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال : ثم أهللنا يوم
التروية ثم دخل رسول الله عَ ل على عائشة رضي الله عنها فوجدها
تبكى فقال : ماشأنك ؟ قالت : شأنى أني قد حضت وقد حل
الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن
فقال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلى ثم أهلى بالحج
ففعلت . الحديث .
وليس اغتسالها هذا اغتسال طهارة ، فهى لاتطهر من نفاسها به ،
(٤٦)

وإنما هوغسل نظافة ، وهذا يشعر باستحباب الإغتسال للإحرام .
*****
٤ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سئل: ما يَلْبَس المحرم من الثياب ؟ فقال: ((لايلبس
القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البَرَانِس ، ولا
الخِفَاف ، إلا أحدٌ لايجد النعلين فَلْيَلْبَس الخفين وليقطعهما أسفل
من الكعبين ، ولاتلبسوا من الثياب شيئا مسَّه الزَّعْفَرانُ ولا
الوَرْس)) متفق عليه . واللفظ لمسلم . .
المفردات
أن رسول الله سئل : لفظ مسلم : أن رجلا سأل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ولفظ البخاري : أن رجلا
قال : يارسول الله .
مايلبس المحرم : أى ما يجوز للرجل المحرم أن يلبس؟
القُمص : جمع قميص والمراد به مايلبس على قدر البدن
من المخيط فيدخل فيه الجبة والقباء .
العمائم : جمع عمامة وهى مايلف على الرأس ويغطيه
سواء كان مخيطا أوغيره .
السراويلات : جمع سراويل وسراويل جمع سروالة وعلى هذا
فالسراويلات جمع الجمع وقيل جمع سروالة وقيل
فارسية معربة شلوار .
(٤٧)

البرانس : جمع برنس بضم الباء والنون وهو كل ثوب
رأسه منه وقيل : هو قلنسوة طويلة وهو من
البرس بكسر الباء وهو القطن وقيل إنه غير عربي.
الخِفاف : جمع خف وهو مايلبس في الرجل من الأحذية
إذا غطى موضع الوضوء منها واحدها ◌ُف .
أما خف البعير فجمعه أخفاف .
إلا أحدّ : أى إلا رجل أراد الإِحرام.
لا يجد النعلين : أى لايكون عنده نعلان ولا يتمكن من الحصول
عليهما ، والنعل الحذاء الذي لايغطى موضع
الوضوء من الرجل .
أسفل من الكعبين : أى حتى يكونا تحت الكعبين لينكشف
الكعبان وهما العظمان الناتتان عند مفصل
الساق والقدم ، وهذا هو المعروف لغة .
ولاتلبسوا : النهى هنا للرجال والنساء . بخلاف ماتقدم فإنه
خاص بالرجال .
مسه الزعفران : أى أصابه الزعفران وصبغ به والزعفران زهر
نبت يصبغ به ويوضع في بعض الأشربة
والأطعمة فيكسبها طعما لذيذا ، وهو من أنواع
الطيب وثوب مزعفر أى مصبوغ بالزعفران .
ولا الورس : بفتح الواو وسكون الراء وهو نبت أصفر
(٤٨)

١
طيب الريح يصبغ به . قال الحافظ فى الفتح :
وقال ابن البيطار فى مفرداته : الورس يؤتى به من
اليمن والهند والصين وليس بنبات بل يشبه زهر العصفر
ونبته شىء يشبه البنفسج .
البحث
ورد هذا السؤال بصيغة : مايلبس المحرم وورد جوابه من أفصح
الخلق صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القمص الح الحديث . قال
الحافظ فى الفتح : قال النووى . قال العلماء : هذا الجواب من
بديع الكلام وجزله لأن مالايلبس منحصر فحصل التصريح به ،
وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال : لايلبس كذا أى ويلبس ما
سواه انتهى ثم قال الحافظ : وقال البيضاوى : سئل عما يلبس
فأجاب بمالايلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز ، وإنما
عدل عن الجواب لأنه أخصر ، وأحصر ، وفيه إشارة إلى أن حق
السؤال أن يكون عما لايلبس لأنه الحكم العارض فى الإحرام المحتاج
لبيانه إذ الجواز ثابت الأصل بالاستصحاب فكان الأليق بالسؤال
عما لايلبس . وقال غيره : هذا يشبه أسلوب الحكيم ويقرب منه
قوله تعالى ﴿ ويسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير
فللوالدين﴾ الآية . فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى
ذكر المنفق عليه لأنه أهم ، وقال ابن دقيق العيد : يستفاد منه أن
المعتبر فى الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو
(٤٩)

زيادة ولا تشترط المطابقة اهـ وقوله عَةٍ : لا يلبس القمص ولا
العمائم ، ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف » هو وإن سيق في
صيغة الخبر لكن المراد به النهى عن أن يلبس المحرم شيئامن ذلك
وهو يشمل كل خيط أو محيط فُصِّل على البدن كله أو بعضه ،
قال الحافظ في الفتح : أجمعوا على أن المراد به هنا الرجل ولا يلتحق
به المرأة في ذلك . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن للمرأة لبس
جميع ماذكر وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه
الزعفران أو الورس اهـ ثم قال الحافظ : وقال عياض : أجمع
المسلمون على أن ماذكر في هذا الحديث لايلبسه المحرم وأنه نبه
بالقميص والسراويل على كل محيط وبالعمائم والبرانس على كل
مايغطى الرأس به مخيطا أوغيره وبالخفاف على كل مايستر الرجل.
انتهى . هذا ولو حمل شيئا على رأسه لحاجته لا لتغطيته فإنه
لايضر ، وكذلك لو انغمس في الماء ، أو وضع يده على رأسه ،
فإنه لا يسمى لابسا في شئ من ذلك . وليس للمرأة ثياب معينة
للإحرام بل تلبس ماشاءت من اللباس مادام لايصف ولايشف غير أنه
لا يجوز لها أن تنتقب ولا أن تلبس القفازين ، فقد روى البخاري في
صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قام رجل فقال
يارسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإِحرام ؟ فقال النبي
عَّةٍ: ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم ولا البرانس
إلاأن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين ، وليقطع أسفل من
(٥٠)

الكعبين ، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس ، ولا تنتقب
المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)) أما سدل المرأة خمارها على
وجهها عند الرجال الأجانب فإنه لايضر ، قال الحافظ في الفتح :
قال ابن المنذر : أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف
وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه
الثوب سدلا خفيفا تستتربه عن نظر الرجال اهـ .
مايفيده الحديث
١ - تحريم لبس القمص ونحوها للمحرم من الرجال .
٢ - تحريم لبس العمائم والبرانس على المحرم من الرجال .
٣ - تحريم لبس السراويل ونحوها للمحرم من الرجال .
٤ - تحريم لبس الأحذية التي تغطى موضع الوضوء من
الرِّجْل على المحرم من الرجال .
٥ - تحريم لبس الثياب التي مسها الورس أو الزعفران على
المحرم من الرجال أو النساء .
٦ - تحريم التطيب لمن كان محرما .
*****
٥ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أُطِيِّبُ رسول
الله عَ لّه لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
متفق عليه .
(٥١)

المفردات
أطيب رسول اللـه عَ له: أى أضع الطيب عليه ◌َٹے
لإِحرامه : أى لأجل تهيئته للإحرام .
قبل أن يحرم : أى قبل أن يتلبس بالنسك ويصير محرما .
ولحله : أى ولتحلله من الإحرام بعد رمى الجمرة
والحلق .
قبل أن يطوف بالبيت : أى قبل أن يطوف طواف الإفاضة
بالبيت العتيق .
البحث
هذا اللفظ الذى ساقه المصنف هنا هو لفظ مسلم أما لفظ
البخاري في باب الطيب عند الإحرام عن عائشة رضي الله عنها
قالت: كنت أطيب رسول اللـه عَ لله لإحرامه حين يحرم))
الحديث . والمراد من قولها حين يحرم أي حين يريد الإحرام كما جاء
في لفظ للنسائي : حين أراد أن يحرم . وقد أخرج مسلم في
صحيحه هذا الحديث بعدة ألفاظ منها هذا اللفظ ومنها : قالت :
طيبت رسول الله عٍَّ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف
بالبيت)) وفي لفظ: قالت: طيبت رسول الله عَلْ بِيَدِي لحرمه
حين أحرم ولحله حين أَحَلَّ قبل أن يطوف بالبيت . وفي لفظ :
قالت: طيبت رسول الله عَّه لحله ولخرْمِه . وفي لفظ قالت :
طيبت رسول اللّهِ:﴿لَهُبِيَدِى بِذَرِيرَةٍ في حجة الوداع للحل والإِحرام)»
(٥٢)

وفي لفظ عن عروة قال : سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيئ
طَيِّبْتِ رسول الله عَ طِّ عند حُرمه! قالت: بأطيب الطِّيب
وفي لفظ قالت: كنت أَطيِّبُ رسول الله عَلَله بأطيب ماأقدر عليه
صَلى اللّه
قبل أن يحرم ثم يحرم. وفي لفظ قالت: طيبت رسول الله عَيّ
لحُرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ماوجدت . وقد
أشارت الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما في رواية عند
البخاري ومسلم قالت كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق
رسول الله عَ له وهو محرم)) ووبيص الطيب هو بريقه وتلألؤه
ولمعانه ، ومعنى مفارقه أى المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط
الرأس . وفي لفظ لمسلم قالت : لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في
مفارق رسول الله عَةٍ وهو يهل، وفي لفظ: وهو يلِّى. وفي
لفظ: قالت: كان رسول الله عَ لّله إذا أراد أن يحرم يتطيّب
بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص الدُّهن في رأسه ولحيته بعد ذلك .
وهذه الروايات الصحيحة صريحة في أن هذا الطيب الذي كان
يتطيب به رسول الله عَّ له كان يستمر أثره بعد الاحرام . ولا
معارضة بين هذه الروايات الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله
عَّةُ بتطيبه للإِحرام ، واستمرار أثر الطيب فيه بعد الإحرام وبين
مارواه البخاري ومسلم عن بن جريج عن عطاء من حديث صفوان
ابن يعلى عن أبيه يعلى بن أمية أن يعلى قال لعمر رضي الله عنه :
أرنى النبي عَ لِّ حين يوحى إليه! قال: فبينما النبي عَّ ◌ُله بالجعرانة
(٥٣)

ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال : يارسول الله كيف ترى في
رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب ؟ فسكت النبي عَويةٍ ساعة
فجاءه الوحى فأشار عمر رضي الله عنه إلى يعلى ، وعلى رسول الله
عَّهِ ثوب قد أُظِلّ به فأدخل رأسه فإذا رسول الله عَ لّه محمر
الوجه ، وهو يَغِطِّ ، ثم سُرِّيَ عنه فقال : أين الذي سأل عن
العمرة ! فأتى برجل ، فقال: ((اغسل الطيب الذي بك ثلاث
مرات ، وانزع عنك الجبة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ))
قلت لعطاء : أراد الإِنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات ؟ قال :
نعم )) أقول لامعارضة بين هذا الحديث وحديث عائشة رضي الله عنها
لأن حديث يعلى كان بالجعرانة وهي في سنة ثمان بلاخلاف ، وحديث
عائشة كان في حجة الوداع سنة عشر بلاخلاف ، والقاعدة عند أهل
العلم من أصحاب رسول الله عَّةٍ ومن بعدهم أنه يؤخذ بالآخر
فالآخر من أمر رسول الله عَّ الله عليه وسلم، على أنه قد جاء في بعض
ألفاظ حديث يعلى : عليه جبة عليها أثر خلوق)) وفي بعض ألفاظه عند
مسلم : اغسل عنك أثر الصفرة أو قال: أثر الخلوق )) والخلوق بفتح
الخاء نوع من الطيب مركب فيه زعفران فيكون المأمور بغسله في قصة
يعلى إنما هو الخلوق لامطلق الطيب بسبب مافي الخلوق من الزعفران
وقد تقدم أنه يحرم على الرجل أن يتزعفر محرما أوغير محرم .
مايستفاد من ذلك
١ - استحباب الطيب عند الإِحرام .
(٥٤)

٢ - استحباب الطيب بعد التحلل الأول قبل الطواف بالبيت
لمن تحلل التحلل الأول بالرمى والحلق .
٣ - لابأس بالطيب عند الإِحرام وإن بقى أثره بعد الإحرام .
٦ - وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله عَ ليه
قال : لا يَنكِح المحرم ولايُتكح ولا يخطب . رواه مسلم .
المفردات
لايَنْكِح : أى لايتزوج .
ولا يُنْكَح: بفتح الكاف أى لايزوجه غيره وبكسرها أى لايزوج غيره
والمشهور أنها بفتح الكاف مع ضم الياء .
ولا يخطب : أى خِطْبَة نكاح .
البحث
أورد مسلم في صحيحه حديث عثمان هذا من طريق أبان بن عثمان
بألفاظ منها هذا اللفظ الذي أورده المصنف ومنها : أن المحرم
لا يَنْكِحِ ولايُنْكَح . ومنها : المحرم لاينكح ولا يخطب . ومنها لايُنكِح
المحرم ، ثم أخرج مسلم من طريق ابن نميرعن سفيان بن عيينة عن
عمروبن دينار عن أبي الشعثاء أن ابن عباس أخبره أن النبي عَّمِ
تزوج ميمونة وهو محرم . زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال :
أخبرني يزيدبن الأصم أنه نكحها وهو حلال اهـ . ويزيد بن الأصم
هوابن أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية فأمه برزة بنت الحارث
الهلالية كما أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو ابن أختها
(٥٥)

رضي الله عنها . ثم ساق مسلم من حديث يزيد بن الأصم قال :
حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله عَ لّلم تزوجها وهو
حلال قال : وكانت خالتي وخالة ابن عباس رضي الله عنهم
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
أن النبي عَِّ تزوج ميمونة وهو محرم)» وزواج النبي عَ لٍ بميمونة
كان في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة ، ولاشك أن حديث
ابن عباس متفق عليه وحديث أبان بن عثمان عن عثمان رضي الله
عنه انفرد به مسلم ، والأصل أنه إذا تعارض حديث متفق عليه مع
حديث انفرد بإخراجه أحد الشيخين فإنه يقدم المتفق عليه على
ما انفرد به أحدهما قال الحافظ في الفتح : وقد اختلف في تزويج
ميمونة فالمشهور عن ابن عباس أن النبي عَةٍ تزوجها وهو محرم ،
وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان
حلالا ، وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها اهـ والمفروض
أنه إذا تعارض حاظر ومبيح قُدِّم العمل بالحاظر ، والأصل في
المحرم أنه قد حظر عليه الجماع ودواعيه ، ومقدماته ، فالأحوط
العمل بحديث عثمان رضي الله عنه والطعن على حديث عثمان بأنه
من طريق أبان بن عثمان وأن أمه كانت حمقاء هو طعن لا يليق بمن
ينتمى للعلم ، وأبان بن عثمان من خيار التابعين رحمهم الله ، وقد
وثقه ابن سعد وعده في كبار التابعين المفتين بالمدينة مع سعيد بن
المسيب وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن
(٥٦)

هشام ، رحمهم الله تعالى . هذا وقد قال الحافظ في الفتح في
كتاب النكاح : قال الأثرم : قلت لأحمد : إن أباثور يقول : بأي
شئ يدفع حديث ابن عباس - أى مع صحته - قال : فقال: الله
المستعان . ابن المسيب يقول : وهم ابن عباس ، وميمونة تقول
تزوجني وهو حلال . ثم قال الحافظ : وقال ابن عبدالبر : اختلفت
الآثار في هذا الحكم لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت
من طرق شتى ، وحديث ابن عباس صحيح الإِسناد ولكن الوهم
إلى الواحد أقرب إلى الوهم من الجماعة فأقل أحوال الخبرين أن
يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما ، وحديث عثمان صحيح في منع
نكاح المحرم فهو المعتمد اهـ ثم قال الحافظ في تأويل قول ابن
عباس تزوج ميمونة وهو محرم . أى داخل الحرام أو في
الشهر الحرام قال الأعشى :
قتلوا كسرى بليل محرما : أى في الشهر الحرام .
وقال الآخر : قتلوا ابن عفان الخليفة محرما : أى في البلد الحرام .
وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان فجزم به في صحيحه ،
وعارض حديث ابن عباس أيضا حديث يزيد بن الأصم اهـ وأما
ماذكره الحافظ ابن حجر من قوله : فالمشهور عن ابن عباس أن
النبي عَ تزوج وهو محرم . وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة ،
فإن قوله : وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة فيه نظر فإن حديث
عائشة معل بالإِرسال وحديث أبي هريرة في إسناده كامل أبو العلاء
(٥٧)

وهو ضعيف وقد أشار الحافظ إلى ذلك في الفتح في باب عمرة
القضاء فذكر أن حديث عائشة أخرجه النسائي وأعل بالإِرسال .
وأن حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني وفي إسناده كامل أبو العلاء
وفيه ضعف . قال الحافظ : وأما أثر ابن المسيب الذي أشار إليه
أحمد فأخرجه أبوداود ، وأخرج البيهقي من طريق الأوزاعي عن
عطاء عن ابن عباس الحديث قال : وقال سعيد بن المسيب : ذهل
ابن عباس وإن كانت خالته ، ماتزوجها إلا بعد ماأحل . قال
الطبري : الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد لصحة
حديث عثمان ، وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها . ثم ساق
من طريق أيوب قال : أنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما
وقع لأن النبي عَ ◌ّامٍ كان بعث إلى العباس لينكحها إياه فأنكحه ،
فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم النبي عَ ◌ّه ، وقال بعضهم:
بعد ماأحرم ، وقد ثبت أن عمر وعليا وغيرهما من الصحابة فرقوا
بين محرم نكح وبين امرأته ، ولا يكون هذا إلا عن ثبت . اهـ والله أعلم.
هذا وقد قال الصنعانى في سبل السلام : قال القاضي عياض : لم
يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده حتى قال سعيد بن
المسيب ذهل ابن عباس وإن كانت خالته ماتزوجها رسول الله
عَّ إلا بعد ماحل. ذكره البخاري اهـ . من سبل السلام. وفي
قوله ذكره البخاري نظر ظاهر فإن البخاري لم يذكر أثر ابن
المسيب هذا قط وإنما أخرجه أبوداود من طريق إسماعيل بن أمية عن
(٥٨)

رجل عن سعيد بن المسيب قال : وهم ابن عباس في تزويج ميمونة
وهو محرم . وأخرجه البيهقي على الوجه الذي ذكرت . والله أعلم
**
*
٧ - وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيده
الحمار الوحشي وهو غير محرم ، قال : فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأصحابه وكانوا محرمين: (( هل منكم أحد أمره أو
أشار إليه بشئ؟)) قالوا: لا. قال: (( فكلوا مابقي من لحمه »
متفق عليه.
المفردات
وكانوا محرمين : كان ذلك في عمرة الحديبية .
أمره : أى أمر أباقتادة بصيد الحمار الوحشى .
أو أشار إليه : أى لفت انتباه أبى قتادة للحمار
الوحشى ليصيده .
البحث
قصة أبي قتادة في صيده الحمار الوحشي رواها البخاري ومسلم
من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله عَل خرج
حاجا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم ، فيهم أبوقتادة فقال : خذوا
ساحل البحر حتى نلتقى ، فأخذوا ساحل البحر ، فلما انصرفوا
أحرموا كلهم إلا أباقتادة لم يحرم ، فبينما هم يسيرون إذا رأوا حُمرَ
(٥٩)

وحش ، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتانا ، فنزلوا فأكلوا
من لحمها ، وقالوا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ? فحملنا
مابقى من لحم الأتان. فلما أتوا رسول الله عَ لهم قالوا : يارسول
الله إنا كنا أحرمنا ، وقد كان أبوقتادة لم يحرم ، فرأينا خمر وحش
محمل عليها أبوقتادة فعقر منها أتانا ، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم
قلنا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ? فحملنا مابقي من لحمها
قال: ((أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها ? أوأشار إليها؟ قالوا : لا.
قال: ((فكلوا مابقى من لحمها)) وقوله في هذا الحديث
((خرج حاجًّا)) أراد الحج اللغوي وهو قصد البيت والإِحرام على
سبيل التوسع في اللفظ لأنه لاشك أن هذه القصة كانت عام
الحديبية كما جاء في بعض ألفاظ الصحيحين، وكان النبي عَ ةٍ قد
خرج معتمرا ، فإطلاق الحج على العمرة جاء على سبيل التوسع
وهو صحيح في اللغة .
مايفيده الحديث
١ - أنه يجوز للمحرم أكل صيد البر الذي صاده غير المحرم
إذا كان المحرم لم يعن الحلال عليه بأمرأو إشارة
أو نحوهما .
٢ - جواز اجتهاد أصحاب رسول الله عَ ليه في عصر رسول
الله عَ لٍّ إذا كانوا بعيدين عنه.
٣ - جواز تجاوز الميقات بدون إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة .
(٦٠)