النص المفهرس

صفحات 1-20

فوت الاحلام
شحر
بلوغ المرامَ مِن جَمْعَ ادَ لَةُالأَخْكَامْ
للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللّه
تأليف
عَبْد القادر ية الحمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
والمدرس بالمسجد النبوى الشريف
الجزء الرابع

الطّبعَة الأوْا
١٩٨٢ م
١٤٠٢ هـ
طبع في:
مطابع الرشيد، بالمدينة المنورة
هاتف: ٨٣٦٨٣٨٢

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الحج
باب فضله وبيان من فُرضَ عليه
١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال: العمرة إلى العمرة
كفارة لمابينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )) متفق عليه .
المفردات
الحج : هو لغة القصد إلى شئ معظم ، واصطلاحا : قصد بيت الله الحرام
لأداء مناسك مخصوصة بصفة مخصوصة في زمن مخصوص .
والحج بفتح الحاءوكسرها. وهو أحد أركان الإسلام الخمسة .
فضله : أى فضل الحج .
من فُرضَ عليه : أى لزمه ووجب عليه .
العمرة : هى لغة الزيارة ، قال الحافظ في الفتح : وقيل إنها مشتقة
من عمارة المسجد الحرام، واصطلاحا هى الاحرام من الميقات
والطواف والسعى والحلق أو التقصير .
إلى العمرة : قيل: إن ((إلى)) هنا بمعنى مع ، والمراد العمرة بعد العمرة.
لما بينهما : أى لما بين العمرتين .
المبرور: أى المؤدى على نهج رسول الله عَ ل الخالي من
الرفث والفسوق والجدال .
جزاء : أى ثواب وأجر ومكافأة .
البحث
عنون المصنف رحمه الله بقوله: ((باب فضله)) يعنى فضل الحج
(٣)

وساق هذا الحديث وهو في فضل العمرة والحج ، ولاعيب في مثل هذا
الصنيع لأن المعيب أن يعنون لشئ ويأتى بأقل مما في العنوان .
وقد أخبر رسول الله عَ لله أن عمرة في رمضان تعدل حجة معه
صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم من
طريق عطاء قال : سمعت ابن عباس يحدثنا قال: قال رسول الله عَبطل}.
لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها : ((مامنعك أن تحجى
معنا؟)) قالت : لم يكن لنا إلا ناضحان فحج أبوولدها وابنها على ناضح
وترك لنا ناضحا نَنْضِحُ عليه ، قال : ((فإذا جاء رمضان فاعتمرى فإن
عمرة فيه تعدل حجة)) وفي رواية للبخاري ومسلم واللفظ للبخاري من
طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما رجع النبي عَّ
من حجته قال لأم سنان الأنصارية : ((مامنعك من الحج ?)) قالت :
أبو فلان تعنى زوجها كان له ناضحان حج على أحدهما والأخر يسقى
أرضًا لنا . قال فإن عمرة في رمضان تقضى حجة أوحجة معى)) وفي
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب : ((والحج المبرور ليس له
جزاء إلا الجنة)) زيادة فضل للحج عن الفضل الثابت بقوله صلى الله
عليه وسلم في الحديث الذى أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حج لله فلم يَرفثْ
ولم يفسُقْ رجع كيوم ولدته أمه)» .
مايفيده الحديث
١ - استحباب كثرة الاعتمار .
٢٠ - جواز الاعتمار قبل الحج .
٣ - جواز الاعتمار في أشهر الحج .
(٤)

٤ - وجوب الحرص على ترك الرفث والفسوق والجدال في الحج .
٢ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يارسول الله
على النساء جهاد ؟ قال: ((نعم عليهن جهاد لاقتال فيه : الحج
والعمرة)) رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له ، وإسناده صحيح ،
وأصله في الصحيح .
المفردات
على النساء جهاد : أى هل على النساء قتال في سبيل الله ؟
نعم عليهن جهاد لاقتال فيه : أى عليهن عمل يعطيهن الله
تعالى عليه أجر المجاهدين ولايتعرضن فيه للقتال ،
وفسره صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة ، وهذا
الجواب النبوى هو الأسلوب البلاغى المعروف
بأسلوب الحكيم ، وسمى الحج والعمرة جهادا لما
فيهما من مجاهدة النفس .
واللفظ له : أى لابن ماجه .
وأصله في الصحيح : أى في صحيح البخاري من حديث
عائشة رضي الله عنها .
البحث
أصل هذا الحديث الذى في الصحيح هو مارواه البخاري في
باب حج النساء من كتاب الحج من طريق مسدد : حدثنا
عبدالواحد حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال : حدثتنا عائشة
بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت :
(٥)

قلت : يارسول الله ! ألانغزو أو نجاهد معكم ؟ فقال : لكن
أحسن الجهاد وأجمله الحج ، حج مبرور)) فقالت عائشة : فلاأدع
الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
ورواه البخاري في باب فضل الحج المبرور قال : حدثنا عبدالرحمن
ابن المبارك حدثنا خالد أخبرنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت
طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : يارسول
الله نرى الجهاد أفضل العمل، قال: ((لكن أفضل الجهاد حج
مبرور)) قال الحافظ في الفتح : اختلف في ضبط لكن فالأكثر بضم
الكاف خطاب للنسوة ، قال القابسي : وهو الذي تميل إليه
نفسي ، وفي رواية الحموى : لكن بكسر الكاف وزيادة قبلها بلفظ
ألف
الاستدراك ، والأول أكثر فائدة لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج
وعلى جواب سؤالها عن الجهاد اهـ ولفظ الحديث الباب أخرجه ابن
ماجه من طريق محمد بن فضيل عن حبيب ، ببقية سند البخاري
ولذلك قال المصنف : إسناده صحيح ، وإطلاق لفظ الجهاد على
غير القتال قد ثبت كذلك في الصحيحين من حديث عبدالله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلا استأذن النبي عَلٍ في
الجهاد فقال: ((أحيّ والداك ؟ قال: نعم . قال: ففيهما فجاهد)).
مايفيده الحديث
١ - إن الحج والعمرة يقومان مقام القتال في سبيل الله
بالنسبة للنساء .
(٦)

٢ - وأن النساء لايجب عليهن القتال.
٣ - أن الحج والعمرة من الجهاد في سبيل الله .
****
٣ - وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: أتى النبيَّ
صلى الله عليه وسلم أعرابى فقال : يارسول الله ! أخبرنى عن
العمرة أَوَاجِبة هى ؟ فقال: ((لا. وأن تعتمر خير لك)) رواه أحمد
والترمذى ، والراجح وقفه ، وأخرجه ابن عَدِى من وجه آخر
ضعيف عن جابر مرفوعا ((الحج والعمرة فريضتان)).
المفردات
أعرابى : هو أحد الأعراب وهم سكان البادية .
عن العمرة : أى عن حكمها الشرعى .
فقال : لا : أى أخبره أنها غير واجبة .
خير لك : أى إن عمل العمرة مستحب .
وقفه : أى على جابر رضي الله عنه وليس من كلام
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
البحث
هذا الحديث عند أحمد والترمذى من رواية الحجاج بن أرطأة ،
وهو ضعيف . قال الحافظ في التلخيص : قال البيهقي : المحفوظ
عن جابر موقوف ، کذا رواه ابن جريج وغيره ، وروی عن جابر
(٧)

بخلاف ذلك مرفوعا ، يعنى حديث ابن لهيعة ، وكلاهما ضعيف ،
ثم أشار الحافظ إلى أنه قد نسب إلى الترمذى تصحيحه من هذا
الوجه ، وقد نبه صاحب الإِمام إلى أنه لم يزد على قوله حسن . ثم
قال : وفي تصحيحه نظر كثير من أجل الحجاج فإن الأكثر على
تضعيفه والاتفاق على أنه مدلس ، وقال النووى : ينبغى أن لايغتر
بكلام الترمذى في تصحيحه فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه ، وقد
نقل الترمذى عن الشافعى أنه قال : ليس في العمرة شئ ثابت، إِنها
تطوع ، وأفرط ابن حزم فقال : إنه مكذوب باطل اهـ ، والمراد
بالوجه الآخر الضعيف الذى أخرجه ابن عدى من حديث جابر
مرفوعا هو ماأخرجه ابن عدى من طريق ابن لهيعة ، وهو ضعيف
أيضا كما تقدم في كلام الحافظ في التلخيص ، ثم قال الحافظ في
التلخيص : ورواه ابن عدى من طريق أبى عصمة عن ابن المنكدر
أيضا ، وأبوعصمة كذبوه اهـ .
هذا وقد قال البخاري في صحيحه : باب وجوب العمرة
وفضلها)) وقال ابن عمر رضي الله عنهما : ليس أحد إلا وعليه
حجة وعمرة . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها لقرينتها في
كتاب الله عزوجل - وأتموا الحج والعمرة لله - قال الحافظ في
الفتح : والضمير في قوله: ((لقرينتها)) للفريضة ، وكان أصل الكلام
أن يقول: لقرينته)) لأن المراد الحج اهـ .
(٨)

٤ - وعن أنس رضي الله عنه قال : قيل : يارسول الله
ما السبيل ؟ قال: ((الزاد والراحلة)) رواه الدارقطنى وصححه الحاكم
والراجح إرساله . وأخرجه الترمذى من حديث ابن عمر وفي
إسناده ضعف .
المفردات
ما السبيل : أى الذى ذكره الله عزوجل حيث قال: ﴿ ولله
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴾
يعنى الشئِّ الذى يكون به الإنسان قادرا على
الحج وأصل السبيل الطريق .
الزاد : أى نفقة طعامه وشرابه .
الراحلة : أى المركب الذى يركبه من حيوان أو غيره يعنى إذا
كان بينه وبين مكة مسافة يحتاج فيها إلى الركوب .
البحث
أشار الحافظ في تلخيص الحبير إلى أن هذا الحديث قد أخرجه
الدار قطنى والحاكم والبيهقى ثم قال : قال البيهقى : الصواب عن
قتادة عن الحسن مرسلا يعنى الذى خرجه الدارقطنى ، وسنده
صحيح إلى الحسن ولاأرى الموصول إلا وهما ، وقد رواه الحاكم من
حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضا إلا أن الراوى عن
حماد هو أبو قتادة عبدالله بن واقد الحرانى ، وقد قال أبوحاتم :
(٩)

هو منكر الحديث ، ورواه الشافعى ، والترمذى ، وابن ماجه ،
والدارقطنى من حديث ابن عمر وقال الترمذى : حسن ، وهو من
رواية إبراهيم بن يزيد الخوزى وقد قال فيه أحمد والنسائى : متروك
الحديث ، ورواه ابن ماجه ، والدراقطنى من حديث ابن عباس ،
وسنده ضعيف أيضا ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس ، ورواه
الدراقطنى من حديث جابر ، ومن حديث علي بن أبي طالب ،
ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده ، وطرقها كلها ضعيفة ، وقد قال
عبدالحق : إن طرقها كلها ضعيفة ، وقال أبوبكر بن المنذر :
لايثبت الحديث في ذلك مسندا ، والصحيح من الروايات رواية
الحسن المرسلة اهـ .
*
٥ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه
وسلم لقى ركبا بالرّوحاء فقال : من القوم ؟ قالوا : المسلمون ،
فقالوا: من أنت قال: ((رسول الله)) فرفعت إليه امرأة صَبِيًّا
فقالت : ألهذا حَجِّ ؟ قال : نعم ولك أجر )) رواه مسلم .
المفردات
بالروحاء : هى موضع بين مكة والمدينة ويبعد عن المدينة
بحوالى ستة وثلاثين ميلا .
(١٠)

فقال : أى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
المسلمون : أى نحن المسلمون المنقادون لأمر الله وأمر رسوله
محمد صلى الله عليه وسلم .
من أنت : لعل استفهامهم عن شخصه صلى الله عليه وسلم :
إمَّا لأن الوقت كان ليلا فلم يروه صلى الله عليه
وسلم ، أو كان نهارا ولكن لم يكونوا قد رأوه
صلى الله عليه وسلم من قبل .
صبيا : أى طفلا .
ألهذا حج : أى أُيصح الحج من مثل هذا الصغير ؟ .
ولك أجر : أى ولك ثواب في تحجيجه ، وذلك بسبب أنها
سبب في حجه وتعليمه أفعال الحج التى يقدر
عليها إن كان مميزا ، أو أجرالنيابة عنه في
الاحرام والرمى والإِيقاف ، والحمل في الطواف
والسعى إِن لم يكن مميزا .
البحث
هذا الحديث ظاهر الدلالة على صحة حج الصبيان وإن لم يكن
الحج واجبا عليهم قال الحافظ في الفتح : قال ابن بطال : أجمع
أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبى حتى يبلغ اهـ وظاهر
ذلك أن حجه هذا لا يسقط الفرض عنه إن بلغ وإنما يكون له ثوابه
يحفظه الله له ، وذكر الحافظ أن الطحاوى رحمه الله ساق بإسناد
(١ ١ )

صحيح عن ابن عباس راوى هذا الحديث أنه قال : أيما غلام حج
به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى )) اهـ وقد عنون البخاري في
صحيحه فقال : باب حج الصبيان ثم روى بسنده عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: بعثنى أو قدَّمنى النبي عَّه في الثَّقل من
جَمْع بليل)» ثم ساق بإسناده عن السائب بن يزيد رضي الله عنهما
قال: حُجَّ بى مع رسول الله عٍَّ وأنا ابن سبع سنين))
مايفيده الحديث
١ - جواز حج الصبى .
٢ - ثبوت الأجر لمن تولی تحجيجه .
********
٦ - وعنه رضي الله عنه قال : كان الفضل بن عباس رديف
رسول الله عَ ◌ِّ ، فجاءت امرأة من خثعم ، فجعل الفضل
ينظر إليها، وتنظر إليه، وجعل النبي عَ ◌ّةٍ يَصْرِف وجهَ الفضل إلى
الشّق الآخر ، فقالت : يارسول الله إن فريضة الله على عباده في
الحج أدْرَكت أبي شيخا كبيرا لايثبت على الراحلة أَفَاحُجُ عنه ؟
قال: نعم)) وذلك في حجة الوداع . متفق عليه واللفظ للبخاري .
المفردات
وعنه : أى وعن ابن عباس رضي الله عنهما .
الفضل : هو ابن العباس بن عبدالمطلب ، وهو أكبر أبناء
(١٢)

العباس وبه كان يكنى ، وكان جميلا ، وقد مات
بالشام في طاعون عمواس ، وليس له عقب .
رديفه: أى يركب خلف رسول الله عَ ليه وكان الفضل على
عَجز راحلته عَ ◌ّهِ وكان رسول الله عَ لّه قد
أردف أسامة من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف
الفضل من المزدلفة إلى منى .
خثعم : قبيلة معروفة ، مساكنها تقع جنوبى مساكن
غامد وزهران .
يصرف وجه الفضل : أى يلويه حتى لايتمكن من النظر إليها .
الشِّق الآخر: أى إلى الجانب الآخر الذى لاتقع عينه فيه
على الخثعمية .
لا يثبت على الراحلة : أى لا يستطيع أن يستمسك على ظهر
راحلته .
قال : نعم : أى حجى عنه .
وذلك في حجة الوداع : أى وقصة هذا الحديث وقعت في
حجة الوداع قُبَيل رمى جمرة العقبة أو بعدها
يوم النحر .
البحث
لفظ مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :
كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١٣)

فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ،
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى
الشق الآخر ، قالت : يارسول الله ! إن فريضة الله على عباده في
الحج أدركت أبي شيخا كبيرا ، لايستطيع أن يثبت على الراحلة ،
أفأحج عنه ؟ قال: ((نعم)) وذلك في حجة الوداع )).
وفي لفظ لمسلم من طريق ابن جريج عن ابن شهاب عن سليمان
ابن يسار عن ابن عباس عن الفضل أن امرأة من خثعم قالت :
يارسول الله ! إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج ، وهو
لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره، فقال النبي عَرج: ((فحجى
عنه)) وفي لفظ للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع ، قالت : يارسول الله ،
إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لايستطيع أن يستوى على
الراحلة فهل يقضى عنه أن أحج عنه ؟ قال: ((نعم)) وقد ذكر
البخاري في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة صدر
هذا الحديث من طريق ابن جريج عن ابن شهاب عن سليمان بن
يسار عن ابن عباس عن الفضل بن عباس رضي الله عنه أن امرأة
ولم يكمل البخاري هذا الحديث من هذا السياق ، وقد ساقه مسلم
بتمامه من هذا السياق كما رأيت ، فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه
من الفضل فحدث به عنه مرة وحدَّث به من غير واسطة مرة
أخرى، قال الحافظ في الفتح : وإنما رجح البخاري الرواية عن
(١٤)

الفضل لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ، وكان
ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة كما سيأتى بعد
باب . وقد سبق في باب التلبية والتكبير من طريق عطاء عن ابن
عباس أن النبي صلى الله علية وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل
أنه لم يزل يلبى حتى رمى الجمرة ، فكأن الفضل حدَّث أخاه بما
شاهده في تلك الحالة ، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد
رمى جمرة العقبة فحضره ابن عباس فنقله تارة عن أخيه لكونه
صاحب القصة ، وتارة عما شاهده اهـ .
مايفيده الحديث
١ - جواز الحج عمن لا يستطيع أن يثبت على الراحلة .
٢ - العمل على منع النظر إلى الأجنبيات .
٣ - وأن تغيير المنكر باليد للقادر عليه مقدم على تغييره باللسان
٤ - وأنه يخشى على الصالحين ما يخشى على غيرهم من الفتنة
بالنساء .
٥ - العمل على عدم اختلاط النساء بالرجال .
٦ - إحرام المرأة في وجهها فيجوز كشفه عند أمن الفتنة .
٧ - أن الحج عن الوالد من بره .
٨ - أنه يجوز للمرأة الاستفتاء في العلم والترافع في الحكم ،
والمعاملة وإظهار صوتها في ذلك إذا لم تحدث فتنة .
(١٥)

٧ - وعنه رضي الله عنه أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمى نذرت أن تحج ، فلم تحج
حتى ماتت، أفأحج عنها ؟ قال: ((نعم حُجَّى عنها ، أرأيت
لو كان على أمك دَيْنُ أُكنتٍ قاضيته ؟ اقضوا الله ، فالله أحق
بالوفاء» رواه البخاري .
المفردات
وعنه : أى وعن ابن عباس رضي الله عنهما .
جهينة : قبيلة مشهورة كانت تسكن قرب ساحل البحر من
.
شمال ينبع ومن بلادها الحُرقات التى بعث إليها
رسول الله عَ له سرية فيها أسامة بن زيد رضي
الله عنهما .
نذرت : أى تعهدت والتزمت لله عزوجل .
قاضيته : أى مؤديته وموفيته .
اقضوا الله : أى أدُّوا ووفوا ماثبت في الذمة لله عزوجل .
أحق بالوفاء : أى أولى بأن يؤدى ماثبت في ذمة العباد له من سواه .
البحث
أخرج البخاري هذا الحديث في باب الحج والنذور عن الميت
والرجل يحج عن المرأة بهذا اللفظ من حديث أبي عوانة عن أبي
بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقد
(١٦)

أورد في كتاب النذور من رواية شعبة عن أبي بشر هذا الحديث
بلفظ: أتى رجل النبي عَ ◌ّه فقال: إن أختى نذرت أن تحج .
الحديث وفيه:«فاقض الله فهو أحق بالقضاء)) ولامعارضة في ذلك
الإمكان أن يكون الرجل سأل عن أخته وأن تكون المرأة سألت
عن أمها . قال الحافظ في الفتح : سيأتى في الصيام من طريق
أخرى عن سعيد بن جبير بلفظ : قالت امرأة إن أمى ماتت وعليها
صوم شهر ثم قال : وزعم بعض المخالفين أنه اضطراب يعل به
الحديث ، وليس كما قال ، فإنه محمول على أن المرأة سألت عن كل
من الصوم والحج ويدل عليه مارواه مسلم عن بريدة أن امرأة
قالت : يارسول الله إنى تصدقت على أمى بجارية وإنها ماتت قال :
وجب أجرك وردها عليك الميراث . قالت : إنه كان عليها صوم
شهر، أفأصوم عنها ؟ قال: ((صومى عنها)) قالت: إنها لم تحج،
أفأحج عنها ؟ قال: ((حجى عنها)) اهـ .
مايفيده الحديث
١ - جواز الحج عمن نذر أن يحج فمات قبل أن يحج .
٢ - مشروعية القياس .
٣ - أن ماالتزم به الميت ومات دون أن يوفيه فإن وليه يؤدى
عنه ذلك .
٤ - أن دين الله أحق بالقضاء .
(١٧)
----

٨ - وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : أيما صَبِىِّ حج ثم بلغ الحِنْث فعليه أن يحج حجة أخرى ،
وأيما عَبْدٍ حج ثم أعْتِقَ فعليه أن يحج حجة أخرى ))رواه ابن أبي
شيبة والبيهقى ورجاله ثقات ، إلا أنه اختُلِفَ فى رفعه ، والمحفوظ
أنه موقوف .
المفردات
وعنه : أى وعن ابن عباس رضي الله عنهما .
بلغ الحنث : أى أدرك البلوغ ، وأصل الحنث الإِثم ، أى إنه
بلغ الحال التى يكتب عليه حنثه ومايفعله من
الخطايا .
أَعْتِقَ : أى حرِّر من الرق .
حجة أخرى : أى غير التى حج أولا .
البحث
قال المصنف في تلخيص الحبير : حديث : أيما صبى حج ثم بلغ
فعليه حجة الاسلام ، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الاسلام ))
ابن خزيمة والاسماعيلي في مسندالأعمش ، والحاكم ، والبيهقى ، وابن
حزم وصححه ، والخطيب في التاريخ ، من حديث محمد بن
المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عنه
قال ابن خزيمة : الصحيح موقوف ، وأخرجه كذلك من رواية ابن
(١٨)

أبي عدى عن شعبة وقال البيهقى : تفرد برفعه محمد بن المنهال ،
ورواه الثوري عن شعبة موقوفا . قلت : لكن هو عند الاسماعيلي
والخطيب عن الحارث بن سريج عن يزيد بن زريع متابعة لمحمد بن
المنهال ويؤيد صحة رفعه مارواه ابن أبي شيبة في مصنفه : نا
أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال : احفظوا
عنى ولاتقولوا : قال ابن عباس فذكره - وهذا ظاهره أنه أراد أنه
مرفوع ، فلذا نهاهم عن نسبته إليه ، وفي الباب عن جابر ،
أخرجه ابن عدي بلفظ : ((لو حج صغير حجة لكان عليه حجة
أخرى - الحديث - وسنده ضعيف ، وأخرجه أبوداود في المراسيل
عن محمد بن كعب القرظى نحو حديث ابن عباس مرسلا ، وفيه
راوٍ مبهم اهـ وقول المصنف في البلوغ : والمحفوظ أنه موقوف
يعارض قوله في التلخيص : ويؤيد صحة رفعه الح ، والله أعلم .
*****
٩ - وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ له يخطب
يقول : لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولاتسافر المرأة إلا
مع ذى محرم)) فقام رجل فقال : يارسول الله ! إن امرأتى خرجت
حاجة وإنى اكْتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا ؟ قال : انطلق فحُجَّ مع
امرأتك)) متفق عليه ، واللفظ لمسلم .
المفردات
وعنه : أى وعن ابن عباس رضي الله عنهما .
(١٩ )

لا يخلون : أى لا ينفَرِدَن في خلوة ولايقعد وحده معها .
ومعهاذو محرم : أى قريب لها يحرم عليه نكاحها .
خرجت حاجة : أى أرادت أن تخرج قاصدة الحج وليس معها
أحد المحارم .
اكتتبت في غزوة كذا : أى أثبت اسمى فيمن يخرج فيها .
البحث
حرص الإسلام أشد الحرص على صيانة المجتمع الإسلامى من كل
أسباب الانهيار والانحلال ، وسد كل باب يتذرع منه الشيطان
الإِفساد أخلاق المسلمين ، وقد أثر أنه ماخلا رجل بامرأة أجنبية
عنه إلا كان الشيطان ثالثهما لذلك حرم الإِسلام على الرجل أن
يخلو بامرأة أجنبية عنه ، وحرم أن تسافر المرأة بلا محرم حتى ولو كان
سفرها للحج ، وقد جاء في لفظ البخاري من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما قال: قال النبي عَّ ◌ُله: لا تسافر المرأة إلا مع ذى
محرم ، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)) فقال رجل :
يارسول الله ، إنى أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا ، وامرأتى
تريد الحج ، فقال: ((اخرج معها)) وقد اقتصر في هذا الحديث
المتفق عليه على المحرم ولم يذكر الزوج لأنه معلوم أنه أولى من
المحرم ، وقد جاء في حديث البخاري من طريق قزعة عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه قال : أربع سمتهن من رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأعجبننى وأنقننى : أن لاتسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها
(٢٠)