النص المفهرس
صفحات 1-20
كتاب الجنائز ١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هاذم اللذات : الموت . رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان . المفردات الجنائز : جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها ، قال في القاموس : والجنازة الميت ويفتح . أو بالكسر الميت وبالفتح السرير أوعكسه أو بالكسر السرير مع الميت اهـ قال بعض أهل العلم : ولايقال نعش إلا إذا كان عليه الميت . هاذم : أى قاطع . البحث قال المصنف في تلخيص الحبير: حديث: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات)) أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم وابن السكن وابن طاهر كلهم من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة . وأعله الدارقطني بالإِرسال وفي الباب عن أنس عند البزار بزيادة . وصححه ابن السكن وقال أبو حاتم في العلل : لاأصل له . وعن عمر ذكره ابن طاهر في تخريج أحاديث الشهاب وفيه من لايعرف وذكره البغوي عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه مرسلا . (١) تنبيه : هاذم : ذكر السهيلي في الروض أن الرواية فيه بالذال المعجمة ومعناه القاطع وأما بالمهملة فمعناه المزيل للشيخ وليس ذلك مرادا هنا وفي النفى نظر لايخفى اهـ . ٢ - وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لابد متمنيا فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي . متفق عليه . المفردات لايتمنين أحدكم الموت : أى لايشتهين أحدكم الموت . لضر نزل به : أى بسبب بلاء أصابه . لا بد : أى لافرار ولا محالة . البحث نص هذا الحديث الصحيح على أنه لايحل لمسلم أن يشتهى الموت بسبب ماقد نزل به من مرض أو بلاء ومحنة أو فقر أو نحوذلك وإنما عليه بحبس النفس عن الجزع وعليه التمسك والالتزام بالصبر على القضاء والرضاء بأقدار الله عز وجل . أما تمنى الشهادة في سبيل الله فقد صح الخبر بها عن عمر بن الخطاب وعبدالله بن رواحة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أما ماحكاه الله تعالى من قول مريم: ((ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)) وكذلك قول يوسف عليه السلام: ((توفني مسلما وألحقني بالصالحين)) فقد (٢) نقل عن قتادة أن هذا كان سائغا في شريعتهم . وقال بعض أهل العلم : إذا كانت الفتنة في الدين فإنه يجوز تمنى الموت وحمل عليه قول مريم : ((ياليتني مت قبل هذا)) وكذلك قول السحرة لما آمنوا : ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين . وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث في الصحيحين : لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي . الحديث . وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لايتمنين أحدكم الموت ولايدع به من قبل أن يأتيه ، إنه إذا مات انقطع عمله وإنه لايزيد المؤمن عمره إلا خيرا . كما روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق قيس بن أبي حازم قال : دخلنا على خباب بن الأرت رضي الله عنه نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال : إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا وإنا أصبنا مالا نجد له موضعا إلا التراب ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبنى حائطا له فقال : إن المسلم ليؤجر في كل شئ ينفقه إلا في شئ يجعله في التراب . مايفيده الحديث ١ - كراهية تمنى الموت بسبب مرض أو نحوه . ٢ - إذا اضطر الانسان لتمنى الموت فليقل اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا .. الح الحديث . ٣ - وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ٣ قال : المؤمن يموت بعرق الجبين . رواه الترمذي وصححه ابن حبان . المفردات يموت بعرق الجبين : أى يموت وأثر الكد ظاهر عليه مثل العرق على الجبين وهو ماانكشف من الجبهة . أو هو كناية عن سكرات الموت . البحث هذا الحديث أخرجه الترمذي من طريق قتادة عن عبدالله بن بريدة عن أبيه وساقه ثم قال : قال أبوعيسى : هذا حديث حسن وقال بعض أهل الحديث لانعرف لقتادة سماعا من عبدالله بن بريدة اهـ ولعل الترمذي يعني ببعض أهل الحديث الذين نفوا سماع قتادة من ابن بريدة : الامام البخاري رحمه الله فقد جاء في تهذيب التهذيب : وقال البخاري : لايشبه أن قتادة سمع من بشر بن عائذ لأنه قديم الموت ولانعرف له سماعا من ابن بريدة اهـ . ٤ - وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله . رواه مسلم والأربعة . المفردات لقنوا موتاكم لا إله إلا الله : أى ذكروا من حضره الموت منكم بكلمة التوحيد بأن تتلفظوا بها عنده دون إرهاق فالمراد بالموتى هنا من هم في سياقة الموت . (٤) البحث قوله صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله . يحتمل أمر من في سياقة الموت بكلمة التوحيد بأن يقول له من حضره : قل لاإله إلا الله . ويحتمل أن المراد بالتلقين : مجرد ذكرها عنده لعله يتذكر فيتلفظ بها فينفعه الله بها لعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة . وقد عنون البخاري في صحيحه فقال : باب الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله وساق حديث أبي ذر رضي الله عنه - وهو متفق عليه - (( من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)) على أنه ينبغى لمن حضر إنسانا عند موته ألا يشق عليه بل يتلطف في تذكيره . وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من أبي طالب عند موته أن يقول لا إله إلا الله فقد روى البخاري ومسلم من حديث سعيد ابن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أباطالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبوجهل وعبدالله بن أبى أمية فقال : أى عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عندالله عز وجل ، فقال أبوجهل وعبدالله بن أبي أمية : ياأباطالب : أترغب عن ملة عبدالمطلب فقال : أنا على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك مالم أنه عنك . فنزلت ﴿ ماكان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ﴾ قال : ونزلت فيه إنك لاتهدی من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء (٥) مايستفاد من ذلك ١ - استحباب تلقين الميت وتذكيره بلا إله إلا الله عند سياقة الموت . ٢ - لافرق في التذكير بين أن يكون المحتضر مسلما أو كافرا . ٥ - وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اقرءوا على موتاكم يس . رواه أبوداود والنسائي وصححه ابن حبان . المفردات يس : أى سورة يس . البحث قال المصنف في تلخيص الحبير : اقرءوا يس على موتاكم ، أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه عن معقل بن يسار ولم يقل النسائي وابن ماجة عن أبيه وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه ونقل أبوبكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال : هذا حديث ضعيف الاسناد مجهول المتن ولايصح في الباب حديث اهـ . ** ٦ - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه (٦) ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر . فضج ناس من أهله فقال : لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة تؤمن على ماتقولون . ثم قال : اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ، ونور له فيه ، واخلفه في عقبه )) رواه مسلم . المفردات شق بصره : أى بقي مفتوحا قال النووي : هو بفتح الشين ورفع بصره وهو فاعل شق هكذا ضبطناه وهو المشهور وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضا والشين مفتوحة بلاخلاف يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره اهـ وقال المجد في القاموس : شق بصر الميت نظر إلى شئ لايرتد إليه طرفه ولاتقل شق الميت بصره اهـ . ضج ناس : أى صرخ ناس . قال ابن الأثير : الضجيج الصياح عند المكروه والمشقة والجزع . واخلفه في عقبه : أى كن خليفة له في ذريته بحفظك لهم وبركتك فيهم . في المهديين : أى في عبادك الصالحين الراشدين . وافسح له في قبره : أى وسع له فيه ولاتضيقه عليه ولاتعذبه فيه . البحث · هذا الحديث رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها بألفاظ منها (٧) أنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر ، فضج ناس من أهله فقال : لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ماتقولون ثم قال : اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفرلنا وله يارب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه . وفي لفظ : واخلفه في تركته وقال : اللهم أوسع له في قبره ولم يقل افسح له وفي لفظ : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ماتقولون ، قالت فلما مات أبوسلمة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يارسول الله إن أباسلمة قد مات قال: قولى اللهم اغفرلي وله واعقبني منه عقبي حسنة قالت : فقلت ، فأعقبني الله من هو خير لي منه محمدا صلى الله عليه وسلم وقد أرشد هذا الحديث إلى استحباب إغماض عين الميت وأنه لا يحل الضجيج عند الموت وأنه ينبغي للمصاب أن يصبر ويحتسب ولايقول إلا خيرا وأنه يخشى على من دعا على نفسه عند مصيبة الموت أن يبتليه الله بما يقول وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم ان يدعو على نفسه أو ولده أو ماله مطلقا وأكد هنا النهي عن الدعاء على النفس عند المصيبة . ودل الحديث أيضا على أن القبر قد يضيق على الميت وقد يتسع وهذه من شئون الغيب التي يجب الايمان بها . مايفيده الحديث ١ - استحباب تغميض عين الميت . ٢ - لا يحل إحداث الضجيج والصياح عند الموت . (٨) ٣ - يستحب أن يشتغل من حضر المصيبة بالدعاء للميت ولنفسه . ٤ - يخشى على من دعا على نفسه عند مصيبة الموت أن يعاقب بدعائه . ٥ - وجوب الايمان بنعيم القبر وعذابه نعوذ بالله من عذاب القبر . ٧ - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفى سجى بيرد حبرة . متفق عليه . المفردات. سجى : أى غطي جميع بدنه صلى الله عليه وسلم . ببرد حبرة : يعنى بحبرة من برود اليمن فالحبرة بكسر الحاء وفتح الباء نوع من برود اليمن مخططة غالية الثمن البحث ذكر البخاري رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها قالت : أقبل أبوبكر رضي الله عنه على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى بيرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله . الحديث . ولفظ مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سجى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات بثوب حبرة ، ولم يكن هذا الثوب الذي سجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كفنه فقد ثبت أنه صلى الله (٩) عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية . وقد جاء في لفظ المسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة يمنية كانت لعبدالله بن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة ولاقميص فقال : أكفن فيها ثم قال : لم يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكفن فيها ؟ فتصدق بثمنها . وفي لفظ : قال عبد الله : لورضيها الله عزوجل لنبيه لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها . مايفيده الحديث ١ - استحباب تغطية الميت بثوب حتى يغسل ويكفن . ٨ - وعنها رضي الله عنها أن أبابكر الصديق رضي الله عنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته . رواه البخاري . المفردات وعنها : أى وعن عائشة رضي الله عنها . البحث هذا الحديث مختصر من الحديث الذي ساقه البخاري تحت باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه ، وهو الحديث الذي سقت صدره عند بحث الحديث المتقدم . قال الحافظ في فتح الباري : قال ابن رشيد : موقع هذه الترجمة من الفقه أن الموت لما كان سبب تغيير محاسن الحى التي عهد عليها ولذلك أمر بتغميضه (١٠) وتغطيته كان ذلك مظنة للمنع من كشفه حتى قال النخعى : ينبغى ألا يطلع عليه إلا الغاسل له ومن يليه فترجم البخاري على جواز ذلك اهـ والاستدلال بهذا الحديث والذي قبله من جهة أنها فعلت ولم ينكرها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إجماعا ولم يختلف الأصوليون بأن إجماع الصحابة حجة . يضاف إلى ذلك أنه من عمل الراشدين الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم . مايفيده الحديث ١ - جواز تقبيل الميت . ٢ - جواز الكشف عن وجهه . ٩ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه . رواه أحمد والترمذي وحسنه . المفردات معلقة بدينه : أى محبوسة عن مقامها الكريم حتى يقضى عنه : أى حتى يؤدى عنه . البحث لقد حرص الاسلام على صيانة أموال الناس ، وشدد النكير على من يتلفها أو يستدين ولا يريد قضاء الدين ، وبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقترض وهو يريد الأداء أن الله تعالى .(١١) يؤدى عنه وتهدد من اقترض وهو لايريد الوفاء بأن الله يتلفه . فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله . وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شئ إلا الدين فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: القتل في سبيل الله يكفر كل شئ إلا الدين . كما روى مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم . وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك )) وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لايصلى على من مات وعليه دين حتى وسع الله عليه فصار يؤدى دينه ويصلى عليه ، فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل الميت ، عليه دين فيسأل هل ترك لدينه قضاء فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال: ((صلوا على صاحبكم )) فلما فتح الله عليه الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته . وقد أشار الله عز وجل إلى المبادرة بقضاء الدَّين عن الميت قبل تقسيم تركته فقال : ﴿ من بعد وصية يوصى بها أو دَين﴾ وقد أجمع علماء السلف والخلف على أن الدَّين مقدم على الوصية . (١٢) مايستفاد من ذلك ١ - وجوب المبادرة بقضاء دين الميت عنه . ٢ - أن الأعمال الصالحة التى يعملها الإنسان لايثاب عليها إلا بعد قضاء دينه : * ١٠ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي سقط عن راحلته فمات : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين . متفق عليه . المفردات في الذي سقط عن راحلته فمات : أى في الشخص الذي كان بعرفة حاجا فوقع من فوق ناقته فتوفى وهو محرم رضي الله عنه . وسدر : السدر هو شجر النبق والمراد : ورقه المطحون يخلط بالماء للغسل وهو يعمل عمل (الصابون). في ثوبين : أى في إزاره وردائه . البحث لفظ الحديث بتمامه في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما رجل واقف. بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال : أوقصته قال النبي صلى الله عليه وسلم : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولاتحنطوه ولاتخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا . وفي لفظ للبخاري : في ثوبيه . قال الحافظ في الفتح : قال المحب الطبري : إنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في (١٣) الشهيد حيث قال : زملوهم بدمائهم . مايفيده الحديث ١ - وجوب غسل الميت غير شهيد المعركة . ٢ - يجوز الاقتصار في الكفن على ثوبين ولاسيما المحرم . ٣ - يجب تكفين الميت . ٤ - يستحب أن يكون مع الماء الذي يغسل به الميت سدر فان لم يوجد وضع مع الماء مايقوم مقامه . ١١ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : والله ماندري نجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا أم لا . الحديث رواه أحمد وأبوداود . المفردات غسل رسول الله عَ لّم : أى قبل تكفينه . نجرد رسول الله عَ لم: أى نخلع عنه ثيابه ؟. البحث هذا الحديث رواه أبوداود من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني يحى بن عباد عن أبيه عباد بن عبدالله بن الزبير قال : سمعت عائشة تقول : لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : والله ماندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا ألقى الله (١٤) عليهم النوم حتى مامنهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لايدرون من هو ، أن غسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه ، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم وكانت عائشة تقول : لواستقبلت من أمری مااستدبرت ماغسله إلا نساؤه . مايستفاد من ذلك ١ - جواز تجريد الموتى عند تغسيلهم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ٢ - لابأس أن تغسل المرأة زوجها . ١٢ - وعن أم عطية رضي الله عنها قالت : دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال : اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن وذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور ، فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه فقال : أشعرنها إياه . متفق عليه . وفي رواية : ابدان بميامنها ومواضع الوضوء منها . وفي لفظ للبخاري : فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها . المفردات ابنته : هى زينب زوجة أبي العاص بن الربيع وهي أم أمامة التي صلى رسول الله عليه وسلم وهو يحملها وقد توفيت زينب رضي الله عنها سنة ثمان من (١٥) الهجرة وكانت أکبر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد التصريح بتسميتها في صحيح مسلم ولم يقع في شئ من روايات البخاري . اغسلنها ثلاثا : أى أفضن الماء عليها ثلاث مرات وقد جاء في رواية في الصحيحين : اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا .. الخ . قال النووی : المراد اغسلنها وترا ولیکن ثلاثا فإن احتجن إلى زيادة فخمسا ، وحاصله أن الايتار مطلوب والثلاث مستحبة فإن حصل الانقاء بها لم يشرع مافوقها وإلا زيد وترا حتى يحصل الانقاء والواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن اهـ . إن رأيتن ذلك : أى إن رأيتن أن الانقاء لا يحصل إلا بما فوق الخمس . فى الآخرة : أى في الغسلة الأخيرة . كافورا : الكافور نبت طيب نوره كنور الأقحوان ، وطيب یکون من شجر بجبال بحر الهند والصين يظل خلقا كثيرا وتألفه النمورة وخشبه أبيض هش ویوجد فى جوفه الكافور وهو أنواع ولونها أحمر قال الحافظ فى فتح الباري : قيل : الحكمة فى الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أن فيه تجفيفا وتبريدا وقوة نفوذ وخاصية في تصلب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع مايتخلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وهو أقوى الأرابيح الطيبة فى ذلك وهذا هو السر فى جعله فى الأخيرة إذ لو كان فى الأولى مثلا لأذهبه الماء. (م - ١) (١٦) فرغنا : أى انتهينا من غسلها رضي الله عنها . آذناه : أى أعلمناه . حقوه : أصل الحقو معقد الإزار ويطلق على الإزار وهو المراد هنا . أشعر نها إياه : أى الففنها به ، والشعار الثوب الذي يلى الجسد . وفي رواية : أى للبخاري ومسلم من حديث أم عطية رضي الله عنها . بميامنها : أى بنواحى اليمين من جسدها . ومواضع الوضوء منها : أى وأعضاء وضوئها. ويستحب التيامن فيها أيضا . فضفرنا شعرها ثلاثة قرون : أى جدلناه وجعلناه ضفائر ثلاثا ، وفي لفظ لمسلم عن أم عطية رضي الله عنها : فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث قرنيها وناصيتها . أى جعلنا شعرها ثلاثة أثلاث وجعلنا كل ثلث ضفيرة فحصلت ثلاث ضفائر : ضغيرتان منها قرناها وضفيرة ناصيتها . وأصل الضفر : النسج بإدخال بعض الشئ في بعضه . فألقيناها خلفها : أى جعلنا الضفائر الثلاث من جهة ظهرها . البحث . لقد بوب البخاري لحديث أم عطية عشرة أبواب في صحيحه متتابعة مستدلا لأبوابه به أو شارحا له ببعض هذه الأبواب فقال : باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر. وساقه ، ثم قال : باب مايستحب أن يغسل وترا ثم ساقه . ثم قال باب يبدأ بميامن الميت (١٧) ! الميت ثم ساقه ثم قال : باب مواضع الوضوء من الميت ثم ساقه ثم قال : باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل ثم ساقه ثم قال : باب يجعل الكافور في الأخيرة ثم ساقه ثم قال : باب نقض شعر المرأة ثم ساقه ثم قال : باب كيف الاشعار للميت ثم ساقه ثم قال : باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون ثم ساقه ثم قال : باب يلقى شعر المرأة خلفها ثم ساقه . ولانعلم حديثا كرره البخاري في صحيحه في عشرة أبواب متتابعة سوى حديث أم عطية هذا . وهذا يؤكد ماذكره ابن المنذر حيث قال : ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية ، وعليه عول الأئمة اهـ . مايفيده الحديث ١ - استحباب أن يكون غسل الميت وترا . ٢ - استحباب الزيادة من الأوتار إلى حد الإِنقاء. ٣ - استحباب جعل الكافور في الغسلة الأخيرة . ٤ - استحباب البداءة بميامن الميت في الغسل . ٥ - استحباب البدء بمواضع الوضوء والتيامن فيها أيضا . ٦ - استحباب ضفر شعر المرأة ثلاثة قرون وأن يجعل خلفها . ١٣ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولاعمامة . متفق عليه . المفردات سحولية : بفتح السين وضمها هي ثياب بيض نقية أو هي (١٨) ثياب يمنية قال ابن الأثير : الفتح منسوب إلى السحول وهو القصار لأنه يسحلها أى يغسلها أو إلى سحول وهي قرية باليمن وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي ولايكون إلا من قطن وفيه شذوذ لأنه نسب إلى الجمع وقيل إن اسم القرية بالضم أيضا اهـ . كرسف : أى قطن . البحث ساق البخاري رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها في أكثر من باب للاستدلال به على تراجمه هذه وهي باب الثياب البيض. للكفن وباب الكفن بغير قميص وباب الكفن بلاعمامة . والحديث ظاهر الدلالة لهذه الأبواب التي بوبها البخاري رحمه الله غير أنه قد جاء في حديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهم عند البخاري : أن قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في كفن عبدالله بن أبى فيشعر بجواز أن يكون مع الكفن قميص . غير أن مااختاره الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم من الكفن يكون هو أفضل الكفن فلا ينبغي أن يزاد عليه أو ينقص عنه في السعة والله أعلم . مايفيده الحديث ١ - استحباب الثياب البيض في الكفن . ٢ - استحباب أن يكون الكفن ثلاثة أثواب . ٣ - لايستحب القميص أو العمامة في الكفن . (١٩) ١٤ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما توفي عبدالله ابن ابي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعطني قميصك أكفنه فيه فأعطاه إياه . متفق عليه . المفردات عبدالله بن أبى : هو عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعنه الله . : هو عبدالله بن عبدالله بن ابي وكان هذا الابن ابنه رجلا صالحا من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شهد بدرا ومابعدها واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما . البحث ظاهر حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما هذا يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى عبدالله بن عبدالله بن أبي قميصه ليكفن أباه فيه وقد جاء في رواية للبخاري من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن عبدالله بن أبى لما توفى جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه ، وصل عليه واستغفر له فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه فقال : آذني أصلى عليه فآذنه فلما أراد أن يصلى عليه جذبه عمر رضي الله عنه فقال : أليس الله قد نهاك أن تصلى على المنافقين ؟ فقال : أنا بين خيرتين قال الله تعالى: ﴿ استغفرلهم أو (٢٠)