النص المفهرس

صفحات 161-180

البحث
أخرج البخاري في صحيحه في تفسير سورة الجمعة من حديث
جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : أقبلت عير يوم الجمعة
ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فثار الناس إلا اثنا عشر رجلا
فأنزل الله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ وقد روى
البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر رضي الله عنه
قال : بينما نحن نصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير
تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى مابقى مع النبي صلى الله عليه وسلم
إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا
انفضوا إليها وتركوك قائما ﴾ وقد روى البخاري هذا الحديث في
كتاب الجمعة ورواه أيضا في البيوع وزاد فيه (( أقبلت من
الشام)) وليس في هذا الحديث أنهم لم يرجعوا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ويحضروا الصلاة. والقرآن صرح أنهم تركوه عَّ له
قائما يعنى في الخطبة ولم يشر إلى مدة تركهم . والحرى بأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا كان منهم نفرة لهذا الحدث
بقدوم التجارة من الشام وأنهم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فعاتبهم الله تعالى على ذلك تأديبا وتعليما ولذلك قرن التجارة
باللهو. وهذا مشعر بأن الصبيان ومن لاتجب عليهم الجمعة كانوا قد
أحدثوا أصواتا مثيرة عند قدوم هذه التجارة من الشام مما يحمل
أباءهم على استجلاء الأمر مع ظنهم أن الأمر موسع لاسيما وأنه لم
يكن قد سبق فيه أمر من الله عز وجل أو من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وإن حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقديم أمر
(١٦١)

آجلتهم على أمر عاجلتهم وبعدهم عن لهو الحياة الدنيا مما لايتنازع
فيه عاقلان ولا يتناطح فيه قرنان ، فلم يصلنا العلم بالله ورسوله
صلى الله عليه وسلم ودين الاسلام إلا من طريقهم فرضي الله عنهم
ورضوا عنه . وحشرنا بفضله معهم .
مايستفاد من ذلك
١ - أن المشروع في الخطبة أن يخطب الامام قائما .
٢ - كراهية الانصراف إلى خارج المسجد بعد بدء الامام في
الخطبة .
*
٥ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها
فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته . رواه النسائي وابن ماجه
والدارقطني واللفظ له وإسناده صحيح لكن قوى أبوحاتم إرساله .
المفردات
وغيرها : أى من سائر الصلوات مع الأمام .
فليضف إليها : أى فليصل وليضم إليها .
أخرى : أى ركعة أخرى إن كانت الصلاة ثنائية أو
مابقي إن كانت الصلاة فوق ركعتين .
البحث
قال المصنف في تلخيص الحبير: في سند هذا الحديث عند النسائي
(١٦٢)

وابن ماجه والدار قطني : إنه من حديث بقية حدثني يونس بن
يزيد عن الزهري عن سالم عن أبيه رفعه : من أدرك ركعة من
صلاة الجمعة أوغيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته . وفي
لفظ : فقد أدرك الصلاة . قال ابن أبي داود والدارقطني : تفرد به
بقية عن يونس وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه : هذا خطأ في
المتن والاسناد وانما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة
مرفوعا : من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها ، وأما قوله من
صلاة الجمعة فوهم ، قلت إن سلم من وهم بقية ففيه تدليس
التسوية لأنه عنعن لشيخه وله طريق أخرى أخرجها ابن حبان في
الضعفاء من حديث إبراهيم بن عطية الثقفي عن يحي بن سعيد عن
الزهري به قال : وإبراهيم منكر الحديث جدا وكان هشيم يدلس
عنه أخبارا لا أصل لها وهو حديث خطأ ورواه يعيش بن الجهم
عن عبدالله بن نمر عن يخي بن سعيد عن نافع عن ابن عمر
أخرجه الدارقطني وأخرجه أيضا من حديث عيسى بن إبراهيم عن
عبدالعزيز بن مسلم والطبراني في الأوسط من حديث إبراهيم بن
سليمان الدباس عن عبدالعزيز بن مسلم عن يحي بن سعيد وادعى
أن عبدالعزيز تفرد به عن يحي بن سعيد وأن إبراهيم تفرد به عن
عبدالعزيز ووهم في الأمرين معا كما تراه وذكر الدارقطني في العلل
الاختلاف فيه وصوب وقفه اهـ قلت وإذا كان هذا الحديث بهذه
المثابة فكيف يصفه الحافظ في البلوغ هنا بأن إسناده صحيح ؟
******
٦ - وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما فمن
(١٦٣)
:

أنبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب . أخرجه مسلم .
المفردات
أنبأك : أخبرك وحدثك .
البحث
قد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر
وجلسنا حوله فقال : إن مما أخاف عليكم بعدي مايفتح عليكم من
زهرة الدنيا وزينتها فقال رجل أويأتي الخير بالشر يارسول الله ..
الح الحديث ، وقد فهم بعض الناس أن هذا دليل على الخطبة من
جلوس وخاولوا تأويله بأنه كان في غير خطبة الجمعة وليس الأمر
كما فهموا فإن عبارة : جلس على المنبر قد تستعمل ويراد بها القيام
على المنبر ولذلك روى البخاري ومسلم في قصة صنع المنبر لرسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لامرأة من الأنصار: ((مرى
غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ))
وقد جاء في بعض روايات حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند
البخاري ومسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على
المنبر فقال: إنما أخشى عليكم من بعدي مايفتح من بركات الأرض
.. الخ الحديث .
مايفيده الحديث
١ - أن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة
الجمعة أن يخطب قائما .
٢ - وأن الجلوس بين الخطبتين هو شريعة رسول الله عَ ليه .
(١٦٤)

٧ - وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا
صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم
ومساكم . ويقول : أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير
الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة . رواه
مسلم . وفي رواية له : كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم
يوم الجمعة يحمدالله ويثنى عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا
صوته . وفي رواية له : من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا
هادي له . وللنسائي : وكل ضلالة في النار .
المفردات
احمرت عيناه : أى تلالأت ولمعت وكأن نارا ونورا ينبعثان
منهما
علا صوته : أى ارتفع صوته .
واشتد غضبه : أى عندما كان يخوف من أمر عظيم يغضب
الله عزوجل
كأنه منذرجيش : أى يصير كمن رأى جيشا يريد أن يغزو
قومه فيحذرهم منه .
يقول : صبحكم ومساكم أى كأن الجيش على وشك
الاغارة على قومه صباحا ومساء .
خير الحديث : أى أفضل الكلام .
وخير الهدي هدي محمد : بفتح الهاء وسكون الدال في الهدي وهدى :
(١٦٥)

أى أحسن الطرق طريق محمد عَطاهٍ .
شر الأمور محدثاتها : أى أقبح الشؤون ماأحدث في دين الله
خلاف ماشرع الله .
وكل بدعة ضلالة : أى وكل ماأحدث في دين الله مخالف
لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم
وخلفائه الراشدين فهو بعيد عن الصراط
المستقيم .
على أثر ذلك : أى بعد افتتاح الخطبة بحمد الله والثناء عليه
من يهد الله فلامضل له : أى من يوفقه الله للعمل الصالح
ويسدده لايتمكن أحد من إضلاله وصرفه
عن صراط الله المستقيم .
ومن يضلل فلا هادي له : أى ومن يخذله الله عز وجل
ويصرفه عن طاعته فلا يتمكن أحد من
هدايته إلى الصراط المستقيم .
وفي رواية له : أى لمسلم من حديث جابر .
وللنسائي : أى من حديث جابر رضي الله عنه .
كل ضلالة في النار : أى كل ضلالة تسبب لصاحبها دخول
النار يعنى إلا من تاب أو عفى الله عنه .
البحث
قال النسائي : أخبرنا عتبة بن عبدالله قال أنبأنا ابن المبارك
قال : أنبأنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن
عبدالله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١٦٦)

يقول في خطبته : يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله ثم يقول : من
يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له : إن أصدق
الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها
وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ثم يقول :
بعثت أنا والساعة كهاتين . وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه
وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش يقول : صبحكم مساكم
ثم قال : من ترك مالا فلأهله ومن ترك دَينا أوضياعا فإليَّ أو عليّ
وأنا أولى بالمؤمنين . وسند هذا الحديث فيه عتبة بن عبدالله
اليحمدي أبوعبدالله المروزي قال: الحافظ في التقريب ((صدوق))
مايفيده الحديث
١ - استحباب اختيار العبارات الجامعة النافعة في الخطبة .
٢ - من السنة أن يقول : أما بعد .
٣ - من السنة أن يبدأ بحمدالله والثناء عليه .
٤ - أن الخطيب الحق هو من يتأثر بخطبته ويؤثر في السامعين
٨ - وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن طول صلاة الرجل
وقصر خطبته مئنة من فقهه . رواه مسلم .
المفردات
طول صلاة الرجل : أى تأديتها بسكينة وخشوع وعدم إساءتها
بتضييع أركانها .
وقصر خطبته : أى عدم التطويل فى الخطبة لأن
(١٦٧)

خير الكلام ماقل ودل والتطويل مملٍ .
: مثنة من فقهه : بفتح الميم وهمزة مكسورة ونون مشددة أى
علامة يعرف بها فقه الرجل . وكل شئ
دل على شئ فهو مئنة له .
البحث
لفظ هذا الحديث في صحيح مسلم من طريق أبي وائل قال :
خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا : ياأبا اليقظان لقد أبلغت
وأوجزت فلوكنت تنفست ؟ فقال إني سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مثنة من
فقهه . فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا . وإنما
يكون طول الصلاة وقصر الخطبة علامة على فقه الرجل لأن الصلاة
مقصودة بالذات والخطبة توطئة لها فالفقيه يصرف العناية إلى ماهو
الأهم وليس المراد بإطالة الصلاة هنا التطويل الممل الذي يشق على
الناس فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منه وإنما المراد إطالة
الصلاة بالنسبة إلى الخطبة .
مايفيده الحديث
١ - على الخطيب أن يحرص على عدم إطالة الخطبة .
٢ - وأن طول الخطبة ليس دليلا على علم الخطيب وبلاغته بل
هو دليل عدم فقهه .
٣ - ينبغي أن يكون وقت أداء الصلاة أطول من وقت الخطبة
*
٩ - وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنهما
(١٦٨)
:

قالت: ماأخذت ﴿ ق والقرآن المجيد ﴾ إلا عن لسان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس .
رواه مسلم .
المفردات
أم هشام بنت حارثة : هى إحدى المبايعات لرسول الله
صلى الله عليه وسلم وكانت من الأنصار
وهي صحابية مشهورة وإن لم يشتهر اسمها
وصنيع مسلم في صحيحه يدل على أنها
أخت لعمرة بنت عبدالرحمن من أمها
فإنه ساق الحديث عنها من طريق عمرة
بنت عبدالرحمن عن أخت لعمرة وذكر
الحديث ثم ساقه من طريق آخر عن
عن عمرة عن أخت لعمرة بنت عبدالرحمن
كانت أكبر منها بمثل الحديث السابق
ثم ساقه من طريق عبدالله بن محمد بن
معن عن بنت لحارثة بن النعمان وذكر
الحديث . ثم ساقه من طريق أخرى عن أم
هشام بنت حارثة بن النعمان وهذا يدل
على أنها أخت عمرة بنت عبدالرحمن من
أمها رضي الله عنهما .
ماأخذت : أى ما حفظت .
ق والقرآن المجيد : أى سورة ق والقرآن المجيد .
إذا خطب الناس: أى في خطبته عَ له للجمعة.
(١٦٩)

البحث
لفظ الحديث في صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن
النعمان قالت : لقد كان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه
وسلم واحد سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت ق والقرآن
المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم
جمعة على المنبر إذا خطب الناس . وقد ذكر أن سبب اختيار
رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرة قراءة هذه السورة على المنبر
يوم الجمعة لما اشتملت عليه من ذكر الموت والبعث والمواعظ
الشديدة كما كان يحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراءة
ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الانسان حين من الدهر في صبح
الجمعة لما اشتملت عليه السورتان كذلك من أحوال يوم القيامة
وشئون البعث وقد علم أن القيامة تقوم في يوم جمعة .
مايفيده الحديث
١ - استحباب قراءة مثل هذه السورة في خطبة الجمعة .
٢ - وأن تكرير بعض المواعظ من كتاب الله شئ مستحسن .
١٠ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو
كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليست له
جمعة . رواه أحمد بإسناد لابأس به وهو يفسر حديث أبي هريرة
رضي الله عنه في الصحيحين مرفوعا : إذا قلت لصاحبك أنصت
(١٧٠)

يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت .
المفردات
كمثل الحمار يحمل أسفارا : فهو شبيه بالحمار الذي يحمل.
كتباً ولا يدري مافيها والأسفار جمع سفر وهو
الكتاب .
له : أى للمتكلم .
أنصت : أى اسكت .
فقد لغوت : أى قلت اللغو وهو الباطل من الكلام. قال
الأخفش اللغو الكلام الذي لاأصل له من الباطل
وشبهه وقال ابن عرفة : اللغو السقط من القول
وقيل الميل عن الصواب وقيل الاثم، أفاده الحافظ
في الفتح .
البحث
قال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا ابن نمير عن مجالد عن
الشعبي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : من تكلم يوم الجمعة وذكر الحديث . قال في مجمع
الزوائد : رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وفيه مجالد بن سعيد
وقد ضعفه الناس ووثقه النسائي في رواية اهـ . وحديث أبي هريرة
في الصحيحين الذي أشار إليه المصنف واعتبره مفسرا لحديث ابن
عباس عند أحمد قد عنون له البخاري في صحيحه فقال : باب
الانصات يوم الجمعة والامام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد
لغا وقال سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم : ينصت إذا تكلم
(١٧١)

الامام حدثنا يحي بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن .
شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب أن أباهريرة أخبره أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم
الجمعة أنصت والامام يخطب. فقد لغوت » وقد نبه رسول الله.
صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث على ترك الكلام مهما كان سببه
والامام يخطب لأنه إذا جعل قوله للمتكلم أنصت لغوا مع كونه
آمرا بمعروف فغيره من الكلام أولى أن يسمى لغوا . وقد نقل
الحافظ في الفتح عن النضر بن شميل أنه قال : معنى لغوت : خبت
من الأجر وقيل بطلت فضيلة جمعتك اهـ . وقد أشار رسول الله
عَّلٍ إلى أن من أسباب المغفرة لمن أتى الجمعة أن يكون قد استمع
وأنصت فقد جاء في لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم أتى الجمعة
فاستمع وأنصت غفرله مابينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن
مس الحصى فقد لغا .
مایفیده الحديث
١ - وجوب الانصات للخطيب يوم الجمعة عندما يخطب .
٢ - جواز الكلام والامام يخطب في غير خطبة الجمعة
إذا لم يشوش على الخطيب .
٣ - أن من تكلم قبل شروع الخطيب في الخطبة لا يكون قدلغا
******
١١ - وعن جابر رضي الله عنه قال : دخل رجل يوم
الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال .
(١٧٢)

صليت ؟ قال : لا . قم فصل ركعتين . متفق عليه .
المفردات
رجل : هو سليك بن هدية وقيل ابن عمرو الغطفاني
وهو من غطفان من قيس عيلان من مضر وقد
جاءت تسميته في صحيح مسلم من حديث
جابر رضي اللّه عنه
فصل ركعتين : أى تحية المسجد .
البحث
قد روى البخاري هذا الحديث عن جابر بلفظ : جاء رجل والنبي
صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال : صليت يافلان ؟
قال لا. قال : قم فاركع . وفي لفظ لمسلم من حديث جابر : قال :
بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم : أصليت يافلان ؟ قال: لا . قال : قم
فاركع . وفي لفظ لمسلم من حديث جابر: قم فصل الركعتين . وفي
لفظ لمسلم من حديث جابر أنه قال : جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن
يصلى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أركعت ركعتين قال لا .
قال : قم فاركعهما . وفي لفظ لمسلم من حديث جابر رضي الله عنه
قال : جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يخطب فجلس فقال له ياسليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما ثم
قال : إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين
ولیتجوز فيهما .
(١٧٣)

مايفيده الحديث
٠ ١ - استحباب صلاة ركعتين ( تحية المسجد ) لمن جاء والامام
يخطب .
٢ - أن صلاة الركعتين هاتين لاتدخل في اللغو المحذور .
٣ - أن من أجاب الخطيب على سؤاله لايوصف بأنه قد لغا .
*
١٢ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌َّه كان
يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين . رواه مسلم وله عن
النعمان بن بشير رضي الله عنهما : كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة
سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية
المفردات
سورة الجمعة : أى في الركعة الأولى بعد الفاتحة .
والمنافقين : أى وسورة المنافقين في الركعة الثانية بعد
الفاتحة .
وله : أى ولمسلم .
في العيدين : أى عيد الفطر وعيد الأضحى .
وفي الجمعة : أى وفي صلاة الجمعة .
الغاشية : القيامة .
البحث
لفظ حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم : أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة
تنزيل السجدة وهل أتى على الانسان حين من الدهر ﴾ وأن النبي
(١٧٤)

صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة
والمنافقين . وتمام حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عند
مسلم : قال : وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما
أيضا في الصلاتين . وفي قراءة سورتى الجمعة والمنافقين في صلاة
الجمعة تذكير بآلاء الله على هذه الأمة ومن أعظم هذه النعم بعث
النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم.
. الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ولفت انتباه
من حمل العلم إلى الانتفاع به وعدم إضاعته وأن الجمعة من أعظم
النعم التي هدى الله إليها هذه الأمة كما أنه يذكر من في قلبه نفاق
أن يسارع إلى التوبة منه وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين إلى غير
ذلك من النعم . كما أن في قراءة سورة سبح اسم ربك الأعلى
وسورة هل أتاك حديث الغاشية تذكيرا بالحقائق الثلاث التي تدور
حولها السور المكية وهي تقرير التوحيد والرسالة والبعث وقد سبق
أن أشرنا إلى أن القيامة تقوم في يوم الجمعة .
مايفيده الحديث
١ - استحباب قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة
الجمعة .
٢ - استحباب قراءة سورة المنافقين في الركعة الثانية من صلاة
الجمعة . .
٣- استحباب قراءة سورة سبح اسم ربك الأعلى في الركعة
الأولى من صلاة الجمعة والعيدين .
٤ - استحباب قراءة سورة الغاشية في الركعة الثانية من صلاة
الجمعة والعيدين .
(١٧٥)

٥ - استحباب التخفيف على الجماعة .
١٣ - وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : صلى النبي
صلى الله عليه وسلم العيد ثم رخص في الجمعة فقال : من شاء
أن يصلى فليصل . رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة .
المفردات
العيد أى في يوم الجمعة
رخص في الجمعة : أى في صلاة الجمعة لمن صلى العيد يومها
من شاءأن يصلى : أى من رغب أن يصلى الجمعة .
البحث
قال أبوداود في سننه ((باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد))
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا إسرائيل ثنا عثمان بن المغيرة عن اياس
ابن أبي رملة الشامي قال : شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو
يسأل زيد بن أرقم قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم عيدين اجتمعا في يوم ؟ قال : نعم . قال : فكيفَ صنع ؟
قال : صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال : من شاء أن يصلى
فليصل . وعنون له ابن ماجه فقال : باب ماجاء فيما إذا اجتمع
العيدان في يوم ثم قال : حدثنا نصر بن علي الجهضي ثنا أبو أحمد ثنا
إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة الشامي قال :
سمعت رجلا سأل زيد بن أرقم : هل شهدت مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم عيدين في يوم ؟ قال: نعم . قال : فكيف كان
يصنع ؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة ثم قال : من شاء أن
(١٧٦)

يصلى فليصل . وإياس بن أبي رملة الشامي مجهول كما قال الحافظ
في التقريب وقد روى أبوداود من حديث أبي هريرة، وابن ماجه من
حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا
مجمعون إن شاء الله . وهذا الحديث عندهما من رواية بقية قال
حدثنا شعبة . لكن أباداود بعد أن ساقه بصيغة التحديث عن شعبة
قال : قال عمر - يعنى ابن حفص الوصابي أحد راوييه عن
بقية - قال : عن شعبة فيكون فيه تدليس بقية إلا أن راويه عند
ابن ماجه عن بقية هو محمد بن المصفى الحمضي وقد صرح
بتحديث بقية عن شعبة وهو كذلك أحد الراوبين عند أبي داود
عن بقية وقد صرح بالتحديث كما علمت، لذلك قال في الزوائد :
إسناده صحيح ورجاله ثقات . وهذا مبنى على أن عيب بقية هو
التدليس وحده وقد ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب عن ابن المبارك
أنه قال : كان صدوقا ولكنه كان يكتب عمن أقبل وأدبر . ونقل
الحافظ عن ابن عيينة أنه قال فيه : لاتسمعوا من بقية ماكان في
سنة واسمعوا منه ماكان في ثواب وغيره . ثم ذكر عن الامام أحمد
ابن حنبل ويحي بن معين وأبي زرعة وابن سعد والعجلي أنهم وثقوه
إذا حدث عن الثقات أما إذا حدث عن غير الثقات فلا يقبل
حديثه . وقد أخرج أبوداود من حديث محمد بن طريف البَجلي ثنا
أسباط عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح قال : صلى بنا ابن
الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم
يخرج إلينا فصلينا وحدانا وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا
ذلك له فقال : أصاب السنة . وسند هذا الأثر سند الصحيح وهو
(١٧٧)

مشعر بأن من لم يصل الجمعة إذا كانت يوم عيد مترخصا فإنه
يصلى الظهر. وقد شذ بعض الناس فزعم أن الجمعة والظهر
يسقطان عمن صلى العيد وهذا الأثر الصحيح يدل على بطلان
مذهبهم وتأكيد شذوذهم ، ومن شذوذهم استدلالهم بمثل هذا الأثر
على صحة صلاة الجمعة للمنفرد في بيته أو في المسجد لقوله فيه :
فصلينا وحدانا . وهو لم يذكر أنهم صلوا الجمعة وحدانا فهؤلاء
يتعلقون بخيط العنكبوت ترويجا لباطلهم . قال الصنعاني في سبل
السلام : ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة
الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله فالجزم
بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة - يكون
عيدا - على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال
أنه صلى الظهر في منزله بل في قول عطاء إنهم صلوا وحدانا أى
الظهر مايشعر بأنه لاقائل بسقوطه ولايقال إن مراده صلوا الجمعة
وحدانا فإنها لاتصح إلا جماعة إجماعا اهـ .
***
***
١٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا .
رواه مسلم .
المفردات
صلى أحدكم الجمعة : أى إذا فرغ المصلى من صلاة الجمعة .
فليصل بعدها : أى بعد صلاة الجمعة .
١ : أى أربع ركعات .
أربعـ
(١٧٨)

البحث
هذا الأمر (( فليصل)) ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب بدليل
ماجاء في إحدى روايات هذا الحديث عند مسلم من طريق أبي هريرة.
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان
منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا وفي لفظ : من كان مصليا بعد
الجمعة فليصل أربعا . ولأن الأصل أن الصلوات المفروضة خمس
لاتبديل فيها. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يصلى قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين. وبعد المغرب ركعتين في بيته
وبعد العشاء ركعتين وكان لايصلى بعدالجمعة حتى ينصرف فيصلى
ركعتين وفي لفظ لمسلم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يصلى بعد الجمعة ركعتين . وفي لفظ لمسلم عن عبدالله
يعنى ابن عمر أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين
في بيته ثم قال: كان رسول الله عَ ليه يصنع ذلك. وقد فهم بعض
أهل العلم من ذلك أنه إذا صلى بعد الجمعة في المسجد صلى أربع
ركعات وإذا صلى في بيته بعد الجمعة صلى ركعتين فحمل الأمر
بالأربع على من صلى في المسجد غير أن بعض روايات مسلم في
صحيحه تشعر بأن الأمر على السعة في ذلك كله فقد جاء في سياق
مسلم لهذا الحديث أنه قال : وحدثنا أبوبكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد
قالا : حدثنا عبدالله بن إدريس عن سهيل عن أبيه عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله عَ له: إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا
أربعا ( زاد عمرو في روايته قال ابن إدريس قال سهيل ) فإن عجل
بك شئ فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت .
(١٧٩)

مايفيده الحديث
١ - أنه يسن لمن صلى الجمعة أن يصلى بعدها أربعا وإن شاء
ركعتين .
٢ - أنه ليست للجمعة صلاة سنة قبلها .
١٥ - وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن معاوية
قال له : إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لانوصل صلاة
بصلاة حتى نتكلم أو نخرج . رواه مسلم .
المفردات
السائب بن يزيد : هو السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن
الأسود الكندي قال الحافظ في تهذيب
التهذيب: ويقال الأسدي أو الليثي أو الهذلي
وقال الزهري : هو من الأزد عداده في كنانة
وهو ابن أخت النمر لايعرفون إلا بذلك . له
ولأبيه صحبة اهـ وكان في حجة الوداع
ابن سبع سنوات . وقد روى عن النبي
صلى الله عليه وسلم وعن عمر وعثمان وأبيه
يزيد وخاله "العلاء بن الحضرمي وجماعة من
الصحابة رضي الله عنهم قال ابن عبدالبر :
كان عاملا لعمر على سوق المدينة وقد اختلف
في سنة وفاته فذكره البخاري في فصل من مات مابين
(١٨٠)