النص المفهرس
صفحات 501-520
والخامسة، والظاهر أنه - رضى الله عنه - اعتذر عما نسب إليه فى شأن عائشة فى أبيات سنذكرها،
فقبلت اعتذاره، وعطفت عليه بعد أن أصيب بالعمى.
( فقالت: يا بن أختى، دعه ) أى دع سبه وشتمه.
( فإنه كان ينافح عن رسول الله) أى كان يدافع بشعره عن رسول اللَّهِ ﴾.
وفى الرواية الخامسة ((إنه كان ينافح أو يهاجى عن رسول اللَّه لَ﴿)) وفى ملحقها ((كان
يذب عن رسول اللَّهِ وَ﴿)).
( يشبب بأبيات له، فقال:
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل )
حصان رزان ما تزن بريبة
((يشبب)) يعنى يتغزل، يذكر محاسن النساء، وهو هنا يذكر محاسن عائشة رضى الله عنها،
ويصفها بأنها ((حصان)) بفتح الحاء والصاد المخففة، أى محصنة عفيفة، ((رزان)) بفتح الراء والزاى،
أى كاملة العقل، يقال: رجل رزين، و((ما تزن بريبة)) أى ما تتهم بريبة، يقال: زبنته وأزننته إذا
ظننت به خيرا أو شرا، و ((غرثى)) بفتح الغين وسكون الراء وفتح الثاء، أى جائعة، ورجل غرثان،
وامرأة غرثى، معناه لا تغتاب الناس، لأنها لو اغتابتهم شبعت من لحومهم.
والمعنى أن عائشة رضى الله عنها محصنة عاقلة، لا تتهم بريبة، ولا تأكل لحوم الناس بالغيبة.
في الرواية الخامسة أنها قالت له، بعد سماعها هذا البيت: ((لكنك لست كذلك)).
وبعد هذا البيت قال:
نبي الهدى ذى المكرمات الفواضل
.
حليلة خير الناس دينا ومنصبا
كرام المساعى، مجدهم غير زائل
عقيلة حى من لؤى بن غالب
وطهرها من كل سوء وباطل
مهذبة قد طيب اللَّه خيمها
فلا رفعت سوطى إلى أناملى
فإن كنت قد قلت الذى قد زعمتمو
لآل رسول الله زين المحافل
وكيف وودى ما حييت ونصرتى
تقاصر عنه سورة المتطاول
له رتب عال على الناس كلهم
ولكنه قول امرئ بى ماحل
.*.
فإن الذى قد قيل ليس بلائـط
((قد طيب اللَّه خيمها)) أى قد طيب ريحها ، (( سورة المتطاول)) بفتح السين وسكون الواو، أى وثبة
مدعى الطول، و((ليس بلائط)) أى ليس بلاصق بى على الحقيقة، ((بى ماحل)) أى بى واش وساع بى
إلى ذى السلطان.
٥٠١
( قال حسان: يا رسول اللَّه، ائذن لى فى أبى سفيان) المراد بأبى سفيان هذا أبو
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبى ® وكان يؤدى النبى ₪ والمسلمين فى ذلك
الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه.
أى ائذن لى أن أهجوه وأذمه، وفى ملحق الرواية ((استأذن حسان بن ثابت النبى # فى هجاء
المشركين)» ولم يذكر أبا سفيان.
( قال: كيف بقرابتى منه؟ ) أى كيف لا يصيبنى الذم، وهو ابن عمى؟ إذا ذممته؟
( قال: والذى أكرمك لأسلنك منهم، كما تسل الشعرة من الخمير) المراد من الخمير
العجين، وصرح به فى الرواية السابعة، لأنه يتخمر غالبا، ومعناه لأتلطفن فى تخليص نسبك من
هجوه، بحيث لا يبقى جزء من نسبك فى نسبهم الذى ناله الهجو، كما أن الشعرة، إذا سلت من
العجين، لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لوسلت من شيء صلب، فإنها ربما انقطعت، فبقيت
منها فيه بقية.
( فقال حسان:
: بنوبنت مخزوم ووالدك العبد)
وإن سنام المجد من آل هاشم
ولم يذكر مسلم البيت الثانى، وبه تتم الفائدة، وهو المراد المقصود، وهو:
ومن ولدت أبناء زهرة منهمو .. كرام، ولم يقرب عجائزك المجد
والمراد ببنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، أم عبد الله والزبير وأبى
طالب، وقوله ((ومن ولدت أبناء زهرة منهمو)) مراده هالة بنت وهب بن عبد مناف، أم حمزة وصفية،
وأما قوله ((ووالدك العبد)) فهو سب لأبى سفيان بن الحارث، ومعناه أن أم الحارث بن عبد المطلب
والد أبى سفيان هذا، هى سمية بنت موهب، وموهب غلام لبنى عبد مناف، وكذا أم أبى سفيان بن
الحارث، كانت كذلك، وهو مراده بقوله: ((ولم يقرب عجائزك المجد)».
( قصيدته هذه ) بالنصب، مفعول به لفعل محذوف، أى اقرأ، أو راجع قصيدته هذه.
( اهجوا قريشا، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل ) الخطاب للمسلمين، أو للشعراء
المسلمين، وهو رفع الحظر، وإذن بالهجاء، بعد أن اشتد هجاء المشركين للإسلام ورسول اللّه لا
وللمسلمين، فأراد محاربتهم بنفس سلاحهم، وكان الشعر مدحا أو هجاء يرفع القبيلة أو يخفضها،
فكان أثره فى العرب بعامة أشد من الرمى بالسهام، و((الرشق)) بفتح الراء هى الرمى، وأما الرشق
بكسرها فهو اسم للنبل التى ترمى دفعة واحدة، وفى بعض النسخ ((رشق النبل)).
( فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم، فهجاهم، فلم يرض ) أى فلم يشف ما فى صدر
النبى وما فى صدر أصحابه من الغيظ.
٥٠٢
( فأرسل إلى كعب بن مالك ) فقال له: اهجهم، فهجاهم، فكان شأنه شأن ابن رواحة.
( ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه) أى على رسول اللّهلم﴿، وقد بلغه ما
كان من ابن رواحة وکعب.
( قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ) يصف نفسه
بالأسد بين الشعراء، قال العلماء: ومراد حسان من ((ذنبه)) لسانه، فشبه نفسه بالأسد فى انتقامه
وبطشه إذا اغتاظ، وحينئذ يضرب بذنبه جنبيه.
( ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه ) أى ثم أخرج لسانه عن الشفتين، يحركه يمنة ويسرة، كما
يفعل الأسد بذنبه، يقال: دلع لسانه، وأدلع لسانه، ودلع اللسان.
( فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم فرى الأديم ) أى لأمزقن أعراضهم تمزيق الجلد.
سأسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قال: أنت غير عليم بالأنساب، فيخشى من ذم نسب
أتصل به، ولكن عليك أولا بأبى بكر.
( فإن أبابكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لى فيهم نسبا، حتى يلخص لك نسبى )
ويخلصه من أنساب تتناولها بالهجاء.
( قالت عائشة: سمعت رسول الله يقول: هجاهم حسان، فشفى، واشتفى) أى
فشفى صدرى وشفى صدور المؤمنين، وشفى نفسه، وأذهب غيظنا وغيظه.
( قال حسان:
هجوت محمدًا، فأجبت عنه .. وعند اللَّه فى ذاك الجزاء )
يخاطب من هجا رسول اللّه ◌َل﴾، ويتوعده بأنه سيجيب ويدافع عن رسول اللّه﴿، إجابة ودفاعا
لا يدافعه مدافع، لأن أجره عند أعظم مجاز، وأكرم معط.
(هجوت محمدًا، برًا، تقيا
رسول الله شيمته الوفاء )
وفى بعض النسخ ((برا حنيفا)) والبر بفتح الباء واسع الخير، وهو مأخوذ من البر، بكسر الباء، وهو
الاتساع فى الإحسان، وهو اسم جامع للخير، وقيل: البرهنا بمعنى المتنزه عن المآثم، وأما الحنيف
فقيل: هو المستقيم، والأصح أنه المائل إلى الخير، وقيل: الحنيف التابع ملة إبراهيم عليه السلام
وقوله ((شيمته الوفاء)) أى خلقه الوفاء، وكلها منصوبة على الحال.
:· لعرض محمد منكم وقاء )
( فإن أبى ووالده وعرضی
قال النووى: هذا مما احتج به ابن قتيبة لمذهبه، أن عرض الإنسان هو نفسه، لا أسلافه، لأنه ذکر
عرضه وأسلافه بالعطف، وقال غيره: عرض الرجل أموره كلها، التى يحمد بها ويذم من نفسه،
وأسلافه، وكل ما لحقه نقص بعيبه، وأما قوله ((وقاء)) فبكسر الواو، وبالمد، وهو ما وقيت به الشىء.
٥٠٣
( تكلت بنيتى إن لم تروها
تثير النقع من كنفى كداء )
((كنفا كداء)) جانبا كداء، وهى ثنية على باب مكة، وفى بعض النسخ ((غايتها كداء)) وفى بعضها
((موعدها كداء)» يهدد قريشا والمشركين بمكة بأن خيل المسلمين ستثير الغبار فى جبال مكة،
فتغزوهم. وتهاجمهم، ويزيد فى وصف الخيل والفرسان، فيقول:
على أكتافها الأسل الظماء
..
( يبارين الأعنة مصعدات
تظل جيادنا متمطرات
تلطمهن بالخمر النساء )
ويروى ((يبارعن الأعنة)) وفى رواية ((يبارين الأسنة)) و((مصعدات)) أى مقبلات إليكم
ومتوجهات، دون تراجع ((على أكتافها الأسل الظماء)) أى فوق ظهورها الرماح العطشى إلى الدماء،
وفى بعض الروايات («الأسد الظماء)) أى الرجال المشبهون للأسد العطاش إلى دمائكم ((تظل جيادنا
متمطرات)) أى تظل خيولنا مسرعات، يسبق بعضها بعضا، كسيل المطر ((تلطمهن بالخمر النساء))
أى تمسحهن النساء بخمرهن، جمع خمار، أى يزلن عنهن الغبار بخمرهن، لعزتها وكرامتها عندهم،
وحكى القاضى أنه روى ((بالخمر)) بفتح الميم، جمع خمرة، وهو صحيح المعنى، لكن الأول هو
المعروف، وهو الأبلغ فى إكرامها.
وكان الفتح وانكشف الغطاء
( فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا
يعزاللَّه فيه من يشاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم ..
وقال الله قد أرسلت عبدًا
يقول الحق ليس به خفاء
هم الأنصار، عرضتها اللقاء
.::
وقال الله قد يسرت جندًا
سباب أوقتال أوهجاء
يلاقى كل يوم من معد
فمن يهجو رسول اللّه منكم
ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول اللَّه فينا ..
وروح القدس ليس له كفاء )
((قد يسرت جندا)) أى هيأتهم، وأرصدتهم لقتال المشركين ((عرضتها اللقاء)) بضم العين، أى
مقصودها ومطلوبها ((ليس له كفاء)) أى ليس له مماثل، ولا مقاوم.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- فضيلة لحسان بن ثابت ه فى دفاعه بشعره عن رسول اللّه ◌َ ل، وعلى الرغم من موقفه من الإفك
نرى عائشة رضى الله عنها تغفر له هذا الموقف، وتقدر له هجاء المشركين، ومدحه لرسول الله
﴿*، وتكرمه، وتذكره بخير، وتدافع عنه بل كانت تأذن له بالدخول، وتدعوله بالوسادة، وتقول: لا
٥٠٤
تؤذوا حسانا، فإنه كان ينصر رسول اللّه * بلسانه، وتقول: ما سمعت بشيء أحسن من شعر
حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة. ولما قيل لها: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل
اللَّه تعالى ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] قالت: وأى عذاب أشد من العمى،
وفى رواية ((أليس أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره، وكسع بالسيف))، تعنى ضربة
السيف التى ضربه إياها صفوان، حين بلغه أنه يتكلم فى ذلك.
٢- وفى الحديث جواز هجو الكفار، ما لم يكن أمان، ولا غيبة فيه، فقد أمر صلى الله عليه وسلم
بهجائهم، وطلبه من أصحابه، واحدا بعد واحد، وكان القصد النكاية فى الكفار، وقد أمر الله
تعالى بالجهاد فى الكفار، والإغلاظ عليهم، وكان هذا الهجو أشد عليهم من الرمى بالنبال، فكان
مندوبا لذلك، مع ما فيه من كف أذاهم، وبيان نقصهم، والانتصار للمسلمين بهجائهم.
قال النووى: قال العلماء: ينبغى ألا يبدأ المسلمون المشركين بالسب والهجاء، مخافة من سبهم
الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّوا اللَّه عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
[الأنعام: ١٠٨] ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة لابتدائهم به،
ككف أذاهم، كما فعل النبي ◌ٌ ﴾.
٣- قال النووى: وفيه جواز إنشاد الشعر فى المسجد، إذا كان مباحا، واستحبابه إذا كان فى مدح
الإسلام وأهله، أو فى هجاء الكفار، والتحريض على قتالهم، أو تحقيرهم ونحو ذلك.
وأما حديث (نهى رسول الله : ﴿ عن تناشد الأشعار فى المساجد)) فهو وإن رواه الترمذى وحسنه
فيجمع بينه وبين حديثنا بأن يحمل النهى على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه
ما سلم من ذلك، وقيل: المنهى عنه ما إذا كان التناشد غالبا على المسجد، حتى يتشاغل به من
فيه. والله أعلم.
٤- وفيه استحباب الدعاء لمن قال شعراً من هذا النوع.
٥- وفيه جواز الانتصار من الكفار، ويجوز الانتصار أيضا من غير الكفار بشروطه.
والله أعلم
٥٠٥
(٦٦٣) باب من فضائل أبى هريرة څ﴾.
٥٥٦٦- ١٩٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾(١٥٨) قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ،
فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَيْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ مَا أَكْرَهُ. فَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَأَنّا أَبْكِي. قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ. فَدَعَوَّتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا
أَكْرَهُ. فَادْعُ اللَّهَ أَن يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَه: «اللَّهُمَّ! اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ»
فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةٍ نَبِيِّ اللَّهِلَ﴿ِ. فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ. فَإِذَا هُوَ مُجَّافٌ.
فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ. فَقَالَتْ: مَكَانَكَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ:
فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنِ خِمَارِهَا. فَفَتَحَتِ الْبَابَ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!
أَشْهَدُ أَث لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهَِّ
فَأَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى
أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَث
يُحَبِّيْنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبَِّهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ه: «اللَّهُمَّ!
حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا- يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ- وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ» فَمَا
خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي، وَلا يَرَانِي إِلا أَحَبَّنِي.
٥٥٦٧ - ١٥٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِّ(١٥٩) قَال: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ
رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ. كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا، أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿َ عَلَى مِلْءٍ بَطْنِي.
وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: «مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي». فَبَسَطْتُ فَوْبِي حَتَّى
قَضَى حَدِيثَهُ. ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ. فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
٥٥٦٨- وفى رواية عَن أَبِي هُرَيْرَةَ﴾ِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا انْتَهَى
(١٥٨) حَدَّثَنَا عَمْرٌو الْنّاقِدُ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ حَدَّقْنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
حَدَّثَِّي أَبُو هُرَيْرَةً
(١٥٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانُ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ
الزُّهْرِيِّ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يقول
- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بَّنَ جَعْفَرِ بْنِ يَحْبَى بْنِ خَالِدٍ أَخْبُرَنَا مَعْنٌ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنًا
مَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ اَلأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٠٦
حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ :
«مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَةُ» إِلَى آخِرِهِ.
٥٥٦٩- شَّا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٦٠) قَالَتْ: أَلا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةً! جَاءً فَجَلَسَ
إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي. يُحَدِّثُ عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿. يُسْمِعُنِي ذَلِكَ. وَكُنْتُ أُسَبِّحُ. فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ
سُبْحَنِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ.
٥٥٧٠- ٢٠ْ وَفِي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠) قال: يقولون: إن أبا هريرةَ قَدْ أَكْثَرَ وَاللَّهُ
الْمَوْعِدُ. وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَن
ذَلِكَ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمِلُ أَرَضِيهِمْ. وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَان
يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ عَلَى مِلْءٍ بَطْنِي. فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا.
وَأَخْفَظُ إِذَا نَسُوا. وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَوْمًا: «أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِن حَدِيثِي هَذَا،
ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ» فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيٍّ. حَتَّى فَرَغَ مِن حَدِيثِهِ.
ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي. فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ وَلَوْلا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ
فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾
[البقرة/١٥٩، ١٦٠] إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
المعنى العام
أبو هريرة الدوسى، صاحب رسول الله ﴿، قال النووى: اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح
من ثلاثين قولا، وقال القطب الحلبى: اجتمع فى اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة فى
الكنى للحاكم وفى الاستيعاب وفى تاريخ ابن عساكر. قال البخارى: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل
العلم، وكان جريئا على أن يسأل رسول اللّه عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرا، وسكن الصفة، وصحب النبى 90 أربع
سنين، وقيل ثلاث سنين، قيل: كان سنه يوم أسلم ثلاثين عاما.
(١٦٠) وحَدَّثَيِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيُّ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ
أَنَّ عَائِشَةً قالت
(١٠) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ يَقُولُونَ
- وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُوِ الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو
سَلَّمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً عَّهَ قَالَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةً يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ
٥٠٧
كان يبتدئ حديثه بقوله: قال رسول اللّه* الصادق المصدوق أبو القاسم: ((من كذب على
متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)».
استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف ،فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال،
فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطية تتابعت، وخراج رفيق لى، فنظر، فوجدها كما قال، ثم دعاه
ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال: إنه يوسف عليه السلام، نبى الله،
وابن نبى اللَّه، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثا: أن أقول بغير علم، أو أقضى بغير حكم،
ويضرب ظهرى، ويشتم عرضى، وينزع مالى.
توفى بقصره بالعقيق، سنة ثمان وخمسين فحمل إلى المدينة، بعد أن عاش ثمانيا وسبعين سنة،
وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وكان أميراً يومئذ على المدينة، وكتب الوليد إلى معاوية
يخبره بموته، فكتب إليه: انظر من ترك؟ فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه
كان ممن نصر عثمان يوم الدار. رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
. (فادع الله أن يهدى أم أبى هريرة) كان الأصل أن يقول: أمى، ولكنه آثر التجريد، ليطابق
المدعو به، فإنه لن يقول: اللَّهم اهد أمك.
( فلما جئت فصرت إلى الباب ) أى فوصلت إلى باب بيتى.
( فإذا هو مجاف ) أى مغلق، يقال: أجاف الباب إذا رده، وفى حديث الحج أنه صلى اللّه
عليه وسلم دخل البيت، وأجاف الباب.
( فسمعت أمى خشف قدمى ) بفتح الخاء وسكون الشين، أى صوت قدمى فى الأرض.
( فقالت: مكانك ) ظرف لفعل محذوف، أى قف مكانك.
( وسمعت خضخضة الماء ) أى صوت تحريكه وصبه.
( ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ) درع المرأة قميصها، وخمارها
الثوب الذى تغطى به رأسها، وعجل عن كذا إلى كذا، أى أسرع إلى كذا متجاوزا كذا، والمعنى أنها
لبست القميص، وأسرعت إلى الباب تفتحه، تاركة خمارها.
( فما خلق مؤمن يسمع بى، ولا يرانى إلا أحبنى ) هذا فى اعتقاد أبى هريرة وعلمه، وما
يحسه من الناس، وليس بلازم، فحب جميع المؤمنين غاية لا تدرك.
( إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللّه*) الزعم مطية الكذب،
٥٠٨
وتستعمل المادة - غالبا - فيما ليس له أصل. و((يكثر الحديث)) أى يكثر ذكر الأحاديث والتحديث
والرواية والخطاب فى ((إنكم)) لبعض الصحابة، أى إن بعض الصحابة يقولون ... ، وفى الرواية الرابعة
((يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر)) وفى ملحقها ((إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول
اللَّه ◌َلَّ)) وفى رواية للبخارى ((إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة)).
( والله الموعد) بفتح الميم، وفيه حذف، تقديره: وعند اللَّه الموعد، لأن الموعد إما مصدر، وإما
ظرف زمان، أو ظرف مكان، وكل ذلك لا يخبر به عن اللَّه تعالى، ومراده أن اللّه تعالى يحاسبنى إن
تعمدت كذبًا، ويحاسب من ظن بى ظن السوء.
(كنت رجلا مسكينا، أخدم رسول اللَّه على ملء بطنى) أى ألازمه من أجل قوتى
اليومى، ولا أجمع مالا أدخره، وليس المراد الخدمة بالأجرة، و((ملء)) بكسر الميم، أى إن السبب
الأولى الذى اقتضى له كثرة الحديث عن رسول الله ﴿ أمران، ملازمته له، ليجد ما يأكله، لأنه لم يكن
له شيء يتجرفيه، ولا أرض يزرعها، ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه، خشية أن يفوته القوت،
فحصل له بهذه الملازمة كثرة سماعه الأقوال، ورؤيته الأفعال، مما لا يحصل لغيره، ممن لم يلازمه
ملازمته، الأمر الثانى ما سيذكره من دعاء النبي { له، وفى رواية للبخارى ((وإن أبا هريرة كان يلزم
رسول الله ﴿ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)).
( وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على
أموالهم) ((يشغلهم)) بفتح الياء، وحكى ضمها، والصفق فى الأسواق كناية عن التبايع، وكانوا
يصفقون بالأيدى من المتبايعين، بعضها على بعض، والسوق مؤنثة، وقد تذكر، سميت بذلك لقيام
الناس فيها على سوقهم، وفى الرواية الرابعة ((ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل
أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك. إن إخوانى من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضهم، وإن إخوانى من
المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق)).
(فقال رسول اللَّه:﴿: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئا سمعه منى، فبسطت ثوبى،
حتى قضى حديثه، ثم ضممته إلى، فما نسيت شيئا مما سمعته منه ) هذا هو السبب
الثانى، وفى الرواية الرابعة ((ولقد قال رسول اللَّه * يوما: أيكم يبسط ثوبه، فيأخذ من حديثى هذا، ثم
يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئا سمعه، فبسطت بردة على، حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى
صدرى، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا، حدثنى به)).
( أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ ) الخطاب من عائشة لابن أختها، عروة بن
الزبير، والمعنى: تعجب من أبى هريرة، فعند أبى داود ((ألا أعجبك من أبى هريرة)).
( جاء، فجلس إلى جنب حجرتى، يحدث عن النبى 8*، يسمعنى ذلك ) أى يسمعنى
أحاديث ليأخذ موافقتى على صحتها، أو ليسمع منى اعتراضا على بعضها.
٥٠٩
( وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضى سبحتى ) أى كنت أصلى نافلة الضحى.
(ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول اللَّه# لم يكن يسرد الحديث كسردكم) وكأن
عائشة لم توافق أبا هريرة على سرعة تحديثه، ومتابعة الحديث للحديث، والاستعجال فى رواية
الحديث، وكانت لو لحقته لنصحته أن يروى ما يروى فصلا، فهما، تفهمه القلوب، ولو لحقته لأنكرت
عليه الإسراع، وبينت له أن الترتيل فى التحديث أولى من السرد، وأن رسول الله ﴾﴾ لم يكن يسرد
الحديث كما يسرده أبو هريرة.
واعتذر بعضهم عن أبى هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل
عند إرادة التحديث، من تزاحم المعلومات.
( لولا آيتان أنزلهما الله فى كتابه، ما حدثت شيئا أبداً ) وفى رواية البخارى
((ما حدثت حديثا)) أى لولا أن اللَّه ذم الكاتمين للعلم، ما حدث أصلا، لكن لما كان الكتمان
حراماً، وجب الإظهار.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- استجابة دعاء الرسول # على الفور بعين المسئول، بخصوص هداية أم أبى هريرة.
٢- وهو من أعلام نبوته صلى اللّه عليه وسلم.
٣- واستحباب حمد الله عند حصول النعم.
٤- فضيلة أبى هريرة.
٥- فضيلة حفظ العلم، قالوا: ولم يحدث أبو هريرة بجميع محفوظاته، ومع ذلك فالموجود من حديثه
أكثر من الموجود من حديث غيره من المكثرين.
٦- أخذ من قوله فى الرواية الثانية ((فما نسيت شيئا سمعه منه)) ومن قوله فى الرواية الرابعة ((فما
نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثنى به)) أن أبا هريرة لم ينس شيئاً من الأحاديث التى سمعها،
وأن عدم النسيان عنده خاص بالحديث، فإن قيل: قد أخرج ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو
ابن أمية، قال: تحدثت عند أبى هريرة بحديث، فأنكره، فقلت: إنى سمعته منك؟ فقال: إن كنت
سمعته منى فهو مكتوب عندى)). فهذا يدل على وقوع نسيانه فى الحديث، ويحمل عدم النسيان
على عدم نسيان تلك المقالة، يستأنس لذلك برواية شعيب ((فما نسيت من مقالته تلك من شيء))
مما يخص عدم النسيان بتلك المقالة، ويلتحق بهذا حديث أبى سلمة عنه ((لا عدوى)) فإنه قال
فيه: إن أبا هريرة أنكره، قال: ((فما رأيته نسى شيئا غيره)). قال الحافظ ابن حجر: سند حديث
٥١٠
ابن وهب ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر، وسياق الكلام فى روايتنا يقتضى ترجيح العموم،
لأن أبا هريرة نبه بذلك على كثرة محفوظه من الحديث، والوثوق منها، فلا يصح حمله على تلك
المقالة وحدها.
٧- وعدم نسيان أبى هريرة معجزة واضحة، من علامات النبوة، لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد
اعترف أبو هريرة بأنه كان يكثر من النسيان، ثم تخلف عنه ببركة دعاء النبي {®، وفى المستدرك
للحاكم، من حديث زيد بن ثابت ه قال: «كنت أنا وأبو هريرة وآخر، عند النبى { ل﴾، فقال:
ادعوا، فدعوت أنا وصاحبى، وأمن النبى ﴿، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللَّهم إنى أسألك مثل ما
سألك صاحباى، وأسألك علما لا ينسى، فأمن النبى { *، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول اللّه. فقال:
سبقكما الغلام الدوسى».
٨- وفى عمل أبى هريرة فضيلة التقليل من الدنيا، وأنه أمكن لحفظ العلم.
٩- وفى انشغال المهاجرين والأنصار، وتقريرهم على ذلك فضيلة التكسب لمن له عيال.
١٠- وفيه جواز تحديث الإنسان بما فيه من فضائل، إذا اضطر إلى ذلك، وأمن من الإعجاب.
١١- وفى الحديث دلالة على حرصهم على التوثيق بالرواية، لقولهم: ((أكثر أبو هريرة)).
١٢- وأن كثيرا من أكابر الصحابة كان يغيب عنه بعض ما يقوله النبى 8 أو يفعله من
الأعمال التكليفية.
١٣ - وفيه الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن أحكام النبى * وسننه منقوله .. عنه بالتواتر،
وأنه لا يجوز العمل بما لم ينقل متواترا، وقد انعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد.
والله أعلم
٥١١
(٦٦٤) باب من فضائل حاطب بن أبي بلتعة ـ
٥٥٧١- لِْ عَنْ عَلِيِّ ◌َ﴾(١٦١) قَالَ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ. فَقَالَ:
«ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ. فَخُذُوهُ مِنْهَا» فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَّا خَيْلُنَا. فَإِذَا
نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ. فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَغُلْفِيَنَّ
الثِّيَّابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِن عِقَاصِهَا فَأَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَإِذَا فِيهِ: مِن خَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى
نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِن أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾:
«يَا حَاطِبُ! مَا هَذَا؟» قَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأْ مُلْصَقًّا فِي قُرَيْشٍ
(قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مِن أَنْفُسِهَا) وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ
قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ. فَأَحْيَبْتُ إِذْ فَاقْنِي ذَلِكَ مِنَ النِّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا
يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي. وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي. وَلا رِضَّا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلامِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «صَدَقَ» فَقَالَ عُمَرُ. دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ:
«إِنّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلٍ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ
غَفَرْتُ لَكُمْ)) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
[الممتحنة/١] وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الآيَةِ. وَجَعَلَهَا إِسْحَقُ فِي رِوَايَتِهِ، مِن
تِلاوَةٍ سُفْيَانَ.
٥٥٧٢- وَفِي رواية عَنْ عَلِيٍّ ◌َهِ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَأَبَا مَرْتَدِ الْغَنَوِيَّ
وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ. وَكُلُنَا فَارِسٌ. فَقَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ. فَإِنَّ بِهَا
امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِن خَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ» فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ.
٥٥٧٣- ١٦٢ عَنْ جَابِ ﴾(١٢٢) أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِلَ يَشْكُو حَاطِبًا.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيَدْخُلَنَّ خَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «كَذَبْتَ لا يَدْخُلُهَا. فَإِنَّهُ
شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَّنِيَةَ».
(١٦١) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمِّرَ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو قَالَ إِسْحَقُ
أَخْبَرَنَا وقَالَ الآخَرُونَ خَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنْ عَمْرٍوَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَخْبُرَنِي عَبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَهُوَ ◌َّكَاتِبُ
عَلِيٌّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَقُولُ
(١٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْثَنَا لَيْثٌ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبِيْرِ عَنْ جَابِرٍ
٥١٢
المعنى العام
حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمى، حليف بنى أسد بن
عبد العزى، وقيل: كان عبدا لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه، فأدى مكاتبته،
وقيل: كان رجلا من أهل اليمن، شهد بدرا والحديبية، ومات سنة ثلاثين من الهجرة، وهو ابن خمس
وستين سنة وصلى عليه عثمان ـ
وكان رسول الله﴿ قد بعث حاطب بن أبى بلتعة فى سنة ست من الهجرة إلى
المقوقس، صاحب مصر والإسكندرية، فأتاه من عنده بهدية، منها مارية القبطية وسيرين
أختها، فاتخذ رسول الله * مارية لنفسه، فولدت له إبراهيم ابنه، ووهب سيرين لحسان
ابن ثابت، فولدت له عبد الرحمن.
وبعث أبو بكر الصديق حاطب بن أبى بلتعة أيضا إلى المقوقس بمصر، فصالحهم، فلم يزالوا
كذلك حتى دخلها عمرو بن العاص، وقاتلهم، وافتتح مصر سنة إحدى وعشرين، فى خلافة عمر بن
الخطاب، روى عن حاطب بن أبي بلتعة أنه قال: ((بعثنى رسول الله# إلى المقوقس، ملك
الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول اللّه ، فأنزلنى فى منزله، وأقمت عنده ليالى، ثم بعث إلى، وقد
جمع بطارقته، فقال: إنى سأكلمك بكلام، أحب أن تفهمه منى. قال: قلت: هلم، قال: أخبرنى عن
صاحبك. أليس هو نبى؟ قال: قلت: بلى. هو رسول اللّهِ﴾. قال: فما له؟ حيث كان هكذا، لم يدع على
قومه، حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم، أتشهد أنه رسول اللَّه؟ قال:
نعم. قال: فما باله؟ حيث أخذه قومه، فأرادوا صلبه، فماله لم يكن دعا عليهم بأن يهلكهم الله، حتى
رفعه الله إليه فى سماء الدنيا؟ قال: أحسنت. أنت حكيم، جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها
معك إلى محمد، وأرسل معك من يبلغك إلى مأمنك)».
رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
(بعثنا رسول اللَّه أنا والزبير والمقداد) وفى ملحق الرواية عن على طلبه ((بعثنى رسول
اللَّه ◌َ﴾ وأبا مرثد الغنوى والزبير بن العوام، وكلنا فارس)) قال العلماء: لا منافاة، بل بعث الأربعة، عليا
والزبير والمقداد وأبا مرتد، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، بل لم يذكر ابن إسحاق مع على
والزبير أحداً، وساق الخبر بالتثنية، قال: ((فخرجا حتى أدركاها، فاستنزلاها)» ويحتمل سبق اثنين
من الأربعة إليها.
( فقال ائتوا روضة خاخ ) قال النووى: هى بخاءين. هذا هو الصواب الذى قاله العلماء كافة
فى جميع الطوائف وفى جميع الروايات، والكتب، ووقع فى البخارى من رواية أبى عوانة ((حاج))
٥١٣
بالحاء والجيم، واتفق العلماء على أنه غلط، وإنما اشتبه على أبى عوانة بذات حاج، وهى موضع بين
المدينة والشام، على طريق الحجيج، وأما روضة خاخ فبين مكة والمدينة، بقرب المدينة.
( فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها ) فى ملحق الرواية ((فقال: انطلقوا، حتى
تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب إلى المشركين ... )) والمراد
بالظعينة هنا المرأة وأصلها الراحلة أو الهودج، وذكرابن إسحاق أن اسمها سارة، وذكر الواقدى أن
اسمها كنود، وفى رواية أم سارة، وذكر الواقدى أن حاطبا جعل لها عشرة دنانير على ذلك، وقيل:
دينارا واحدا، وهو أقرب، وقيل: إنها كانت مولاة العباس.
( فانطلقنا تعادى بنا خيلنا ) بفتح التاء وحذف إحدى التاءين، والأصل تتعادى بنا خيلنا،
أى تجرى بنا وتتبارى، وتتسابق، يقال: عدا يعدوعدوا، وتعادوا أى تباروا فى العدو.
( فإذا نحن بالمرأة) فى رواية للبخارى ((فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا
الروضة، إذا نحن بالظعينة)) أى فأنزلوها عن راحلتها، ففى رواية للبخارى ((فأدركناها تسير
على بعير لها، فأنخناها».
( فقلنا: أخرجى الكتاب، فقالت: ما معى كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو
لتلقين الثياب ) ((لتخرجن)) بالتاء وكسر الجيم، أمرلها مؤكد بالنون، أو ((لتلقين)) ضبطت بالتاء
خطاب لها، قال الحافظ ابن حجر: والوجه حذف الياء، وضبطت، بالنون وكسر القاف وفتح الياء
بعدها نون التوكيد على أنه للمتكلمين، وفى رواية للبخارى ((فالتمسنا، فلم نركتابا، فقلنا: ما كذب
رسول اللَّه ◌ُ﴾، لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك، فلما رأت الجد، أهوت إلى حجزتها - وهى محتجزة
بكساء - فأخرجته)) والحجزة بضم الحاء وسكون الجيم معقد الإزار والسراويل.
( فأخرجته من عقاصها ) بكسر العين، أى شعرها المضفور، جمع عقصة، بكسر العين
وسكون القاف، وهى الخصلة من الشعر معقوصة، والعقاص أيضا بكسر العين خيط تشد به أطراف
الذوائب، وجمعه عقص بضم العين والقاف، وجمع بين إخراج الكتاب من عقاصها أو حجزتها، بأنها
أخرجته أولا من حجزتها، فأخفته فى عقاصها، ثم اضطرت إلى إخراجه، أو بالعكس، أو بأن تكون
عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته فى عقيصتها، وغرزته بحجزتها.
( فأتينا به رسول اللَّه ﴿) ظاهره أنهم رجعوا بالكتاب وتركوها، لكن فى رواية للبخارى فى
باب فضل من شهد بدرا «فأخرجته، فأنطلقنا بها إلى رسول الله ﴿)) فيحتمل أنهم أخذوها معهم،
فأطلقها رسول اللّه ﴿، فهى غير مذنبة إذ لم تكن مسلمة، أو كانت مسلمة ولم تعلم ما فى الكتاب.
( فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكة ) لم
تذكر أسماء المرسل إليهم فى الصحيح، لكن روى الواقدى بسند له مرسل ((أن حاطبا كتب إلى سهيل
ابن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة: أن رسول اللَّه﴿ أذن فى الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم،
وقد أحببت أن يكون لى عندكم يد)).
٥١٤
( يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه #) هذا الأمر هو التهيؤ للغزو، ولم يكن يعلم الحقيقة علما،
بل استنبط هو من قبله، فقد كان رسول الله® يخفى أمر الغزوة لأهميتها، حتى قال لعائشة:
جهزينى، ولا تعلمى بذلك أحدا، فدخل عليها أبو بكر، فأنكر بعض شأنها، فقال: ما هذا؟ قالت له.
فقال: والله ما انقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي ** ، فذكر له أنهم أول من غدر، ثم أمر بالطرق،
فحبست، ليعمى على أهل مكة، لا يأتيهم الخبر، فيستعدون ويجمعون الأحلاف.
وذكر بعض أهل المغازى أن لفظ الكتاب ((أما بعد. يا معشر قريش، فإن رسول اللّه ح ﴾.
جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وأنجزله وعده.
انظروا لأنفسكم. والسلام)).
(فقال رسول اللَّهِ﴿: ياحاطب، ما هذا؟) معطوف على محذوف، ظهر فى رواية
للبخارى وهو ((فأرسل إلى حاطب)) فجاء، فقال له .... وفى رواية ((ما حملك على هذا»؟ وفى رواية
للبخارى ((ما حملك على ما صنعت)»؟.
( قال: لا تعجل على يا رسول الله، إنى كنت امرأ ملصقا فى قريش ) قال الراوى:
((كان حليفا لهم، ولم يكن من أنفسها)).
( وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون بها أهليهم، فأحببت -
إذا فاتنى ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا، يحمون بها قرابتى ) وفى رواية
للبخارى ((أردت أن تكون لى عند القوم يد، يدفع اللَّه بها عن أهلى ومالى، وليس أحد من أصحابك إلا
له هناك من عشيرته، من يدفع الله به عن أهله وماله» وفى رواية أخرى للبخارى «كنت امرأ من
قريش، ولم أكن من أنفسهم)) أى كنت منهم بالحلف، وحليف القوم منهم، وعند أحمد ((كنت غريبا))
قال السهيلى: كان حاطب حليفاً لعبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى.
وعند ابن إسحاق ((وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه» يقال: كان له بمكة أولاده
وإخوته وأمه.
(ولم أفعله كفرا، ولا ارتداداً عن دينى، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ) وفى رواية
للبخارى ((واللَّه ما بى أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله ﴿)).
(فقال النبى#: صدق) وفى رواية للبخارى ((أنه قد صدقكم)) بتخفيف الدال، أى قال
الصدق، وفى رواية أخرى للبخارى ((أما إنه قد صدقكم)) وفى أخرى للبخارى أيضًا ((صدق، ولا تقولوا
له إلا خيرًا» وفى رواية ((فصدقه النبى وُ ﴿)).
( فقال عمر: دعنى يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه قد شهد بدرًا،
وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ماشئتم، فقد غفرت لكم) ما سبق
من ذنوبكم، وسأغفر لكم ما يلحق منها.
٥١٥
وسيأتى تفصيل لذلك فى فقه الحديث، وفى رواية للبخارى ((اعملوا ما شئتم، فقد
وجبت لكم الجنة ».
والروايات فى أكثر النسخ بصيغة الترجى ((لعل)) والترجى من اللَّه واقع.
وإنما قال عمر ذلك، مع تصديق رسول الله# لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر من القوة
فى الدين، وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رسول الله ﴿ استحق القتل،
لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن فى قتله، وأطلق عليه منافقا، لكونه أبطن خلاف ما أظهر، وعذر
حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولا أن لا ضرر فيه، وعند الطبرى ((فقال: أليس قد شهد بدرا؟ قال:
بلى، ولكنه نكث، وظاهر أعداءك عليك)) وفى رواية للبخارى ((فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين،
فدعنى فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ لعل اللَّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم،
فقد وجبت لكم الجنة، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم)).
(فأنزل اللَّه عزوجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ
إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءً مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا
أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾) [الممتحنة: ١].
(أن عبدا لحاطب، جاء رسول اللّه ، يشكو حاطباً) كان حاطب ظه شديدا على
الرقيق، وفى الموطأ أن عمر ظه قال لحاطب - حين نحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة - أراك
تجيعهم، وأضعف عليه القيمة، على جهة الأدب والردع له.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- فضيلة عظيمة لأهل بدر، من قوله: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) وقد اتفق العلماء على أن هذا
الوعد الكريم يشمل كل ما سبق لهم من ذنوب قبل يوم بدر، والخلاف فيما يحصل منهم من ذنوب
بعد بدر، هل تدخل فى هذا الوعد؟ فتقع منهم مغفورة؟ أو يلهمون بعدها التوبة فتغفر؟ أولا
تدخل؟ وشأنهم فى ذنوبهم اللاحقة لبدر شأن غيرهم؟ قولان:
الأول قال ابن الجوزى: ليس هذا على الاستقبال، وإنما هو على الماضى، لأنه لوكان للمستقبل
كان جوابه: فسأغفرلكم، ولو كان كذلك لكان إطلاقا فى الذنوب - أى إذنا ودعوة للذنوب - ولا
يصح.اهـ ويؤيده اتفاق العلماء على أنهم لا يعفون من الحد، إذا وقع من أحدهم ما يوجب الحد،
فلوكانت ذنوبهم مغفورة ما حدوا، فإقامة الحد دليل قيام الذنب، وعدم مغفرته.
الثانى: قول الجمهور، يقول القرطبى: ((اعملوا)» صيغة أمر، وهى موضوعة للاستقبال، ولم تضعها
٥١٦
العرب صيغة للماضى، لا بقرينة ولا بغيرها، لأنها بمعنى الإنشاء والابتداء، وقوله: ((اعملوا ما
شئتم)» يحمل على طلب الفعل، ولا يصح أن يكون معنى الماضى، ولا يمكن أن يحمل على
الإيجاب، فتعين الحمل على الإباحة، قال: وقد ظهرلى أن هذا الخطاب خطاب تشريف وإكرام،
تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة، غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يغفر لهم ما يستأنف
من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه، وقد ظهر أن اللَّه صدق رسوله
فى كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة، إلى أن فارقوا الدنيا،
ولو قدر صدور شىء من أحدهم لبادر إلى التوبة، ولازم الطريق المثلى، ويعلم ذلك من أحوالهم
بالقطع من اطلع على سيرهم. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فقد غفرت لكم)) أن ذنوبكم تقع مغفورة،
لا أن المراد أنه لا يصدر منهم ذنب، وقد شهد مسطح بدرا، ووقع فى إفك عائشة، فكأن اللّه
لكرامتهم عليه، بشرهم على لسان نبيه أنهم مغفور لهم، ولو وقع منهم ما وقع. اهـ
ويجيب الجمهور على شبهة الآخرين بأن التعبير بالماضى قد يكون على المستقبل مبالغة فى
تحققه، كما فى قوله تعالى ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أى سيأتى أمر اللَّه، فمعنى ((غفرت لكم))
أى سأغفرلكم، على أن الطبرى أخرجه بلفظ «فإنى غافر لكم)) وفى مغازى ابن عائذ، من مرسل
عروة ((اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم)).
أما شهبة أن الأمر بقوله: ((اعملوا ما شئتم)» فيه إطلاق للذنوب، ولا يصح، فإنه معقول مع
المكثرين من الذنوب، أما هؤلاء الصفوة الذين وهبوا حياتهم للَّه، فإن فتح باب المعصية لهم لا
يدفع بهم إليها، بل فى ذلك ما يزيد امتناعهم وبعدهم عنها، وكلما قرب الله عبدا منه كلما ازداد
خوفه وخشيته وتقواه، ورسول الله﴿، حين قيل له: إنك قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما
تأخر؟ قال: ((إنما أنا أخشاكم للَّه وأتقاكم له. أفلا أكون عبدا شكورا؟)).
أما أنهم لا يعفون من الحد إذا أتوا ما يوجب الحد، فهذا فى حكم الدنيا، وموطن النزاع هو
المغفرة فى الآخرة، فلا تعارض.
يضاف إلى ذلك أنه لو كانت البشارة للماضى فقط لما حسن الاستدلال بالبشارة فى قصة
حاطب لأنه صلى الله عليه وسلم خاطب به عمر، مذكراً عليه ما قال فى أمر حاطب، وهذه القصة
كانت بعد بدر بست سنين، فدل هذا الاستدلال على أن المراد مغفرة ما سيأتى والله أعلم.
٢- وقد أثار هذا الحديث حكم الجاسوس، فقد استدل باستئذان عمر لقتل حاطب لمشروعية قتل
الجاسوس، ولو كان مسلما وإن تاب، وهو قول بعض المالكية، ومن وافقهم، ووجه الدلالة أنه صلى
اللَّه عليه وسلم أقر عمر على إرادة القتل، لولا المانع، وبين أن المانع هو كون حاطب شهد بدرا،
وهذا منتفى فى غير حاطب، فلوكان الإسلام مانعا من قتله، لما علل بأخص منه، وقال بعض
المالكية: يقتل، إلا أن يتوب، وقال مالك: يجتهد فيه الإمام، ومذهب الشافعى وطائفة أن
الجاسوس المسلم يعزر، ولا يجوز قتله.
٥١٧
٣- وفيه معجزة ظاهرة لرسول اللّه * فى إخباره بالعينة.
٤- وفيه هتك أستار الجواسيس، بقراءة كتبهم، سواء كان رجلا أوامرأة.
٥- وفيه هتك ستر المفسدة، إذا كان فيه مصلحة، أو كان فى الستر مفسدة، وتحمل الأحاديث الواردة
فى الندب إلى الستر على ما إذا لم يكن فيه مفسدة، ولا تفوت به مصلحة.
٦- وفيه أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر، لا يكفرون بذلك، وهذا التجسس كبيرة
قطعا، لأنه يتضمن إيذاء النبى ®، وهو كبيرة ولاشك، لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لَعَنَّهُمُ اللَّهُ.﴾ [الأحزاب: ٥٧]
٧- وفيه أنه لا يحد العاصى، ولا يعذر إلا بإذن الإمام.
٨- وفيه إشارة جلساء الإمام والحاكم بما يرونه، كما أشاره عمر بضرب عنق حاطب.
٩- وفى الرواية الثانية فضيلة أهل الحديبية، وسيأتى باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة
الرضوان فى الباب التالى.
١٠- وفيها أن لفظة الكذب هى الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدا كان أو سهوا، سواء كان
الإخبار عن ماض أو مستقبل، وخصته المعتزلة بالعمد، وهذا يرد عليهم، وقال بعض أهل اللغة: لا
يستعمل الكذب إلا فى الإخبار عن الماضى، بخلاف ما هو مستقبل، وهذا الحديث يرد عليهم.
والله أعلم
٥١٨
(٦٦٥) باب من فضائل أصحاب الشجرة،
أهل بيعة الرضوان،
٥٥٧٤- ١٦٣ عَنْ أُمِّ مُبَشْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٦٣)، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّلَّ يَقُولُ،
عِنْدَ حَفْصَةَ: «لا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِن أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَحَدٌ. الَّذِينَ
بَايَعُوا تَحْتَهَا» قَالَتْ بَلّى. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَقْصَةُ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا
وَارِدُهَا﴾ [ مريم/٧١] فَقَالَ النَّبِيُّ:﴿: «قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ثُمَّ تُنَجِّي الَّذِينَ
اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِئِيًّا﴾﴾ [مريم/٧٢].
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] هذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، أو بيعَة
الشجرة، وقصتها أنّ النبى ولا فى سَنة ست من الهجرة رأى فى المنام أنه والمسلمين يدخلون
المسجد الحرام آمنين، محلقين رءوسهم، ومقصرين، لا يخافون، فأخبر أصحابه، واستعدوا للعمرة،
وفى مستهل ذى القعدة خرج فى ألف وأربعمائة من المسلمين قاصدين العمرة ومعهم الهدى، حتى
وصلوا إلى مشارف مكة عند الحديبية، وعندها صدهم المشركون، ومنعوهم من دخول مكة، وبعث
رسول الله:﴿ خراش بن أمية الخزاعى رسولا إلى أهل مكة، وحمله على جمل له، يقال له: الثعلب،
يعلمهم أنه ما جاء لقتال، وأنه إنما جاء معتمرا، ثم يعود، فلما أتاهم وكلمهم عقروا جمله، وأرادوا
قتله، ثم خلوا سبيله، حتى أتى رسول اللّه ﴿، فدعا عمر ليبعثه، فقال: يارسول اللَّه، إن القوم قد
عرفوا عداوتى لهم، وغلظتى عليهم، وإنى لا آمن، وليس بمكة أحد من بنى عدى، يغضب لى إن أوذيت،
فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وهم يحبونه، فيبلغ ما أردت، فدعا رسول الله عثمان،
فأرسله إلى قريش، وقال له: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره
صلى الله عليه وسلم أن يبشر رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله
تعالى سيظهر دينه بمكة قريبا، فذهب عثمان ه إلى قريش، فأخبرهم، فقالوا له: إن شئت فطف
بالبيت، وأما دخولكم علينا فلا سبيل له، فقال رضى الله عنه: ما كنت لأطوف به حتى يطوف به
رسول اللَّهَ﴿، فاحتبسوه، فبلغ رسول الله :﴿ أن عثمان قد قتل، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا نبرح
حتى نناجز القوم)) ونادى مناديه عليه الصلاة والسلام: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله له.
(١٢٣) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّقَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبْرِ أَنْهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
يَقُولُ أَخْبُرَتْنِي أُمُ مُبَشْرٍ
٥١٩
فأمره بالبيعة، فأخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول اللّه * وبايعوه على
أن لا يفروا، وعلى الموت أو النصر، كانت هذه البيعة تحت شجرة، فأنزل الله تعالى فيها ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ونزل ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤَمِنِينَ إِذْ
يُبَايَعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ولما علمت قريش بالبيعة خافوا، وأرسلوا عثمان ◌َّته. وكان بعد ذلك صلح
الحديبية المشهور.
ولما كان الله قد وعد المؤمنين بأن اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم
الجنة، ولما كان هؤلاء المبايعون قد باعوا أنفسهم كانت لهم الجنة، وكان قوله صلى الله
عليه وسلم ((لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، أى الذين بايعوا
تحتها)». رضى الله عنهم أجمعين.
المباحث العربية
( لايدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد) قال العلماء:
معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا، كما صرح به فى حديث حاطب السابق، وإنما قال: ((إن
شاء اللّه)) للتبرك، لا للشك.
(قالت حفصة: بلى يارسول الله) قال أهل اللغة: ((بلى)) حرف جواب، وتختص بالنفى،
وتفيد إبطاله، سواء كان مجردا. نحو ﴿رَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧] أو مقرونا
بالاستفهام، حقيقيا، أو توبيخا، أو تقديريا.
فمعنى جواب حفصة، رضى الله عنها، هنا أن أصحاب الشجرة يدخلون النار، ولو تحله .. القسم،
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
( فانتهرها ) لأن ظاهر جوابها أنها ترد الخبر، فأبانت أنها لا ترد الخبر، فإنهم لا يدخلونها،
وإن وردوها، فبين أن ورودهم ليس دخولا، وإنما هو قرب، ينجى عنده من ينجى، لقوله تعالى ﴿ثُمَّ
نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢].
فقه الحديث
١- فيه منقبة عظيمة لأصحاب شجرة الرضوان.
٢- وفيه جواز المناظرة والاعتراض على وجه الاسترشاد.
٣- وفيه أن ورود النار غير دخولها. قال النووى: والصحيح أن المراد بالورود فى الآية المرور على
الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون.
واللَّه أعلم
٥٢٠