النص المفهرس
صفحات 461-480
من الرجلين على الآخر، ثم يتحاكمان إلى رجل، ليحكم أيهما خير، وكانت هذه المفاخرة
بالشعر، وكان أنيس شاعرا، كما صرح بذلك فى الرواية، فغلب الآخر. والمعنى فراهن أنيس
رجلا، أيهما خير شعرا، وكان الرهن صرمة ذا، وصرمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ
الصرمتين، فتحاكما إلى كاهن، فحكم بأن أنيسا أفضل، وخير أنيسا، أى جعله الخيار
والأفضل، فرجع أنيس من رحلته ومن مرعاه بصرمتهم وبمثلها، وفى الملحق الثانى للرواية
الأولى «فتنافرا إلى رجل من الكهان، فلم يزل أخى أنيس يمدحه حتى غلبه)» أى يمدح
الكاهن بالشعر حتى غلب الآخر، قال أبوذر («فأخذنا صرمته، فضممناها إلى صرمتنا)».
( قال: وقد صليت يابن أخى قبل أن ألقى رسول الله ﴿ بثلاث سنين). قلت: لمن؟
((أى لمن كنت تصلى؟)) قال: ((للَّه. قلت: فأين توجه؟)) أى فإلى أى جهة تتوجه فى صلاتك قال:
((أتوجه حيث يوجهنى ربى)) أى كيفما تيسر، وفى ملحق الرواية ((صليت سنتين)) فيحتمل أن المدة
سنتان وأشهر فجبر الكسر تارة، وألغى الكسرتارة أخرى.
وهذه المقاولة كانت بين أبى ذروبين عبد الله بن الصامت، راوى الحديث عن أبى ذر، وليس ابن
أخيه على الحقيقة، فقوله ((يا بن أخى)) جرى على عادة العرب فى التراحم.
( أصلى عشاء، حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنى خفاء، حتى تعلونى
الشمس ) الخفاء - بكسر الخاء - الكساء، وجمعه أخفية، ككساء وأكسية. قال القاضى: ورواه بعضهم
((جفاء)) بجيم مضمومة، وهو غثاء السيل، قال: والصواب المعروف الأول، والمعنى أنه كان يصلى من
أول الليل حتى يقرب آخره، فينام من السهر والإعياء كثوب لا حراك به ولا إحساس، حتى ترتفع
الشمس، أما كيف كان يصلى؟ فالظاهر أنها كانت مطلق عبادة ودعاء وثناء على الله.
( فقال أنيس: إن لى حاجة بمكة، فاكفنى ) أى إن لى رغبة فى النزول إلى البلدة، فقم
مقامى فى رعاية الشئون، وفى ملحق الرواية ((فاكفنى حتى أذهب فأنظر)) أى فأنظر أمر هذا الرجل
الذى تكلمنا عنه، ففى الرواية الثانية ((فلما بلغ أبا ذر مبعث النبى 8# بمكة، قال لأخيه: اركب إلى
هذا الوادى - أى وادى مكة، أى دورها - فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه يأتيه الخبر من
السماء، فاسمع من قوله، ثم ائتنى)) وفى ملحق الرواية الأولى ((وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد
شنفوا له، وتجهموا)) ((شنفوا)) بفتح الشين وكسرالنون، أى أبغضوه، والتجهم المقابلة بغلظة وكراهية.
( فانطلق أنيس، حتى أتى مكة، فراث على، ثم جاء ) أى أبطأ على، ثم جاء، فى الرواية
الثانية «فانطلق الآخر، حتى قدم مكة، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبى ذر)) قال النووي: هكذا هو فى
أكثر النسخ، وفى بعضها ((الأخ)) بدل ((الآخر)) وهو هو، فكلاهما صحيح.
( قال: لقيت رجلا بمكة على دينك ) أى على شبه عقيدتك وعبادتك.
( يزعم أن اللَّه أرسله) الظاهر أن أنيس لقيه، وسمع منه، ففى الرواية الثانية ((رأيته يأمر
٤٦١
بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر)» و «كلامًا)) منصوب بفعل محذوف أى ويقول كلامًا، كقولهم:
علفتها تبنا وماء باردًا، والتقدير، وسقيتها ماء باردًا.
( لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم ) أى فما يشبه قوله قولهم، فليس بكاهن.
( ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر)
((أقراء الشعر)) بسكون القاف، طرقه وأنواعه وقوافيه وبحوره، جمع قرء بضم القاف وسكون الراء، فهو
مشترك لفظى بين الحيض والطهر والقافية. والمعنى: لقد قلبت قوله على أصناف الشعر، فما هو بنوع
منه، ولا يقبل على لسانى ولا على لسان غيرى أنه شعر.
( قلت: فاكفنى، حتى أذهب فأنظر) أى فقم هنا بالشئون، حتى أذهب إلى مكة وأقابله
وأنظر أمره وأتدبره، وفى الرواية الثانية ((رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما
شفيتنى فيما أردت)). قال النووى: كذا فى جميع نسخ مسلم ((فيما)» بالفاء، وفى رواية البخارى
((مما)) بالميم، وهو أجود، أى ما بلغتنى غرضى، وما أزلت عنى هم كشف هذا الأمر.
( قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلا منهم ) أى نظرت إلى أضعف رجل لاقيته، فسألته.
واختار الضعيف لأنه مأمون العائلة غالبا، وفى رواية ((فتضيفت)) بالياء، وأنكرها القاضى وغيره،
قالوا: لا وجه له هنا.
( فقلت: أين هذا الذى تدعونه الصابئ؟) يقال: صبأ من شىء إلى شىء إذا انتقل، وصبأ
الرجل ترك دينه، ودان بآخر، والظاهر أن الرجل أحس أن أبا ذريميل إلى محمد {®، ويرغب فى
لقائه حباً فيه، لقوله ((تدعونه)) لأنهم كانوا يمنعون الغريب أن يلتقى به.
(فأشار إلىَّ، فقال: الصابئ) ((الصابئ)) منصوب بفعل محذوف، والمعنى، فأغری بی
أصحابه السفهاء والصبية، وأشار إلى، يقول لهم: اضربوا الصابئ.
( فمال علىَّ أهل الوادى بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيا على ) المدر الطين
المتماسك وما يعرف بالطوب اللبن، أى تجمع حولى أهل المنطقة يقذفوننى بالحجارة والعظم، حتى
سقطت على الأرض مغشيا على.
( قال: فارتفعت حين ارتفعت كأنى نصب أحمر) أى فانصرفوا عنى، فلما أفقت قمت
ووقفت لا حراك بى، تغطينى الدماء التى سالت منى، كأنى تمثال أحمر من حجر، والنصب بضم
الصاد وإسكانها الصنم والحجر الذى كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده، قال تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].
( فسمنت، حتى تكسرت عكن بطنى) ((العكن)) بضم العين وفتح الكاف، جمع عكنة
بسكون الكاف، وهى طيات البطن من السمن.
٤٦٢
( وما وجدت على كبدى سخفة جوع ) بفتح السين وضمها مع إسكان الخاء رقة الجوع
وضعفه وهزاله. يقال: سخف الشيء بضم الخاء، يسخف، سخفا بضم السين وسكون الخاء، وسخفة
وسخافة، رق وضعف، وسخف العقل ضعف، ورأى سخيف، أى ضعيف، والمعنى ثلاثون يومًا لا آكل
فيها ولا أشرب إلا ماء زمزم، لم أحس فيها بضعف ولا بجوع.
( قال: فبينا أهل مكة فى ليلة قمراء إضحيان، إذ ضرب على أسمختهم، فما
يطوف بالبيت أحد، وامرأتان منهم تدعوان إساف ونائلة ) الليلة القمراء التى ينيرها القمر،
((والإضحيان)) بكسر الهمزة والحاء وسكون الضاد هى المضيئة، يقال: ليلة إضحيان، وإضحيانة
وضحياء، ويوم ضحيان، والإضحيان من الأيام الصحو الذى ليس فيه غيم. و ((الأسمخة)) جمع سماخ،
وهو الخرق الذى فى الأذن المفضى إلى الرأس، ويقال له: صماخ بالصاد، وهو الأفصح والأشهر،
والضرب على الآذان كناية عن النوم، قال تعالى ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَا ذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾
[الكهف: ١١] والمعنى: فى ليلة مقمرة من الليالى الثلاثين نام أهل مكة، فلم يطف بالبيت منهم أحد،
ولكن كان من أهل مكة امرأتان تدعوان الصنمين المسميين إساف ونائلة، وتتضرعان إليهما، وكانا
صنمين لقريش، إساف على هيئة رجل، ونائلة على هيئة امرأة، وضعهما عمرو بن لحى على الصفا
والمروة. قال النووى: ((وامرأتين)) هكذا هو فى معظم النسخ بالياء، وفى بعضها ((وامرأتان)) بالألف،
والأول منصوب بفعل محذوف، أى ورأيت امرأتين.
( قال فأتتا علىّ فى طوافهما) كان بجوار الكعبة، فجاءتا من دعائهما إسافاً ونائلة لتطوفا.
( فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى ) أى قلت لهما، استهزاء وسخرية بالصنمين، وبدعائهما
لهما: زوجا إسافا لنائلة، أو ركبا إسافا على نائلة، يجامعها.
( قال: فما تناهتا عن قولهما، فأتتا على ) أى ما انتهتا عن عملهما وعقيدتهما، ولم تكترثا
بقولى، وأتتا بجوارى، مستخفتين بقولى.
( فقلت: هن مثل الخشبة - غير أني لا أكنى ) الهن والهنة بتخفيف نونهما، كناية عن
كل شىء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج، والذكر، و((أكنى)) أى لم أتكلم بلفظ الكناية ولفظ الهن،
بل صرحت لهما باللفظ المستقبح، فقال مثلا: ذكر مثل الخشبة، وكان لإساف الصنم ذكر ظاهر بارز،
وأراد بذلك سب إساف ونائلة والسخرية منهما، وإغاظة المرأتين.
( فانطلقتا تولولان ) الولولة الدعاء بالويل.
( وتقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا ) الأنفار جمع نفر أو نفير، وهو الذى ينفر عند
الاستغاثة، قال النووي: ورواه بعضهم ((أنصارنا)) وهو بمعناه، و ((لو)) شرطية جوابها محذوف، أى
لانتصرلنا.
٤٦٣
( فاستقبلهما رسول الله :﴿، وأبو بكر، وهما هابطان) الحرم فى المنخفض، والمبانى
على سفح الجبل المحيط بالحرم، فالذاهب إلى الحرم هابط، أى وأبو بكر مع رسول اللّه،﴿ داخلان
الحرم، والمرأتان خارجتان صاعدتان منه.
( قال: مالكما ) تولولان؟ وتقولان: لوكان معنا رجل لانتصرنا؟
( قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها ) أى الذى بدل دينه، وسفه آلهتنا واقف بين الكعبة
وأستارها، وهو الذی آذانا.
( قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم ) أى كلمة عظيمة، لا شيء أقبح
منها، كالشىء الذى يملأ الشيء، ولا يسع غيره، كما نقول: تملأ سمع الدنيا، فالكلام كناية عن عظمها
وفظاعتها، وقيل: معناه كلمة لا يمكن ذكرها وحكايتها، كأنها تسد فم حاكيها وتملؤه لاستعظامها، أى
كلمة تجعل الفم مملوءا بغيرها لا يستطيع ذكرها.
(وجاء رسول اللَّه ﴿ حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى )
وفى ملحق الرواية ((فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام)).
( قال أبوذر: فكنت أول من حياه تحية الإسلام. فقلت: السلام عليك يا رسول
اللَّه) إذ كان أبو ذر خامس أربعة آمنوا.
(قال: وعليك ورحمة الله) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((وعليك)) من غير ذكر
((السلام)) وفيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا، أنه إذا قال فى رد السلام: وعليك، يجزئه لأن العطف
يقتضى كونه جوابا، والمشهور من أحواله صلى الله عليه وسلم وأحوال السلف رد السلام بكماله،
فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله. اهـ والحق أن الحديث لا يصلح دليلا، فقد كان هذا أول الإسلام،
والعبرة بما كان من تشريع فى أخريات الرسالة، على أن لفظ الحديث فى ملحق الرواية ((قال:
وعليك السلام)).
( ثم قال: من أنت؟ قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده، فوضع أصابعه على
جبهته) أى كالمتعجب، أو كالمندهش، أو كالمفكر. كيف لهذا الرجل بتحية الإسلام؟ وكيف ومتى
أسلم؟ وهو من غفار بينما أهله فى مكة لم يسلموا؟ وكيف وصل إليه وحصار المشركين له شديد؟
( فقلت فى نفسى: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده، فقدعنى صاحبه،
وكان أعلم به منى ) وإنما ظن أنه كره انتماءه إلى غفار، لأنهم قد اشتهر عنهم أنهم يسرقون
الحاج، و((قدعنى صاحبه)) أى كفنى ومنعنى أن آخذ بيده، يقال: قدعه وأقدعه إذا كفه ومنعه، وقوله
((وكان أعلم به منى)) إشارة إلى أنه استجاب للمنع.
٤٦٤
( ثم رفع رأسه ) أى ورفع أصابعه عن جبهته.
( ثم قال: متى كنت ههنا؟ قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم) فى
ملحق الرواية ((مذكم أنت ههنا؟ قلت: منذ خمس عشرة) والجمع بين الروايتين صعب.
( إنها طعام طعم) قال النووى: هو بضم الطاء وإسكان العين، أى تشبع شاربها،
كما يشبعه الطعام.
( فقال أبوبكر: يا رسول اللَّه ائذن لى فى طعامه الليلة ) أى فأذن له، وفى ملحق
الرواية ((وقال أبوبكر: ألحقنى بضيافته الليلة)) وفى بعض النسخ ((أتحفنى بضيافته الليلة)).
( فانطلق رسول اللَّه﴿ وأبوبكر، وانطلقت معهما، ففتح أبوبكر بابا ) لعله باب
خزن الزبيب والتمر.
( فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف ) أى ويعطينا، ونأكل.
( وكان ذلك أول طعام أكلته بها ) أى بمكة.
( ثم غبرت ما غبرت ) أى ثم بقيت ما بقيت عند أبى بكر، ألتقى برسول اللّه ◌ُ ل* سرا.
( ثم أتيت رسول اللَّه ﴿) لأستأذنه فى العودة، وأتزود بنصحه.
( فقال: إنه قد وجهت لى أرض ذات نخل، لا أراها إلا يثرب) ((وجهت)) بضم الواو
وتشديد الجيم المكسورة، أى أريت جهتها، و((أراها)) بضم الهمزة، أى أظنها.
( فهل أنت مبلغ عنى قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم ) أسلوب عرض
وتحضيض وطلب برفق، أى بلغ عنى قومك.
( فأتيت أنيسا ) فى المنزل الذى نزلناه بقرب مكة.
( فقال: ما صنعت ) مع هذا الرجل؟.
(قلت: صنعت أنى قد أسلمت وصدقت. قال: ما بى رغبة عن دينكما، فإنى قد
أسلمت) يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يرده، فنفى الرغبة عنه تثبت الرغبة فيه، أى لا
أكرهه، بل أدخل فيه.
( فاحتملنا ) أى فرحلنا.
( حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم ) بدعوتنا لهم، وشرحنا للإسلام.
٤٦٥
( وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفارى، وكان سيدهم) ((إيماء)) بكسر الهمزة فى أوله
على المشهور، وحكى القاضى فتحها أيضا، وأشار إلى ترجيحه، قال النووى: ذكر الزبير بن بكار أن
إيماء بن رحضة حضر بدرًا مع المشركين، فيكون إسلامه بعد ذلك، وذكر ابن سعد أنه أسلم قريبا من
الحديبية، وهذا يعارض رواية مسلم. وفى رواية ((خفاف بن إيماء أو أبوه إيماء بن رحضة))، فيمكن أن
يكون إسلام خفاف تقدم على إسلام أبيه.
( وقال نصفهم: إذا قدم رسول اللَّه المدينة أسلمنا) فقدم رسول اللَّه ◌َ﴿ المدينة،
فأسلم نصفهم الباقى، وجاءت أسلم - قبيلة قريبة من قبيلة غفار - فقالوا: يارسول اللَّه، إخوتنا -
الغفاريون - أسلموا نسلم على الذى أسلموا عليه. فأسلموا فكان إسلام أبى ذر سببا فى إسلام قومه
جميعا، وسببا فى إسلام قبيلة أخرى.
(غفار غفر اللَّه لها، وأسلم سالمها اللَّه ) سيأتى الكلام عن ذلك فى باب فضائل
غفار وأسلم.
( فتزود، وحمل شنة له، فيها ماء ) الشنة بفتح الشين القربة البالية، ومعنى
((تزود)» حمل زادا.
( فالتمس النبى { ﴾، ولا يعرفه) أى أراد مقابلته، لكنه لا يعرفه إن قابله.
(وكره أن يسأل عنه) الناس، مخافة أن يؤذوه، إن كان المسئول من محاربى محمد { ل﴾.
(حتى أدركه) ((يعنى الليل))، يقصد أن الضمير يعود على غير مذكور، معلوم من المقام، كقوله
تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] وفى رواية للبخارى ((حتى أدركه بعض الليل)).
( فاضطجع ) فى المسجد الحرام.
( فرآه على، فعرف أنه غريب ) عرف ذلك من هيئته ولباسه، ومعرفة على بأهل المنطقة.
وفى رواية قال: ((كأن الرجل غريب، قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل)) أى فانطلق معى إلى
منزلى، قال الحافظ ابن حجر: هذا يدل على أن قصة أبى ذروقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين،
بحيث يتهيأ لعلى أن يستقل بمخاطبة الغريب، ويضيفه، فإن الأصح فى سن على حين المبعث كان
عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وهذا الخبر يقوى القول الصحيح فى سنه. اهـ
قلت: لا دلالة فيه على ما استدل به، فيمكن للصبى المميز أن يصحب ضيفا، وربما كان أبوه أبو
طالب فى سفر.
( فلما رآه تبعه ) أى فلما رأى أبو ذر عليا على هذه الحالة من الاستئلاف والرفق ودعوته إلى
منزله ساروراءه، حتى وصل إلى منزله، فاستضافه، وأكرمه، وأعد له مبيتا، فنام.
٤٦٦
( فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح ) أى عن شيء مما
يعنيه السؤال عنه.
( ثم احتمل قريته، وزاده إلى المسجد الحرام ) يأكل من زاده، ويشرب من قريته، وفى
بعض النسخ ((قريبته)) بالتصغير، وهى الشنة المذكورة من قبل.
( فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبى #) أى ظل ذلك اليوم يرقب مجيء النبى {َّ ولا يجيء.
( حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه ) أى إلى المكان الذى اضطجع فيه بالأمس، فاضطجع.
( فمربه على، فقال: ما آن للرجل أن يعلم منزله؟ ) الكلام على الاستفهام الإنكارى،
بمعنى النفى، دخل على نفى فصار إثباتا، والمعنى آن للرجل أن يعلم منزله الذى نزله بالأمس، وأن
يأتى إليه بدون دعوة، فإضافة المنزل إليه مجازية، ويكون ذلك من على ظه دعوة مهذبة إلى بيته
ثانياً. وقيل: المعنى أما آن للرجل أن يصرح بمقصده؟ ويؤيده ما جاء فى بعض الروايات ((قلت: لا))،
وفى رواية البخارى ((أما نال للرجل أن يعلم منزله))؟ أى أما حان، يقال: نال له، بمعنى آن له، ويروى
((أما أنى)) بالقصر، وهى بنفس المعنى.
( فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء ) أى حتى أصبح، ثم
احتمل قريته وزاده إلى المسجد.
( فلما كان يوم الثالث ) من إضافة الموصوف إلى صفته، كقولهم: مسجد الحرام، ومسجد
الجامع، والأصل اليوم الثالث، و((كان)) تامة، و((يوم)) فاعل.
( فعل مثل ذلك) أى مثل ما فعل فى اليوم الثانى، ظل لا يرى النبى وَل®، حتى أمسى، فعاد إلى
مضجعه فى المسجد، فاضطجع.
( فأقامه على معه ) فى رواية البخارى ((حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد على على مثل ذلك،
فأقام معه ».
( ثم قال له: ألا تحدثنى ما الذى أقدمك هذا البلد؟ ) أسلوب عرض وطلب برفق أى
حدثنى، وهكذا يستبين على ويسأل ضيفه بعد ثلاث، كما هى عادة العرب.
( قال: إن أعطيتنى عهداً وميثاقاً لترشدنى فعلت ) العهد الوعد، والميثاق اليمين، أى إن
وعدتنى وعدًا مؤكدًا باليمين أن تخبرنى عما أريد حدثتك بما فى نفسى.
(فأخبره، فقال: فإنه حق، وهو رسول اللَّه ◌ُ) أى فأخبر أبو ذر عليا بمقصده، فقال على:
فإن ما سمعت عنه حق، وهو رسول الله :﴿، وفى رواية البخارى ((فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول
اللَّهِ ﴿))، فيحتمل أن المعنى: فأعطاه على العهد والميثاق، فحكى أبو ذر ما فى نفسه، فأخبر على أبا
ذر بالحقيقة، قال: كذا وكذا، ويؤيد الأول قول أبى ذر، فى رواية ((فأخبرته)).
٤٦٧
( فإذا أصبحت فاتبعنى ) وكأنك لا تعرفنى، ولا علاقة بينى وبينك.
(فإنى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء ) كأنى أتبول على
جانب الطريق، وحينئذ عليك بالفرار، والبعد عن الخطر، وفى رواية ((كأنى أصلح نعلى))
ويحتمل أنه قالهما جميعا.
( فإن مضيت فاتبعنى، حتى تدخل مدخلى ) أى فإذا مضيت ولا خطر، فادخل ورائى،
حيث أدخل.
(ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبى (38 ودخل معه) ((ففعل)» أى فمضى على،
فانطلق أبو ذر يتبعه، حتى دخل علىّ على النبى ®، فدخل أبو ذر فى إثره كأنه معه.
( فسمح من قوله، وأسلم مكانه) أى وأسلم فى الحال، وكأنه كان يعرف علامات النبى ﴿،
فلما رآها لم يتردد فى الإسلام.
( فقال له النبي وقال: ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمرى) وفى
رواية ((اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك، فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل))، وفى روايتنا
الأولى ((إنه قد وجهت لى أرض ذات نخل، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنى قومك؟
عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟ )).
(فقال: والذى نفسى بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم) ((بها)» أى بشهادة - أن لا إله
إلا الله وأن محمدا رسول اللَّه، و((ظهرانيهم)) بفتح النون تثنيه ظهر، يقال: أقام بين ظهريهم
وظهرانيهم وأظهرهم، أى بينهم، والمراد من الصرخ هنا رفع الصوت. والمعنى واللَّه لأرفعن صوتى
بالشهادة بينهم، ولا أخفى إسلامى، ولا أخافهم.
( فخرج حتى أتى المسجد ) الحرام، والمشركون مجتمعون فيه.
( فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللّه، وثار القوم )
جماعة المشركين الموجودين فى الحرم.
( فضربوه حتى أضجعوه ) أى حتى أسقطوه على الأرض، من شدة الضرب والإعياء، وظلوا
يضربونه وهو منبطح على الأرض.
( فأتى العباس، فأكب عليه ) أى انحنى عليه، يفرق بينه وبينهم، ليحول بينهم وبين ضربه،
وكان العباس يومئذ مشركا، وإنما حماه خوفا من قومه.
( فقال: ويلكم. ألستم تعلمون أنه من غفار؟ ) الاستفهام إنكارى بمعنى النفى، دخل على
نفى، ونفى النفى إثبات، أى اعلموا أنه من غفار.
٤٦٨
( وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم) فاحسبوا حسابا العصبية قومه له، وتعرضهم فى
الطريق لتجارتكم.
( فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها ) عاد أبو ذر فى اليوم الثانى، ففعل مثل ما فعل
بالأمس، وثاروا إليه مثل الأمس، وأنقذه منهم العباس كالأمس.
فقه الحديث
نجد أنفسنا أمام روايتين عن إسلام أبى ذر، الأولى وملحقاها عن عبد الله بن الصامت، عن أبى
ذر، والثانية عن ابن عباس، واقتصر عليها البخارى، وبينهما تعارض وتعارض أو تغاير كثير، قال عنه
القرطبى: فى التوفيق بين الروايتين تكلف شديد. وقال الحافظ ابن حجر: حديث عبد الله بن
الصامت أكثره مغاير لما فى حديث ابن عباس، ويمكن التوفيق بينهما. اهـ
والعلماء إذا صح حديثان ظاهرهما التعارض حاولوا - قدر إمكانهم - التوفيق والجمع بينهما،
قبل أن يرجحوا أحدهما على الآخر، لأن فى الجمع بينهما عملا بهما معا بوجه من الوجوه، أما
الترجيح فيعمل بأحدهما، ويهمل الآخر، والعمل بهما أولى من إهمال أحدهما. وسنحاول بيان أوجه
المغايرة، ونحاول الجمع والتوفيق، والله المستعان.
أولا: فى الرواية الأولى أن لقاء أبى ذره بالنبى ﴿، كان بعد قصة المرأتين وبعد أن استلم
النبى ﴿ الحجر، وطاف البيت هو وصاحبه، ثم صلى ركعتين خلف المقام.
وهذا لا يلتئم مع ما جاء فى الرواية الثانية، من أن لقاء أبى ذر بالنبى ◌َ﴾ كان عن طريق دخوله
عليه مع على، بعد ضيافته ثلاثة أيام.
ثانيا: أن الذى استضافه فى الرواية الأولى أبوبكر ظُه، بإذن من النبى وُ ل﴾، بعد لقائه، وكان
الزبيب الذى قدمه له أول طعام أكله بمكة، وهذا لا يلتئم مع ما جاء فى الرواية الثانية، من أن الذى
استضافه على رضى الله عنه، وكانت ضيافته له قبل لقائه بالنبى ◌ُ﴾.
ثالثا: فى الرواية الأولى أن أبا ذرحينما وصل مكة استضعف رجلا، فسأله عن النبى { ل*، فأغرى
به السفهاء، فضربوه، حتى علاه الدم، ثم قضى أياما لا يأكل ولا يشرب إلا ماء زمزم، وهذا لا يلتئم مع
ماجاء فى الرواية الثانية من أن أبا ذرحين قدم مكة أتى المسجد، وكره أن يسأل عن النبى وُ ﴾، حتى
أدركه الليل، فاضطجع، فرآه على، فاستضافه.
رابعا: فى الرواية الأولى أن أبا ذرلم يكن له طعام فى الأيام الأولى من وصوله إلى مكة سوى
زمزم، وهذا لا يلتئم مع ما جاء فى الرواية الثانية من أن أبا ذر عند سفره إلى مكة حمل معه زاده
وقربة ماء، وكان يحمل معه قريته وزاده كلما غدا إلى المسجد فى الصباح، بعد مبيته عند على .
خامسا: ذكرت قصة المرأتين فى الرواية الأولى دون الثانية، وذكرت قصة العباس فى الرواية
الثانية دون الأولى.
٤٦٩
سادسا: هناك مغايرة بين الرواية الأولى، وفيها ((قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم)»،
وبين ما جاء فى ملحقها الثانى ((قلت: منذ خمس عشرة)).
هذا: وإذا سهل الجمع فى بعض هذه المغايرات، بشيء من التأويل، فإنه لا يسهل فى بعض آخر،
وأحسن طريق نجمع به بين الحديثين أن نحملهما على سفرين ولقاءين، فقد قلنا: إن منزل أبى ذر
وأخيه وأمه كان قريبا من مكة، فى واد من وديانها، فمن المحتمل أن يصل مكة، فيسأل السفيه،
فيضرب، فيلتقى بالمرأتين، ثم بالرسول # فى الحرم، ويستضيفه أبو بكر، بعد أن أمضى أياما على
ماء زمزم، حيث لم يأخذ فى رحلته هذه زاداً ولا ماء.
وبعد فترة قد تكون شهراً أو أقل من شهر، يذهب إلى مكة، ويحمل معه زاده وماءه، لئلا يقع فيما
وقع فيه فى المرة الأولى ، ويتحرز من سؤال أحد، حيث لم يتحرز فى المرة الأولى، ويدخل المسجد،
مترقبا وصول النبى ﴾، ويكون معنى ((ولا يعرفه)) أى ولا يعرف وصوله متى يكون؟ فيمر به اليوم،
حتى يمسى فيراه على فيستضيفه، فيكاشفه، فيدخله على النبى {#، فيخرج من عنده، فيشهد
الشهادتين فى الحرم فيضرب، فيحميه العباس، والإشكال الخفيف فى هذا فى سؤال النبى { 0 له:
من أنت؟ فى المرة الثانية، والمفروض أنه عرفه فى المرة الأولى، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرسول
# كان قد نسى الاسم، فسأله عن اسمه مرة أخرى، وكثيرا ما يحصل مثل هذا مع تعدد اللقاء، ويؤيده
ما جاء فى رواية أن الرسول# قال له: «أنت أبو نملة؟ قال: أبوذر)). والنملة والذرة يلتقيان وتفسر
الذرة بالنملة، مما يرشح أن الرسول * قد سبق له ذكر اسمه.
أما المغايرة بين الرواية الأولى وملحقها، فيحتمل أن المدة فى الحقيقة خمسة عشر يوما بلياليها
ومجموعها ثلاثون، بين يوم وليلة، كما نقول: عندى ثلاثون بين ذكر وأنثى، فهذه الثلاثون فيها خمس
عشرة ليلة وخمسة عشر يوما. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من قوله فى الرواية الأولى: ((لا أراها إلا يثرب)). جواز تسمية المدينة بيثرب، من غير كراهة، وكره
جماعة ذلك، وقالوا: كان ذلك قبل تسميتها ((طابة وطيبة)) وجاء النهى عن ذلك فى حديث، أو أنه
صلى الله عليه وسلم سماها باسمها المعروف عند الناس حينئذ.
٢- من قوله فى الرواية الأولى: ((وعليك ورحمة الله)). قال النووي: فيه دلالة لأحد الوجهين لأصحابنا،
أنه إذا قال فى رد السلام: وعليك، من غير ذكر السلام يجزئه، والمشهور من أحواله صلى الله عليه
وسلم، وأحوال السلف رد السلام بكماله، فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله.
٣- فى صلاة أبى ذر قبل المبعث فضيلة له، وأن اللَّه هداه إلى الحق.
٤- وفى سبقه إلى الإسلام فضيلة أيضا.
٥- وفى تحمله الأذى فى سبيل الجهر بالدعوة قوة إيمان، وقوة عقيدة، ويؤخذ منه جواز قول الحق،
لمن يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزا.
٤٧٠
قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك
يترتب الجزاء.
٦- من أمره صلى الله عليه وسلم أبا ذر بالكتمان، وقول أبى ذر: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين
ظهرانيهم، وسكوت النبى®®، دليل على أن المأمور إذا أحس أن الأمر شفقة عليه، وأن به قوة
جازله أن لا يعمل بالأمر.
٧- فيه صورة حية لبدء الدعوة الإسلامية، وما لاقى المسلمون الأوائل، وحكمة الرسول ◌َ/ فى نشرها.
والله أعلم
٤٧١
(٦٥٧) باب من فضائل جرير بن عبد الله
٥٥٣٦ - ١٣٤ عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ﴾ (١٣٤) قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ:﴿ مُنْذُ
أَسْلَمْتُ. وَلا رَآنِي إِلا ضَحِكَ.
٥٥٣٧ - ١٣٥ عَنْ جَرِيرٍ رَ﴾(١٣٥) قَالَ: مَا حَجَبَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ مُنْذُ أَسْلَمْتُ. وَلا رَآنِي
إِلا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ: وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لا أَثْبُتُ
عَلَى الْخَيْلِ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّنْهُ. وَاجْعَلْهُ هَادِيًّا مَهْدِيًّا».
٥٥٣٨- ١٣٦ عَن جَرِيرٍ﴾(١٣٦) قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ. وَكَانٌ
يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ: «هَلْ أَنْتَ مُرِيجِي مِن ذِي
الْخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ وَالشَّامِيَّةِ؟» فَتَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِن أَحْمَسَ. فَكَسَرْنَاهُ
وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ. فَأَتْتُهُ فَأَخْبَرُّتُهُ. قَالَ: فَدَعَا لَنّا وَلِأَحْمَسَ.
٥٥٣٩- ١٣٧ عَن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَحَلِيِّ﴾(١٣٧) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «يَا
جَرِيرُ! أَلا تُرِيحُنِي مِن ذِي الْخَلَصَةِ» بَيْتٍ لِخَنْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ. قَالَ: فَفَرْتُ فِي
خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ. وَكُنْتُ لا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَضَرَبَ
يَدَهُ فِي صَدْرِي فَقَالَ: «اللَّهُمَّا ثَبِّنْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًّا مَهْدِيًّا» قَالَ: فَانْطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ ثُمَّ بَعَثَ
جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ رَجُلا يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ، مِنَّا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ﴿ فَقَالَ لَهُ: مَا
جْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنْهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ. فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِوَّ عَلَى خَيْلٍ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا،
خَمْسَ مَرَّاتٍ.
٥٥٤٠ - وَفِي رواية عَن إِسْمَعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَرْوَانَ: فَجَاءَ بَشِيرُ
جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَاةَ، خُصَيْنُ ابْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ ◌ِ﴾.
(١٣٤) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ بَيّانِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِيٍ حَازِمٍ عَن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حِ وَ حَدَّثَنِي عَبْدُ
الْحَمِيدِ بْنُ بَيّانِ حَدََّا خَالِدٌ عَنِ بَيانِ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمَ يَقُوّلٌ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
(١٣٥) وحَدَّثَنَا أَبُو بُكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثْنَا وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةً عَنَ إِسْمَعِيْلٌ حَ وحَدَّثَنَا أَبْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ حَدَّثَنَا
إِسْمَعِيلُ عَن قَيْس ◌َن جَرِیرِ
(١٣٦) حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بَنُ بَانِ أَخْبُرَنَا خَالِدٌ عَنِ بَيّانِ عَن قَيْسٍ عَن جَرِيرٍ
(١٣٧) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ أَخْبُرْنَا جَرِيرٌ عَنِ إِسْمَعِيلٌ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنَ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ جَرِيرٍ
- حَدَّثَنَا أَبَّو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَ وَحَدَّثَنَا اَبَّنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِيَ حَ وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنٌ عَبَّادٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح
وحَدَّثََّا ابْنُ أَبِي ◌َغُمَّرَ خَذَُّا مَرْوَانُ يَعْنِي الْفَزَارِيَّ ح وحَدَّقَتِي مُحَمَّدُ بْنُ رَّافِعٍ حَدََّنَا أَبُو أُسَامَةً كُلَّهُمْ عَنِ إِسْمَعِيلٌ
٤٧٢
المعنى العام
جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلى، نسبة إلى بجيلة أم قبيلته، وكان سيد قومه، أسلم فى
عام الوفود، وقيل: أسلم قبل وفاة النبى { ₪ بأربعين يوما، كان طويلا طولا مفرطا، وكان جميل
الخلقة، حتى قال عنه عمر: جرير يوسف هذه الأمة كان رسول الله * يهش لقدومه، ويبتسم فى
وجهه، ويكرمه، وكان يقول فيه: ((إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)). روى الإمام أحمد وابن حبان عن جرير
قال: «لما دنوت من المدينة أنخت، ثم لبست حلتى، فدخلت، فرمانى الناس بالحدق، فقلت: هل
ذكرنى رسول اللَّه ﴿؟ قالوا: نعم. ذكرك بأحسن ذكر، فقال: يدخل عليكم رجل من خير ذى يمن، على
وجهه مسحة ملك)). وقدمه عمر فى حروب العراق على جميع بجيله .. وكان له أثر عظيم فى فتح
القادسية، ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله على - رضى الله عنهما - إلى معاوية رسولا، فحبسه معاوية
مدة طويلة، ثم رده بورقة مختومة، غير مكتوب فيها شيء، وبعث معه من يخبر عليا بمنابذة معاوية،
ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا، حتى مات سنة إحدى وخمسين وقد بعثه رسول اللّه ،﴿ إلى ذى
الخلصة، فهدمها بجيشه، كما جاء فى الحديث.
كان حكيما فى إشارته، مهذبا فى قوله، روى أن عمر ظُه وجد فى مجلسه رائحة من بعض
جلسائه، فقال: عزمت على صاحب هذه الرائحة إلا قام فتوضأ، فقال جرير بن عبد الله: علينا كلنا يا
أمير المؤمنين فاعزم. قال: عليكم كلكم عزمت. ثم قال: يا جرير: ما زلت سيدا فى الجاهلية والإسلام.
رضى الله عنه وأرضاه.
المباحث العربية
( ما حجبنى رسول اللَّه# منذ أسلمت) أى ما منعنى من الدخول عليه فى بيته، فى
وقت من الأوقات، إذا استأذنت عليه، وقيل: إن معنى ((ما حجبنى)) أى ما منعنى طلبى، وفيه بعد.
وقوله ((منذ أسلمت)) أى إلى أن توفى صلى الله عليه وسلم، وكان إسلام جرير سنة تسع من
الهجرة على الصحيح.
( ولا رآنى إلا ضحك) فى الرواية الثانية ((ولا رآنى إلا تبسم فى وجهى)) وكان صلى الله عليه
وسلم يفعل ذلك مع جرير تكريما له، ولطفا به، وبشاشه له.
( ولقد شكوت له أنى لا أثبت على الخيل، فضرب بيده فى صدرى، وقال: اللهم
ثبته، واجعله هاديا مهديا ) فى الرواية الرابعة ((وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك لرسول
اللَّه ◌َ﴿، فضرب يده فى صدرى، فقال: اللهم ثبته، واجعله هاديا مهديا))، وعند البخارى ((وكنت لا
أثبت على الخيل، فضرب على صدرى، حتى رأيت أثر أصابعه فى صدرى))، وعند الحاكم ((فشكا جرير
٤٧٣
إلى رسول اللَّهِ ﴿ القلع)) بفتح القاف واللام، وهو عدم الثبوت على السرج، وقيل: بكسر أوله، قال
الجوهرى: رجل قلع القدم بكسر أوله، إذا كانت قدمه لا تثبت عند الحرب، وفلان قلعة بكسر القاف
وفتح اللام، إذا كان يتقلع عن سرجه، والمعنى أنه لخفته يرتفع عن السرج كلما ارتفع الحصان،
ويهبط بهبوطه ((فقال: ادن منى، فدنا منه، فوضع يده على رأسه، ثم أرسلها على وجهه وصدره، حتى
بلغ عانته، ثم وضع يده على رأسه)) مرة ثانية ((وأرسلها إلى ظهره، حتى انتهت إلى إليته)). ولا تعارض
فإن اليد ضربت الصدر عند مرورها به، كما جاء فى حديث الحاكم أنه قال فى حالة إمراره يده عليه
فى المرتين: ((اللهم اجعله هاديا مهديا، وبارك فيه، وفى ذريته)) زاد فى رواية البخارى ((فما وقعت
عن فرس بعد». قال الحافظ ابن حجر:قوله: ((واجعله هاديا مهديا)». فيه تقديم وتأخير، لأنه لا يكون
هاديا، حتى يكون مهديا، وقيل: معناه كاملا مكملا. اهـ يعنى أن المطلوب الأول للمسلم أن يكمل
نفسه، ثم بعد ذلك يكمل غيره، ويمكن حمل ((هاديا)» على معنى داعيا نفسه وغيره للهدى، و((مهديا))
أى مستجيبا للدعوة بالفعل.
( كان فى الجاهلية بيت، يقال له: ذو الخلصة ) والخلصة فى الأصل نبات، له حب
أحمر، كخرز العقيق، قال النووى: بفتح الخاء واللام. هذا هو المشهور، وحكى القاضى أيضا بضم
الخاء مع فتح اللام، وحكى أيضا فتح الخاء وسكون اللام، وهو بيت فى اليمن، كان فيه أصنام
يعبدونها. اهـ ومن المعلوم أن الكعبة كانت مظهرا من مظاهر عزة العرب بصفة عامة، ورفعة قريش
بصفة خاصة، وكانت القبائل تحاول أن تتخذ لنفسها بيوتا، تصنع فيها أصناما يعبدونها، لمنافسة
قريش فى كعبتها، فكان ذو الخلصة أكبر بيت ينافس الكعبة، وكان بيتا لقبيلة خثعم كما جاء فى
الرواية الرابعة، ولقبيلة بجيلة، كما جاء فى رواية البخارى.
( وكان يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية ) قال النووي: وفى بعض
النسخ ((الكعبة اليمانية الكعبة الشامية)) بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام، والمراد أن ذا
الخلصة كانوا يسمونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التى بمكة تسمى الكعبة
الشامية، ففرقوا بينهما للتمييز. هذا هو المراد، فيتأول اللفظ عليه، وتقديره: يقال له: الكعبة
اليمانية، ويقال للتى بمكة: الشامية.
أما من رواه ((الكعبة اليمانية. الكعبة الشامية)) بحذف الواو فمعناه كأن يقال: هذان اللفظان،
أحدهما لموضع، والآخر لموضع آخر.
قال: وأما قوله ((هل أنت مريحى من ذى الخلصة، والكعبة اليمانية والشامية)) فقال القاضى
عياض: ذكر ((الشامية)) وهم وغلط من بعض الرواة، والصواب حذفه، وقد ذكره البخارى بهذا الإسناد،
وليس فيه هذه الزيادة والوهم. هذا كلام القاضى، وليس بجيد، بل يمكن تأويل هذا اللفظ، ويكون
التقدير: هل أنت مريحى من قولهم: الكعبة اليمانية والشامية؟ ووجود هذا الموضع الذى يلزم منه هذه
التسمية؟ اهـ وقال الحافظ ابن حجر: الذى يظهرلى أن الذى فى الرواية صواب، وأنها كان يقال
لها: اليمانية باعتباركونها باليمن، والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام، وقال بعضهم:
٤٧٤
قوله: ((والكعبة الشامية)) مبتدأ، محذوف الخبر، تقديره: هى التى بمكة، وقيل: الكعبة مبتدأ،
والشامية خبره، والجملة حال، والمعنى: والكعبة هى الشامية لا غير، وحكى السهيلى عن بعض
النحويين أن كلمة ((له)) زائدة، وأن الصواب كان يقال: ((الكعبة الشامية)»، أى لهذا البيت الجديد،
و((الكعبة اليمانية)) أى للبيت العتيق - أو بالعكس، قال السهيلى: وليست فيه زيادة، وإنما اللام
بمعنى من أجل، أى كان يقال من أجله: الكعبة الشامية، والكعبة اليمانية، أى إحدى الصفتين
للعتيق، والأخرى للجديد.
( هل أنت مريحى من ذى الخلصة؟ ) وفى الرواية الرابعة ((يا جرير، ألا تريحنى من ذى
الخلصة)» بتخفيف اللام طلب يتضمن الأمر برفق، وخص جريرا بذلك لأنها كانت فى بلاد قومه،
وكان هو من أشرافهم، والمراد من الراحة راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب رسول اللّه مُ # من
بقاء ما يشرك به من دون الله تعالى، وروى الحاكم فى الإكليل، من حديث البراء بن عازب قال: ((قدم
على النبى 18 مائة رجل من بنى بجيلة وبنى قشير، وفيهم جرير بن عبد الله، فسأله عن بنى خثعم،
فأخبره أنهم أبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامة من كان معه، وندب معه ثلاثمائة من
الأنصار، وأن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قبل منهم، وهدم صنمهم ذا
الخلصة، وإلا وضع فيهم السيف.
(فنفرت إليه فى مائة وخمسين من أحمس) الضمير فى ((إليه)) يعود على ذى
الخلصة، البيت الذى فيه الأصنام، والنفر الخروج للقتال مع السرعة، وفى رواية البخارى
((فانطلقت فى خمسين ومائة فارس من أحمس - بفتح الهمزة وسكون الحاء وفتح الميم -
وكانوا أصحاب خيل)) وفى رواية ضعيفة للطبرانى أنهم كانوا سبعمائة، وفى كتاب
الصحابة لابن السكن أن قيس بن غربة الأحمسى وفد فى خمسمائة وقدم جرير فى قومه،
وقدم الحجاج بن ذى الأعين فى مائتين، وضم رسول الله :* إليهم ثلاثمائة من الأنصار
وغيرهم، فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير من قبيلة واحدة.
( فكسرناه، وقتلنا من وجدناه عنده ) الضمير المذكر للبيت، والضمير المؤنث فى قوله فى
الرواية الرابعة ((فانطلق فحرقها بالنار)» للكعبة، وعند البخارى ((فانطلق إليها فكسرها وحرقها)) أى
بناءها، ورمى النار فيما فيها من الخشب.
(فأتيته، فأخبرته) ظاهر هذه الرواية أن الذى بشر النبى 18# بنتيجة الغزوة هو جرير، ولكن
الرواية الرابعة أن الذى أخبر النبي * بذلك رسول أرسله جرير من قبيلته، فكأن نسبة الإخبار لجرير
مجازية، وفى الرواية الرابعة. قال رسول جرير للنبى و8: ((ماجئتك حتى تركناها كأنها جمل
أجرب)). كناية عن نزع زينتها، وإذهاب بهجتها، وقال الخطابى: المراد أنها صارت مثل الجمل
المطلى بالقطران من جربه، إشارة إلى أنها صارت سوداء، لما وقع فيها من التحريق، وفى رواية
((أجوف)) بدل ((أجرب)) أى صارت صورة بغير معنى، والأجوف الخالى الجوف مع كبره فى الظاهر،
وأنكره عياض، وقال: هو تصحيف وإفساد للمعنى.
٤٧٥
(فدعا لنا ولأحمس) ((أحمس)) على وزن أحمر، وهم إخوة بجيلة، بفتح الباء وكسرالجيم، رهط
جرير، وفى الرواية الرابعة ((فبرك رسول اللَّه ﴿ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات)) أى دعا لهم
بالبركة وفى رواية ((فدعا لأحمس بالبركة)). وقد قيل فى حكمة الخمس أنها مبالغة مع الاحتفاظ
بالوتر، وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون دعا للخيل والرجال أولهما معا، ثم أراد التأكيد فى
تكرير الدعاء ثلاثا، فدعا للرجال مرتين أخريين، وللخيل مرتين أخريين، ليكمل لكل من الصنفين
ثلاثا، فكان مجموع ذلك خمس مرات.
( يكنى أبا أرطاة) فى ملحق الرواية ((أبو أرطاة حصين بن ربيعة))، (أرطاة)) بفتح
الهمزة وسكون الراء، وقلبه بعضهم، فقال: ربيعة بن حصين، ومنهم من سماه أرطاة،
والصواب أبو أرطاة، ومنهم من سماه حصن، بكسر الحاء وسكون الصاد، وعند بعض الرواة
((حسين)) بدل ((حصين)) وهو تصحيف.
( إضافة) زاد البخارى فى رواية: قال «ولما قدم جرير اليمن، كان بها رجل يستقسم بالأزلام،
فقيل له: إن رسول رسول اللّه ههنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضربها - أى
بالأزلام - إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنها - أى الأزلام- ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو الأضرين
عنقك، فكسرها، وشهد، ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبى {* يبشره بذلك)».
قال الحافظ ابن حجر: هذا يشعر باتحاد قصة غزوة ذى الخلصة بقصة ذهابه إلى اليمن، وكأنه
لما فرغ من أمرذي الخلصة، وأرسل رسوله مبشرا، استمر ذاهبا إلى اليمن.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- فيه مناقب عظيمة لجرير وقومه، ونصرهم للإسلام، ومحاربتهم القوم الذين هم منهم.
٢ - وبركة يد رسول اللّه ﴿ ودعائه.
٣- وأنه كان يدعووترا، وقد يجاوز الثلاث، فيكون فيه تخصيص لحديث أنس ((كان إذا دعا دعا
ثلاثا)». فيحمل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك.
٤- وفيه مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس، من بناء وغيره، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو جمادًا.
٥- وفيه استمالة نفوس القوم، بتأمير من هو منهم.
٦- والاستمالة بالدعاء والثناء.
٧- والبشارة فى الفتوح.
٤٧٦
٨- وفضل ركوب الخيل فى الحرب.
٩- وقبول خبر الواحد .
١٠- والمبالغة فى نكاية العدو.
١١ - وفيه استحباب التلطف والتبسم فى وجه القادم.
١٢- استدل بعضهم بقوله: ((ما حجبنى». على جواز الدخول بدون إذن للخاصة، ولا يصح، فعدم الذكر
ليس دليل العدم.
والله أعلم
٤٧٧
(٦٥٨) باب من فضائل عبد الله بن عباس، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٥٤١ ٨ ١٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَمَا (١٣٨) أَنَّ النَّبِيَّ :﴿ أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ
وَضُوءًا. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» فِي رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ قَالُوا، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ -
قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: «اللَّهُمَّا فَقَّهْهُ)».
المعنى العام
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم النبى {$، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ولد فى
الشعب الذى حوصر فيه بنو هاشم. أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، كان أبيض طويلا
جسيما وسيما صبيح الوجه، حج بالناس سنة قتل عثمان، بأمر من عثمان، ولاه على البصرة، وحارب
مع على الجمل وصفين والنهروان، وظل واليا على البصرة حتى قتل على، فمضى إلى الحجاز، وكان
يغشى الناس فى رمضان، وهو أمير البصرة، فما ينقضى الشهر حتى يفقههم.
وفى سبب نفى ابن الزبير له إلى الطائف روى أن عبد الله بن صفوان بن أمية، مريوما بدار عبد
اللَّه بن عباس بمكة، فرأى فيها جماعة من طالبى الفقه، ومر بدار عبيد الله بن عباس، فرأى فيها
جماعة جاءوها للطعام، فدخل على ابن الزبير، فقال له: أصبحت - والله - كما قال الشاعر:
لم تبك منك على دنيا ولا دين
.:
فإن تصبك من الأيام قارعة
قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذان ابنا عباس، أحدهما يفقه الناس، والآخر يطعم الناس، فما
أبقيالك مكرمة، فدعا عبد الله بن مطيع، وقال: انطلق إلى ابنى عباس، فقل لهما: يقول لكما أمير
المؤمنين: اخرجا عنى - أى اخرجا من مكة إلى بلد آخر - أنتما ومن انضوى إليكما من أهل العراق،
وإلا فعلت وفعلت. فقال عبد اللّه بن عباس لابن الزبير: واللَّه ما يأتينا من الناس إلا رجلان، رجل
يطلب فقها، ورجل يطلب فضلا، فأى هذين نمنع؟ فنفاهما ابن الزبير إلى الطائف.
وعمى ابن عباس فى آخر عمره، ومات بالطائف فى أيام ابن الزبير، سنة خمس وستين على
المشهور، وصلى عليه ابن الحنفية، وقال: مات واللَّه اليوم حبر هذه الأمة.
رضى الله عنه وأرضاه
(١٣٨) حَدَّثََّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ قَالا حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ
عُبَيْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ أَبْنِ عَّاسٍ
٤٧٨
المباحث العربية
( أتى الخلاء ) أى موضع البول والغائط.
( فوضعت له وضوءًا) بفتح الواو، هو الماء الذى يتوضأ به، وقد فهم ابن عباس أن النبى وال* لم
يكن معه ماء، وأنه يحتاج إليه، فوضعه له بجواره، دون أن يشعر به صلى الله عليه وسلم.
( من وضع هذا ؟ ) استفهام حقيقى.
( قالوا - قلت - ابن عباس ) الظاهر أن القائل ابن عباس، وأسند إليهم فى الرواية الأخرى
لتقريرهم له، وقولهم ذلك فى أنفسهم، وعند أحمد وابن حبان أن ميمونة - رضى الله عنها - هى التى
أخبرته بذلك، وأن ذلك كان فى بيتها ليلا، ولعل ذلك كان فى الليلة التى بات ابن عباس فى بيتها،
ليرى صلاة النبى ®، والتى وقف فيها خلف النبى# فى صلاة الليل، فقال له النبي رَ﴾: ((ما بالك؟
أجعلك حذائى - أى بجوارى - فتخلفنى - أى فتقف خلفى؟)) فقال: لا ينبغى لأحد أن يصلى
حذاءك، وأنت رسول اللَّه، فدعا له أن يزيده اللَّه فهما وعلما.
(اللهم فقهه) وعند البخاري ((ضمنى رسول اللّه لم﴾، وقال: اللهم علمه الكتاب))، وعند النسائى
والترمذى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: ((دعا لى رسول اللّه ◌َ ل أن أوتى الحكمة مرتين))،
وفى رواية ((اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل))، وفى رواية ((اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب)).
والفقه هو الفهم، قال تعالى ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] يقال: فقه بفتح الفاء وضم
القاف، إذا صار الفقه له سجية، وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم. وقال ابن
عباس فى تفسير قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] قال: كونوا حكماء فقهاء.
ويقال: الربانى الذى يربى الناس بصغار العلم قبل كباره، ويقال: لايقال للعالم: ربانى حتى يكون
عالماً معلما عاملا.
فالفقه هو الفهم، والفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل. واختلف
فى المراد بالحكمة فى دعوة ابن عباس، فقيل: القرآن، وهو المراد بالكتاب الوارد فى بعض الروايات،
أى فهم المراد من آياته، وقيل: العمل بالقرآن، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة فى القول، وقيل: الخشية،
وقيل: الفهم عند الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام
والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- فضيلة الفقه، والعلم بالأحكام الشرعية.
٢- واستحباب الدعاء بظهر الغيب.
٣- واستحباب الدعاء لمن عمل خيرا مع الإنسان.
٤- وإجابة دعاء النبى ®®، فقد كان ابن عباس فى الفقه بالمحل الأعلى.
واللَّه أعلم
٤٧٩
(٦٥٩) باب من فضائل عبد الله بن عمر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
٥٥٤٢- ١٣٩ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣٩) قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةً
إِسْتَبْرَقٍ. وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا طَارَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ. فَقَصَّتْهُ
خَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿َ. فَقَالَ النَّبِيُّمَ: «أَرَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا».
٥٥٤٣ - ◌ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٤٠) قَالَ: كَانُ الرَّجُلُ فِي حَيّاةِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿َ، إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. فَتَمَنِّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ◌َِ.
قَالَ: وَكُنْتُ غُلَامًا شَأَبًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ. فَرَأَيْتُ فِي
النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ. فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ
كَقَرْنَيِ الْبِثْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ. فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ
النّارِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكْ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَغْ. فَقَصَصُهَا عَلَى حَفْصَةَ.
فَقَصَّنْهَا حَفْصَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿َ. فَقَالَ النَّبِيَُّّ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ! لَوْ كَانَ يُصَلِّي
مِنَّ اللَّيْلِ» قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ، لا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلا قَلِيلا.
٥٥٤٤- وَفِي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَمْ يَكُنْ
لِي أَهْلٌ. فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّمَا انْطُلِقَ بِي إِلَى بِثْرٍ. فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِمَعْنَى حَدِيثِ
الزُّهْرِيِّ، عَن سَالِمٍ، عَن أَبِيهِ.
المعنى العام
عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نوفل القرشى العدوى، يكنى أبا عبد الرحمن، أمه زينب بنت
مظعون بن حبيب الجمحى، وشقيقته حفصة أم المؤمنين، ولد سنة ثلاث من المبعث النبوى، وأسلم
صغيرا، وهاجر مع أبيه، عرض على النبى * يوم بدر، فاستصغره، وكانت سنه ثلاث عشرة، ثم بأحد،
فاستصغره، ثم أجازه يوم الخندق، وسنه خمس عشرة سنة، وحضر بيعة الرضوان، وفتح مكة، وكان لا
(١٣٩) حَدَثَّا أَيُوِ الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو ◌َكَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ
زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنَ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٤٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَّاهِيمَ وَّعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ قَالا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن
سَالِمٍ عَنِ ابَّنِ عُمَرَ
- خَدَثَاَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ الْفَزَارِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ عَن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
٤٨٠